Loading

في شروط التّواصل الإنساني: الكندي والفارابي وابن سينا

Fī shurū al-tawāsul al-insānī:
al-­Kīndi, wa al-Fārābī, wa Ibn Sīnā

On the Conditions of Human Communication:
al-­Kīndi, al-Fārābī, and Ibn Sīnā

في شروط التّواصل الإنساني: الكندي والفارابي وابن سينا*

سعاد جويني
جامعة تونس، تونس

 

Abstract: The purpose of this paper is to explain how to raise the question of human communications according to al­-Kindī (d. 873), al­-Fārābī (d. 950), and Ibn Sīnā (d. 1037). Moreover, to have a deep look at the ways they handle problems related to human beings. This represents the fundamental and inherent aspect of philosophy. It is known that the attention of scholars is oriented to the practical part of these philosophers’ writings. They focused on the virtuous city in al­-Fārābī and the prophecy in Ibn Sīnā and some of the aspect of ethics in al­-Kindī’s writings. What remains accordingly is addressing human connections within a broader study related to the underlying political regimen. Therefore, I am interested here directly in the issue of communication. In addition, I consider it as a distinct field of study that needs specific attention from both sides: conception and features. This may be useful in understanding the philosophical texts from different angles. I outline the questions that concern me and seek to answer them through the return to some texts of al­-Kindī, al­-Fārābī, and Ibn Sīnā:
Why do people need conditions for meeting and cooperation? What is the nature of the conditions, from which it is possible to understand the philosophical perception of the communicative act within the medieval Arab period? Do all conditions rise to the level of assets binding in the establishment of human relations? Does the absence of which impedes the achievement of human perfection? Are these conditions necessary to achieve the best human perfection?
Keywords: The other, universal communication, collaboration, human community, disagreement.

ملخص: غرضنا في هذا العمل هو بيان كيفيّة طرح مسألة التّواصل الإنساني عند كلّ من الكندي (ت. 256هـ/873) والفارابي (ت. 339هـ/950م) وابن سينا (ت. 428هـ/1037م)، والنّظر في سبل تدبّرهم لمشكل متّصل بالإنسان الذي مثّل على الدوامّ المبحث الجوهري والأصيل في الفلسفة. والمعلوم أنّ اهتمام الدّارسين وُجِّه إلى القسم العملي لهؤلاء الفلاسفة، وتمحور بالخصوص حول: مشروع المدينة الفاضلة عند الفارابي ومبحث النبوّة عند ابن سينا وبعض وجوه الأخلاق في فلسفة الكندي من قبل. بقي وفق ذلك أمر معالجة الرّوابط البشريّة مستبطن ضمن دراسة أشمل حول السّياسة والتّدبير المدني، لذلك ننشغل هنا بالمسألة التواصليّة مباشرة وننظر فيها باعتبارها مبحثا قائما بذاته يحتاج من ثمّة إلى عناية مفردة من جهتي المفهوم والمقوّمات، وهو ما قد يُفيد في فهم النّصوص الفلسفيّة الوسيطة ويحيل على ممكنات قراءتها وفق زوايا مختلفة، وبالجملة نهدف انطلاقا من منهج استقرائي استشراف أبعاد راهنة في أطروحات الوسيطيين.
ونوجِز الأسئلة التي تعنينا ونسعى في الإجابة عنها من خلال العودة إلى بعض تصوّرات الكندي والفارابي وابن سينا حول باب التّواصل الإنساني في التّالي: لماذا يحتاج النّاس إلى شروط تسيّر هيئات الاجتماع بينهم؟ وما طبيعة السّياق المحدّد لهذه اللّوازم والذي منه يتسنّى فهم التصوّر الفلسفي للفعل التّواصلي ضمن الحقبة العربيّة الوسيطة؟ وهل ترتقي مجمل الشّروط إلى مستوى الأصول الملزمة في تأسيس العلاقات البشريّة فيكون غيابها عائقا أمام بلوغ مراتب الكمال الإنساني؟
الكلمات المفاتيح: الآخر، التّواصل الكوني، التّعاون، الاجتماع الإنساني، الاختلاف.

مقدّمة

 

بات تعثّر التّواصل اليوم واقعا غير قابل للتّجاهل، تُرجم في حالة التشظّي الحاصلة داخل الذّوات الفرديّة والجمعيّة وفي تزايد وضع النّفور والتوتّر القائم بينها. اعتُبِر لذلك الانشغال بالمسألة التواصليّة وُكد يفرضه السّعي إلى تجاوز هذه الأزمة والبحث أساسا في شروط تأصيل مشروع إنساني حقيقي يضمن اللّقاء الفعليّ بين البشر، فالإنسان ليس معنيّا بالبقاء فحسب، بل نجده منشغلا أيضا بحسن البقاء الذي يُعدّ التّواصل أحد شروط حصوله.

كيف نضمن أفضل وجود للبشر يؤكّد التميّز النّوعي عندهم؟ وهل بالإمكان تحويل اجتماعنا من جمع مصالح إلى لقاء قيم يرتقي فيه الإنسان بإنسانيته؟ وما الذي يُحدّد وفق ذلك خصوصيات العيش المشترك بين الأنا والآخر إذا أخذنا في الاعتبار التّقسيم الملّي بين ”النّحن“ أهل ملّتنا وأهل باقي الملل؟

نسعى في معالجة هذه الإشكاليات وغيرها اعتمادا على ما بلغه فلاسفة الفترة العربيّة الوسيطة، ونعمل تحديدا على توضيح بعض تصوّرات الفارابي مؤكدين عليها عبر الاستعانة بما ورد عند الكندي وابن سينا في باب التّواصل بين الأمم، وحول مسألة الغيريّة على وجه الخصوص. وبالجملة نطلب من خلال هذا العمل الكشف عن التّأسيس الفلسفي للعيش المشترك بين البشر وفق أصول سنّها الأسلاف، ومحكومة أساسا بالجمع بين البعدين الفلسفي والشّرعي. ونأمل من خلال تبيّن بعض مقتضياتها الوقوف عند سبل تأصيل علاقة مثمرة مع الآخر مثلما تصوّرها بعض الفلاسفة.

ونسعى هنا إلى تجاوز إلف ربط المسألة التواصليّة بالفكر الحديث تلاؤما مع تواتر استعمال مفهوم التّواصل عند أقطاب هذه الحقبة.[1] ونرى بالمقابل أنّ لها حضورا عند فلاسفة الفترة العربيّة الوسيطة باعتبار الإنسان معنيّا بوصل غيره على الدوامّ اليوم كما في الماضي.[2]

لذلك نعتبر أنّ تصوّرات الفارابي بخصوص موضوع التّواصل لازالت تحتاج إلى عناية، وهو ما سنشتغل عليه في هذا المقال من خلال البدء بدراسة حيثيّات وشروط النّقلة باللّفظ من الاجتماع والتّعاون إلى التّواصل.

ارتأينا وفق ذلك توزيع العمل على ثلاثة أقسام نطرح فيها بالتّدريج مسألة اللّقاء بين البشر ضمن أبسط مظاهر الاجتماع وفي أشدّها تعقيدا. سنأتي من ثمّة في القسم الأوّل على الحاجة إلى العيش المشترك، ونعالج في القسم الثّاني أسس الاجتماع الإنساني بين بني الأمّة، وسننظر أخيرا ضمن القسم الثّالث، وهو الأهمّ في تقديرنا، في مجمل الشّروط الضّامنة للتّواصل في مستواه الكوني.

1- حاجة البشر إلى الاجتماع

يؤخذ الاجتماع في ظاهره على أنّه تعبير عن طبيعة البشر الميّالين فطريّا إلى العيش المشترك، ويمثّل في باطنه شرطا من شروط تحقّق الوجود الإنساني. فالإنسان غير مكتف بنفسه، دائم الحاجة إلى غيره، ولا يبلغ الكمالات التي تميّزه نوعيّا إلاّ عن طريق المشاركة، وتبقى كلّ ذات فرديّة بعيدة عن هذا الكمال إذا لم تنخرط في مدار غيرها.[3] يجتمع النّاس أساسا حول أمور حياتيّة ويقترب بعضهم من بعض لأغراض المعاش، وكلّما فعلوا ضمنوا بقاءهم في أحسن حال، بل إنّ أكثر الصّنائع تكون معدومة في غياب الوجود الجماعي للبشر.

وبالجملة تعدّ هذه المسائل من الأمور المعلومة التي لا حاجة إلى تفصيل القول فيها؛ لكن التحوّل بالاجتماع إلى شرط في تحقّق الكمال الإنساني هو ما يُوجب المعالجة. فالحاجة إلى الآخر تتجاوز رغبة البقاء لتكون قِوام بلوغ الكمال الإنساني،[4] ممّا يُفيد عجز الذات الفرديّة عن تحقيق كينونتها عبر التّغاضي عمّا يُغايرها من الذّوات.

يرتقي فعل المشاركة هنا إلى مستوى الضّرورة النّوعيّة التي تزيد، بل وتتفوّق على معطى البقاء؛ وهو ما أتى عليه الفارابي ببيان أنّ الاجتماع طريق الإنسانيّة إلى الأفضل. يقول في ذلك: ”والإنسان من الأنواع التي لا يمكن أن يتمّ لها الضّروري من أمورها ولا تنال الأفضل من أحوالها إلاّ باجتماع جماعات منها كثيرة في مسكن واحد.“[5]

تؤخذ الأفضليّة عند المعلّم الثّاني من جهتين، تتّصل الأولى بهيئة الاجتماع والثّانية بمضمونه. يُراد بذلك عدم إدراج التجمّعات البسيطة في هذه المقارنة، حيث لا يكون النّاس على خلاف شديد بالنّظر إلى نمط عيشهم البسيط وعلاقاتهم غير المعقّدة؛ وهذه مثلا حال التجمّعات القبليّة وما دونها، والتي تكون الأعراف فيها هي المواثيق المسيّرة للعلاقات.

