Loading

حدود التسامح والاعتراف المتبادل بين الفلاسفة والمتكلّمين: حالة يحيى النحوي

حدود التسامح والاعتراف المتبادل بين الفلاسفة والمتكلّمين:
حالة يحيى النحوي[1]

سعيد البوسكلاوي
جامعة محمّد الأوّل-وجدة/جامعة زايد-أبوظبي

 

Abstract: This article attempts to determine the extent to which scholars in general adhere to values of recognition and tolerance in their attitudes towards colleagues who disagree with them in opinion or doctrine. Although one might notice that these values are not popular currency among humans in general, especially when they are accompanied with personal or doctrinal competition, the article defends the idea that non-recognition of the other does not hinder the development of knowledge; Rather, intellectual rivalry leads to a form of recognition, albeit only acknowledged over time. The article sheds light on some aspects of recognition and acceptance of the other in the texts of Muslim philosophers and theologians by analyzing citations, expressions, and terms that may have either the sense of recognition or underestimation of the contributions of others. It particularly focuses on the case of the sixth-century Greek Christian philosopher and theologian, John Philoponus (d. ca. 570), who was not recognized by his colleagues during his life and was subject to contradictory opinions (recognition and neglection, acceptance and rejection) in the Islamic era. Using Philoponus and other theologians as a case study, the paper provides general remarks on the interaction between philosophers (falāsifa) and theologians (mutakallimūn) and the role of that interaction in bridging the gap between the two fields.
Keywords: Recognition, Tolerance, Philosophers, Theologians, Philoponus

ملخّص: يحاول هذا المقال أن يرصد إلى أيّ حدّ يلتزم أهل العلم عموما بقيم الاعتراف وقبول الآخر في مواقفهم مع زملائهم الذين يختلفون معهم في الرأي أو المذهب. ويدافع عن فكرة مفادها أنّه بالرغم من ما قد يلاحظ من أنّ هذه القيم ليست عملة رائجة بين البشر عموما، خاصّة عندما تكون مصاحبة بالمنافسة الشخصيّة أوالمذهبيّة، فإنّ ذلك لا يعيق تطوّر الأفكار؛ بل إنّ الخصومة الفكريّة تؤدّي إلى نوع من الاعتراف مهما طال الزمان. يسلّط المقال الضوء، بشكل خاصّ، على مواقف الاعتراف وقبول الآخر في نصوص الفلاسفة والمتكلّمين، من خلال تحليل عبارات وألفاظ وإحالات قد تشي بمعاني الاعتراف وقبول الآخر حينا، ورفضه والتنقيص من مساهمته حينا آخر. ويركّز، بشكل أخصّ، على حالة الفيلسوف والمتكلّم اليونانيّ النصرانيّ، يحيى النحوي (ت. ح. 570م)، الذي لم يحظ باعتراف زملائه في العصر اليونانيّ، وتضاربت المواقف حوله (بين الاعتراف والإهمال، والقبول والرفض) في العصر الإسلاميّ. وفي ضوء ذلك، يقدّم البحث بعض الملاحظات العامّة حول التفاعل بين الفلاسفة والمتكلّمين ودور ذلك في ردم الهوّة بين الفلسفة والكلام.
كلمات مفاتيح: الاعتراف، التسامح، الفلاسفة، المتكلّمون، يحيى النحوي

 

تقديم

يروم هذا العمل الوقوف على مدى حضور قيم التسامح والاعتراف لدى العلماء بشكل عامّ، ولدى الفلاسفة والمتكلّمين بشكل خاصّ، إيجابا وسلبا. ومن المفيد أن نوضّح، منذ البداية، أنّ غرضنا هنا ليس، بأيّ حال، دراسة تصوّر الفلاسفة والمتكلّمين للاعتراف وقبول الرأي الآخر،[2] بقدر ما نروم تسليط الضوء على بعض المواقف الفعليّة التي تفيد معنى الاعتراف وقبول الآخر أو نقيضه في نصوص الفلاسفة والمتكلّمين، من خلال تحليل عبارات وألفاظ وإحالات قد تشي بمعاني الاعتراف وقبول الآخر حينا، أو رفضه والتنقيص من مساهمته حينا آخر، في سياق السجال الفلسفيّ الكلاميّ في العصرين اليونانيّ والإسلاميّ. ونركّز، بشكل أخصّ، على حالة الفيلسوف والمتكلّم اليونانيّ النصرانيّ، يحيى النحوي (فيلوبونوس Philoponus)(ت. ح. 570م)، الذي لم يحظ باعتراف زملائه في العصر اليونانيّ، وتضاربت المواقف حوله (بين الاعتراف والإهمال، والقبول والرفض، والمدح والذمّ) في العصر الإسلاميّ، وخاصّة في سياق السجال حول مسألة قدم العالم أو حدوثه.

ونعني بالاعتراف، عموما، نوعا من احترام الآخر وأفكاره. ولا يخفى أنّ موضوع الاعتراف موضوع فلسفيّ له جوانب معقّدة، منها المعياريّ والنفسيّ وغيرهما. يتمثّل الجانب المعياريّ، حسب ماتياس إيزر Mattias Iser، في الاعتراف بقيمة أو فضل شخص آخر، بمعنى الاعتراف به بوصفه كائنا حرّا ومساويا ينبغي الالتزام بالتعامل معه على هذا الأساس. أمّا النفسيّ فيمكن اختزاله في أنّ الاعتراف يشكّل حاجة حيويّة بالنسبة إلى البشر بتعبير شالز تايلور  Charles Taylor.[3] فعدم الاعتراف بأعمال الشخص ومواهبه قد يقتل فيه كلّ رغبة في الإبداع وإثبات الذات. وأيضا، فإنّ الاعتراف قد يعني اعترافا بالذات كما قد يعني اعترافا بالآخر، لكن الأهمّ منهما معا هو الاعتراف المتبادل، كما طوّره الفلاسفة؛[4] وهو المفهوم الذي يهمّنا في هذا المقال. ونفهم التسامح بمعنى قبول ما لا نحبّه ولا نتّفق معه من رأي أو سلوك يصدر عن الغير؛ أي قبول الرأي الآخر الذي نعتقد أنّه خاطئ، بل قبول الآخر نفسه كما هو، مهما كان مختلفا في فلسفته أو عقيدته أو عرقه أو جنسه. ولا يهمّنا أن نثير هنا ما يطرحه مفهوم التسامح من صعوبات. نكتفي فقط بالإشارة إلى أنّ من بين معاني فعل ʼسمحʻ، في لسان العرب، التساهل وغضّ النظر عن ما لا يرضي.[5] وقد استعملت في الثقافة الإسلاميّة مصطلحات أخرى للدلالة على هذا المعنى مثل المسامحة، التسالم، العدل، التفهّم، التحابّ، وغيرها.[6] فمفهوم الاعتراف والتسامح متداخلان ومتكاملان؛ بل إنّ الاعتراف يشمل التسامح بهذا المعنى، كما أنّ التسامح يتضمّن الاعتراف بوجود الآخر المختلف. وكلاهما يعكس استعدادا إنسانيّا لقبول الاختلاف والتنوّع. وبوصفهما كذلك، فإنّهما يقتضيان شعورا وعقلا منفتحين وإرادة للعيش المشترك. ونعني بالفلاسفة ممثّلي تقليد فكريّ يعود بالخصوص إلى أفلاطون وأرسطو، ويعتمد العقل وحده مبدأ لتحصيل المعرفة. ونقصد بالمتكلّمين تقليدا فكريّا أيضا يجمع بين الإيمان والعلم، بين المنقول والمعقول، ولا يلتزم بأصول التقليد الأفلاطونيّ الأرسطيّ خلافا للتقليد السابق، بل انفتح على تقاليد فلسفيّة ولاهوتيّة أخرى.

ولا تخفى أهمّية هذا الموضوع وراهنيّته؛ إذ يمسّ مباشرة مزاولي العلم في زماننا وفي كلّ الأزمان. ومشكلة الاعتراف أو قبول الآخر كانت دائما مطروحة في الجماعات البشريّة؛ وإن كان لا يشعر بها إلا من كان موضوعا لها، إن سلبا أوإيجابا. ولا يخرج هذا عن ما يحدث في المجتمع الإنسانيّ من سلوكات ومواقف قبول وإقصاء واعتراف وجحود؛ إذ لا تعدو الجماعة العلميّة أن تكون فئة من فئات المجتمع، بل من المفترض أنّها صفوة المجتمع ومثاله. ولعلّ العلماء أحرى بالالتزام بأخلاق المناقشة المطلوبة، بإلحاح أحيانا، في المؤسّسات السياسيّة أو الإعلاميّة أو في مختلف قنوات الفضاء العامّ بشكل عامّ. لكن، إلى أيّ حدّ يلتزم العلماء بقيم الاعتراف والتسامح في مواقفهم من زملائهم الذين يختلفون معهم في الرأي أو المذهب؟

ننطلق من فرضية مفادها أنّه بالرغم من ما قد يلاحظ من أنّ ثقافة الاعتراف المتبادل ليست عملة رائجة بين البشر عموما، خاصّة عندما تكون مصاحبة بالمنافسة الشخصيّة أو المذهبيّة أو غيرها، وهو أمر ليس حكرا على عامّة الناس، بل نجده أيضا عند المشتغلين بالعلم فعلا وانفعالا، إلا أنّ هذا لا يعيق تطوّر الأفكار على ما يبدو؛ بل على العكس قد يكون دافعا نحو التطوير وإتيان أفكار جديدة. ونأخذ لهذه الدراسة مثال العلاقة المعقّدة، المتوتّرة حينا والمتوافقة حينا آخر، التي جمعت بين الفلاسفة والمتكلّمين، بحيث دار بينهما سجال فكريّ قويّ يعدّ من أبرز النقاشات وأغناها في تاريخ الفكر البشريّ. وهو أمر لم يُدرس بشكل كاف؛ بحيث لم تُبرز حدود التفاعل بين الطرفين ومدى الاعتراف أو الرفض المتبادل بينهما، ولا حدود مساهمة ذلك التفاعل في تطوّر الفلسفة والكلام معا في السياق الإسلاميّ ولا اليونانيّ المتأخّر. ويعدّ يحيى النحوي أبرز مثال يعكس هذا التفاعل، في وجهه الإيجابيّ أو السلبيّ، بين الفلاسفة والمتكلّمين. وإن لم يفرد هؤلاء دراسات خاصّة لهذا الموضوع، إلا أنّ أشكال تطبيقاته تحضر عندهم بوضوح وتعكسها مواقفهم، بشكل أو بآخر، من بعضهم البعض.

وهكذا، اعتمادا على منهج يجمع بين عناصر التاريخ والوصف والتحليل والمقارنة إلى حدّ ما، نشرع، أوّلا، بتقديم نظرة عامّة حول وجوه الاعتراف أو الجحود، وقبول الرأي الآخر أو رفضه في تاريخ الفلسفة والكلام بشكل عامّ؛ ثمّ نعرض، ثانيا، بعض وجوه الرفض المتبادل بين الفلاسفة المتكلّمين؛ ونناقش، ثالثا، بعض جوانب تلقّي يحيى النحوي وأفكاره الجديدة بين القبول والرفض في العصرين اليونانيّ والإسلاميّ؛ ونرصد، أخيرا، بعض الملاحظات العامّة حول التفاعل بين الفلاسفة والمتكلّمين ودوره في ردم الهوّة بين الفلسفة والكلام.

أوّلا، مواقف الاعتراف في تاريخ الفلسفة: نظرة عامّة

من المؤكّد أنّ تاريخ الفلسفة والكلام حافل بمواقف الاعتراف والتسامح، بل إنّ الاعتراف يشكّل أساسا من أسس منهج العلم؛ إذ لا يمكن إتيان مقال علميّ بدون إحالة أو استفادة من السابقين. فمن دروس التاريخ أنّنا نجد في نصوص القدامى، فلاسفة ومتكلّمين، إحالات على من سبقهم، وإبرازا لفضلهم بعبارات تفيض احتراما وتقديرا. غير أنّه، في المقابل، نجد مواقف تفيد عكس ذلك أيضا، من قبيل تجاهل الآخر أو التنقيص منه أو الاستهزاء به، بل ذمّه أحيانا. وعموما، يمكن رصد موقفين متناقضين في هذا الصدد، أحدهما إيجابيّ والثاني سلبيّ.

يتقدّم الموقف الإيجابيّ في صور أو مستويات ثلاثة: أوّلا، الإحالة على الرأي الآخر؛ وثانيا، التعبير عن معاني الاحترام للآخر؛ وقد يصل الأمر، ثالثا، إلى مستوى أكبر من التقدير والاعتراف بفضل الآخر.

أمّا الإحالة فقد تكون إشارة بسيطة، إلا أنّها قد تكون، أكثر من ذلك، عبارة عن إيراد نصّ كامل أو أجزاء منه، طويلة كانت أو قصيرة، للأمانة العلميّة. وهو أمر ترتّب عنه حفظ نصوص كثيرة ضاعت أصولها، وهي نصوص للأصدقاء والخصوم على حدّ سواء. وهذا حال أفلاطون وأرسطو مع الفلاسفة السابقين، ويحيى النحوي مع برقلس (ت. 451م)، وسمبليقيوس (ت. 560م)، والفارابي(ت. ح. 339هـ/950م) مع يحيى النحوي، والأشاعرة مع المعتزلة، وغير ذلك. فمن خلال إحالة أفلاطون وأرسطو على الفلاسفة السابقين عرفنا كثيرا من أفكارهم.[7] والمقالة الأولى من كتاب برقلس في قدم العالم فقدت في أصلها اليونانيّ، ويرجع الفضل إلى يحيى النحوي في حفظ هذه المقالة في ردّه على برقلس وإلى المترجم العربيّ الذي نقل كتاب يحيى النحوي إلى العربيّة.[8] وإلى سمبليقيوس والفارابي يرجع الفضل الأكبر فيما حفظ لنا من أجزاء مهمّة من كتاب الردّ على أرسطوطاليس المفقود ليحيى النحوي. ويعدّ هذا الأمر، في حدّ ذاته، نوعا من الاعتراف بيحيى النحوي رغم أنّ أفكاره احتفظ بها في سياق ردّ شديد اللهجة عليه كما سنرى. وكذلك فعل الأشاعرة مع المعتزلة، ولا نعدم أمثلة أخرى على ذلك، إن شئنا المزيد.[9]

أمّا التعبير عن معاني الاحترام وقبول الآخر، فنقف في نصوص الفلاسفة والمتكلّمين على عبارات وألفاظ كثيرة تفيد معنى قبول الرأي المخالف وإبداء نوع من الاحترام لصاحبه. ألم يجعل أرسطو منطلقه في كلّ كتاب وفي كلّ مسألة عرض آراء السابقين في الموضوع؟ أليس هذا إحالة واحتراما واعترافا في آن واحد! وحتّى في سياق الخصومة الشديدة، التزم الفلاسفة والمتكلّمون قواعد البحث وأخلاق ممارسة العلم. وفي نصوص المسلمين أمثلة كثيرة: فالأشعري(ت. ح. 324هـ/936م)، في مقدّمة كتابه مقالات الإسلاميّين، حرص على أن يعلن التزامه قيم الصدق والأمانة والحياد وعدم التشنيع على المخالف وتحرّي الدقّة والتقصّي في نقل آراء الفرق، ولم يُخرج أيّا منها من دائرة الإسلام، مؤكّدا أنّ الإسلام يشملها جميعا.[10] وكذلك فعل الشهرستاني (ت. 548هـ/1153م) في الملل والنحل، بل نجد في كتابه الآخر مصارعة الفلاسفة ردّا لطيفا راقيا، يخلو من أيّ تشنيع أو تحامل على ابن سينا (ت. ح. 428هـ/1037م)، بعبارات تحمل كلّ الاحترام له وقبول أفكاره؛[11] على عكس تهافت الغزالي (ت. 505هـ/1111م) وحدث العالم لابن غيلان (ولد ح. 505هـ/1111م) على سبيل المثال. والأمر يسري على فخر الدين الرازي (ت. 606هـ/1209م) أيضا، وكثير من المتأخّرين في تفاعلهم الإيجابيّ مع ابن سينا. ولاشكّ أنّ شيوع التسامح والتبادل الفكريّ واحترام الآخر كان وراء ازدهار العلم والفنون في الحضارة الإسلاميّة. بل قبل ذلك، ساهم الاندماج الذي حصل بين الفلسفة الهلينيّة والثقافات والديانات الشرقيّة، ومنها الديانات التوحيديّة في تطوير مذاهب فلسفيّة جديدة، وتصوّرات وأدلّة ومفاهيم وجدها المسلمون مناسبة، سهُل عليهم تبنّيها وتبيئتها في الثقافة الإسلاميّة. ولا نحتاج إلى التذكير بدور النصارى واليهود والصابئة والمجوس في تطوير العلوم بشتّى فروعها في الحضارة الإسلاميّة؛ إذ كان منهم تراجمة وأطباء وفلاسفة ومتكلّمون.[12] لقد كان ثمّة تفاعل واحترام متبادلين بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى في شتّى الفنون في الحضارة الإسلاميّة. وكانت مجالس العلم يؤمّها مختلف الأقوام من ديانات مختلفة وأعراق مختلفة. وأكثر من ذلك فقد تراجع الانتماء العقديّ الضيّق لصالح انتماءات فكريّة جديدة أوسع وأشمل لأطراف مختلفة.