وعليه فالاجتماع الأنقص من المدينة لا يُبلغ به الكمال المطلوب، وليست الكثرة العدديّة هي العلّة الأساسيّة لهذه المفاضلة، بل التّعقيد الذي عليه المعاش هو ما يفرض حاجة البشر إلى بعضهم البعض، ويدفعهم إلى التّعاون والاشتراك في طلب الخيرات داخل المدينة، الذي لا يتوفّر في ما دونها. ولا يجب أن يُؤخذ لفظ الحاجة هنا في أبسط دلالاته المتّصلة بتلبية الضّرورات الحياتيّة، على اعتبار ذلك قد يقع في أبسط التجمّعات البشريّة، ولا يُشترط فيه التجمّع المدني؛ بل يُشار بالحاجة إلى مجمل الأمور التي يحصل بها التميّز النّوعي للبشر. فالإنسان لا يُختزل في البقاء لأنّه معنيّ أساسا بمسألة الوجود، وما فتئ يبحث عن كيفيات تحصيل هذه الوجوديّة في أفعال تتجاوز الاكتفاء بالصّنائع الماديّة إلى تقدير العيش وفق معطيات خلقيّة.

تحتلّ الفضائل بذلك منزلة مخصوصة في تحديد الاجتماع المدني عند الفارابي، وهو ما ورد في قوله: ”المدينة التي يقصد الاجتماع فيها التّعاون على الأشياء التي تنال بها السّعادة في الحقيقة هي المدينة الفاضلة. والاجتماع الذي به يتعاون على نيل السّعادة هو الاجتماع الفاضل.“[6]

يُطلب الاجتماع وفق ذلك لسببين مختلفين، يُفيد الأوّل الإستجابة إلى طبيعة بشريّة رافضة لكلّ فردانيّة، ممّا يدخل في باب الضّرورة. ويُراد بالثّاني السّعادة باعتبارها أقصى الكمالات التي يسعى الإنسان في طلبها بنفسه وبمعيّة غيره. ونعتقد أنّ ما يستدعي التوقّف عنده في هذا المستوى ليس اعتبار السّعادة مطلبا مشتركا بين الأنا والآخر فحسب، بل وأيضا اعتبار تحصيلها يتمّ عن تعاون متبادل بين مختلف الذّوات داخل المدينة.

يؤصّل ذلك لحسن التّعايش المشترك، إذ تكون سعادة الآخر مطلبا للأنا، والإنهمام ببلوغ الكمال سعي جماعيّ. غير أنّ التّعاون الحاصل عن الاجتماع لا يؤدّي حتما إلى السّعادة الحقيقيّة إلاّ إذا كان ذا مضمون مخصوص وحول أمور معلومة قدّرها الفارابي في الفضائل بصنفيها الخلقيّ والنطقيّ. يُحدّ كلّ صنف في قوله: ”النطقيّة هي فضائل الجزء النّاطق مثل الحكمة والعقل والكيس والذّكاء وجودة الفهم. والخلقيّة هي فضائل الجزء النّزوعي مثل العفّة والشّجاعة والسّخاء والعدالة.“[7]

تتأتّى أهميّة هذا التّصنيف من كونه يأتي على بعدي النّفس النّاطقة والنزوعيّة في الإنسان،[8] ولأسبقيّة الأولى في التّرتيب دلالته، فهي التي تجعل التّالية يكون فعلها فاضلا. لذلك اعتبر الصّنف النّاطق داعما لغيره، كما أنّ الأخذ بصنف دون الآخر لا ينتهي إلى الغرض المطلوب، بل نكون أمام سعادة بتراء وكمال منقوص. يجب الجمع، إذن، بين الفضائل النظريّة والعمليّة لنيل السّعادة على جهة التّحقيق.[9]

وبهذا، تُعدّ الفضائل معيار التّمييز بين المحمود والمذموم من الاجتماع، أي بين المؤتلفين على الخيرات والمجتمعين على الشّرور داخل المدينة. ولكن كيف يتسنّى شدّ النّاس إلى صنف الجمع الأوّل ودرئهم عن الثّاني؟ وكيف نضمن ديمومة ائتلاف أهل المدينة الواحدة حول الفضائل وهم على طبائع مختلفة بل وأحيانا متضادّة؟

يُرجع الفارابي سبب حصول هذا الائتلاف ودوامه إلى توفّر معطيين أساسين، أوّلهما أصل للثّاني، والمراد تحديدا المحبّة والعدل. وهكذا تحيل المحبّة على حضور رابط روحي قويّ بين الذوات ينشأ عن طبع، كالذي يحصل ضمن جمع العائلة، كما يحصل أيضا عن اكتساب وهو المقصود بالنّظر.

والأصل في الاكتساب هو الاختيار الإرادي للأفعال التي نأتيها، وعليه تُعبّر المحبّة عن تخيّر أهل المدينة مشاركة بعضهم بعضا، والتّعاون فيما بينهم على مجمل الأمور التي اتّفقوا على التّعايش وفقها. تكون المحبّة، بذلك، نتاجا لاشتراك واتّفاق وقع مسبقا، أي أنّها ليست مجرّد معطى انفعالي ما قبلي، وإنّما هي حاصل ائتلاف عقلاني أبرِم بين أهل المدينة. ذلك ما يمنح المحبّة طابعا واقعيّا، تكون بمقتضاه شوقا إلى التّعامل مع الآخر لتحصيل منافع مشتركة.

تتنامَى حينئذ المحبّة أو تتناقص تِبعا لطبيعة المنافع النّابعة عنها؛ وينشأ عن لذّة الاجتماع بين النّاس ضرب من المحبّة، يكون أشدّ حين يرتبط بمنافع تلبية ضرورات المعاش، ثمّ تحصل أفضل أنواعها عن منافع الاشتراك في الفضائل بوجهيها النّظري والعملي.

يمثّل من جهة أخرى العدل فضيلة عمليّة، ويقوم على الاتّفاق حول مبدأ توزيع الخيرات المشتركة.[10] ولسنا معنيين في هذا الموضع بدراسة الفضائل عند الفارابي، ولكن أتينا على هذه المسائل مجملة قصد بيان مضامين المشاركة وقيمة الاتّفاق في بناء المدينة وهو ما تمّ نتيجة توفّر معطى المحبّة. يقول المعلّم الثّاني في منزلة المحبّة من المدينة: ”والمحبّة في هذه المدينة تكون أوّلا لأجل الإشتراك في الفضيلة ويلتئم ذلك بالإشتراك في الآراء والأفعال…فإذا اتّفقت آراء أهل المدينة في هذه الأشياء [حدّدها الفارابي أساسا في المعرفة بالله وبالعالم وبمنزلة الإنسان] ثمّ كمل ذلك بالأفعال [ومنها العدل] التي ينال بها السّعادة بعضهم مع بعض، تبع ذلك محبّة بعضهم لبعض ضرورة. ولأنّهم متجاورون في مسكن واحد وبعضهم محتاج إلى بعض وبعضهم نافع لبعض، تبع ذلك أيضا المحبّة التي تكون لأجل المنفعة. ثمّ من أجل اشتراكهم في الفضائل ولأن بعضهم نافع لبعض يلتذّ بعضهم ببعض، فيتبع ذلك أيضا المحبّة التي لأجل المنفعة. فبهذا يأتلفون ويرتبطون.“[11]

ننتهي في هذا المستوى إلى تمييز الفارابي بين صنفي المشاركة الطبيعيّة والإراديّة. يبقى الأوّل غير كاف لبلوغ الكمال الإنساني، وهو ما يُوجب اختيار الاشتراك في غير الضّروري، أي التّعاون والتّحابب حول الفضائل. وبهذا، فحسب، يكون التّعايش الإنساني الحقيقي داخل المدن. ونجد في ذلك تنصيصا على أهميّة البعد القيمي في لقاء البشر؛ فلا يكفي التّواجد معا، بل يجب الائتلاف حول الأفعال الخيّرة لتحقيق الكمال الإنساني المنشود. وهذه أرقى ضروب الاجتماع المدني التي شرّع لها الفارابي واعتبرها الأكثر تعبيرا عن المنزلة الحقيقيّة للإنسان.

غير أنّ واقع الاجتماع البشري يعكس اشتراكا في غير هذه الأمور المذكورة؛ وإذا كان التّعاون شأنا حاصلا بالفعل عند أهل كلّ المدن، فإنّ محتواه هو ما يمثّل موضع اختلاف بينهم. نجد أناس هذه المدائن أكثر تعاونا في مستوى حاجياتهم الضّروريّة، كما قد يساعد بعضهم بعضا طلبا للثّراء أو الغلبة؛ وهذه كلّها أغراض تُحيل على النّقص وبعيدة عن الكمال، لذلك صنّفها الفارابي ضمن المدن الجاهلة. فأهلها جاهلون لمضمون التّعاون الحقيقيّ، بعيدون عن الفضائل، ضالّون عن الكمالات؛ وكأنّ تعاونهم هنا نقيصة واشتراكهم إهدار ومضيعة لطاقاتهم الإنسانيّة، نظرا لاكتفائهم بالبعد الإقتصادي أو غيره من المنافع الماديّة.

وحدها المدينة الفاضلة، إذن، هي التي يشترك أهلها في طلب الفضائل تامّة نظريّة وعمليّة، وهي لذلك الأحقّ بالكمالات، لأنّ الائتلاف موجّه بالإرادة نحو هذه الأغراض. يقول الفارابي في طبيعة الاشتراك عند أهل هذه المدينة: ”وأهل المدينة الفاضلة لهم أشياء مشتركة يعلمونها ويفعلونها وأشياء أخرى من علم وعمل يخصّ كلّ رتبة وكل واحد منهم. إنّما يصير كل واحد في حدّ السّعادة بهذين، أعني بالمشترك الذي له ولغيره معا.“[12]

يشمل التّواصل الحقيقي المدن الفاضلة وتبقى ما دونها مجرّد اجتماعات زائفة باعتبار تقوّمها بعناصر من جنسها تابعة لطبيعة المدن الضروريّة والجاهلة، التي ينعدم فيها الطّابع الإنساني للاجتماع نظرا لغياب الأصول الخلقيّة.

2- في سبل التّعايش المشترك بين أبناء الأمّة

تُقال الأمّة على التجمّعات البشريّة الكبرى التي تنتشر في مدن كثيرة. يفرض هذا الوضع الجديد والمعقّد للتجمّع استحداث شروط تعايش مختلفة تتلاءم مع طبيعة الامتداد من جهة وشدّة الاختلاف من جهة ثانية، لا بدّ من وجود وصل يتجاوز تخوم المدينة الواحدة ويستوعب التّباين في طبائع النّاس داخل الأمّة. في هذا المستوى، مثّل مفهوم الملّة عند الفارابي موضع ائتلاف سكّان الأمّة وأداة تعاون بينهم ووازعا نحو محبّة بعضهم بعضا. بحيث يجتمع أهل الملّة الواحدة المنتسبين إلى الأمّة حول أصول مشتركة ويتعاونون على بلوغ مقاصد موحّدة.[13]

يختزل المعلّم الثّاني أصول الملّة في جملة من الآراء والأفعال، وتتأتّى أهمّيتها من كونها المحدّد لطبيعة الأمّة الفاضلة مقابل ما يغايرها من الأمم. تتمحور الآراء النظريّة حول موضوعات اللّه والعالم والبعث، وتتّصل الأفعال أيضا بالفضائل التي يأتيها أشرف البشر من أنبياء وملوك وأئمّة. وبالجملة تقاس الأمم الفاضلة بمدى تمسّكها بالشّرائع.[14]

ونشير في هذا المستوى إلى أهميّة ما ذهب إليه مقداد منسيّة بخصوص ائتلاف المصادر الفلسفيّة التاريخيّة والعلميّة الشرعيّة في تحديد البعد العملي لفكر الفارابي،[15] وإن كنّا غير معنيين مباشرة بالبحث في هذه الأمور، فإنّ ذكرها يندرج في حدود بيان طبيعة الاتّفاق بين أهل الأمّة الواحدة المصنّفة فاضلة. وهو ما يكشف عن مدى حضور المعطى الشّرعي في توجيه آراء وأفعال الأمّة نحو الأصلح، باعتبار الملّة هي أصل اللّقاء بين أهلها على اختلاف مراتبهم.

يؤخذ الأصلح، في هذا السياق، بمعنى الأعمّ نفعا، ولا يختلف حول طلب السّعادة أهل المدينة الواحدة أو جمع الأمم. فكما يشترك أعضاء المدينة لبلوغ سعادة مرتقبة يأتلف أهل الأمّة لتحصيل نفس الغرض. يلخّص الفارابي هذه المقاصد في قوله:

”وتبيّن مع ذلك أنّ هذه كلّها لا تمكن إلاّ أن تكون في المدن ملّة مشتركة تجتمع بها آرائؤهم واعتقاداتهم وأفعالهم وتأتلف بها أقسامهم وترتبط وتنتظم وعند ذلك تتعاضد أفعالهم وتتعاون حتّى يبلغوا الغرض الملتمَس وهو السّعادة القصوى.“[16]

ينصّ المعلّم الثّاني على اعتبار الملّة أساس اجتماع أهل الأمّة الواحدة، لأنّها تُحيل عامّة على مجمل الآراء التي تسيِّر أفعالهم وتُحدّد سبُل وشروط تعاونهم. بقي أنّ أساس هذه الآراء يختلف بين الأمم بحسب اختلاف الشّيم والطّبائع والألسن من جهة،[17] ووفق التّباين حول طبيعة الآراء التي تختارها كلّ أمّة من جهة أخرى.

لا تجتمع كلّ الأمم على ذات المقوّمات، وهو ما يُفهم من التّقاطع الذي أقرّه الفارابي في علاقة الملّة بالفلسفة.[18] تتبع بذلك ملّة الأمّة الفاضلة الفلسفة الحقة، أمّا التي تسير وفق المموّهة أو المغالطيّة فتكون آراؤها المشتركة من هذا الجنس.

نعود إلى الأمّة الواحدة، حيث يحصل الإجماع الحَسن بين أعضائها نتيجة تعميم الآراء والأفعال المليّة الفاضلة على كل مكوّناتها. فلا ينفرد بمعرفتها الخواصّ من الفلاسفة وأصحاب الجدل، وإنّما تشمل أيضا العوامّ الذين يفتقرون للشدّة المطلوبة في القوى النّاطقة مقابل نماء المتخيّلة عندهم.[19] يجب لذلك أن يتلقّى هؤلاء مضامين الآراء النظريّة في هيئة يفهمونها حتّى يقبلون على الأفعال التّابعة لها دون معاندة، وهو ما يحيل على وجود وظيفة تعليميّة في تعميم المضمون الشّرعي للملّة قِوامها التّمثيل والتّخييل.[20]

وبالجملة يُراد بالآراء التّابعة للملّة تعليم الجمهور—وهم غالبيّة مكوّنات الأمّة— كيفيات التّعايش المشترك، وتنبيههم إلى غايات الوجود وإرشادهم إلى سبل التّعاون؛ وهي مسائل معلومة عند الخاصّة، لكن أذهان الجمهور قاصرة عن إدراكها ويحتاجون إلى من يعينهم على التماسها. يعود هذا القصور في إدراك العوامّ عند كل من المعلّم الثّاني والشّيخ الرّئيس إلى صنف القوى الحيويّة بمعنى الفاعلة، فأكثر القوى حركة هي المتخيّلة التي تقبل وتحفظ الصّور المتأتيّة عن الخيال وتعيد تركيبها واستحداث أخرى لم تكن.[21] تُجيد لذلك هذه الفئة الانتفاع بما يبلغها مصوّرا في هيئات جميلة وتُقبل عليه وتستحسنه، ويتأتّى من ثمّة تمرير الآراء النظريّة إليها وإقناعها بإتيان أفعال تنتهي بها إلى حال السّعادة الحقيقيّة.

يسهل حينئذ فعل الإقناع بحقائق الله والبعث باعتبارها في الأصل آراء نظريّة، كما يتيسّر أيضا شدّ الجمهور إلى التّعاون الدّائم على بلوغ الخير المشترك بما هو السّعادة. يقول الفارابي في هذا الباب:” الملّة يُلتمس بها تعليم الجمهور الأشياء النظريّة والعمليّة التي استُنبطت في الفلسفة بالوجوه التي يتأتى لهم فهم ذلك، بإقناع أو تخييل أو بهما جميعا.“[22]

تُمثّل الآراء الشّرعيّة إحدى وجوه تحديد كيفيات التّعايش المشترك بين أفراد نفس الأمّة، فما يظهر في الشّرع يسهل تمثّله عندهم لأنّهم يتلقّونه في شكل محاكاة وتمثيل. ويتمّ الاعتماد أساسا على بُنى رمزيّة تقرّب المعنى إلى الأذهان وتمكّن منه الأفهام، بما يتناسب مع طبيعة قوى المجموعة التي لا تقوى على استيعاب الأمور مبرهنة بل تكتفِ بتخيّلها.[23]

يحظى كلّ صنف داخل الأمّة، إذن، بمنهج يمكّنه من تلقّي ما يناسبه من الآراء. يملك الفلاسفة نهج البرهان الذي منه ينتهون إلى التّحقيق، بينما يكتفي الجمهور بطريق التخيّل الذي يبلغون بواسطته التّصديق بالأمور النظريّة المستعصية عن الأذهان؛ وهو ما يفيد اشتراك الكلّ في نفس الملّة على اعتبار وحدة المضمون وتعاون الجميع على بلوغ ذات المقاصد رغم اختلاف السّبل.

انتهينا إلى هذا الحدّ عند جواز تحقّق التّواصل بين أهل المدينة بناء على معطى الائتلاف وداخل الأمّة اعتمادا على المشترك في الملّة، لكن إذا كانت ضرورة النّوع هي ما يفسّر الاجتماع في المدينة وعناصر القرابة المليّة هي ما ييسِّر التّوافق ويمكّن من التّعايش الجمعي بين أهل الأمّة الواحدة، فإنّ التّشريع للأمر على مستوى المعمورة يطرح إشكالا حقيقيّا. إذا كان التّواصل الكوني يفيد بالخصوص ائتلاف أمم كثيرة داخل المعمورة، فما الذي يشرّع القول بوجود إنسانيّة مشتركة؟ وكيف يتمّ التّأصيل لذلك رغم واقع التّباين الشديد بين الأمم؟

3- مقتضيات اللّقاء بين أمم المعمورة

يكتمل التّواصل بين البشر عند انفتاح كلّ أمم المعمورة بعضها على بعض، ويبلغ الوجود الإنساني منتهاه حين يتمّ تجاوز العلل المانعة لهذا اللّقاء. ويجب أن لا يمثّل، وفق ذلك، التّباعد الجغرافي بين الدّول علّة مانعة لاندماج البشريّة في موطن موحّد، كما لا يُعدّ التّباين في الطّبائع من المعوقات التي تحول دون حصول الاجتماع الكلّي للإنسانية، خاصّة مع تبيُن تجاوزه في مستوى الأمّة. وهو ما يستوجب البحث في شروط تؤمّن حصول التّواصل في هيئته الموسّعة، والتي ارتأينا اختزالها أساسا في البعدين القيمي والمعرفي.

  • في الائتلاف بين الأمور النظريّة والعمليّة:

يبقى تحقّق مشروع التّواصل الأممي مشروطا بمقوّمات نظريّة تتأصّل في الفلسفة، وبذلك نفهم علّة تقدّمها بالزّمان على الملّة، وتنصيص المعلّم الثّاني على هذا التّرتيب له دلالته المخصوصة مع كلّ شكل للتجمّع البشري.[24] ومثلما أشرنا سلفا، تعود علّة هذا التّقديم إلى أنّ تلقّي الأشياء النظريّة يتمّ برهانيّا عن القوّة النّاطقة، لذلك تحصل عند الخواصّ دون غيرهم وبها يُحصّلون الأمور العمليّة وينالون السّعادة. يُختزل الأصل الأوّل، إذن، للاشتراك الذي اتّخذ طابعا شموليّا هنا في وحدة المقصد، فهو من الأمور المعتبرة عند كلّ البشر، يقول الفارابي: ”وإذا كان المقصود بوجود الإنسان أن يبلغ السّعادة القصوى فإنّه يحتاج في بلوغها إلى أن يعلم السّعادة ويجعلها غايته ونصب عينيه. ثمّ يحتاج بعد ذلك إلى أن يعلم الأشياء التي ينبغي أن يعملها حتى ينال بها السّعادة، ثمّ أن يعمل تلك الأعمال.“ [25]

تمكّن الفلسفة من العلم بالمبادئ القصوى للموجودات وعلم المبدأ والسّبب الأوّل للموجودات والغاية القصوى للوجود الإنساني بما هي السّعادة التي تُطلب بالعلم والعمل. وتُدرك كلّ هذه الأمور النظريّة على جهة التّحقيق في الفلسفة، لذلك وجب اعتبارها معقولات وصحّ لذلك اعتمادها في صورة كونيّة تشمل كلّ الأمم، لأنّ الأصل فيها هو الاتّفاق حول المعقولات المحصّلة دون اعتبار الاختلاف الحاصل في الألسن أو ماشابه: ”وينبغي أن تؤخذ المعاني الفلسفيّة إمّا غير مدلول عليها بلفظ أصلا بل من حيث هي معقولة فقط.“[26]

تتّخذ المعاني الفلسفيّة المعقولة طابعا كونيّا قابلا للاستيعاب من كلّ الأمم على خلاف المحتوى الخاصّ والضيّق للملّة الذي يُراعي اعتبارات الطّبائع والألسن، بحيث تدلّ هذه المعاني بذاتها على الحقّ الذي لا يمكن أن يعدّ محلّ اختلاف أو خلاف؛ ويصحّ اعتباره من الأمور المشتركة بين سائر أمم المعمورة والغرض الذي يسعى الكلّ في طلبه، لأنّه الطريق إلى السّعادة على جهة التّحقيق.