وقد يتجاوز الاعتراف معنى الاحترام وقبول الآخر إلى درجة التقدير والاعتراف بالفضل رغم الاختلاف الفكريّ أو العقديّ أو غيره، وإن كان عادة ما يكون الاعتراف بالفضل في حال الاتّفاق والإفادة أكثر. يمكن أن نذكر هنا، على سبيل المثال، نصّا مشهورا للفيلسوف العربيّ الكندي (ت. ح. 256هـ/873م) في الدفاع عن الفلاسفة اليونانيّين معترفا بفضلهم؛ إذ يرى أنّه من أوجب الواجبات عدم ذمّ من أفادنا بشيء صغير، فكيف بمن أفادنا بشيء عظيم. وإن أخطأوا في شيء، فهُم أنساب وشركاء لنا فيما أفادونا من ثمار الفكر وأدواته، وسهّلوا مأموريّة البحث بتطوير وسائله، وهو يلمّح إلى المنطق. ويضيف مؤكّدا: ”فينبغي لنا أن لا نستحيي من استحسان الحقّ واقتناء الحقّ من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية عنّا والأمم المتباينة، فإنّه لا شيء أولى بطلب الحقّ من الحقّ.“[13] وعموما، نجد لدى المسلمين اعترافا قويّا بفضل أرسطو (384-322 ق. م)، في المنطق على سبيل المثال، حتّى من أشدّ المخالفين للمذهب الأرسطيّ، وهذا حال أبي حامد الغزالي[14] وغيره. كما حظي الفارابي وابن سينا بتقدير كبير من قبل المتكلّمين المتأخّرين، رغم الاختلاف الشديد معهما، خاصّة في الإلهيات. والتقدير نفسه حظي به ابن رشد عند خصومه شرقا وغربا.[15]

غير أنّ هذا الوجه المشرق من التسامح وقبول أفكار الآخر والاعتراف بفضل الغير علينا يقابله جانب آخر، سلبيّ، يحضر دائما وبدرجات متفاوتة بين أفراد الجماعة العلميّة في كلّ زمان، ويشتدّ في سياقات خاصّة.

يتجلّى الموقف السلبيّ، بدوره، في صور أو مستويات ثلاثة: أوّلا، السكوت أو عدم الإحالة البتّة؛ وثانيا، استعمال عبارات وألفاظ تفيد التنقيص من الآخر وعدم قبول رأيه، وهذا واضح كما سنرى في علاقة الفلاسفة بالمتكلّمين. أمّا المستوى الثالث، فهو مستوى الذمّ الصريح من خلال استعمال ألفاظ نابيّة، وهو أمر شائع في الكتابات العقديّة، كلاميّة أو غير كلاميّة.

أمّا السكوت وعدم الإحالة فهو أمر شائع بين الدارسين قديما وحديثا؛ فتجد مؤلّفا يشرع في التأليف في موضوع وكأنّه أوّل من يخوض فيه؛ فيسكت عن مؤلّف أو مؤلّفات مهمّة ومتداولة في الموضوع نفسه، أو يسكت عن مصدر أفاد منه، أو يناقش أفكار مؤلّف آخر دون ذكر اسمه. والأمثلة كثيرة جدّا في تاريخ الفلسفة والكلام وغيرها من الفنون. ولعلّ مثال يحيى النحوي، الذي قلّما تتمّ الإحالة عليه، دالّ في تاريخ الفلسفة والكلام معا، كما سنرى. ويمكن أن نذكر أيضا، في هذا الصدد، أبا حامد الغزالي الذي يسكت عن مصادره؛ إذ ينقل عن ابن سينا وغيره دون إحالة.

وأبرز مثال على التنقيص من الآخر هو مثال تعامل الفلاسفة مع المتكلّمين؛ إذ دأب الفلاسفة على التنقيص من قيمة الخطاب الكلاميّ،[16] متوسّلين في ذلك، في الغالب، بآلية التمثيل التي يوظّفونها أداة للسخرية من خصومهم، والهدف هو تخسيس صورة المتكلّمين في أعين الناس ˮونزع الأصالة الفكريّة عنهم“.[17] والعكس صحيح أيضا إلى حدّ ما. ويمكن تفسير غلبة موقف التنقيص من المتكلّمين لدى الفلاسفة المسلمين بأنّه استمرار لتقليد سابق لدى اليونانيّين في تعاملهم مع السوفسطائيّين ومع المتكلّمين قبل الإسلام، كما سنرى. وكذلك يفعل المتكلّمون، إذ لا يعيرون اهتماما يذكر لكثير من اجتهادات الفلاسفة خاصّة في الأمور الإلهيّة على سبيل المثال، بل يصفونها بالضلالات والكفر وغيرها.

لكن هذا التنقيص قد يصل إلى مستوى الذمّ الصريح .فابن رشد، على سبيل المثال، يصف المتكلّمين حينا بالمرضى، وحينا آخر بأشباه الأطباء، وحينا ثالثا بأنّهم صنف مذموم شاذ، وغير ذلك.[18] ويمكن أن نضرب أيضا مثال المتكلّمين مع أصحاب المذاهب الأخرى، وغير المتكلّمين (من أصحاب الحديث بالخصوص) مع المتكلّمين. فالقارئ قد يصدمه، أحيانا، ما تحتوي عليه نصوص المتكلّمين، بمختلف أطيافهم، من عبارات وألفاظ نابية تفيد الذمّ الصريح، وإن بدرجات متفاوتة في الحدّة من شخص إلى آخر. فإلى أي حدّ كانت فضيلة الاعتراف المتبادل وقبول الرأي الآخر تحكم العلاقة بين الفلاسفة والمتكلّمين؟

ثانيا، الفلاسفة والمتكلّمون: رفض متبادل

يجمع الفلاسفة على التنقيص من أقاويل المتكلّمين وطريقتهم ويصفونها، في أحسن الأحوال، بالجدليّة. وإلا فتهمة المغالطة والسفسطة غالبا ما تلحق أقاويل المتكلّمين وأدلّتهم في نصوص الفلاسفة. وفي المقابل، يجمع المتكلّمون على نقد الفلاسفة، بل تكفيرهم في بعض الأحيان. يصفهم الجويني (ت. 478هـ/1085م) وغيره من أرباب الكلام بالملحدة، وعلى هذا الأساس كفّرهم تلميذه الغزالي (ت. 505هـ/1111م) في ثلاث مسائل وبدّعهم في سبعة عشرة مسألة أخرى. ففي سياق نقد الفلاسفة يصير المتكلّمون فريقا واحدا. يقول الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة إنّه ينبغي غضّ الطرف عن الاختلاف بين الأشاعرة والمعتزلة والكرّامية في أصول الدين والتركيز على نقد الفلاسفة، ”فعند الشدائد تذهب الأحقاد“ على حد تعبيره.[19]

لننظر عن كثب إلى بعض الأمثلة عن موقف الفيلسوف من غيره وموقف المتكلّم من غيره.

  • موقف الفيلسوف من غيره

من الشائع أنّ للفلاسفة موقفا إيجابيّا من الآخر، كما أوضحنا أعلاه، لأنّ الفلسفة تقوم، في ماهيتها، على النقد وقبول الرأي الآخر. غير أنّ الأمر ليس دائما كذلك في الواقع. كيف ذلك؟

من المعروف أنّ الفلاسفة في العصر الإسلامي، على سبيل المثال، يقسّمون القول إلى خمسة أصناف أو مستويات: قول برهانيّ ينتج العلم اليقين في نظرهم؛ وقول جدليّ يعتمد على مقدّمات مشهورة ردّا أو دفاعا عن رأي ويقدّم دعواه في صورة العلم اليقين وهو ليس كذلك؛ وقول سفسطائيّ مغالط يقدّم ما ليس بيقين في صورة اليقين، واليقين في صورة نقيضه؛ وقول خطابيّ يسعى إلى الإقناع بالمقبولات والمشهورات؛ وقياس شعريّ يروم التأثير في النفس باعتماد التخييل والتصوير.[20] والحقّ يتوصّل إليه من جهة القياس البرهانيّ فقط، لا من جهات أخرى. ووحدهم الفلاسفة مؤهّلون لاستعمال النوع الأوّل، في حين يعوّل المتكلّمون على الثاني في استدلالاتهم.[21] فالحقّ، بهذا المعنى، حكر على الفلاسفة دون سواهم. وعلى هذا الأساس شاع التنقيص من المتكلّمين وخطاباتهم.

ولعلّه من المناسب في هذا الصدد أن نقف عند نصّين: الأوّل ليحيى بن عدي (ت. 364هـ/965م) فيه استهزاء صريح بالمتكلّمين؛ والثاني لأبي سليمان السجستاني (ت. 380هـ/1000م) حيث يصف طريقة المتكلّمين بأبشع الأوصاف.

يستهزئ يحيى بن عدي بالمتكلّمين عندما يصفون أنفسهم بأنّهم أرباب الكلام، إجمالا، كما يلي:

– أرباب كلام وكأنّ غيرهم ليسوا متكلّمين، أي أنّهم خرس أو سكوت؛

– غالطون أو مغالطون؛

– ما يتبجّح به المتكلّمون من نحو وشعر ولغة ليست علوما أصلا؛

– يملكون قشور الحكمة لا الحكمة نفسها؛

– لهم يسير من البرهان المنطقيّ والرمز الإلهيّ والإقناع الفلسفيّ؛

– يعتمدون الجدل مع التمويه والمغالطة؛

– كثير منهم يقفون دون هذا المستوى الجدليّ، كما حدّده أرسطو.[22]

وجوابا عن سؤال ما الفرق بين طريقة المتكلّمين وطريقة الفلاسفة، وصف أبو سليمان السجستاني، من جهته، طريقة المتكلّمين، اختصارا، بما يلي:

 – إنّها طريقة مؤسّسة على مكايل اللفظ باللفظ بلا حجّة علميّة؛

– تعتمد على الجدل والحسّ والوهم والعادة؛

– تعتمد على المغالطة والتدافع وإسكات الخصم بما اتّفق؛

– قولهم لا محصول فيه؛

– بوادر لا تليق بالعلم (أي بعيدون عن العلم)؛

– سوء أدب كثير؛

– سوء ديانة وفساد دخلة ورفض الورع.[23]

وبعد، فهذه الأحكام وإن انطبقت على البعض، جزئيّا أو كلّيا، فإنّها بالتأكيد لا يمكن تعميمها على جميع المتكلّمين من مختلف المستويات والأطياف والمذاهب والملل. وفي كلّ الأحوال، فهذا الموقف الحادّ من المتكلّمين هو الغالب لدى الفلاسفة المشّائين. وهو موقف فيه تنقيص واضح من الخطاب الكلاميّ وازدراء له. فكيف ينظر، في المقابل، المتكلّمون إلى الفلاسفة؟

  • موقف المتكلّم من غيره

إنّ تصفّح أسلوب كتاب واحد من الكتب الكلاميّة لمتكلّم رزين مثل أبي المعالي الجويني (ت. 478هـ/1085م) في كتاب الإرشاد لكفيل بأن يعطينا فكرة عن الأوصاف التي يطلقها على الخصوم والأصحاب على السواء، إيجابا وسلبا. يمكن أن نرصد ثلاث فئات أو مستويات رئيسة يذكرها إمام الحرمين في سياق مناقشته لقضايا مختلفة. وهي تشكّل انتماءات قد تتّسع وتضيق تبعا للمسألة موضع الخلاف، ومعها يتّسع أو يضيق مفهوما الاعتراف وقبول الآخر:

1) ”الموحّدون“، أو ”أهل التوحيد“، ويضمّ أهل الكتاب في مقابل الفلاسفة (الملحدة) القائلين بقدم العالم. يتضمّن هذا المستوى موقفا إيجابيّا من أهل الديانات التوحيديّة الأخرى، وهو موقف اعتراف وقبول الآخر، لكنّه يتضمّن في الآن نفسه موقفا سلبيّا من الفلاسفة المسلمين القائلين بقدم العالم. يمكن أن نفهم معنى الموحّدين بوصفه يقابل الوثنيّين والمشركين، لكن السياق هنا يشمل الفلاسفة المسلمين أيضا.

2) ”المنتمون إلى الإسلام“، ويشمل مختلف الفرق الإسلاميّة في مقابل غير المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم، وقد يشمل ʼالغيرʻ هنا الفلاسفة أيضا، لأنّ الجويني يصفهم بالملحدة.

3) ”أهل الحقّ“ (”أصحابنا“، ”بعض أئمّتنا“) ويقصد بهم الأشاعرة، في مقابل أهل الأهواء من معتزلة وخوارج وزيديّة وإماميّة وحشويّة وفلاسفة.

يمكن أن نضيف إلى ما سبق الملاحظات التالية:

أوّلا، يخصّص الجويني فصلا بعنوان ”في ذمّ القدريّة“. فالحقّ حكر على الأشاعرة دون غيرهم من الفرق والمذاهب عقديّة كانت أو فلسفيّة.