تتحوّل، بذلك، قاعدة التّعاون من المجال الاقتصادي إلى الوجه المعرفي، ويكون العلم بالمعنى الواسع للّفظ الذي يشمل كامل الموجودات هو ما يؤسّس لتعاون إنساني فعلي، بالنّظر إلى دوامه وشموله من جهة، وإلى كليّته باعتباره يخصّ نوع الإنسان دون تشخّص من جهة ثانية.

يتغيّر، تبعا لذلك، أساس التّعاون من القرابة المليّة التي تعتمد الآراء الشّرعيّة الضيّقة إلى قرابة معرفيّة لا تتأثّر بالمعطيات الجزئيّة، نظرا لتقوّمها بمبادئ كليّة خالصة، ويصبح الآخر البعيد بفعل الطّبيعة أو الطّبع أشدّ قرابة من الآخر القريب، والمقصود أن الرّابط المعرفي أشدّ توثّقا من الرّابط الدّيني بل ويقلّ حوله الخلاف تبعا لهذه الأسباب التي يذكرها المعلّم الثّاني:

”الاجتماع على الفضيلة لا يقع فيه تباين أصلا ولا تفاسد لأن الغرض في الفضيلة واحد هو الخير الذي يُراد لنفسه لا لشيء آخر غيره. فإذا كانت الشهوة من الاثنين والقصد منهما إنّما هو لذلك الغرض الذي هو الخير بعينه، فطريقهما إليه واحد ومحبّتهما للشّيء بعينه واحدة فلا يتفاسدان أبدا مادام غرضهما واحدا، وإنّما يقع التّفاسد باختلاف الشّهوات وتباين الأغراض فيكون حينئذ هو التصرّف الذي لا اجتماع معه […] والاجتماع الأوّل على طلب الحقّ وبلوغ السّعادة ومحبّة العلم والأشياء الفاضلة. والاجتماع الثّاني هو اجتماع التكسّب والتّعاضد في التجارات والمعاملات.“[27]

تنصّ مجمل هذه التصوّرات الواردة عن الفارابي على قيمة وحدة الأساس النّظري، فهو الضّامن الحقيقي للتّواصل الفعلي بين البشر، ويمكن انطلاقا منه التّشريع لحصول انفتاح بين الأمم لا يكون فيه اختلاف الطّبائع والملل عائقا بل دافعا إلى التّواصل.

ويمكن أن نُضيف بالاستناد إلى ما ذُكر سلفا أنّ اللّقاء البشري في صيغته الكونيّة يؤسّس على قاعدتين أساسيتين نظريّة وعمليّة، تُختزل الأولى في مفهوم الاختلاف ذي الأصل النّظري والثّانية في الاعتراف باعتباره فضيلة عمليّة.

الاختلاف أصل في الوجود، وهو الذي يعلّل مبدأ تراتب الموجودات، بل هو حقيقة ثابتة وأمر واقع لأنّه طبيعيّ. فكلّ أمّة تتأثّر بموقعها الجغرافي لتكون على هيئة ومزاج مختلف عن غيرها، كما أنّ تأثير الأجسام السماويّة يختلف من رقعة إلى أخرى، ومنه نفهم تغيّر الطّبائع. لذلك يُرجع الفارابي الاختلافات في خلق الأمم وشيمهم إلى أسباب طبيعيّة سماويّة وأرضيّة.[28] وهذه كلّها أمور تكشف عن قيمة مفهوم الاختلاف، وهو ما يشرّع اعتباره مقوّما لعلاقة تلاقٍ دائم بالآخر.

أيضا، نجد أصولا أخرى للاختلاف ضمن بنية النّفس البشريّة؛ وتتكوّن من مجموع قوى متباينة بين النّاس من جهة الشدّة نتيجة طبيعة الاتّصال بالعقل الفعّال، فالذي يتلقى المعقولات مباشرة بطريق الحدس يختلف عمّن ينتزعها بالحدّ الأوسط تماشيا مع ضرب القوّة المعتمد.[29] وليس الغرض هنا تفصيل القول في هذه المسائل وإنّما أشرنا إليها لتأكيد ضرورة اعتبار الاختلاف حقيقة ثابتة والانطلاق من هذه المسلّمة كأساس في التّعامل مع الآخر.

يتسنّى ذلك عن تعديل في دلالة مفهوم الاختلاف من خلال فعل تنقيح نستخرج منه معاني التّعارض والخلاف والمضادّة ونبقي بالمقابل على معاني التّفاوت والمغايرة. يحيل هذا التّصويب على ضرورة تجاوز المعاني الظّاهرة والسطحيّة للكلمة إلى دلالاتها العميقة والمثمرة.

وعليه، وجب أن لا يُعدّ الاختلاف عائقا، بل أداة في تحقيق التّواصل؛ ولعلّ من الأجدر اعتباره قِوام العمليّة التواصليّة بكاملها، ولم تعد مغايرة الآخر حاجزا يمنع التوجّه إليه كما أنّ الاتّفاق معه لا يُحيل البتّة على التّجانس.

يُشار بالقاعدة الثّانية إلى مفهوم الاعتراف، ويُفيد بالأساس الاعتبار الموجب لما يصدر عمّن يغايرنا. وبما أنّنا نتحدّث عن المفهوم في إطار تجويز التّعامل مع الآخر خارج الأمّة، فإنّنا نشير به تحديدا إلى تقدير الإنتاج المعرفي والإقرار من ثمّة بأهميّة المنزلة المعرفيّة للغير.

وجب أن نقرّ له بالجهد المبذول في إنتاج العلم حتّى وإن لم يصدر عنّا وكان له السّبق في تحصيله، ويدخل الإقرار بهذا الجهد وبامتلاك الفضائل النظريّة في باب الاعتراف. ويُترجم هذا الفعل التّقديري في الأخذ عن الآخر وعدم الاحتراز من نتائج وسبل التّفلسف المحصّلة عنده؛ وبالجملة يفترض اعتبار ما يبلغنا منه من علم عبر حسن الأخذ عنه في هذا الباب.

نجد في قول الفارابي إقرارا بإسهام الآخر في معرفة الحق: ”والفلسفة التي هذه صفتها إنما تأدّت إلينا من اليونانيين عن أفلاطن وعن أرسطوطاليس وليس واحد منهما أعطانا الفلسفة دون أن أعطانا مع ذلك الطّرق إليها والطّرق إلى إنشائها متى اختلّت أو بادت.“[30]

أتى المعلّم الثّاني على هذه الأمور ضمن مشروع سياسي مدني يقوم على تمييز المدينة الفاضلة عن المدن الجاهلة والضالّة؛ وضمن مشروع تراتبي في نفس الآن، يبدأ بالنّظر من أبسط أنواع الاجتماع إلى أكثرها تعقيدا. كما لا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن الكندي قد انشغل، أيضا، بالتّأصيل لوجود إنساني مشترك في هيئته الكونيّة، وهو ما يتأتّى معه عن توفّر قواعد ذات طبيعة معرفيّة بالأساس.

  • الاشتراك في طلب الحقّ

يُنسب الحقّ إلى الإنسان الكلّي بغضّ النّظر عن اعتبارات الزّمان والمكان، وعليه وجب أن يُقال باشتراك بين كل البشر ومن ثمّة الإقرار بدور الجميع في تحصيله. لا يصحّ إذن تفضيل أمّة على أخرى بمقتضى الفاعليّة العلميّة المباشرة، بل الأصل اعتماد مبدأ التّوزيع المتناسب لصناعة الحقّ بين الأمم. فلكلّ أمّة مقدار من مجموع المعارف الإنسانيّة المحصّلة وجب إقراره وتزكيته رغم ضآلته. لذلك يؤكّد الكندي على أنّ أمر الاعتراف بقيمة وقدرة الآخر لا يتمّ عن فعل التّحصيل المستوفي للمعرفة، وإنّما يمكن الاكتفاء فيه بحصول المشاركة. فالحقّ لا يقاس بالمقدار بل بالسّعي والطّلب. يقول في هذا الباب متحدّثا عن كيفيّة التّعامل مع الآخر وفق القاعدة العلميّة: ”ينبغي أن يعظُم شكرنا للآتين بيَسير الحقّ فضلا عمّن أتى بكثير من الحقّ إذ أشركونا في ثمار فكرهم وسهّلوا لنا المطالب الحقيّة الخفيّة بما أفادونا من المقدّمات المسهّلة لنا سبل الحقّ فإنّهم لو لم يكونوا لم يجتمع لنا مع شدّة البحث… هذه الأوائل الخفيّة.“[31]

اختزل الكندي شكل الاعتراف للآخر في معنى الشّكر وهو عرفان الإحسان ونشره والثّناء عليه والإقرار بالفضل التامّ للغير،[32] دون اعتبار مقدار إسهامه في بناء الحقّ. يُعتبر تقدير الآخر إذن واجب أخلاقي لا يُقاس بالتّحصيل بل يكفي فيه المحاولة والسّعي، وإذا قدّرنا ضعف ما بلغنا عنه فالواجب أن لا يؤخذ في منحى التّقصير لأن ذلك وسع الجهد الذي لا يقاس كما ذكرنا بالكم.