ثانيا، يستعمل لغة لطيفة عندما يناقش رأي بعض أئمّة المذهب الأشاعرة في حين يتشدّد مع الخصوم حسب السياق.[24]

ثالثا، يتعجّب لأمر الفلاسفة كيف ينتقصون من قيمة المتكلّمين ويعدّون أدلّتهم مغالطات، ويرون أنّها لا تتجاوز رتبة الجدليّات، في أحسن الأحوال، ولا تصل إلى مرتبة البرهانيّات أبدا. وهم يقبلون بالطبع من غير حجاج في الإلهيات، مع أنّهم يعترفون أنّ الإلهيات أخفى الخفيات.

 يمكن النظر إلى كلام الجويني على أنّه ردّ على رأي الفلاسفة (مثال يحيى بن عدي والسجستاني أعلاه). نختصر كلامه كما يلي:

  • قول الفلاسفة تحكّم لا محصول فيه؛
  • يلحّون، مع ذلك، على التنقيص من المتكلّمين؛
  • يصفون قواطع المتكلّمين بأنّها مغالطات؛
  • أقوالهم لا تتجاوز مستوى الجدل ولا برهان فيها؛
  • يسمحون لأنفسهم في الإلهيات بما يؤاخذون عليه المتكلّمين.[25]

وهذا الرأي يتكرّر عند تلميذه أبي حامد الغزالي وغيره. فالغزالي يورد الملاحظة نفسها على الفلاسفة وعلى ابن سينا بالخصوص؛ حيث شرط على نفسه، في المقدّمة الرابعة من التهافت، أن يناظر الفلاسفة بعباراتهم في المنطق ليبيّن أنّهم لم يتمكّنوا من الوفاء في الإلهيّات بالشروط التي اشترطوها في صحّة مادّة القياس في قسم البرهان، وما شرطوه في صورته. وقد تركّز ردّ ابن رشد على الملاحظة نفسها أيضا؛ إذ جعل ”غرض التهافت تبيّن مراتب الأقاويل المثبتة في كتاب التهافت لأبي حامد في التصديق والإقناع، وقصور أكثرها عن رتبة اليقين والبرهان.“[26]

لقد استعان الغزالي بمذاهب كلاميّة أخرى ضدّ الفلاسفة، وهو ما جعل من ردّه ردّا كلاميّا على الفلاسفة؛ لا ردّا أشعريّا على الفلاسفة، بل نجد أنفسنا في كتاب التهافت أمام متكلّمين في مواجهة الفلاسفة. وأكثر من ذلك نجد طريقة معيّنة تجمع بين الكلام والفلسفة السينويّة تحديدا. ويبدو أنّ ابن رشد قد انتبه إلى هذا الأمر؛ فحاول أن يجعل ردّه أوسع؛ أي ردّا فلسفيّا على طريقة فلسفيّة كلاميّة بدأت مع يحيى النحوي وكرّسها ابن سينا، ثمّ استثمرها الغزّالي ضدّ الشيخ الرئيس نفسه؛ بل عمّم ردّه على الفلاسفة جميعا. وهذا الردّ يقوم على حجّة سليمة وقويّة ضدّ الفلاسفة الذين يؤاخذون على المتكلّمين اعتماد أقيسة جدليّة وهم يأتون بمثلها، خاصّة في الإلهيات. إنّهم يستعملون الأقيسة الجدليّة نفسها التي يستعملها المتكلّمون؛ بل أكثر من ذلك يعمدون إلى التمثيل وحجّة إجماع الجمهور وغيرها، كما بيّن يحيى النحوي في مواضع كثيرة من كتاب الردّ على أرسطوطاليس.[27]

ج) رفض متبادل

يتبيّن من ما سبق أنّ المؤاخذة متبادلة بين الفلاسفة والمتكلّمين، وقد يصل الأمر إلى الرفض المتبادل، بل التشنيع على الطرف الآخر، وتبادل السباب أحيانا، تماما كما هو الحال بين مختلف الفرق الكلاميّة. وقد أثار سليمان دنيا في مقدّمة نشرته لكتاب تهافت الفلاسفة ما سمّاه ”سباب الغزالي للفلاسفة وسباب ابن رشد للغزالي،“ مبرزا أنّ الفيلسوفين معا وقعا في مطبّ السباب الذي لا علاقة له بالفلسفة.[28] ونجد أمثلة على ذلك في الكتابين معا. فعنوان كتاب الغزالي نفسه يشي بنوع من التنقيص من خطاب الفلاسفة، إذ يبرزه في صورة خطاب متناقض وضعيف، ولا يقوم على أساس. وهي المؤاخذة عينها التي للفلاسفة على الخطاب الكلاميّ، وهو ما يعكسها عنوان ردّ ابن رشد تهافت التهافت. يصف الغزّالي الفلاسفة بالكفر والتناقض والخبط والتحكّم والسفسطة وغير ذلك.[29] ويردّ عليه ابن رشد واصفا إيّاه حينا بالجاهل، وحينا آخر بالشرير الجاهل ولو بشكل غير مباشر، وغير ذلك من الأوصاف.[30] وتجدر الإشارة إلى أنّ الغزالي نفسه اغترف من الفلاسفة إلى درجة صار فيها أقرب إلى الفلاسفة من أصحابه الأشاعرة؛ كما ألّف ابن رشد، على غرار فلاسفة آخرين، كتبا أقرب إلى الكلام. وكذلك فعل قبله ابن سينا وغيره.

وإذا كان الغالب على علاقة الفلاسفة بالمتكلّمين هو الرفض المتبادل، ظاهريّا على الأقلّ، إلا أنّه لا يمكن حصره في هذا الإطار، بل نجد خطاب الرفض ساريا أيضا بين فيلسوف وآخر (ابن سينا وأبو بكر الرازي (ت. 311هـ/923م) على سبيل المثال)، وبين متكلّم وآخر (والأمثلة هنا لا تحصى). والأمر لا يقتصر على التنقيص، بل قد يصل إلى درجة تبادل السباب والذمّ، كما سبقت الإشارة.

ثمّة عناوين كتب كلاميّة تشي بمضمونها مثل فضائح المعتزلة للبغدادي (ت. 429هـ/1037م)، فضائح الباطنيّة للغزالي، كتاب الانتصار والردّ على ابن الراوندي الملحد وغيرها كثير. والكتاب الأخير، رغم أهمّيته المعرفيّة والتاريخيّة، مليء بعبارات الذمّ؛ إذ يصف ابن الراودي بأوصاف قدحيّة كثيرة أبرزها ”الماجن“، ”الماجن السفيه“، ”الماجن الجاهل“، ”الكذّاب“ وغيرها.[31] وأيضا، نقرأ في الكتاب أوصافا محايدة من قبيل ”قال صاحب الكتاب“ وهي عبارة لطيفة في ظاهرها، لكن يستعملها صاحب الانتصار لكي لا يذكر اسم صاحب الكتاب على ما يبدو. وفي المقابل نجد مؤلّفات كثيرة في ذمّ الكلام وأهله، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: الهروي (ت. 381هـ/991م)، كتاب ذمّ الكلام وأهله؛ أبو الفضل المقرئ (ت. 454هـ/1062م)، كتاب أحاديث في ذمّ الكلام وأهله؛ ابن قدامة المقدسي (ت. 620هـ/1224م)، تحريم النظر في علم الكلام؛ بالإضافة إلى كتابات ابن تيمية وابن القيم والسيوطي المعروفة، وغيرها.[32]

ولا تخلو كتابات الفلاسفة من عبارات مماثلة لا تروم التنقيص من المخالف فقط، بل تشمل سبابا صريحا أيضا. فابن سينا، الذي وصفه ابن القيّم بـ”الملحد، بل رأس ملاحدة الملّة،“[33] يصف أبا بكر الرازي (الذي وُصف بدوره بـ”الملحد“ و”الزنديق“ وغير ذلك من الأوصاف) بـ”المتكلّف الفضوليّ“ الذي تجاوز قدره في بطّ الجراح والنظر في الأبوال والبرازات.“[34] وقد اشتهرت المنافسة والصراع بين كثير من الفلاسفة والمفكّرين قديما وحديثا. ناهيك عمّا تعرّض له كثير من العلماء والفلاسفة من سوء معاملة، وصل في بعض الحالات إلى القتل أو الإقصاء أو غير ذلك كان للزملاء دور فيه، ولو بشكل غير مباشر. والتاريخ يقدّم لنا أمثلة عن زملاء يؤلّبون العامّة والسلطة، على حدّ سواء، ضدّ بعضهم البعض؛ إذ يحكي ابن أبي أصيبعة، على سبيل المثال، أنّ الكندي كان ضحية تآمر رياضيَّين وعالِمين مشهورَين هما محمد وأحمد بن موسى اللذين ”أقنعا المتوكّل باحتجاز خزانة الكندي، بل أقنعاه بضربه أيضا.“[35] والخلاف بين ابن باجة (ت. ح. 523هـ/1139م) والطبيب ابن زهر (ت. ح. 557هـ/1162م) ربّما كان وراء مقتل ابن باجة؛ إذا صحّت قصّة مقتل ابن باجة من قبل خادم ابن زهر بأكلة مسمومة. أمّا الأوصاف التي يطلقها عليهم غيرهم، مثل الفقهاء مثلا، فحدّث ولا حرج. وما تعرّض له بعض الصوفيّة لا من نكران أو تنقيص لفظيّ فحسب، بل من تنكيل جسدي أحيانا يعكس هذا الأمر أيضا.

وهذا لا ينبغي أن يغطّي على مواقف إيجابيّة كثيرة تحبل بها الكتب الكلاميّة والفلسفيّة معا لا يتّسع المجال لعرضها.[36] وفي كلّ الأحوال، يبقى السجال الفلسفيّ الكلاميّ من أخصب النقاشات في تاريخ الفكر الإسلاميّ، ولا يضاهيه سوى النقاش الذي حصل بين يحيى النحوي وسمبليقيوس والفلاسفة في العصر السابق. وقد انتهى الأمر بالفريقين إلى نوع من الاعتراف المتبادل في الواقع التاريخيّ؛ حيث امتزجت طرائق المتكلّمين بطرائق الفلاسفة، وخاض الفلاسفة في القضايا الكلاميّة خوض متكلّمين لا فلاسفة، ولم يلتزموا بما شرطوه في البرهان، وخاض المتكلّمون في قضايا عقديّة خوض فلاسفة محترفين لا خوض متطفّلين. وعليه، فإنّ سؤال حدود الاعتراف المتبادل بين الفلاسفة والمتكلّمين يخفي سؤالا آخر أعقد وهو سؤال الحدود بين الفلسفة والكلام؟ وهذا ما يتوضّح أكثر بعد أن نقف على حالة يحيى النحوي وبعض صور تلقّيه في العصرين اليونانيّ والإسلاميّ. وهي حالة لها دلالة خاصّة فيما نحن فيه، إذ تعرّض لرفض مزدوج في عصره وتباينت الآراء حوله في العصر الإسلاميّ.

ثالثا، يحيى النحوي: رفض مزدوج

يحيى النحوي فيلسوف متكلّم نصرانيّ يونانيّ عاش في القرن السادس الميلادي في الإسكندريّة. ساهم بشكل قويّ ومتميّز في تاريخ الفلسفة والعلم والتيولوجيا؛ لكن دون أن يحظى بالاعتراف الذي يستحقّه في زمنه ولا في العصرين الوسيط والحديث. مع العلم أنّ كثيرا من أدلّة المسلمين واليهود والنصارى ضدّ أرسطو استقوها من مؤلّفاته. علاوة على أنّه قدّم أفكارا علميّة غير مسبوقة ساهمت في تقدّم العلم في العصر الحديث والتحرّر من هيمنة الفيزياء والكسمولوجيا الأرسطيّة بشكل خاصّ.[37]

  • في العصر اليونانيّ المتأخر

اسمه ʼيوهانوسʻ (يوحنّا أو يحيى)، أمّا ʼالنحويʻ (ﮔراماتيكوس) فهو لقب أطلق عليه بمعنيين: أحدهما إيجابيّ والثاني سلبيّ. المعنى الإيجابي بسبب تميّزه في الآدب والفيلولوجيا، ولعلّه هو نفسه كان يستعمل هذا اللقب إلى جانب لقب ʼيحيى الإسكندريّʻ. أمّا المعنى السلبيّ، فهو الذي ظلّ يستعمله خصومه تنقيصا من قيمته العلميّة، إذ يطلقون عليه ʼالنحويʻ بمعنى الأديب الذي لم يرْقَ إلى مرتبة الفيلسوف. ولا يطلق عليه بمعنى أنّه عالم نحو فحسب، بل ينظر إليه على أنّه شخص متكلّف يخوض في ما لا يعنيه، ويفترض من الناس أن لا يسمعوا إليه ولا يقرؤوا كتبه لأنّه ليس بفيلسوف قطّ، ولم يلتزم بالتقاليد ʼالفلسفيّةʻ.[38] أمّا لقبه الثاني ʼفيلوبوسʻ (محبّ العمل) الذي لا تشوبه نقيصة، فلا يبدو أنّ خصومه استعملوه. وقد صار يستعمل اليوم في الدراسات الغربيّة الحديثة على نحو واسع، حتّى صار اللقب الأشهر لهذا العالم. أمّا قديما فنادرا ما كان يذكر به، وخصومه لا يذكرونه سوى باسم ʼالنحويʻ، ويبدو أنّ الأمر كان مقصودا من قبل الفلاسفة على الأقلّ إمعانا منهم في عدم الاعتراف بتكوينه الفلسفيّ. والواقع أنّه شرح معظم كتب أرسطو، بل إنّ شروحه عليه لم تتوقّف حتّى بعد تأليفه كتاب الردّ على أرسطوطاليس في قدم العالم حوالي عام 534م.[39]