يقول محسن مهدي معلّقا على خصوصيّة هذا التصوّر للعلاقة بين النّحن والآخر أنّه أقيم على: ”اعتراف الكندي بما يُسمّيه الإسهام في الحقّ الذي قدّمه الأقدمون الذين يعتبرهم أسلافا، هو الانفتاح وعرفان الجميل اللّذين بيدهما هذا الإسهام.“[33]

ننتهي بناء على قاعدتي الاشتراك والاعتراف إلى إعادة بلورة مفهوم التّعاون حتّى يستجيب إلى الامتداد الأممي وينسحب على كلّ الإنسان. وعليه، لا يُحيل التّعاون في الفكر العربي الوسيط على الأخذ التامّ والمطلق عن الآخر أو ما يسمّى بالتلقّي السّلبي، بل هو في الحقيقة تعبير عن الانتفاع بما توصّل إليه الغير في حدود ما تسمح به طبيعة أمّتنا. وبتعبير آخر، استثمار المعرفة وتطويع ما نملك من قدرات لفهم مضمون الحقّ والعمل على الإسهام فيه عبر عمليّات تقييم تقوم على التّنقيح والنّقد والمراجعة والإضافة.

يكون بذلك بناء الحقّ أمرا مشتركا بين كلّ الأمم وبلوغه مطلبا كلّيا عند الجميع، بغضّ النّظر عن الوافد والمستفيد وعن المانح والآخذ. فالأمر لا يؤخذ من جهة التّقايض، وإنّما يُنظر إلى المسألة على أنّها ترجمة للفعل الإنساني أينما وُجد.

كما يستبطن التّعاون فضائل أخرى من قبيل توقير إنجاز الآخرين وتثمين إسهامهم، وتجنّب في المقابل كلّ أشكال التّعالي الذي قد يُترجم في الاستهزاء بما ينتج غيرنا أو احتقاره لأسباب لا تُحيل إلاّ على التّعجرف. يقول الكندي معبّرا عن مجمل هذه المعاني الدالّة على شروط التّعامل الخلقي مع الإنسان الغير: ”ومن أوجب الحقّ أن لا نذمّ من كان أحد أسباب منافعنا الصّغار الهزليّة فكيف بالذين هم أكبر أسباب منافعنا الحقيقيّة الجديّة، فإنهم وإن قصروا عن بعض الحقّ فقد كانوا لنا أنسابا وشركاء بما أفادوا من ثمار فكرهم التي صارت لنا سُبلا وآلات مؤدّية إلى علم كثير ممّا قصروا من نيل حقيقته.“[34]

يحصل التّفاعل مع الآخر ويتجسّد واقعيّا عن توفّر شروط ماديّة هذه المرّة، والمقصود امتلاك أدوات تحقيق القرابة معه. وتمثّل اللّغة أحد أهمّ هذه الآليات، ويتمّ تطويعها حتّى تكون قادرة على استيعاب المعاني الفلسفيّة الموجودة في فكر الآخر. ولنا في حركات النّقل والتّرجمة في الفترة الإسلامية الوسيطة مثالا على تحقّق التطويع اللّساني لمادّة معرفيّة ذات أصول خارجيّة.

وإذا عدّ الاشتغال على اللّغة وفق هذه الهيئات تعبيرا عن النّجاح في اعتماد الأدوات المحقّقة للتّواصل المعرفي بين الأمم، فإنّ المحتوى المعرفي المطلوب يجب أن يُنقل في ألفاظ مناسبة وهو ما يستدعي أيضا اختراع أسماء ملائمة. يُحيل ذلك على البعد الخلاّق في المعرفة والإبتكار في التّعامل مع الحق إذا كان واردا عن الآخر.[35]

يُفيد الاشتراك، كما تقدّم ذكره، الإسهام الفعلي في الفعل المعرفي ويعبّر عن حقيقة وجِديّة التّفاعل مع ما يرِد عن الآخر عبر النّقل والشّرح والتّعليق، وبالجملة يُترجم حسن التلقّي عنه. ونجد مع محسن مهدي في فلسفة الكندي خير مثال على التّواصل النّاجع، في معنى المقام على التّفاعل بين الأمم في مستواه المعرفي؛ فقد أدرك المعنى الحقيقي للانفتاح على الآخر وتمثّل الوجوه المختلفة للإفادة منه.

يقول مهدي متحدّثا عن كيفيّة تمثّل الكندي لفعل التلقّي الأممي: ”ولا يعني هذا أنّه يقبل كلّ ما جاء به الإرث، وكما يقول في أحد المقاطع المشهورة فإنّه لمن واجبه أن يفهم ويستوعب ويتمّم ويعدّل ما قد نقله هذا الإرث بلغته الخاصّة وتبعا لتقاليده الخاصّة.“[36]

  • الدّين وجه للتّقارب بين الأمم

قد يتسنّى توسيع قاعدة اللّقاء بالآخر عند إدماج الحقيقة الدّينيّة باعتبار النبوّة مشروعا إنسانيا ذا مضامين محاكية للمحتوى النّظري، وجوهر تعاليم النبيّ الحثّ على الفضائل الحامية لتعايش البشر. فما يحصّله الفيلسوف بالبرهان يبلغه النبيّ وحيا؛ يختلف التلقي إذن والمضمون واحد، وتتعدّد الرّسالات ومتن الدّعوة واحد، وهو التدبير المدنيّ للتّعايش الأفضل والعلم بأسباب الوجود وغاياته.

يقول ابن سينا متحدّثا عن وحدة المضمون النّبوي رغم تعدّد الشّرائع: ”والرّسول هو المبلّغ على أيّ عبارة استصوبت ما استفاد من الإفاضة المسمّاة وحيا على أيّ عبارة استصوبت ليحصل بآرائه العالم الحسّي بالسّياسة والعالم العقلي بالعلم.“[37]

بالإمكان اعتبار الأساس الدّيني، وفق ذلك، فضاء لقاء الإنسانية؛ ولن يغيّر كما ذكرنا اختلاف الشّرائع طبيعة الحقائق المحمولة في النبوّة، كما لن يُبطل أيضا اعتبارها جميعا للفضائل ومنها التّسامح والتآخي والتّعاون. يتحوّل الدّين من خلال الوظيفتين التعليميّة والتدبيريّة إلى وجه من وجوه التّقارب بين الأمم استنادا إلى مبدأ وحدة الحقيقة الذي أقرّه ابن سينا.[38]

تمكّن مثل هذه المقاربة من تجاوز النّظر إلى الدّين على أنّه موضع خلاف بل وتفرقة بين البشر، واعتباره في المقابل مجال جمع وعنصر مهمّ في تأكيد التّعايش المشترك. وذلك يبقى مشروطا أساسا بطبيعة المضامين النظريّة والعمليّة التّابعة له.

نخلص عن نظر في شروط التّواصل على مستوى المعمورة إلى تشريع فلسفي يؤسّس لتوسيع دائرة الاجتماع الإنساني الفاضل ليشمل الكوكب، ونجد في ذلك تلاؤما —نكاد نجزم أنّه تامّا— مع القول بالكونيّة الإنسانية. فعبارتا اجتماع المعمورة والتّواصل الكوني تُحيلان على التّشريع لتعايش إنساني قِوامه الفضائل أو لنقل القيم الإنسانية.

يعدّ الاختلاف والاعتراف والتّعاون قواعد للتعايش المشترك على مستوى كوني، وذلك ما تمّ التّشريع لجوازه في الفلسفة الوسيطة ويستحقّ أن نستعيده اليوم، وإن كان تحت أسماء مختلفة فالأصول ذاتها تتّصل بالبعد القيمي في الإنسان ونعني الفضائل.

وكأنّنا نستعيد اليوم ذات المعنى ونفس الدّعوة إلى التّعايش معا رغم تغيّر البنية المفهوميّة، ولم يعد التّعاون مقتصرا على المدينة أو الأمّة، بل هو قابل للتوسّع حتّى يشمل كلّ أمم المعمورة. وعليه، يُصبح معطى الحقيقة هو فضاء الاقتراب من الآخر وأساس الاشتراك الفعلي معه؛ إذ المعلوم أنّ الحقّ يُطلب بمسالك مختلفة منها البرهانيّة والشّرعيّة، وإذا انكشف وجه الاشتراك في المسلك الأوّل فإن الثّاني يبقى في حاجة إلى مزيد من البيان حتّى يكون مصدر ائتلاف فعلي بين الأمم السّابقة والحاضرة.

خاتمة

يبقى تحقيق مشروع التّواصل الكوني مشروطا أساسا بإرادة الأمم وخياراتها. فالأمّة التي تُقبِل على طلب الفلسفة تضمن تحصيل الشّروط اللاّزمة لحسن المعاش؛ أمّا الأمّة التي تنهَى عن الفلسفة نظرا لفساد آراء أهلها فسيُضمن فيها تواصل حالة الجهالة والانغلاق، ويمنع رؤساؤها استفاقة أهلها لأن في ذلك خير لهم.

من جهة أخرى، يؤدّي ابتعاد الأمّة عن طلب الحقّ درء الأمم الأخرى المتقوّمة به؛ وذلك ما نرى فيه عائقا حقيقيّا يمنع الانفتاح على الآخر ويشلّ كل عمليّة تواصليّة تنمّ عن المشاركة في بناء الحقّ وطلبه. ونستعيد قول الفارابي في هذا الباب: ”والظّاهر في كلّ ملّة كانت معاندة للفلسفة فإن صناعة الكلام فيها تكون معاندة للفلسفة، وأهلها يكونون معاندين لأهلها على مقدار معاندة تلك الملّة للفلسفة.“[39]

ننتهي، وفق ذلك، إلى أن العلم أداة الانخراط الفعلي في المنظومة الكونية (على اعتبار الفلسفة في مفهومها الشامل العلم بالمبادئ الأولى للموجودات)، وجب إذن على كل أمّة تستنكر الانعزال جعل المعرفة من أوّل مطلوباتها.

نضيف إلى هذه الشروط عوامل أخرى أهمّها التخلّي عن الاعتداد بالنّحن وتجاوز كلّ قول بالمركزيّة، سواء كان أساسه فلسفيّا أو دينيّا، والإيمان بأن الحق واحد يقال بلغات عدّة ومناهج مختلفة ويحصل عن إسهامات أمم كثيرة.