لقد ووجه يحيى النحوي بخصومة حادّة من قبل أصحاب عقيدته أيضا، لمكان إعماله المنطق والأفكار الأرسطيّة في التفسير، كما رفضه الأفلاطونيّون والمشّاؤون على السواء بسبب نقده أفلاطون وأرسطو، وإتيانه أفكارا مخالفة لهما في قضايا كثيرة. فمن جهة أولى، لم يسامحه أهل ملّته لأنّه تبنّى مذهبا مخالفا، هو مذهب التثليث، جمع فيه بين النصرانيّة والأرسطيّة، ومال إلى مذهب القائلين بالطبيعة الواحدة في كتابه الحكم الذي ألّفه بغرض تقريب وجهات نظر القائلين بالطبيعة الواحدة والقائلين بالطبيعة الثنائية للمسيح. وقد أصدر المجمع الكنسيّ السادس الحرم في حقّه بسبب هذا الكتاب، ولو بعد وفاته. ومن جهة ثانية، لم يسامحه الفلاسفة لا لأنّه تبنّى آراء مخالفة لأفلاطون وأرسطو فقط، وإنّما لأنّه انتقد أرسطو وبرقلس وغيرهم من الفلاسفة أيضا، في مسائل عديدة وعلى رأسها مسألة قدم العالم.[40] فعلى سبيل المثال، نلاحظ عند سمبليقيوس انتقاصا مقصودا منه ومن مؤلّفاته، وخاصّة ردوده على أرسطوطاليس. يصفه بـ”أحد المعاصرين“، ”هذا الرجل“، ”هذا النحوي“ وغيرها من الألقاب، ولا يذكره باسمه.[41] ويصف كتاب الردّ على أرسطوطاليس بأنّه طويل جدّا رام منه صاحبه التأثير على العامّة بالكمّ؛ ”وبسبب طوله فقط حظي صاحبه بشهرة كبيرة،“ يقول سمبليقيوس.[42] ثمّ إنّ طول الكتاب لا يشجّع على دراسته، حسبه، لذلك ظلّ غير مدروس ولم يهتمّ به أيّ إنسان متعلّم، إذا استثنينا المسيحيّين غير المتعلّمين الذين لا يعرفون شيئا عن أرسطو والفلسفة بشكل عامّ، وقد اعتنوا به فقط لأنّه يدعّم معتقداتهم الدينيّة. ويضيف أنّ يحيى النحوي يستدلّ على أنّ العالم في كلّيته فاسد ”وكأنّه سوف يحصل على جائزة كبيرة من الخالق إذا برهن على أنّه خالق أشياء فاسدة (غير أزليّة) فقط، ولا شيء غير فاسد (أزليّ).“[43] وأكثر من ذلك، يتّهمه بالسرقة العلميّة؛ إذ يقول إنّه أخذ أفكار كزينارخوس  Xenarchus (عاش في القرن الأوّل قبل الميلاد)، ولم يُحل عليه. ولم يثبت أنّ يحيى النحوي كان مطّلعا على كتابات كزينارخوس في حدود علمنا. ويبدو أنّه قد شعر أنّ في كلامه نوعا من التحامل على يحيى النحوي، فعمد إلى تبرير ذلك بالقول إنّ ما استعمله من كلمات وعبارات حادّة أحيانا في وصف هذا الرجل لا يعبّر عن أيّ عداء تجاهه؛ فهو لم يلتقيه ولم يره قطّ، كما يقول.[44] هكذا، فالإنسان عندما يشعر بتناقض في أقواله أو مواقفه يجدّ في البحث عن مبرّر يقنع به نفسه قبل غيره. لكن الوجه الإيجابيّ أنّ في هذا الأمر اعترافا معيّنا وقبولا به ولو على مضض. فكيف تعامل المسلمون مع اسمه وآرائه؟ هل حظي بالاعتراف والقبول في العصر الإسلامي؟

  • في العصر الإسلاميّ

استمرّ أسلوب سمبليقيوس نفسه مع المشّائين في العصر الإسلاميّ وخاصّة مع الفارابي وابن سينا، في حين احتضن المتكلّمون أدلّته على حدوث العالم وأفاد منه الفلاسفة والعلماء أفكارا علميّة جمّة، لكن دون اعتراف يذكر من الطرفين، إلا في ما ندر. وقد استمرّ استعمال لقب ʼالنحويʻ لدى الفلاسفة المشّائين المسلمين، أحيانا، بالمعنى السلبيّ الذي أشرنا إليه. وإن كان الأمر ليس كذلك قطّ عند المؤرّخين وأصحاب الطبقات والمتكلّمين. فقد عرفه المؤرّخون بلقب ”الحريص“ و”محبّ التعب“ و”محبّ الاجتهاد“ وهي كلّها ترجمات حرفيّة للقبه اليوناني ʼفيلوبونوسʻ.[45] بل ذكره ابن أبي أصيبعة بهذا اللقب كما هو، أي ”فليبونوس“.[46]

يصفه الفارابي بـ”المخادع“ حينا، إذ يرى أنّ في كلامه كذب وخدعة، وبـ”المغالط“ حينا آخر متّهما إياه بالتعمّد في إساءة فهم أرسطوطاليس، وفي أحسن الأحوال يتهمّه بالغفلة عن الفهم الصائب. وهو ”إمّا غالط أو مغالط“ عند يحيى بن عدي أيضا.[47] وقد استعاد ابن باجة هذا الوصف عينه لاحقا.[48] وبالإضافة إلى وصفه بالسفسطة،[49] يرى الفارابي أنّه يستعمل الدين في الفلسفة. ويستبعد أبو نصر أن لا يكون يحيى قد وقف على ما عليه تلك الآراء الموضوعة في الملل من البعد عن طباع الأمور، مستنتجا من ذلك أنّ ما فعله يحيى النحوي من مناقضة أقوال أرسطوطاليس كان بهدف نصرة دينه أو إرضاء رؤساء أهل ملّته حتّى لا يلحقه ما لحق سقراط.[50] هذا هو الموقف المتسامح الوحيد، ربّما، الذي نجده عند الفارابي تجاه يحيى النحوي، بل يتضمّن نوعا من الاعتراف به كفيلسوف يعلم جيّدا أنّ الملل ليس فيها علم الطباع، وأنّ انتصار يحيى النحوي لموقف الدين في مسألة قدم العالم كان نصرة لملّته أو إرضاء لرؤساء أهل ملّته أو اتّقاء لأذى قد يلحقه منهم. أمّا التبرير المعرفيّ لذلك، فهو أنّ يحيى النحوي انتهى إلى نتائج مخالفة لأرسطو لأنّه لم يأخذ بعين الاعتبار المقدّمات التي أدّت إليها، وهذه المؤاخذة وردت عند ابن سينا أيضا، كما نجدها عند ابن رشد في نقده الغزالي.

ومن جهته، يصفه ابن سينا بـ”المموّه“، و”المتكلّف“، ولا يذكره بالاسم في كتبه الطبيعيّة والإلهيّة إلا نادرا جدّا، لكنّه يصفه بأوصاف من قبيل ”هذا القائل،“ ”هذا الإنسان“ وغير ذلك؛ ونفهم من السياق أنّه يقصد يحيى النحوي، بل يقصد التنقيص منه، على ما يبدو. وفي كثير من مواضع كتابَي السماع الطبيعيّ والسماء والعالم، يردّ عليه ويناقشه دون أن يذكره بالاسم، وكذلك فعل في رسالة الحكومة التي أفردها للردّ على أحد أدلّة يحي النحوي، دون إحالة عليه، معتبرا دليل استحالة التسلسل إلى ما لا نهاية له دليلا من أدلّة المتكلّمين. وقد أفاد منه ابن سينا كثيرا خاصّة في تصوّراته الفيزيائيّة، ولعلّ أشهرها نظريته في الميل القسري التي ما هي سوى استعادة لنظرية القوّة المطبوعة في الجسم عند يحيى النحوي.[51]

وكذلك فعل ابن باجة وابن رشد، وإن كان هذان الأخيران يأتيان على ذكره بالاسم أكثر، وأحيانا باسم خاطئ كما عند ابن باجة في شرح السماع الطبيعيّ (يرد عنده باسم ”يحيى بن عدي النحوي“ و”يحيى العسقلاني“).[52] وقد أفاد منه ابن باجة أيضا.[53] وابن رشد في تلخيص كتاب السماء، يعرض دليل يحيى النحوي في تناهي قوّة الجسم على أنّه شكّ، مبنيّ للمجهول؛ بل يبدو أنّه ينسبه إلى الإسكندر، ويذكر أنّه يحضر عند ابن سينا أيضا. ويختم قائلا: ”وقد شعر يحيى النحوي بهذا الشكّ، فأوجب منه أن يكون للعالم كون.“[54] ومن المفيد الإشارة إلى أنّ ابن رشد يصف يحيى النحوي بالمتكلّم، وهو أمر يفسّر موقفه منه، لأنّه نظر إليه على أنّه متكلّم لا أكثر ولا أقلّ.

وهكذا، فقد تراوح الموقف من يحيى النحوي لدى الفلاسفة والمتكلّمين المسلمين بين الرفض والقبول، وبين عدم الاعتراف في الظاهر والاغتراف من أفكاره في الباطن. وقد نهل من أفكاره الفلاسفة والمتكلّمون على السواء دون اعتراف يذكر. فكيف نفسّر غياب الإحالة عليه، إلّا فيما ندر لدى الطرفين معا وفي الغالب باسم خاطئ، من قبل خصومه وأصدقائه على السواء؟

يجدر التذكير أنّ يحيى النحوي، رغم أهمّية مساهمته في تاريخ العلوم والفلسفة والكلام، ظلّ مغمورا إلى زمن قريب؛ إذ لم يحظ بالشهرة التي حظي بها غيره، بل تعرّض لتهميش وتنقيص، قصدا أحيانا وتقليدا أحيانا أخرى، من قبل زملائه الفلاسفة وأصحابه في الملّة على حدّ سواء، في عصره وبعده. والنتيجة حصول خلط كبير في التقليد العربيّ الإسلاميّ، وربّما في التقليد السريانيّ قبله أيضا، حول هويّته والزمن الذي عاش فيه.[55] وإذا كنّا نفهم ميل المشّائين إلى التنقيص من قيمة مساهمة يحيى النحوي العلميّة، فإنّه ليس ثمّة مبرّر واضح لعدم إحالة المتكلّمين عليه، إلا في النادر، رغم توظيفاتهم القويّة لأدلّته على حدوث العالم. ولا نستبعد أن يكون المسلمون، كما ورثوا أدلّته، وربّما بشكل غير مباشر، ورثوا معها أيضا نمطا معيّنا من التعامل مع إرث يحيى النحوي، ترسّخ في التقليد الفلسفيّ والكلاميّ السابق. وهذا يحتاج إلى مزيد بحث، ليس هو غرضنا هنا.

ورغم أنّ ʼالمشّائينʻ المسلمين يجمعون على رفض أفكاره، ويحرصون على التنقيص من قيمته كفيلسوف، إلا أنّه أحيانا تنفلت منهم بعض عبارات الاعتراف بقوّة شكوك يحيى النحوي، وبعض الإعجاب به في سياق مناقشة أفكاره والردّ عليه. فعلى سبيل المثال، نستشف عند ابن سينا نوعا من التقدير والإعجاب الضمنيّ بيحيى النحوي وبقوّة المناقضة والشكوك التي قدّمها.[56] ونستخلص من بعض نصوص ابن رشد أنّه ينظر إلى يحيى النحوي بوصفه متكلّما ʼنصرانيّاʻ وينتقده على هذا الأساس تماما كما ينتقد المتكلّمين، وأحيانا يعدّه ”ممّن تبع أفلاطون من أهل النظر؛“ أي يعدّه فيلسوفا أفلاطونيّا، وهذا يعني نوعا من الاعتراف به باعتباره ناظرا؛ بل لا يترّدد أحيانا في الاعتراف بقوّة شكوكه.[57] غير أنّ الرفض الشديد لتوجّه يحيى النحوي الفلسفيّ المخالف لتوجّه أرسطو لم يمنع إفادتهم منه في قضايا علميّة دقيقة، تماما كما أفاد منه المتكلّمون في أدلّة حدوث العالم وغيرها.

ولعلّ قوّة يحيى النحوي تكمن في جمعه بين الفلسفة والكلام وبين العلم والإيمان، بشكل جعله يستثمر أحدهما في الآخر من أجل تطوير العلم بالظواهر، وتطوير فهم النصّ الدينيّ في آن واحد.[58] وفي الجملة، لقد تمكّن يحيى النحوي من تجاوز الحدود التقليديّة التي سطّرها الفلاسفة والمتكلّمين بين الكلام والفلسفة، وجعلوا منها، على ما يبدو، حدودا لقبول الرأي الآخر والاعتراف به. وهي المهمّة التي توفّق فيها كثير من المتكلّمين المسلمين أيضا. كيف ذلك؟

رابعا، الحدود بين الفلسفة والكلام: ملاحظات عامّة

يمكن رصد بعض الحدود التي سيّج بها الفلاسفة والمتكلّمون مجال اشتغالهم فيما يلي:

أوّلا، يلتزم الفلاسفة بمبدأ العقل وأصول المنطق الأرسطيّ في تحصيل المعرفة، والأمر يشمل الإلهيّات أيضا؛ في حين يجعل المتكلّمون الشرع، إلى جانب العقل، مصدرا أساسيّا من مصادر المعرفة. ولأنّ قبول الرأي، أيّا كان هذا الرأي، والاعتراف به من هذا الطرف أو ذاك رهين بمدى الالتزام بهذا المبدأ أو ذاك، فقد صارت حدود قبول الرأي والاعتراف هي نفسها الحدود التي سطّرها الفلاسفة بين الفلسفة وما ليس بفلسفة، وما سطّره المتكلّمون بين فنّ الكلام وما ليس كذلك. إنّها حدود بين خطاب يدّعي لنفسه البرهانيّة ويستعمل مصطلحات محدّدة ويلتزم بمقدّمات ومرجعيّة معيّنة، وبين خطاب يبدو أكثر انفلاتا من قواعد المنطق الأرسطيّ وسلطة أقيسته واصطلاحاته. فأرسطو الذي جعل منه المشّاؤون سلطة علميّة، لم يكن له ذلك الوزن عند المتكلّمين، ولم يلتزموا بما شرطه في القياس، على سبيل المثال، ولا في غيره. وفي المقابل، فإنّ الملّة التي جعلها المتكلّمون مصدرا للعلم، لا تعدو أن تكون، في نظر الفلاسفة، خيالات للحكمة موجّهة إلى الجمهور، لا الحكمة نفسها.

ثانيا، يلتزم الفلاسفة المشّاؤون بأصول الفيزياء الأرسطيّة في حين عاد المتكلّمون، علاوة على النصّ الدينيّ، إلى الفلاسفة الطبيعيّين الأوائل ينهلون من آرائهم، كما صارت للفيلسوف الإلهيّ أفلاطون مكانة أكبر من أرسطو عندهم. والأمر نفسه ينطبق على يحيى النحوي وابن سينا وأبي بكر الرازي وابن الهيثم (ت. 430هـ/1040م) وغيرهم من العلماء الطبيعيّين الذين انفتحوا على مشارب مختلفة، متقدّمين ومتأخّرين، يونانيّين وغير يونانيّين. لذلك اتّسمت أفكارهم بخصوبة كبيرة بسبب انفتاحهم على تقاليد فلسفيّة وعلميّة شتّى.

ثالثا، إنّ ”حدود اللغة هي أيضا حدود الاعتراف المتبادل“ كما قيل.[59] فالمتكلّمون المسلمون يولون أهمّية كبيرة للغة العربيّة وأقيستها النحويّة لأنّها تعكس بنية ثقافيّة مختلفة، في حين يعوّل الفلاسفة أكثر على الأقيسة المنطقيّة لا على التراكيب اللغويّة. وعليه، يؤاخِذ الفلاسفة على المتكلّمين عدم إتقان المنطق ويؤاخِذ المتكلّمون على الفلاسفة عدم إتقان النحو العربيّ. وفي هذا السياق يمكن أن نفهم الغرض، ربّما الأساس، من مناظرة أبي سعيد السيرافي (ت. 368هـ/ 978م) مع متّي بن يونس (ت. 328هـ/939م)، وهو ببساطة تبيان عدم إتقان الفلاسفة للغة العربيّة، لأنّه لو كان الحال كذلك لما احتاجوا إلى لغة المنطق أصلا. ومن المؤكّد أنّ لغة المتكلّمين الأوائل مختلفة عن لغة المتأخّرين، ونقيّة عن تأثير المترجمين، بعبارة رتشرد فرانك R. Frank الذي لاحظ أنّ مصطلحات الفلاسفة كانت تبدو آنذاك غريبة في السياق الثقافيّ العربيّ.[60] لكن هل تنطبق ملاحظة فرانك على متكلّم نصرانيّ سابق مثل يحيى النحوي الذي كتب بلغة يونانيّة مشبعة بالمصطلحات الفلسفيّة، أو على متكلّم لاحق مثل فخر الدين الرازي الذي كتب بلغة عربيّة صارت، بدورها، مشبعة بالاصطلاح الفلسفيّ؟ بالتأكيد، لا. صحيح أنّ النظامين الكلاميّ والفلسفيّ نظامان متباينان، لكنّهما ليسا متباعدين تمام التباعد. وإن اعتمد المتكلّمون المسلمون على النحو العربيّ، إلا أنّهم انفتحوا شيئا فشيئا على المنطق الأرسطيّ واللغة الفلسفيّة. ومع ذلك، لم يتغيّر موقف الفلاسفة من المتكلّمين قطّ؛ فحتّى في حال اتقانهم المنطق وتفنّنهم في استعمال أقيسته، يتّهمهم الفلاسفة المشّاؤون بالوقوف دون رتبة البرهان في استدلالاتهم. وما توظيفهم السلبيّ للقب ʼالنحويʻ إلا مثال واضح عن تحامل المشّائين عليه، حتّى وهو أشدّ اتقانا وتملّكا لناصية المنطق الأرسطيّ وفلسفته. وفي المقابل يتشبّث المتكلّمون باعتبار قول الفلاسفة تحكّمات يسمحون فيه لأنفسهم بما يؤاخذون عليه غيرهم من اعتماد الجدل والتمثيل واجماع الجمهور في أقاويلهم.

لكن ما نتيجة هذا الأخذ والشدّ بين الفلاسفة والمتكلّمين؟ هل كان لابدّ أن يموت المتكلّم لكي يعيش الفيلسوف أو العكس، على شاكلة الطريق المسدود الذي وصل إليه العبد والسيّد في مثال هيجل،[61] أو يصبح المتكلّم تابعا للفيلسوف يجترّ آراءه، مثل تلميذ يكتفي بشرح أقاويل معلّمه أو، على أكثر تقدير، قد يتوسّع في الشرح دون الجرأة على النقد؟ وإن وقف على خطأ المعلّم، قد يجتهد في البحث عن المبرّرات، لا عن بدائل وأفكار جديدة؟ من المؤكّد أنّ السجال الذي دار بين الفلاسفة والمتكلّمين لم يكن من هذا النوع قطّ، بل إنّه كان مثمرا في آخر المطاف. ولعلّ ما حصل في سياق الفلسفة الإسلاميّة بين الفلاسفة والمتكلّمين يشبه، على نحو ما، ما حدث بين السفسطائيّين والفلاسفة في أثينا. وهو نقاش لم ينته قطّ إلى موت أحدهما، بل أدّى مع توالي العصور إلى احتواء السفسطة للفلسفة، والعكس صحيح أيضا. ألم يكن سقراط وأفلاطون سفسطائيّين من النوع الرفيع، وهما لاينيان ينتقدان السفسطائيّين؟ ألم يكن السفسطائيّون فلاسفة؟ والقصة نفسها تقريبا تتكرّر مع المتكلّمين والفلاسفة: ألم يكن ابن سينا وابن رشد وغيرهما من الفلاسفة متكلّمين جيّدين وهم ينتقدون المتكلّمين، بحدّة أحيانا؟ وفي القرن السادس الميلادي، ألم يكن يحيى النحوي متكلّما وفيلسوفا في آن معا؟ والأمر نفسه يمكن أن نطلقه، بدرجات متفاوتة، على كثير من المتكلّمين الفلاسفة الذين ساهموا، كما يحيى النحوي، في تقليص الهوّة بين الكلام والفلسفة وبين الإيمان العلم.

بالفعل، لقد كان ليحيى النحوي وأمثاله من المتكلّمين دور مهمّ في كسر الحدود بين الفلاسفة والمتكلّمين في المنهج كما في الموضوعات إلى حدّ كبير، وإن اختلفت الغايات والأساليب التي يعتمدها كلّ طرف منهما. فيحيى النحوي قدّم انجازات علميّة متميّزة،[62] ووقف ندّا للندّ مع الفلاسفة المشّائين والأفلاطونيّين على حدّ سواء، مدافعا عن مذهب الحدوث اعتمادا على أدلّة فلسفيّة وعلميّة وكلاميّة في آن واحد.[63] وهو يشكّل مثالا متميّزا عن مسألة الاعتراف أيضا؛ إذ نجده يجمع بين الموقفين الإيجابيّ والسلبيّ في آن واحد. ففي الوقت الذي وُصف فيه بأكثر الأوصاف شناعة، تنقيصا واستهزاء منه، لم يملك جلّ خصومه، أمام قوّة الأدلّة التي قدّمها وأفكاره الجديدة، سوى الاعتراف بقوّة شكوكه واستدلالاته، بل الإفادة منها. والأمر نفسه ينطبق على المتكلّمين المسلمين أو على بعضهم على الأقلّ. والنتيحة هي امتزاج الفلسفة بالكلام، والكلام بالفلسفة إلى درجة يصعب معها أن نصنّف يحيى النحوي ومعه كثير من المتكلّمين المسلمين، وخاصّة المتأخّرين منهم، في خانة الفلسفة أو الكلام.[64] ومن ثمّ انتهى الخلاف والرفض المتبادل إلى نوع من الاعتراف المتبادل بين الفريقين. فمهما بالغ الفلاسفة في وضع الحدود وعدم الاعتراف بطرائق المتكلّمين ومساهمتهم الفكريّة، ومهما بالغ المتكلّمون في رفض منطق الفلاسفة والأسس التي بنوا عليها تصوّراتهم الطبيّعيّة وما بعد الطبيعيّة، إلا أنّ التفاعل ظلّ مستمرّا بين الطرفين، اعترافا محتشما حينا، ورفضا حادّا حينا آخر. لقد كان النقاش النظريّ على أشدّه مع ما يقتضيه ذلك من الاعتراف بالرأي المخالف ومناقشته أخذا وردّا؛ إذ إنّ أخلاق المناقشة تقتضي، في جوهرها، قبول الآخر واعترافا معيّنا به، بل قبول مقدّمات ورفض أخرى، وقبول نتيجة ورفض أخرى. إنّها تقتضي تنازلات من أجل التقدّم في النقاش، خاصّة وأنّ الطرفان معا صارا يستعملان الأدوات نفسها والمفاهيم نفسها، وإن بمعاني مختلفة أحيانا.

ومن المهمّ جدّا الانتباه إلى أنّ عدم الاعتراف بيحيى النحوي أو التنقيص به من قبل المشّائين (سمبليقيوس والفارابي وغيرهما) لم يكن قطّ على أساس عقديّ أو دينيّ، أي بوصفه نصرانيّا، وإنّما كان على أساس مذهبيّ فلسفيّ، انتصارا لأرسطو ومذهبه، ومن ثمّ انتصارا للفلسفة على حساب الكلام، ولطريقة في التفلسف على حساب طريقة أخرى. وثمّة أمثلة كثيرة، في السياق الإسلاميّ، تفيد عدم التمييز بين العلماء على أساس دينيّ بين اليهود والنصارى والمسلمين وغيرهم، بل على أساس مذهبيّ فلسفيّ. وهذا لا يعني غياب الخلفيات العقديّة التي ظلت تفعل فعلها وتوجّه الخطاب هذه الوجهة أو تلك، لكن بشكل غير معلن في الغالب، بل لم تكن تطرح أثناء النقاش الفكريّ مع من لا يؤمن بها. فالخلاف الفلسفيّ مع يحيى النحوي أو قسطا بن لوقا (ت. 300هـ/912م) أو يحيى بن عدي أو سعديا ﮔاؤون (ت. ح. 330ه/942م) أو موسى ابن ميمون (ت. 601هـ/1204م) لم يكن على أساس أنّهم نصارى أو يهودا أو مجوسا، بل على أساس آرائهم المذهبيّة الفلسفيّة لا الدينيّة، إذا استثنيا ما يتعلّق بقضايا خاصّة في كتابات أفردت رأسا للتوحيد والتثليث وغير ذلك من المسائل العقدية الخلافيّة. وهي كتابات تتّسم عادة بمستوى رفيع من الجدل والاحترام وقبول الآخر. لقد انبنى نقد الفلاسفة للمتكلّمين المسلمين على أساس منهج معرفيّ لا عقديّ؛ إذ يؤاخذون عليهم اعتمادهم أقيسة أدنى من المطلوب في الأمور الإلهيّة، ممّا يرومه الفلاسفة، لذلك يبقى خطابهم دون تطلّعات الفلاسفة، يصادرون على المطلوب، وينطلقون من مقدّمات مشهورة، للدفاع عن العقائد الإيمانيّة بأيّ شيء اتّفق. ولا يناقشهم الفلاسفة على أساس أنّهم رجال دين أو فقهاء، بل على أنّهم فلاسفة من درجة ثانية. إنّهم يعترفون بكون الإشكالات التي يثيرها المتكلّمون إشكالات فلسفيّة؛ ولذلك يحرص فيلسوف، مثل ابن رشد، على تنبيههم على عدم الإفصاح عنها للعامّة.

باختصار، إنّ الخلاف بين الفلاسفة والمتكلّمين كان خلافا فلسفيّا لا خلافا دينيّا. وفي هذا المستوى نجد حدّا أدنى من الاعتراف وقبول الرأي الآخر. ويبدو أنّه كلّما كان الخلاف عقديّا ضيّقا كلّما ضاق صدر صاحبه بالاعتراف بالمخالف وقبول رأيه. وهذا ينسحب أيضا على المذاهب الفلسفيّة عندما تتحول إلى عقائد مغلقة لدى أتباعها.

خاتمة

هكذا، يمكن أن نسجّل أهمّ خلاصات هذا البحث كما يلي:

أوّلا، على الرغم من شيوع بعض مظاهر عدم الإحالة والتنقيص من الخصم في تاريخ الفلسفة والكلام، فإنّ الإحالة على الرأي المخالف، حتّى في أوج الاعتراض والردّ عليه، كان تقليدا شائعا عند الفلاسفة والمتكلّمين على حدّ سواء. وهذا كان له دور مهمّ في حفظ عدد كبير من النصوص من الضياع. ويعدّ أكبر مظهر من مظاهر قبول الرأي الآخر عند القدامى. وأيضا، فإنّه رغم الصراع المذهبيّ والرفض المتبادل بين الفلاسفة والمتكلّمين، فقد انتهى الأمر بالفريقين إلى نوع من الاعتراف المتبادل، إلى حدّ ما. ولم يكن ذلك ممكنا إلا عندما ارتفع النقاش إلى مستوى أعلى وامتزجت الطريقتان؛ إذ صار نقاشا فلسفيّا عند الجميع، متكلّمين وفلاسفة. وصار الكلّ يوظّف الفلسفة وأدواتها ومفاهيمها بشكل أو بآخر؛ بل انتهى علم الكلام عموما إلى كلام فلسفيّ بامتياز. وأكثر من ذلك، فقد تشكّلت مذاهب فكريّة تجاوزت الطائفية الدينيّة، وتكسّرت الحدود بين الملل والجماعات الإثنيّة إلى حدّ كبير، فصرنا نتكلّم عن الفلاسفة سواء كانوا يونانيّين أو غير يونانيّين، وثنيّين أو موحّدين، وصرنا نتكلّم عن الموحّدين في مقابل الوثنيّين، وعن المتكلّمين (مسلمين ويهود ونصارى) في مقابل الفلاسفة أو غير ذلك. ولا يكاد المشتغلون بالعلم يميّزون بين الفلاسفة المسلمين والفلاسفة اليهود والنصارى الناطقين بالعربيّة على سبيل المثال؛ بل نجد متكلّمين يهودا ونصارى تأثّروا بالمذاهب الكلاميّة الإسلاميّة إلى حدّ كبير. وحتّى الانتماءات العقديّة للفلاسفة كادت أن تنتفي، ولا أحد يتكلّم عنها إلا لغايات محدّدة جدّا؛ فمن يبالي، مثلا، بتشيّع الفارابي وابن سينا أو بتسنّن ابن رشد أو مالكيته؟ وفي الآن نفسه، برزت اختلافات مذهبيّة من نوع آخر حول مسائل دقيقة في تاريخ الفلسفة والعلم نتيجة انخراطهم في تقاليد فلسفيّة عالميّة أرحب من الطائفة العقديّة أو الإثنيّة.

ثانيا، وإن كان يصعب الإقرار بأنّ المتكلّمين كانوا أكثر انفتاحا وقبولا لآراء الفلاسفة ومفاهيمهم ممّا كان عليه الفلاسفة مع المتكلّمين، إلا أنّه من المؤكّد أنّهم كانوا أكثر حريّة وأكثر قابلية لقبول آراء تخدم تصوّراتهم بغض النظر عن مصدرها، ومنها آراء الفلاسفة بمختلف تلاوينهم. غير أنّ المتكلّمين، في المقابل، كانوا أكثر تشدّدا مع خصومهم المباشرين على ما يبدو، وإن كانت هذه الخصومة تتراجع أحيانا عندما يتعلّق الأمر بمواجهة الفلاسفة، خصمهم المشترك. ويمكن تفسير ذلك، أوّلا، بكون الخصومة مع الفرق الإسلاميّة الأخرى كانت خصومة سياسيّة أيضا، وخاصّة فيما يرتبط بمسألتي الإمامة والإيمان؛ وثانيا، بنوع من التناسب بين الخصوصيّة والكونيّة وبين العقيدة والفلسفة، إذ كلّما اقترب الإنسان من الكونيّة أكثر، في هويته وأفكاره، كلّما كانت درجة قبول الآخر أكبر. وأيضا، فإنّنا نميل إلى أنّ الرفض المتبادل بين الفلاسفة والمتكلّمين وبين مختلف الفرق والطوائف يعود بالأساس إلى هيمنة تصوّر دوغمائيّ للحقيقة لدى الطرفين معا، حقيقة واحدة مطلقة لا يمكن أن يمتلكها أكثر من طرف واحد. وهو ما يعكسه المبدأ المنطقي التقليديّ (إمّا ’أʿ أو لا ’أʿ) الذي يصير مبدأ خطيرا عندما يترجم إلى الواقع في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة؛ فهو أصل التبديع والتضليل والتكفير. لذلك كلّما حسن فهم الشخص للحقّ وتعدّدت صوره لديه، وتنوّعت سبل تحصيله، كلّما كان أكثر قبولا للآخر وفكره.