ننتهي إجمالا إلى أنّ فلاسفة الفترة الإسلامية الوسيطة بحثوا في مسألة التّعايش بين البشر ووجدوا في الفضائل بأنواعها خير تجسيد لذلك. وهو ما يدعونا اليوم إلى استعادة هذه التصوّرات أو السّعي إلى تطويعها حتّى تستجيب إلى مقتضيات عيشنا المعاصر؛ ونرى أنّ البحث في هذا الاتّجاه بقي منقوصا ويحتاج إلى عناية أوفر. ولعلّ التحوّل من طرح الفاضل إلى الإيتيقي فيه بعض التّعبير عن المشروع الإنساني السّابق.

يجب التّأسيس لهذا المطلب وفق مقوّمات جديدة تستجيب إلى طبيعة المعاش راهنا، في سعي إلى الارتقاء بالإنسانية عبر تدعيم فعل المشاركة.

Bibliography

A­l-Jwīnī, Suʾād. Ibn Sīnā at-­takhyīl wa-sh-shiʾr wa-n-nubuwwa. Tunis : Majmaʿ al-ʾ­Atrash li-L-kitāb al-­Mukhtas, 2017.

 ـــــــــــــــــــ. Kitāb ash-­shiʾr li- Arīstū wa-taʾwīluhu fī al­-falsafa al­ʾarabiyya al­-wasīta. Tunis : Majmaʿ al-ʾAtrash li-L-kitāb al-Mukhtaṣ, 2019.

Al-­Fārābī, Abū Nasr. Kitāb as­-Siyyāsa al-­madaniyya. Edited by Fawzī Mitrī an-Najjār, Beirut: al­-Maktaba al­-kāthūlīkiyya, 1964.

ـــــــــــــــــــ. ʾĀrāʾ Ahl al­-madīna al­-fāḍila. Edited by ʿAlī Abū Milhim, Beirut: Dār wa-Maktabat al­-Hilāl, 1995.

ـــــــــــــــــــ. Fusūl muntazaʿa. Edited by Fawzī Mitrī an­-Najjār, Beirut: Dār al-Mashriq, 1993.

ـــــــــــــــــــ. Ash-Shiʿr. Edited by ʿAbd ar-Raḥmān Badawī, 2ed, Beirut: Dār al-Thaqāfa, 1973.

ـــــــــــــــــــ. Kitāb al­-milla wa-nuṣūṣ ukhrā. Edited by Muhsin Mahdi, Beirut: Dār al­-Mashriq, 1991.

Al-­Ghanūshī, ʾAbdalmajīd. “Al-ʾ­usus a­n-nashkūniyya wa-al-­ ʿuḍwāniyya li falsaft al­-Fārābī as-siyyāsiyya.” Majallat al­-Fikr, 21, n° 5 (février, 1976): 35–45.

Ali, ʿAbbās Murād. Dawlat ash-sharī‘a, qirā‘a fī jadaliyyat ad-dīn wa- s-siyyasa ʿinda al­-Fārābī. Beirut: Dār aṭ-Talī‘a, 1999.

Al-­Kindī, Yaʿqūb Bnu Isḥāq. “Risāla fī al­-falsafa al­-ʾūlā.” in Rasāʾil al­-Kindī al­-falsafiyya. Edited by Muhammed Abū Rīdā. Cairo: Dār al­-Fikr al-ʿ­Arabī, 1950.

Aouad, Maroun et Gregor Scheler. “Le syllogisme poétique selon al-Fārābī, un syllogisme incorrect selon la deuxième figure.” Arabic Sciences and Philosophy 12 (2. 2002) : 185–196.

Ben ʿAbd al­ʿĀlī, ʿAbd as-Salām. Al­-Falsafā as-siyyāsiyya ʿinda al­-Fārābī. Beirut: Dār aṭ-Ṭalīʿa, 1981.

Habermas. Jürgen. The Theory of Communicative Action. Vol. 2. Boston : Beacon press, 1987.

Hamdī, Abū n-Nūr. Jürgen Habermas, al­-ʾakhlāq wa-t-tawāsul. Beirut: at-Tanwīr li-t-Tibāʿa wa-n-Nāshr, 2012.

Ibn Sīnā, Abū ʿ­Alī. Ash-Shifāʾ, al-­ilāhiyyāt. Vol. 2. Edited by, Muhammad Yūsuf Mūsā, Sulaymān Dunyā, Saʿīd Zāyd. Cairo: al-­Hayʾa al-­ʿĀmma li-Shuʾūn al­-Matbaʿa al-ʾĀmiriyya, 1960.

ـــــــــــــــــــ. Aḥwāl an-nafs, Risāla fī an-­nafs wa-baqāʾhā wa-maʿādihā. Edited by al-ʾ­Ahwānī Aḥmad Fuʾād, al-­Madīna, Dār Iḥyāʾ al-­Kitāb al­-ʿArabiyya, 1952.

 ـــــــــــــــــــ. Ash- Shifāʾ, an-Nafs (Psychologie d’Ibn Sīnā d’après son oeuvre aš-Šifāʾ. Edited by Ján Bakoš, Prague : Edition de L’Académie Tchécoslavaque des Sciences: 1956.

 ـــــــــــــــــــ. An-Najāt fī al­-ḥikma al­-mantiqiyya wa-ṭ-ṭabīʿiyya wa-l-­ilāhiyya. Cairo : Maṭbaʿāt Muḥyī ad-Dīn al-­Kordī, 1938.

ـــــــــــــــــــ. Al-­Mabdaʾ wa-l­maʿād. Edited ʿAbdu al-Lah Nūranī, Tehran: Silsilat Dansh Iranī, Tehran, 1924.

ـــــــــــــــــــ. Al-ʾ­udḥawiyya fī ʾal­ma‘ād. Edited by Ḥassan ʿĀṣī, Beirut: Al-­Muʾassasa al-­Jāmiʿiyya li-n-Nachr wa-t-­Tawzīʿ, 1987.

ـــــــــــــــــــ. Risāla fī as-­saʿāda. ḥaydar ʾAbād ad-Dakn: Dāʾirāt al-­Maʿārif al-ʿ­Uthmāniyya, 1934.

ـــــــــــــــــــ. Ithbāt an-nubuwwāt. Edited by Michel Mārmūra, Beirut: Dār  al-Nahār li-­Nashr wa-t-Tuwzīʿ, 1968.

ـــــــــــــــــــ. Al­-Fan al-­khāmis min al-­kitāb ath-­thānī min an-n­ukat wa-l­fawaʾid, fī al­-ʿilm aṭ-ṭabī‘ī. Edited by Fuad Sezgin, Frankfurt : Maʿhad Tārikh al-­ʿUlūm al-­ʿArabiyya wa-l-­Islāmiyya, 1999.

Mahdi, Muḥsin. Al­-Fārābī wa-taʾsīs al­-falsafa as-siyyāsiyya al­- Islāmiyya. Tarjamat widād al-Haj Ḥasan, Beirut: Dār al-­Fārābī, 2009.

Mokdad, Mensia. Al­-Fārābī falsafat ad-din wa-ʾulūm al­-Islām, Beirut: Dār al­-Madār al-Islāmī, 2013.

Vallat, Philippe. Fārābī et l’école d’Alexandrie. Paris : Vrin, 2004.

للتوثيق

الجويني، سعاد. ”في شروط التّواصل الإنساني: الكندي والفارابي وابن سينا.“ ضمن موقع الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية، الرابط <https://philosmus.org/archives/2992>

سعاد جويني

سعاد جويني باحثة تونسية متخصصة في تاريخ الفلسفة القديمة والعربية الوسيطة. تحصلت على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة تونس. عضو بالجمعيّة التونسيّة للدّراسات الفلسفيّة؛ عضو بالجمعيّة التونسيّة للدّراسات الصوفيّة. شاركت في عدة ملتقيات وطنية ودولية. من منشوراتها: الشّعر لأرسطو وتأويله في الفلسفة العربيّة الوسيطة. تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختصّ، 2019؛ ابن سينا التّخييل والشّعر والنبوّة. تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختصّ، 2017؛ ”شرح ابن سينا كتاب العبارة لأرسطو،“ مجلّة تأويليات 2 (خريف2018): 98–116؛ ”التّنزيل والتّأويل، قراءة هنري كوربان لقصص ابن سينا الرمزيّة.“ المجلّة التونسيّة للدّراسات الفلسفيّة 60-61 (2018-2017): 91–108؛ ”شرح ابن سينا والشيرازي سورة التّوحيد.“ ضمن ندوة نظرات في فلسفة ابن سينا وملا صدرا الشيرازي. تنسيق مقداد عرفة منسية، 183–204. تونس: المجمع التّونسي للعلوم والآداب والفنون (بيت الحكمة)، 2014.

* نشكر الأساتذة المحكمين التفضّل بمراجعة المقال؛ وقد عملنا على الإفادة من ملاحظاتهم.

[1] أتى على المسألة التواصليّة في الفلسفة الحديثة يورغن هابرماس، ومن أهمّ مصنّفاته في هذا الباب نذكر:

The Theory of Communicative Action, vol. II (Boston: Beacon Press, 1987);

واشتغل على نظريّة هذا الفيلسوف حول التواصل حمدي أبو النّور ضمن كتاب: يورجين هابرماس، الأخلاق والتّواصل (بيروت: التنوير للطّباعة والنّشر، 2012).

[2] يُرجع الغنّوشي عبد المجيد التعثّر في فهم مسائل طرحها فلاسفة الفترة الوسيطة إلى تسرّع بعض الدّارسين في الحكم نتيجة الاكتفاء بمواضع مبتورة من مصنّفاتهم. يمكن العودة في هذا المستوى إلى مقاله بعنوان: ”الأسس النشكونيّة والعضوانيّة لفلسفة الفارابي السياسيّة-الاجتماعيّة،“ مجلّة الفكر 5، السّنة 21 (فبراير، 1976): 35–45. ونعتبر في هذا الاتّجاه مسألة التّواصل واحدة من المسائل التي تمّ تناولها عَرضا مقارنة بغيرها، ووردت الإشارة إلى هذه الأمور إجمالا ضمن المباحث السياسية والأخلاقية لمفكّري الفترة الوسيطة. نذكر من بين هذه الدّراسات حول المسائل العمليّة عند الفارابي: بنعبد العالي عبد السلام، الفلسفة السياسيّة عند الفارابي (بيروت: دار الطليعة، 1981)؛ علي عباس مراد، دولة الشّريعة قراءة في جدلية الدّين والسياسة عند ابن سينا (بيروت: دار الطّليعة، 1999).