ثالثا، صحيح أنّ الجماعة العلميّة تحكمها، بدورها، أنانيات ومنافسات وقيم غير أخلاقيّة أحيانا، مثل السرقة والسكوت عن المصدر وتمويه الإحالة وعدم الاعتراف بفضل الآخرين أو حتّى التنقيص من قيمة إنجاز الآخر بمبرّرات مختلفة. لكن، لا يبدو أنّ العلم عموما يخسر شيئا من أسسه وخصوبته من فرط المنافسة الشخصيّة والصراع المذهبيّ بين العلماء؛ إذ إنّ هذه الأنانيّات نفسها والمنافسة الشرسة، أحيانا، بين العلماء تكون وراء إتيان أفكار جديدة، ومن ثمّ تدفع بالعلم قدما إلى الأمام! ويلاحَظ الأمر نفسه في موضوع علاقة الإيمان بالعلم؛ إذ لا يبدو أنّ الإيمان يعيق تقدّم البحث العلميّ. لقد أدّى الصراع، بين المنافحين عن الإيمان بوجود الخالق المدبّر للعالم والمنتصرين لمبدأ العليّة الطبيعيّة الصارمة، إلى تفاعل مثمر بين العلماء عبر التاريخ. ففي حالة يحيى النحوي والمتكلّمين المسلمين كان الإيمان دافعا إلى الإبداع والتحرّر من الدوغمائيّة الأرسطيّة وغيرها. وبهذا يكون الإيمان قد ساهم، على نحو ما، في تطوّر العلم أيضا. وإن جاء الاعتراف بمساهمة يحيى النحوي والمتكلّمين وفضلهم متأخّرا، إلا أنّه من المؤكّد أنّ العلم ينتهي دوما إلى الاعتراف بمجهودات أهله، بغض النظر عن خلفياتهم العقدية والفلسفيّة، ولو بعد حين.

Bibliography

Adamson, Peter. al-Kindi. Great Medieval Thinkers Series. Oxford University Press, 2007.

Adamson, Peter. al-Kindi, First chapter:  “Works, Life,  and Influence.ˮ Translated into Arabic by Said El Bousklaoui, Journal Yatafakkarūn 14 (2020): 372-386.

al-Ashʿarī, Abū al-Ḥasan. Maqālāt al-Islāmiyyīn wa-khtilāf al-muṣallīn. Edited by Hillmut Ritter. 3rd Ed. Wiesbaden: Franz Steiner, 1980.

al-Birūni&Ibn Sīna. al-Asʾilatu wa al-Ajwibah. Edited by Sayyed Ḥusein Nasr&Mahdi Muḥaqqeq. Tehran: 1972.

al-Fārābī, Abū Naṣr. al-Raddu ʿalā Yaḥyā al-Naḥwī fī mā radda bihi ʿalā Arisṭūṭālīs. Edited by Muhsin Mahdi. In Muhsin Mahdi, “The Arabic text of Al-Fārābī’s against John the Grammarian.ˮ In Medieval and Middle Eastern Studies, in Honor of Aziz Suryal Atiya. Edited by Sami A. Hanna, 268-84. Leiden: Brill, 1972.

al-Fārābī, Abū Naṣr. Mā yanbaghī an yuqaddama qabla taʿallumi al-falsafah. In Mabādiʾ al-falsafa al-qadīmah. Edited by al-Maktabah al-Salafiyyah. Cairo: al-Sikka al-jadīdah, 1910.

al-Ghazāli, Abū Ḥāmid. al-Mustaṣfā min ʿilm al-Uṣūl. Edited by M. S. al-Ashqar. Beirut: muʾassasat al-risālah, 1997.

al-Ghazāli, Abū Ḥāmid. Tahāfut al-falāsifah. Edited by Maurice Bouyges. Beirut: Catholic Library, 1927.

al-Juwaynī, ʿAbd al-Mālik. al-Irshād ilā qawātiʿ al-adillah fī uṣūl al-iʿtiqād. Edited by Zakaria ʿmīrat. Beirut: Dār al-Kutub al-ʿilmiyyah, 1995.

al-Jawziyah, Ibn Al-qayyim. Mukhtaṣar al-ṣawāʿiq al-mursalah ʿalā al-juhamiyyah wa al-muʿaṭṭilah. Edited by Mohamed Ibn al-Mawṣilī. Beirut: Dār al-Kutub al-ʿilmiyyah.

al-Khayyat, Abū al-Ḥusein. Kitāb al-intiṣār. Edited by Nyberg. 2nd ed. Cairo: al-Dār al-ʿArabiyyah li al-kitāb,  1993.

al-Kindī, Abū yaʿqūb Yūsuf. Rasāʾil al-Kindī al-falsafiyyah. Edited by ʿAbd al-Hādī Abū Rīdah. Cairo: Dār al-fikr al-ʿarabī, 1950.

al-Naqqārī, Ḥammou. Maniq al-kalām, min al-maniq al-jadalī al-falsafī ilā al-maniq al-ijājī al-uṣūlī. Rabat: Dār al-Amān, 2005.

al-Shahrastānī, Abū al-Fatḥ. al-Milal wa al-niḥal. Edited by Sayyid kīlānī. Beirut: Dār ṣaʿb, 1986.

al-Shahrastānī, Abū al-Fatḥ. Muṣāraʿat al-falāsifah. Edited by Suhīr Mohamed Mokhtār. Cairo: matbaʿat al-Jablāwi, 1976.

al-Tawḥīdī, Abū Ḥayyan. al-Muqābasāt. Edited by Ḥasan al-Sundūbī. 2nd ed. Kuwait: Dār Suʿād al-Sabāḥ, 1992.

al-Warīmī, Najiyah. al-Ikhtilāf wa siyāsat al-tasāmuḥ. Rabat: publications of Mouminoun without borders, 2015. The introduction of the book was repuplished in the Website of Mouminoun without Borders, 9 September 2016. https://www.mominoun.com/pdf1/2016-08/ttasamouh.pdf

Aristotle, al-Akhlāq ilā Nīqūmākhūs (The Nichomachean Ethics). Translated into Arabic by Ishāq Ibn Ḥunayn. Edited by A. Badawī. Kuwait: wakālat al-matbūʿat, 1979.

Ben Ahmed, Fouad. Manzilat al-tamthīl fī falsafat Ibn Rushd. Beirut/Alger/Rabat: publications of Dhifāf and al-Ikhtilāf and Dār al-Amān, 2014.

El Bousklaoui, Said. “Yaḥyā al-Naḥwī fῑ al-maṣādir al-biyū-bibliyūgrāphiyah al-ʿarabiyyah.” (John Philoponus in the Arabic Bio-bibliographical Sources), Journal of Faculty of Letters, Rabat 29 (2009): 57–81.

El Bousklaoui, Said. “Yaḥyā al-Naḥwī wa al-Muʿtazilah al-awāʾil fi al-dalālati ʿalā ḥudūth al-ʿālam.” (Yaḥyā al-Naḥwī and Early Muʿtazilites on the Arguments of Creation). In al-Fikr al-naqdī fī al-Islām, al-muʿtazilatu unmūdajan. Edited by Hammadi Douib, 115–191. Casablanca: al-Markaz al-Thaqāfī al-ʿArabī, 2016.

El Bousklaoui, Said. “Takāmul al-ʿilm wa al-īmān fī falsafat Yaḥyā al-Naḥwī.” (The complementarity between Science and Faith in Philoponus’ Philosophy). In Mominoun Without Borders for Studies and researches, refereed articles, published on July 17, 2017. https://www.mominoun.com/pdf1/2017-05/yahyya.pdf.

Evrard, E.  “Les convictions religieuses de Jean Philopon et la date de son commentaire aux ‘Météorologiques’.” Bulletin de l’académie royale de Belgique, classe des lettres 5, (1953): 299–357.

Finkelde, Dominik. “Excessive of Subjectivity, the paradox of Autonomy in Hegel and Kierkegaard.” In Kierkegaard and Political TheoryReligionAestheticsPolitics and the Intervention of the Single Individual. Edited by Armen Avanessian and Sophie Wennerscheid. Published by University of Chicago, 2014.

Friedmann, Yohanan. Tolerance and Coercion in Islam: Interfaith Relations in the Muslim Tradition. Cambridge Studies in Islamic Civilization. Cambridge: Cambridge University Press, 2003.

Griffel, Frank. Apostasie und Toleranz im Islam: die Entwicklung zu al-Ġazālīs Urteil gegen die Philosophie und die Reaktionen der Philosophen, series: Islamic Philosophy, Theology and Science. Texts and Studies. Volume: 40. Leiden: Brill, 2000.

Ibn Abī Usaybiʿa, Muaffaq al-Dīn. ʿUyūn al-anbāʾ fī ṭabaqāṭ al-aṭibāʾ. Edited by Nizār Riḍā. Beirut: Maktabat al-ḥayāt, 1965.

Ibn ʿadī, Yaḥyā. Maqālātu Yaḥyā Ibn ʿadī al-falsafiyyah. Edited by saḥbān khalīfa. Amman: publication of Jordanian University, 1988.

Ibn Bājja, Abū Bakr. Sharḥu al-samāʿ al-ִṭabīʿī. Edited by Mājid Fakhrī. Beirut: Dār al-Nahār, 1973.

Ibn Rushd, Abū al-walīd. al-Kashf ʿan manāhij al-adillah fī ʿaqāʾid al-millah, Beirut: Markaz al-wiḥda al-ʿarabiyyah, 1998.

Ibn Rushd, Abū al-walīd. Jawāmiʿu al-samāʿi al-ִabīʿī. Edited by Joseph Puig, Madrid: al-Maʿhadu al-Ispānī al-ʿArabī li al-thaqāfah, 1983.

Ibn Rushd, Abū al-walīd. Tafsīru mā baʿd al-ṭabīʿah. Edited by Maurice Bouyges. Beirut: al-Maṭbaʿatu al-Kathūlikiyyah, 1938.

Ibn Rushd, Abū al-walīd. Tahāfut al-tahāfut. Edited by Sulayāmn Dunyā. Cairo: Dār al-Maʿārif, 1964.

Ibn Sīna, Abu ʿalī. al-Mubāḥathāt. In Ariṣtū ʿinda al-ʿrab. Edited by A. Badawī. Kuwait : Wakālatu al-Maṭbūʿat, 1978.

Iser, Mattias. “Recognition.” in Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2019. https://plato.stanford.edu/entries/recognition/

Lettinck, Paul. Aristotle’s Physics and its Reception in the Arabic World. Leiden: Brill,1994.

Frank, Richard. “Yā Kalām.” In Arabic Theology, Arabic Philosophy: From the One to Many: Essays in Celebration of Richard M. Frank. Edited by James Montgomery. Orientalia Lovaniensia Analecta: Peeters, 2006.

Moody, Ernest. “Gallileo and Avempace: The Dynamics of the Leaning Tower Experiment.ˮ Journal of History of Ideas 12, no. 2 (1951): 163–193 & 375–422.

Philoponus, John. Against Aristotle, on the Eternity of the World. fragments assembled and translated into English by Christian Wildberg. London: Duckworth, 1987.

Pines, S. “les précurseurs musulmans de la théorie de l’impetus,” Archeion 21, no. 3 (1938): 193–312.

Taylor. Charles. “The Politics of Recognition.” In Multiculturalism: Examining the Politics of Recognition. Edited by A. Gutmann, 25–73. Princeton: Princeton University Press.

Unknown. Muntakhab ṣiwān al-ḥikmah ]li al-Sijistānī[. Edited by Badawī. Tehran: 1974.

Wildberg, Christian. “[Jawāmiʾ kitāb al-radd ʿalā Arisṭūtālīs li Yaḥyā al-Naḥwī.” ([A Summary of] Philoponus Against Aristotle on the eternity of the world). introduced and translated into Arabic by Said El Bousklaoui. Mominoun Without Borders for Studies and Researches, Human Sciences and Philosophy Section, referred articles (March 14, 2015). https://mominoun.com/pdf1/2015-03/5503d9bf31472426112037.pdf

Zimmermann, Fritz. “Philoponus’ impetus theory in the Arabic tradition.ˮ In Philoponus and the Rejection of Aristotelian Science. Edited by Richard Sorabji, 121–129. Ithaca: Cornell University Press, 1987.

 

للتوثيق

البوسكلاوي، سعيد. ”حدود التسامح والاعتراف المتبادل بين الفلاسفة والمتكلّمين: حالة يحيى النحوي.“ ضمن موقع الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية، الرابط <https://philosmus.org/archives/3137>

سعيد البوسكلاوي

سعيد البوسكلاوي أستاذ الفلسفة بجامعة محمّد الأوّل، وجدة، وملحق حاليا بجامعة زايد، أبو ظبي. وهو مؤسّس فريق البحث في الفلسفة الإسلاميّة في جامعة محمّد الأوّل، نظّم العديد من الندوات الدوليّة والوطنيّة في جامعتى محمّد الأوّل وزايد كما أشرف على العديد من الرسائل الجامعيّة. وهو أيضا عضو في عدّة جمعيات وطنيّة ودوليّة في مجال تخصّصه، منها الجمعيّة الدوليّة لدراسة الفلسفة في العصر الوسيط، والجمعيّة الدوليّة لتاريخ العلوم والفلسفة العربيّة والإسلاميّة. سعيد البوسكلاوي هو مؤلّف كتاب مفهوم الإرادة في الفلسفة الإسلاميّة المشّائيّة، بيروت: دار المشرق، 2010. كما ألّف ونسّق وترجم أعمالا أخرى كثيرة (كتبا، وفصولا من كتب، ومقالات في مجلّات محكّمة، وأوراق ندوات) بالعربيّة والإنجليزيّة. ويشتغل حاليا حول مشروع بحث حول تلقّي يحيى النحوي في التراث الإسلامي، دراسة وتحقيقا وترجمة. وقد نشر بعض أجزائه، منها: كتاب دراسات عن يحيى النحوي في التراث الإسلاميّ (جمع وتقديم وترجمة)، بيروت-الجزائر-الرباط: منشورات ضفاف-الاختلاف-دار الأمان، 2020، بالإضافة إلى مجموعة من الفصول والمقالات، بعضه متاح على صفحته على موقع أكاديميا: https://ump-ma.academia.edu/SaidElBousklaoui

[1] قدّم هذا العمل، في صورته الأولى، ضمن أعمال الندوة الدوليّة في موضوع التسامح في المجتمعات المتوسطيّة: تاريخ وأفكار ومؤسّسات، نظّمتها مؤسّسة Reset Doc لحوار الحضارات ومؤسّسة الملك عبد العزيز للدراسات الإسلاميّة والإنسانيّة، أيام 11-13 يوليو 2019م، في الدار البيضاء، المغرب. أودّ أن أعبّر عن شكري لمحمد الصادقي، جامعة محمد بن عبد الله بفاس، تفضّله بمراجعة هذه المقالة، ووحدي أتحمّل مسؤولية نواقصها.

[2] انظر، على سبيل المثال، عمل ف. ﮔريفل عن الردّة والتسامح في الإسلام: تطوّر حكم الغزالي على الفلسفة وردود فعل الفلاسفة، وعمل ي. فريدمان حول التسامح والإكراه في الإسلام: العلاقات بين الأديان في التقليد الإسلامي، كما يلي:

Frank Griffel, Apostasie und Toleranz im Islam : die Entwicklung zu al-Ġazālīs Urteil gegen die Philosophie und die Reaktionen der Philosophen, series: Islamic Philosophy, Theology and Science. Texts and Studies, Volume:40 (Leiden: Brill, 2000(; Yohanan Friedmann, Tolerance and Coercion in Islam: Interfaith Relations in the Muslim Tradition. Cambridge Studies in Islamic Civilization (Cambridge: Cambridge University Press, 2003).

[3] انظر مقاله المشهور حول ”سياسة الاعتراف“ ضمن:

Charles Taylor, “The Politics of Recognition,” in Multiculturalism: Examining the Politics of Recognition, ed. A. Gutmann (Princeton: Princeton University Press), 26.

[4] وقد اشتهر تحليل هيجل Hegel وقبله فيشته  Fichteأكثر ممّن سبقهم. وفي الفلسفة المعاصرة، اشتهرت أعمال أكسل هونيث Axel Honneth وغيره حول مفهوم الاعتراف. حسب فيشت، الاعتراف بالذات نفسه يكون من خلال التحدّي الذي يفرضه علينا الآخر؛ إذ من خلال سلوكاته نفهم سلوكاتنا. وفي كتاب فينومينولوجيا الروح، نجد تحليلا دقيقا لتشكّل الوعي بالذات، والاعتراف بالذات بوصفها شخصيّة اعتباريّة أخلاقيّة. فمن يهاجم أرضا ممتلكة لشخص لا يريد الحصول على سلعة مادّية في المقام الأوّل؛ بل يرغب بتذكير المالك بأنّه شخص يتمتّع بمكانة أخلاقيّة وقد أهمله فعل الاستحواذ الأوّل حسب هيجل. والقتال بين الطرفين يؤدي إلى طريق مسدود لأنّه لا يمكن أن يحقّق اعترافًا متبادلًا: إمّا أن يموت أحد الأشخاص أو يعرض نفسه عبدا للآخر، فيفشل في التعبير عن استقلالية ذاته، كما يفشل السيّد في هذه الحالة أيضا في أن يحصل على اعتراف كاف أيضًا، لأنّ المُعترف به قد أثبت أنّه مجرّد ”عبد“ ولا يُعدّ شخصا مستقلًا وذا كفاءة. ومن ثمّ، لا يمكن تحقيق الاعتراف الكافي إلا ضمن نظام مؤسّسي للحقوق يضمن الاعتراف المتبادل بالفعل. (انظر ر. وليامزR. Williams ، أخلاق الاعتراف عند هيجل (باركلي: منشورات جامعة كاليفورنيا، 1997م)، 59–68. وهي الفكرة التي طوّرها هيجل في كتابه أصول فلسفة الحقّ. انظر:

Mattias Iser, “Recognition” in Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2019. https://plato.stanford.edu/entries/recognition/

[5] انظر: ابن منظور، معجم لسان العرب، مادّة سمح.

[6] انظر: نجية الوريمي، الاختلاف وسياسة التسامح (منشورات مؤّسّسة مؤمنون بلا حدود للدراسات، 2105م). أعيد نشر مقدّمة الكتاب ”في مفهوم التسامح،“ موقع مؤسّسة مؤمنون بلا حدود (9 سبتمير 2016م). https://www.mominoun.com/pdf1/2016-08/ttasamouh.pdf. تحيل المؤلّفة، في هذه المصطلحات، على الجاحظ وإخوان الصفا وابن رشد وغيرهم.

[7] بل لا غنى عن نصوص أرسطو في التعرّف على ملامح التصوّرات الفلسفيّة السابقة عليه، ولو في سياق نقد هذه الأفكار.

[8] هذا مع افتراض أنّ المقالة حفظت ضمن كتاب الرد على برقلس، وهو الأرجح.

[9] فالاعتراف موجود، بمعنى من المعاني، حتّى في أكثر المواقف خصومة بين الفلاسفة والعلماء. هذا على عكس بعض المعاصرين الذي يصمتون تماما عن أفكار زملائهم، لا يذكرونها أصلا حتّى وإن ناقشوها تلميحا أو أفادوا منها في بناء أفكار أخرى أو هي نفسها في قوالب أخرى بلا إحالة، وما أكثر هذا في زماننا!

[10] انظر: الأشعري، مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين، نشره هِلموت ريتر (فرانز شتاينر، فيسبادن، ط. 3، 1980م)، 1–2.

[11] انظر: الشهرستاني، مصارعة الفلاسفة، نشره سهير محمد مختار (القاهرة: مطبعة الجبلاوي، 1976م).

[12] من المعروف أنّ مدرسة بغداد الفلسفيّة أغلب أفرادها نصارى، ولعلّ الفارابي كان المسلم الوحيد المشهور بينهم، كان أستاذه نصرانيّا وجلّ تلامذته وزملائه نصارى.

[13] يقول الكندي معترفا بفضل الفلاسفة اليونانيّين وأرسطو بالخصوص: ”ومن أوجب الحقّ أن لا نذمّ من كان أحد أسباب منافعنا الصغار الهزيلة، فكيف بالذين هم أكبرُ أسبابِ منافعنا العظام الحقيقية الجديّة؟ فإنّهم وإن قصّروا عن بعض الحقّ، فقد كانوا لنا أنسابا وشركاء في ما أفادونا من ثمار فكرهم التي صارت لنا سبلا وآلات مؤدّية إلى علم كثير ممّا قصّروا عن نيل حقيقته[…] فينبغي أن يعظم شكرنا للآتين بيسير من الحقّ فضلا عمّن أتى بكثير من الحقّ، إذ أشركونا في ثمار فكرهم وسهّلوا لنا المطالب الحقِّية الخفيّة بما أفادونا من المقدّمات المسهِّلة لنا سبل الحق، فإنّهم لو لم يكونوا لم يجتمع لنا، مع شدّة البحث في مددنا كلّها، هذه الأوائل الحقّية التي بها تُخرجنا إلى الأواخر من مطلوباتنا الخفيّة. فإنّ ذلك إنّما اجتمع في الأعصار السالفة المتقادمة، عصر بعد عصر، إلى زماننا هذا مع شدّة البحث ولزوم الدأب وإيثار التعب في ذلك.“ الكندي، في الفلسفة الأولى، ضمن رسائل الكندي، تحقيق م. ع. أبوريدة (القاهرة: دار الفكر العربي، 1951م)، ج. 1، 102.

[14] رغم خلاف الغزالي الحادّ مع أرسطو وأتباعه في مسائل الإلهيّات، إلا أنّه نافح عن المنطق الأرسطيّ والتزم به، بل جعله مقدّمة للعلوم كلّها، كما يفهم من مقدمته المنطقيّة لكتاب المستصفى من علم الأصول التي وصفها بأنّها ˮمقدّمة العلوم كلّها، وأن من لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلاً.“ الغزالي، المستصفى من علم الأصول، تحقيق محمد سليمان الأشقر (بيروت: مؤسّسة الرسالة، 1997)، 45.

[15] وفي الجملة، فإنّ أهل العلم، والفلسفة عموما، يجعلون البحث عن الحقّ غايتهم القصوى، بل الانتصار له، ولا يتوانون في الاختلاف حتّى مع أساتذتهم وأصدقائهم، لكن مع الحفاظ على الاحترام والتقدير الواجبين. يقول أرسطو، في سياق حديثه عن نظرية أفلاطون عن مثال الخير، ”إذا كان لنا صديقان قد اختلفا، أحدهما الحقّ، فالواجب إيثار الحقّ.“ أرسطو، الأخلاق إلى نيقوماخوس، 1096أ، ترجمه إسحاق بن حنين، تحقيق ع. بدوي (الكويت: وكالة المطبوعات، 1979م)، 61. بالفعل، إنّ الاختلاف لا يفسد الودّ والاحترام اللازم للآخر، وبالأحرى إذا كان أستاذا أو صديقا. وإن كان السياق هو الذي يحدّد المقصود الحقيقيّ بمثل هذه العبارات اللطيفة، ظاهريّا على الأقلّ.

[16] لا إحالة على المتكلّمين، في سياق الردّ عليهم، إلا نادرا. أمّا التعبير عن معاني الاحترام والتقدير فهو أندر، بل قد ينعدم عند بعضهم تماما.

[17] قدّم فؤاد بن أحمد تحليلا جيّدا لتوظيف آلية التمثيل من أجل تبخيس مكانة الخصم والسخرية منه ونزع المصداقية عن أقواله. انظر الفصل الثامن من كتابه منزلة التمثيل في فلسفة ابن رشد (بيروت/الجزائر/الرباط: منشورات ضفاف واختلاف ودار الأمان، 2014)، 295-326.

[18] انظر، على سبيل المثال، ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة، تحقيق مصطفى حنفي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1998)، 148. انظر أيضا: فؤاد بن أحمد، منزلة التمثيل في فلسفة ابن رشد، 312-313.

[19] انظر: الغزالي، تهافت الفلاسفة، تح. موريس بويج (بيروت: المكتبة الكاثوليكيّة، 1927م)، 14.

[20] انظر، على سبيل المثال، وصف الفارابي لهذه الأصناف تبعا لدرجة الصدق والكذب فيها ضمن: الفارابي، ما ينبغي أن يقدّم قبل تعلّم الفلسفة، ضمن مبادئ الفلسفة القديمة، نشرة المكتبة السلفيّة (القاهرة: السكة الجديدة، 1910(، 10.

[21] من أجل فهم أفضل لمنطق المتكلّمين والفلاسفة المسلمين، واختلاف استعمال الجدل بين أرسطو والفلاسفة المسلمين والمتكلّمين الأوائل والأواخر من الأشاعرة والحنابلة، انظر: حمّو النقّاري، منطق الكلام، من المنطق الجدليّ الفلسفيّ إلى المنطق الحجاجيّ الأصوليّ، الرباط: دار الأمان، 2005.

[22] يقول التوحيدي: ”ثمّ قال (السجستاني): وكان شيخنا يحيى بن عدي يقول: إنّي لأعجب كثيراً من قول أصحابنا إذا ضمّنا وإياهم مجلس: نحن المتكلّمون، ونحن أرباب الكلام، والكلام لنا، بنا كثر وانتشر وصحّ وظهر! كأنّ سائر الناس لا يتكلّمون أو ليسوا أهل الكلام؟ لعلّهم عند المتكلّمين خرس أو سكوت! أما يتكلّم يا قوم الفقيه، والنحويّ، والطبيب، والمهندس، والمنطقيّ، والمنجّم، والطبيعيّ، والإلهيّ، والحديثيّ، والصوفيّ؟ قال: وكان يلهج بهذا، وكان يعلم أنّ القوم قد أحدثوا لأنفسهم أصولاً وجعلوا ما يدعونه محمولاً عليها ومتناولاً من عرضها، وإن كانت المغالطات تجري عليهم ومن جهتهم بقصدهم مرّة وبغير قصدهم أخرى. قال: وكان يصل هذا كثيراً بقوله: والدليل على أنّ النحو، والشعر، واللغة ليس بعلم، أنّك لو لقيت في البادية شيخاً بدوياً قحّا محرما، لم ير حضرياً ولا جاور أعجمياً، ولم يفارق رعيه الإبل وانبثاث المناهل وهو مع قبح هيئته التي لا يشقّ غباره فيها أحد منّا وإن كلف، فقلت له: هل عندك علم؟ لقال: لا. هذا، وهو يسيّر المثل، ويقرض الشعر، ويسجع السجع البديع، ويأتي بما إذا سمعه واحد من الحاضرة وعاه، واتّخذه أدباً ورواه، وجعله حجّة. وكان يقول: هذه الآداب والعلوم هي قشور الحكمة.“ التوحيدي، المقابسات، مقابسة 48، نشره حسن السندوبي، ط. 2، (الكويت: دار سعاد الصباح، 1992م)، 223.

[23] يقول التوحيدي: ”قلت لأبي سليمان: ما الفرق بين طريقة المتكلّمين وبين طريقة الفلاسفة؟ فقال: ما هو ظاهر لكلّ ذي تمييز وعقل وفهم، طريقتهم يعني المتكلّمين مؤسّسة على مكايل اللفظ باللفظ، وموازنة الشيء إمّا بشهادة من العقل مدخولة، وإمّا بغير شهادة منه البتة. والاعتماد على الجدل، وعلى ما يسبق إلى الحسّ أو يحكم به العيان، أو على ما يسنح به الخاطر المركّب من الحسّ والوهم والتخليل مع الإلف والعادة والمنشأ وسائر الأعراض التي يطول إحصاؤها ويشقّ الإتيان عليها، وكلّ ذلك يتعلّق بالمغالطة والتدافع وإسكات الخصم بما اتّفق، وإتمام القول الذي لا محصول فيه ولا مرجوع له، مع بوادر لا تليق بالعلم، ومع سوء أدب كثير؛ نعم ومع قلّة تأله، وسوء ديانة، وفساد دخلة، ورفض الورع بجملته. والفلسفة أدام الله توفيقك، محدودة بحدود ستّة، كلّها تدلّك على أنّها بحث عن جميع ما في العالم مما ظهر للعين، وبطن للعقل، ومركّب بينهما، ومائل إلى حد طرفيهما، على ما هو عليه. واستفادة اعتبار الحقّ من جملته وتفصيله، ومسموعه ومرئيه، وموجوده ومعدومه، من غير هوى يمال به على العقل، ولا إلف يفتقر معه إلى جناية التقليد. مع إحكام العقل الاختياريّ، وترتيب العقل الطبيعيّ، وتحصيل ما ندّ وانقلب من غير أن يكون أوائل ذلك موجودة حسّا وعياناً، وكانت محقّقة عقلاً وبياناً، ومع أخلاق إلهيّة، واختيارات علويّة، وسياسات عقليّة. ومع أشياء كثير ذكرها وتعدادها، ولا يبلغ أقصى ما لها من حقّها في شرفها.“ التوحيدي، المقابسات، مقابسة 48، 223.

[24] يتحدّث الجويني، في كتاب الإرشاد وغيره، عن اصطلاح الموحّدين حينا واصطلاح المتكلّمين حينا آخر في مقابل الملحدة، ويقصد بهم الفلاسفة القائلين بقدم العالم. يستعمل اصطلاح الموحّدين حينما يتعلّق الأمر بالردّ على الملحدة ويستعمل اصطلاح المتكلّمين في سياق الردّ على النصارى في كتاب الإرشاد (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينيّة، 2009م)، 50.

[25] يقول الجويني: ”ثمّ كلّ ما ذكروه تحكّم لا محصول له، ولا يزال لهم في هذه المواقف التي يسمّونها الإلهيات، اصطبار على اعتبار النظّار وامتحانهم إيّاهم بمسالك الحجاج، وهم يعترفون بذلك ويزعمون أنّ الإلهيّات إنّما يتوصّل إليها بتهذيب القريحة والرياضيات التي هي خواصّ الأعداد والهندسة والطبائع وعلم الألحان ومن تهذّب بها قبل الإلهيات بغير حجاج. ومن عجيب أمرهم أنّهم يزرون على قواطع المتكلّمين ويزعمون أنّها مغالطات وأحسن رتبها الجدليّات وليس منها الأقيسة البرهانيّة، ثمّ يجترّون فيما هو المقصود بقبول الطبع له من غير حجاج، مع أنّه عندهم من أخفى الخفيات.“ الجويني، كتاب الإرشاد، 193.

[26] ابن رشد، تهافت التهافت، نشره سليمان دنيا (القاهرة: دار المعارف، 1964م)، 55.