[3] يقول ابن سينا في هذا الاتّجاه : ”إنّه من المعلوم أنّ الإنسان يفارق سائر الحيوانات بأنّه لا يحسن معيشته لو انفرد وحده شخصا واحدا يتولّى تدبير أمره من غير شريك يعاونه على ضرورات حاجاته، وأنّه لابدّ من أن يكون الإنسان مكفيّا بآخر من نوعه يكون ذلك الآخر أيضا مكفيّا به وبنظيره(…)حتّى إذا اجتمعوا كان أمرهم مكفيّا.“ الإلهيات، ضمن الشفاء، تحقيق محمد يوسف موسى وسليمان دنيا وسعيد زايد، راجعه وقدّم له إبراهيم مذكور (القاهرة: الهيئة العامّة لشؤون المطابع الأميريّة، 1960)، ج. 2، 441.

[4] يحيل مفهوم الكمال على بلوغ الشيء التحقّق التامّ، واستعمل المفهوم للإحالة على بلوغ النّفس كمالاتها بحسب طبيعة الأفعال التي تأتيها، وفي هذا الموضع يُحقّق الإنسان كماله من خلال مدنيّته أي بمقدار اشتراكه مع غيره. يقول الشّيخ الرّئيس: ”مفهوم الكمال أعمّ من مفهوم الصّورة، أمّا أنّه أتمّ، فلأنّ الكمال قياس إلى المعنى الذي هو أقرب من طبيعة الشّيء وهو النّوع لا إلى الشّيء الذي هو أبعد من ذلك وهو المادّة(…) وأمّا أنّه أعمّ فلأنّ الكمالات ليست كمالات بحسب الصّورة للمادّة… فإنّ الملك كمال المدينة وعلى ذلك الشّرط له، ولأنّا إنمّا نعني بالمدينة ما اجتمع على الهيئة الصّالحة للغرض الواقع في الشّركة بوجود جميع أجزائها وأولها الملك فإن سمّينا كلّ محلّ اجتماع في المساكن مدينة فباشتراك الاسم.“ أحوال النّفس، رسالة في النّفس وبقائها ومعادها، تحقيق أحمد فؤاد الأهواني (مصر: دار إحياء الكتب العربيّة، 1952)، 51–52. كما اعتبر الشّيخ الاجتماع الإنساني فضيلة يميّزه بالنّوع عن سائر الكائنات التي تبقى في نقص دائم أمامه، انظر في هذا الشّأن، الشّفاء، النّفس، ترجمة ونشر باكوش (باريس: 1988)، 199.

[5] الفارابي، كتاب السّياسة المدنيّة، حقّقه وقدّم له وعلّق عليه فوزي متري النجّار (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1964)، 69. لكن يشير الغنّوشي إلى أنّ هذه الأسباب غير كافية لتشريع الاجتماع الإنساني الفاضل. يقول: ”غير أنّ هذا البرنامج الشّامل يتطلّب من الفارابي معرفة دقيقة بالمجتمعات وأحوالها أي بالعلم السّياسي من جهة وبالطّبيعة الإنسانية وخاصّياتها الجوهريّة من جهة أخرى.“ الأسس النشكونيّة والعضويّة، 35.

[6] الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تحقيق علي بوملحم (بيروت: دار ومكتبة الهلال، 1995)، 113. يعترض الغنوشي على طرح الفارابي لمسألة السّعادة مبرّرا ذلك بالتّنافر بين تصوّره وبين الواقع المتناقض، المرجع السّابق، 44. لكن نعتقد أنّ الأصل في جواز الاعتراض هو البقاء عند مناقشة التصّور النّظري في ذاته، لذلك نرى أنّ صاحب المقال قد وقع في نفس الخلط الذي نهى عنه باقي الدّارسين وهو النّظر إلى المسألة ضمن مصنّف مخصوص واختيار مبدأ التّعميم عوضا عن التحرّي.

[7] الفارابي، فصول منتزعة، حقّقه وقدّم له وعلّق عليه فوزي متري النجّار (بيروت: دار المشرق، 1993)، 30.

[8] يقسّم الفارابي قوى النّفس إلى ”القوّة النّاطقة والقوّة النزوعيّة، والقوّة المتخيّلة، والقوّة الحسّاسة.“ كتاب السّياسة المدنيّة، 36. ويعدّ علم النّفس الفلسفي من المسائل التي انشغل ابن سينا بتفصيل القول فيها ضمن مواضع كثيرة من كتاباته، ويقسّم قوى النّفس الحيوانيّة إلى محرّكة ومدركة، وإلى الأولى تنتمي القوّة النزوعيّة الشوقيّة، ويقسّم قوى النّفس النّاطقة إلى عاملة وعالمة. يمكن العودة إلى أحوال النّفس، 63–85.

[9] يتحدّث الفارابي عن نوعين من الكمال، ما يسمّيه بالكمال الأوّل الحاصل عن إتيان الفضائل في الحياة الدّنيا والكمال الأخير وهو نتيجة للأوّل ويحصل عن جمع بين صنفي الفضائل النظريّة والعمليّة. وعليه متى كان الفعل الفاضل مطابقا لفكر من جنسه كان الكمال في صيغتيه الأولى والثّانية وعنهما يبلغ الإنسان السّعادة القصوى التي تُطلب لذاتها. انظر في كتاب فصول منتزعة، 46؛ والسّياسة المدنيّة، 78. ونشير هنا إلى حضور الأرضيّة الشرعيّة في تفسير مسألة السّعادة، ونقف على نفس الدّلالة المضاعفة للسّعادة عند ابن سينا في تفسير مسألة المعاد، معتبرا ”السّعادة الأخرويّة عظيمة جدّا أمام الحاصلة في الدّنيا.“ الأضحويّة في المعاد، تحقيق حسن عاصي (بيروت: المؤسّسة الجامعيّة للنّشر والتّوزيع، 1987)، 150. ويمكن العودة هنا أيضا إلى مجمل ما ذكر ضمن رسالة في السّعادة ( حيدر آباد الدكن: دائرة المعارف العثمانيّة، 1353هـ/ 1934م).

[10] يعرّف الفارابي العدل فيقول: ”العدل أوّلا في قسمة الخيرات المشتركة التي لأهل المدينة على جميعهم. ثمّ من بعد ذلك في حفظ ما قسِّم عليهم.“ فصول منتزعة، 71.

[11] نفس المصدر، 70–71.

[12] الفارابي، الآراء، 130.

[13] يقول الفارابي في هذا المفهوم: ”الملّة هي آراء وأفعال مقدّرة مقيّدة بشرائط يرسمها للجمع رئيسهم الأوّل، يلتمس أن ينال باستعمالهم لها غرض له فيهم أو بهم محدودا.“ كتاب الملّة ونصوص أخرى، حقّقها وقدّم لها وعلّق عليها محسن مهدي (بيروت: دار المشرق، 1991)، 43.

[14] ”والملّة والدّين يكاد يكونان اسمين مترادفين، وكذلك الشّريعة والسنّة، فإن هذين إنّما يدلاّن ويقعان عند الأكثر على الأفعال المقدّرة من جزأي الملّة. وقد يمكن أن تسمّى الأفعال المقدّرة أيضا شريعة، فيكون الشّريعة والملّة والدّين أسماء مترادفة.“ كتاب الملّة، 46.

[15] بحث منسيّة مقداد مسألة العلاقة بين الفلسفة والعلوم الإسلاميّة وانتهى بالخصوص إلى تنوّع مصادر الفارابي الفلسفيّة والشّرعيّة في كتابه: الفارابي فلسفة الدّين وعلوم الإسلام (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2013).

[16] كتاب الملّة، 66.

[17] يقول الفارابي: ”والأمّة تتميّز عن الأمّة بشيئين طبيعيّين: بالخلق الطبيعيّة والشّيم الطبيعيّة، وبشيء ثالث وضعيّ وله مدخل ما في الأشياء الطّبيعيّة وهو اللّسان أعني اللّغة التي بها تكون العبارة.“ كتاب السّياسة المدنيّة، 70.

[18] حول مسألة التّقديم والتّأخير بين الملّة والفلسفة انظر: كتاب الحروف، حقّقه وقدّم له وعلّق عليه محسن مهدي (بيروت: دار المشرق، 1990)، 131؛ وانظر بخصوص المقارنة بين المدينة الفاضلة ومضادّاتها والآراء التّابعة لها كتاب منسيّة مقداد، الفارابي فلسفة الدّين، 157 وما بعدها.

[19] ”ويُجعل الخواصّ أوّلا وفي الجودة على الإطلاق الفلاسفة، ثمّ الجدليون والسّفسطائيون، ثمّ واضعو النّواميس ثمّ المتكلّمون والفقهاء والعوامّ والجمهور.“ ورد هذا التّمييز بين الخاصّة والعامّة عند الفارابي في كتاب الحروف، 134.

[20] اشتغلنا على مسألة التّخييل ودوره في تبليغ المضامين النبويّة إلى الجمهور ضمن كتابنا: ابن سينا التّخييل والشّعر والنبوّة (تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختصّ، 2017)، انظر خاصّة الصّفحات 191 وما بعدها. وعد أيضا بخصوص الحقائق الفلسفيّة ومثالاتها المليّة إلى كتاب مقداد منسيّة، الفارابي فلسفة الدّين، 187–188.

[21] يتحدّث الفارابي عن قوّة المتخيّلة في فصول منتزعة، 28، وأتى ابن سينا على أفعال هذه القوّة ووظائفها وممكناتها في العديد من المواضع نذكر منها مثلا ما ورد في النّجاة في الحكمة المنطقيّة والطبيعيّة والإلهيّة (القاهرة: مطبعة محي الدين الكردي، 1938)، 169–170. ويقول في المبدأ والمعاد: ”والفرق بين القوّة المتخيّلة وبين الخيال أنّ الخيال لا يكون ما فيه إلاّ مأخوذ عن الحسّ، والمتخيّلة قد تركّب وتُفصّل وتُحدث من الصّور ما لم يُحسّ ولا يُحسّ البتّة مثل إنسان طائر وشخص نصفه إنسان ونصفه شجرة.“ تحقيق عبد الله نوراني (تهران: سلسلة دانش إيراني، 1343هـ/1924م)، 93–94.

[22] الفارابي، كتاب الحروف، 131.

[23] يمكن العودة في هذا الباب إلى كتاب الآراء، 143، وفيه يؤكد الفارابي اختلاف مراتب التّمثيل والمحاكاة بين الأمم. وانظر بخصوص مضامين هذه المفاهيم الفارابي، الشّعر، تحقيق عبد الرّحمان بدوي (بيروت: دار الثقافة، 1973). واشتغلنا على مجمل هذه المسائل ضمن عمل بعنوان: تأويل كتاب الشّعر لأرسطو ومراحله في الفلسفة العربيّة الوسيطة، قدّم لنيل شهادة الدّراسات المعمّقة في الفلسفة، إشراف الأستاذ مقداد منسيّة (تونس: كليّة العلوم الإنسانيةّ والاجتماعيّة، 2004). كما يمكن الإفادة في هذا الباب من دراسات كل من: Philippe Vallat, Farabi et l’école d’ Alexandrie (Paris : Vrin, 2004), 296–301; Maroun Aouad et Gregor Schoeler“Le Syllogisme poétique selon al Fârâbî, un syllogisme incorrecte selon la deuxième figure,” Arabic Sciences and Philosophy, vol. 12 (2002): 185–196.

[24] أتى الفارابي على هذه المسائل في كتاب تحصيل السّعادة، 90.

[25] كتاب السّياسة المدنيّة، 78. ويقول أيضا مؤكّدا التّلازم بين ثالوث الاجتماع والتّعاون والسّعادة: ”والأمّة التي تتعاون مدنها كلّها على ما تنال به السّعادة هي الأمّة الفاضلة وكذلك المعمورة الفاضلة إنما تكون إذا كانت الأمم التي فيها تتعاون على بلوغ السّعادة.“ الآراء، 113.

[26] الحروف، 159.

[27] فصول منتزعة، 101.

[28] ”والجماعة الإنسانيّة الكاملة على الإطلاق تسمّى أمما (…) ومن الأمم ماهي كبار ومنها ما هي صغار. والسّبب الطّبيعي الأوّل في اختلاف الأمم في هذه الأمور أشياء أحدها اختلاف أجزاء الأجسام السماويّة. ويتبع ذلك اختلاف أجزاء الأرض التي في مساكن الأمم (…) ويتبع هذه اختلاف النبات واختلاف أنواع الحيوان غير النّاطق (…) ويتبع ذلك اختلاف الخلق واختلاف الشّيم الطبيعيّة.“ السّياسة المدنيّة، 70–71.

[29] مثّلت هذه المسائل محطّ انشغال ابن سينا في العديد من المواضع نذكر منها مثلا قوله: ”يتوصّل إلى حصول المعقولات الثّانية إمّا بحركة الذّهن من الأوّل إلى الثّواني حركة انتقاليّة يُطلب بها الحدّ الأوسط. وإمّا بغير حركة بل بحصول الحدّ الأوسط دفعة فالطريق الأوّل ما يسمّى فكرا والثّاني ما يسمّى حدسا.“ الفن الخامس من الكتاب الثّاني من كتاب النكت والفوايد في العلم الطّبيعي، جمع فؤاد سزكين (فرنكفورت: معهد تاريخ العلوم العربية والإسلاميّة، 1999)، 162–163.

[30] تحصيل السّعادة، حقّقه وقدّم له علي بو ملحم (بيروت: مكتبة الهلال، 1995)، 99.

[31] الكندي، رسالة في الفلسفة الأولى، ضمن رسائل الكندي الفلسفيّة، تحقيق محمد عبد الهادي أبو ريدة (القاهرة: دار الفكر العربي، 1950)، 32.

[32] لسان العرب، مادّة شكر.

[33] محسن مهدي، الفارابي وتأسيس الفلسفة السّياسية الإسلامية، ترجمة وداد الحاج حسن (بيروت: دار الفارابي، 2009)، 79.

[34] الكندي، رسالة في الفلسفة الأولى، 32.

[35] يقول الفارابي: ”المعاني الفلسفيّة إن أخذت مدلولا عليها بالألفاظ فإنما ينبغي أن تؤخذ مدلولا عليها بألفاظ أي أمّة اتّفقت.“ الحروف، 159. ويذكر أمثلة عديدة عن نقلة ألفاظ أساسيّة في الفلسفة بين ألسن كثيرة منها الفارسيّة واليونانيّة والسريانية والعربيّة من قبيل لفظ الذّات ولفظ الوجود. انظر: الحروف، 159، 106–111.

[36] محسن مهدي، الفارابي وتأسيس الفلسفة السّياسية الإسلامية، 79.

[37] ابن سينا، إثبات النبوّات، حقّقها وقدّم لها ميشال مرمورة (بيروت:دار النّهار للنّشر، 1968)، 47.

[38] يمكن الإفادة في هذا الباب من كتابنا ابن سينا التّخييل والشّعر والنبوّة، 304–308.

[39] الفارابي، كتاب الحروف، 157. ونشير إلى أن تقسيم الأمم بحسب امتلاكها للفلسفة ورد في: الفارابي، كتاب الحروف، 156.

مقالات ذات صلة

المنطق في الحضارة الإسلاميّة

المنطق في الحضارة الإسلاميّة

المنطق في الحضارة الإسلاميّة خالد الرويهبKhaled El-Rouayheb جامعة هارفارد-كمبريدجHarvard University-Cambridge  ملخص: ”المنطق في الحضارة الإسلامية“ لخالد الرويهب (جامعة هارفارد بكمبريدج) هي في الأصل محاضرة بالعربية ألقيت في مؤسسة البحث في الفلسفة العلوم في...

مكانة ”الالتباس“ في الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الكلاسيكي: بواكير منظور جديد

مكانة ”الالتباس“ في الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الكلاسيكي: بواكير منظور جديد

Navigating Ambiguity: Exploring the Role of Uncertainty in the Classical Arab-Islamic Culture Makānat Al-Iltibās fī al-Thaqāfah al- ʿArabiyya al-Islāmiya Fī ʿAṣrihā al-Klāsīkī:Bawākīr Manẓūr Jadīd مكانة ”الالتباس“ في الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الكلاسيكي بواكير...

أثر فلسفة ابن رشد في الكلام الأشعري المغربي: دراسة في المنجز حول فكر أبي الحجاج يوسف المكلاتي (ت.626هـ/1229م)

أثر فلسفة ابن رشد في الكلام الأشعري المغربي: دراسة في المنجز حول فكر أبي الحجاج يوسف المكلاتي (ت.626هـ/1229م)

The Impact of Ibn Rushd's (Averroes’) Philosophy on Maghribi Ashʿarī KalāmCurrent State of Studies on al-Miklātī (d.626/1229) Athar Falsafat Ibn Rushd fī al-Kalām al-Ashʿarī al-Maghribī: Dirāsa fī al-Munajaz ḥawl Fikr Abī al-Hajjāj Yusuf al-Miklatī (626/1229) Majda...

في مقاربة فلسفة الفعل عند الفخر الرازي: مراجعة نقدية لمقالة ”فلسفة الفعل ونظرية العادة التاريخية عند المتكلمين“

في مقاربة فلسفة الفعل عند الفخر الرازي: مراجعة نقدية لمقالة ”فلسفة الفعل ونظرية العادة التاريخية عند المتكلمين“

On the Approach to the Philosophy of Action in Fakhr al-Dīn al-Rāzī:A Critical Review of “Falsafat al-fiʿl wa-naẓarīyyat al-ʿādah al-tārīkhīyyah ʿinda al-mutakallimīn” Fī muqārabah Falsafat al-fiʿl ʿinda Fakhr al-Dīn al-Rāzī:Murājaʿat naqdīyyah li-maqālat “Falsafat...

أبو البركات البغدادي ومشكل الزمان

أبو البركات البغدادي ومشكل الزمان

Abū al-Barakāt al-Baghdādī on The Problem of Time Abū al-Barakāt al-Baghdādī wa Mushkil al-Zamān Jalel DridiUniversity of Tunis, Tunis أبو البركات البغدادي ومشكل الزمان جلال الدريديجامعة تونس، تونس Abstract׃ The approach adopted by Abū al-Barakāt al-Baghdādī...

مشروعية النظر العقلي في تقرير العقائد عند المتكلمين: فخر الدين الرازي نموذجًا

مشروعية النظر العقلي في تقرير العقائد عند المتكلمين: فخر الدين الرازي نموذجًا

Machrūʿiyat al-naẓar al-ʿaqlī fī taqrīri al-ʿaqāʾid ʿinda al-mūtakalimīn:fakhr al-Dīne al-Rāzī namūdhajan The legitimacy of Speculated Reasoning from the Perspective of Fakhr al-Dīne al-Rāzī مشروعية النظر العقلي في تقرير العقائد عند المتكلّمين: فخر الدين الرازي...

”ما هي الأعمال الفلسفية اليونانية القديمة […] التي ندين للعرب في أول معرفتنا بها؟“: عودة إلى نقاش ”قديم“

”ما هي الأعمال الفلسفية اليونانية القديمة […] التي ندين للعرب في أول معرفتنا بها؟“: عودة إلى نقاش ”قديم“

“Which of the works of the ancient Greek philosophers [...] do we owe the first knowledge to the Arabs?” Revisiting an “old” Dispute “Mā hiya al-Aʿmāl al-Falsafīyah al-Yūnānīyah al-Qadīmah [... ] allatī Nadīn lil-ʿArab fī Awwal Maʿrifitinā bihā? ” ʿAwdah ilá Niqqāsh...

ما بعد السنوسي: آفاق جديدة في دراسة العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي

ما بعد السنوسي: آفاق جديدة في دراسة العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي

After al-Sanūsī: New Areas for the Study of Ashʿarī Creed in Northwest Africa Mā Baʿd al-Sanūsī: Āfāq Jadīda fī Dirāsat al-ʿAqīda al-Ashʿariyya fī l-Gharb al-Islāmī Caitlyn OlsonOxford University ما بعد السنوسي:آفاق جديدة في دراسة العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي[✯]...

مشاركة / Share
error: Content is protected !!