[27] ييرز يحيى النحوي كيف أنّ أرسطو نفسه يستعمل ما ينتقده عند غيره من جدل وسفسطة واجماع العلماء وغيرها. ففي المقالة الرابعة من كتاب الردّ على أرسطوطاليس، يتّهم أرسطو بالسفسطة وينتقد اعتماده على إجماع الجمهور في إثبات أزلية السماء، بقوله: ”إنّ واقعة كون جميع الناس ينسبون أعلى الأماكن إلى الله ليس حجّة على أزليّة المنطقة السماويّة وطبيعتها الإلهيّة.“ احتفظ السجستاني بهذا الدليل من كتاب الردّ على أرسطوطاليس المفقود في كتاب صوان الحكمة، أو بالأحرى كتاب منتخب صوان الحكمة، نشره بدوي )طهران: 1974م(، 278–279. وكذلك بالنسبة إلى ما استدل به أرسطو من اللاتغيّر الظاهر على الأجرام السماويّة، فإنّه لا يقوم حجّة على أزليّتها، في نظر يحيى النحوي، لأنّ ثمّة أشياء كثيرة في العالم لا تتغيّر إلى حدّ كبير. وفي المقالة السادسة ينتقد اعتماد أرسطو على إجماع الفيزيائيّين، باستثناء واحد (أفلاطون)، على القول بقدم العالم. يعترض عليه يحيى النحوي بالقول إنّ الحقيقة لا يتوصّل إليها عبر آلية الديمقراطيّة؛ ولو كان الأمر كذلك لوجب أن تكون أفكار أرسطو في الأثير وقدم الكون مرفوضة في الحال! انظر:

John Philoponus, Against Aristotle, on the Eternity of the World, fragments assembled and translated into English by Christian Wildberg (London: Duckworth, 1987), 137–138.

انظر أيضا، ”جوامع يحيى النحوي في الردّ على أرسطوطاليس“ لـ كرستيان وايلدبرغ، تقديم وترجمة سعيد البوسكلاوي، الرباط: موقع مؤسّسة مؤمنون بلا حدود (14 مارس 2015م): 23–24.https://mominoun.com/pdf1/2015-03/5503d9bf31472426112037.pdf

[28] يعلق سليمان دنيا قائلا: ”إنّ السباب ليس فلسفة، ولا يصلح أن يكون لونا من ألوانها، حتّى ولو على سبيل المجاز. ورغم ذلك، فقد وقع فيه هذا الفيلسوفان.“ سليمان دنيا، مقدمة كتاب تهافت التهافت، ضمن ابن رشد، تهافت التهافت، 19.

[29] يقول الغزالي، على سبيل المثال، في سياق الحديث عن نشأة الكائن الأوّل الواحد عن الإله: ”ما ذكرتموه تحكّمات، وهي على التحقيق ظلمات فوق ظلمات لو حكاه الإنسان عن منام رآه، لاستدل به على سوء مزاجه، أو لو أورد جنسه في الفقهيّات التي قصارى المطلب فيها تخمينات، لقيل إنّها ترّهات لا تفيد غلبات الظنون.“ الغزالي، تهافت الفلاسفة، 116. وعن الخبط، يقول أيضا: ”ليعلم أنّ الخوض في حكاية الفلاسفة تطويل، فإنّ خبطهم طويل[…].“ الغزالي، تهافت، 8. علّق ابن رشد على وصف الغزالي الأوّل بقوله: ”لا يبعد أن يعرض هذا للجهّال مع العلماء، وللجمهور مع الخواصّ، كما يعرض ذلك لهم في المصنوعات، فإنّ الصنّاع إذا أوردوا صفات كثيرة من مصنوعاتهم على العوام، وتضمّنوا الأفعال العجيبة عنها، هزء منهم الجمهور وظنّوا أنّهم مبرسمون، وهم في الحقيقة الذين ينزلون منزلة المبرسمين من العقلاء، والجهّال من العلماء وأهل النظر.“ ابن رشد، تهافت التهافت، المسألة الثالثة، 320–321.

[30] رصد سلميان دنيا هذه الأوصاف بدقّة في تقديمه لكتاب تهافت التهافت لابن رشد، 23–26.  

[31] نقرأ في كتاب الانتصار: ”قال الماجن السفيه، الماجن الجاهل، قال الماجن (هكذا)، “ثمّ إنّ الماجن السافه بعد هذا شتم أبا الهذيل وسبّه بما هو أولى به وقد برأ الله أبا الهذيل منه.“ الخياط، الانتصار والردّ على ابن الراوندي الملحد، تحقيق نيبرج (القاهرة: الدار العربيّة للكتاب، ط. 2، 1413هـ/1993م)، 14. يستعمل الخياط، أحيانا، ”قال صاحب الكتاب“ وهي عبارة لطيفة في ظاهرها، لكن يستعملها صاحب الانتصار لكي لا يذكر اسم صاحب الكتاب على ما يبدو. فالخياط يغيّر العبارة فحسب؛ فحينا يستعمل عبارة ”قال الماجن السفيه“ وحينا آخر ˮقال صاحب الكتاب“ أو يكتفي بـ ˮقال“، ˮثمّ قال“. لكن أحيانا يستعمل ˮقال الكذّاب.“ انظر: الخياط، الانتصار، 101؛ ˮثمّ إنّ الماجن قال بعد سفه كثير وشتم أتى به هو أولى به.“ الخياط، الانتصار، 17.

[32]  يورد النقّاري عدّة أوصاف يصف بها هؤلاء المتكلّم والمتكلّمين من قبيل ˮمجادل غير عامل“، ˮمغترّ بعقله منخذع بذكائه“، وˮأصحاب طباع مريضة“، وˮأهل أهواء وبدع،“ وغيرها. انظر: حمّو النقاري، منطق الكلام، 117-118. ومن الفيد الإشارة هنا إلى أنّ النقّاري يرى أنّ الكلام المذموم هو كلام مخصوص، وˮهو الكلام غير المنضبط بآداب المناظرة وأخلاقها[…]،“ لا الكلام بإطلاق. انظر: حمّو النقّاري، منطق الكلام، 123.

[33] انظر: ابن القيم الجوزية، مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، اختصره محمد بن الموصلي (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1405هـ/1985م)، 149.

[34] ابن سينا، ˮرسالة إلى أبي ريحان البيروني في أجوبة مسائل أنفذها إليه،“ ضمن الأسئلة والأجوبة لأبي الريحان بيروني وابن سينا، نشره حسين نصر ومهدي محقق (طهران: شوراي عالي فرهنك وهنر، 1970م)، 13.

[35] انظر: ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تح. نزار رضا، الباب العاشر (بيروت: دار مكتبة الحياة، بدون تاريخ)، 286–287. انظر أيضا:

  1. Adamson, Al-Kindi, Great Medieval Thinkers Series (Oxford University Press, 2007), 5.

أدمسُن، بيتر. كتاب الكندي، الفصل الأوّل: ˮالكندي حياته وأعماله وتأثيره،“ ترجمة وتقديم سعيد البوسكلاوي. مجلّة يتفكّرون 14(2020م): 376.

[36] نذكر، على سبيل المثال، أسلوب الشهرستاني في الردّ على خصومه، وابن سينا تحديدا. ففي كتاب مصارعة الفلاسفة الذي خصّه للردّ على ابن سينا، يصفه بˮالمبرّز في علوم الحكمة وعلامة الدهر في الفلسفة.“ الشهرستاني، المصارعة، 16. يورد نصّ ابن سينا ثمّ يردّ عليه بأسلوب لطيف يشي بكلّ الاحترام والتقدير لابن سينا، يصارعه مصارعة الأبطال وينازله منازلة الرجال بعبارته. وفي كتاب الملل والنحل يصفه بـˮعلاّمة القوم أبو علي بن عبد الله بن سينا[…] كانت طريقته أدقّ عند الجماعة ونظره في الحقائق أغوص.“ الشهرستاني، الملل والنحل، تح. سيد كيلاني (بيروت: دار المعرفة، د. ت)، ج. 2، 158–159.

[37] لقد أبدع يحيى النحوي في قضايا علميّة دقيقة ساهمت في تقدّم البحث العلميّ في حقول متعدّدة (قدّم نظرّيات غير مسبوقة في علم المناظر وعلم الديناميكا على ما يبدو. كما قدم تصوّرا جديدا تماما لطبيعة السماء والأجرام السماوية يقوم على رفض نظرية العنصر الخامس والتأكيد على أنّ طبيعة العالم السماويّ لا تختلف عن طبيعة العالم الأرضيّ، بل تخضع مثلها للتضادّ، ومن ثمّ فهي موضوع فساد أيضا. وبذلك يكون يحيى النحوي أوّل من كسّر الثنائيّة الكوسمولوجيّة الأرسطيّة ومهّد الطريق لإعادة النظر إلى الكون بوصفه كيانا واحدا ذا طبيعة واحدة. وأيضا فقد أعاد النظر في مفهوم الحركة وقدّم مفهوما جديدا للقوّة بوصفها ديناميس، ومن ثمّ أعاد النظر كلّية في طبيعة العلاقة القائمة بين القوّة والفعل، وحدّد الفراغ كفرضيّة علميّة ضروريّة وجعل الحركة ممكنة في الفراغ؛ كما قدّم تصوّرا جديدا للنور والبصريات، إذ نظر إلى أشعّة الشمس بوصفها نشاطا غير جسمانيّ، تسخّن الهواء، لا مجرّد استعداد بصريّ كامن في البصر؛ وغير ذلك من المساهمات التي تكشف عن قوّة أفكار هذا الفيلسوف وأصالتها. وهو في كلّ ذلك يعتمد العلوم ذاتها التي وضع أصولها أرسطو من أجل إنتاج نقيضها بطريقة علميّة وفلسفيّة لا دينيّة تقليديّة. انظر: س. البوسكلاوي، ˮتكامل العلم والإيمان في فلسفة يحيى النحوي،“ (الرباط: موقع مؤسّسة مؤمنون بلا حدود، 17 يوليوز2017م). https://www.mominoun.com/pdf1/2017-05/yahyya.pdf

[38] انظر تقديم سمبليقيوس لشرحه على كتاب السماء. انظر:

John Philoponus, Against Aristotle, 39–40.

[39] في هذا التاريخ تقريبا ألّف أيضا شرحه على كتاب الآثار العلويّة لأرسطو. انظر:

  1. Evrard, “Les convictions religieuses de Jean Philopon et la date de son commentaire aux ‘Météorologiques’,” Bulletin de l’académie royale de Belgique, classe des lettres 5 (1953): 299–357.

فيحيى النحويّ انخرط بشكل كامل في التقليد الفلسفيّ شرحا ونقدا. فهو وإن استمرّ في شرح أرسطو بالطريقة التقليديّة التي كانت تمارس بها الفلسفة في نطاق احترام أعراف معيّنة والالتزام بتقدير الشيوخ، فإنّ ذلك لم يشفع له، وهو الذي اقترف الإثم الأكبر بتجرّئه على تفنيد آراء أفلاطون وأرسطو وبرقلس. لذلك، لم يحظ عموما بأيّ اعتراف من أهل زمانه عامّتهم وخاصّتهم، على ما يبدو. فهو لم ينجح في أن يحظى بكرسي الفلسفة في مدرسة الإسكندريّة بعد وفاة أستاذه أمونيوس ولا بعد ذلك، وظلّ ينظر إليه دائما بوصفه نحويّا، أي أديبا، لم يصل أبدا إلى مرتبة الفيلسوف، في نظر أهل زمانه من المشتغلين بالفلسفة.

[40] وهي مسألة خلافية بين القائلين بقدم العالم والقائلين بحدوثه. ونصّ أفلاطون كان موضوع تأويلات متباينة حول رأي أفلاطون في مسألة حدوث العالم أو قدمه.

[41] انظر مقدّمة شرح كتاب السماء ضمن:

John Philoponus, Against Aristotle, 39–40.

[42] Cf. John Philoponus, Against Aristotle, 39.

[43] Cf. John Philoponus, Against Aristotle, 39.

[44] Cf. John Philoponus, Against Aristotle, 40.

[45] فكما ترجم لقب ʼيوهانوس ﮔراماتيكوسʻ إلى العربيّة، ترجم أيضا لقب ʼفيلوبونوسʻ. لكن الأوّل كان أشهر عند المسلمين والمسيحيّين واليونانيّين، فلاسفة ومتكلّمين على حدّ سواء.

[46] ˮوليحيى النحوي هذا لقب آخر بالرومي يقال له فيلوبينوس، أي المجتهد.“ ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تح. نزار رضا (بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة، 1965)، 153.

[47] يحيى بن عدي، مقالات يحيى بن عدي الفلسفيّة، دراسة وتحقيق سحبان خليفات (عمان: منشورات الجامعة الأردنيّة، 1988)، 332.

[48]  انظر: ابن باجة، شرح السماع الطبيعي لأرسطوطاليس (بيروت: دار النهار، 1973)، 133.

[49] يقول الفارابي إنّ يحيى النحوي يستعمل الجزئيّ مكان الكلّي إمّا غفلة أو تعمّدا على الجهة التي يستعملها السوفسطائيّة. انظر: الفارابي، الردّ على يحيى النحوي، تح. محسن مهدي، ضمن:

Muhsin Mahdi, “The Arabic text of Alfarābī’s against John the Grammarian,ˮ in Medieval and Middle Eastern Studies, in Honor of Aziz Suryal Atiya, ed. Sami A. Hanna (Leiden: Brill, 1972), 275–276.

[50] وهذا الكلام الأخير فسّر به يحيى النحوي نفسه سكوت أفلاطون عن إبداء رأيه صراحة في التوحيد الإلهيّ، حتّى لا يتّهم كما اتّهم سقراط بالكفر بآلهة أثينا.

[51] انظر في هذا الصدد، على سبيل المثال لا الحصر، العملين الآتيين:

  1. Pines, “les precurseurs musulmans de la theorie de l’impetus,” Archeion 21, no3 (1938): 193–312; Fritz Zimmermann, “Philoponus’ impetus theoryin the Arabic tradition,ˮin Philoponus and the Rejection of Aristotelian Science, ed. Richard Sorabji (Ithaca: Cornell University Press, 1987), 121–129.

[52] وهذا خطأ شائع في الكتابات العربيّة. انظر: ابن باجة، شرح السماع الطبيعي، تح. ماجد فخري لأرسطوطاليس (بيروت: دار النهار، 1973م)، 153. انظر أيضا شرح ابن باجة للسماع الطبيعي ضمن:

Paul Lettinck, Aristotle’s Physics and its Reception in the Arabic World, (Leiden: Brill 1994).

[53] انظر على سبيل المثال:

Ernest Moody, “Gallileo and Avempace: The Dynamics of the Leaning Tower Experiment,ˮ Journal of History of Ideas 12, no 2 (1951): 163-193 & 375-422.

[54] ابن رشد، تلخيص السماء والعالم، تح. جمال الدين العلوي (فاس: منشورات كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة)، 178.

[55] انظر: سعيد البوسكلاوي، ˮيحيى النحوي في المصادر البيو-ببليوغرافيّة العربيّة،“ مجلّة كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة بالرباط 29 (2009م): 57–81.

[56] يقول ابن سينا: ˮوأمّا كتاب يحيى النحوي في مناقضة الرجل، فكتاب ظاهره سديد وباطنه ضعيف. وفي الوقوف على تلك الشكوك والتوصّل إلى حلّها قوّة للنفس وغزارة للعلم[…] وتلك الشكوك ليست ممّا يفطن لعقدها الرسميّون ممّن تعلمه، فإنّ انحلالها مبنيّ على فروع أصول من كتاب السماع الطبيعي [..] فإن بين السماع الطبيعي وبين السماء والعالم أصولا هي فروع للأصول الموردة في السماع الطبيعي. وتلك الفروع غير مصرّح بها في السماع الطبيعيّ تصريحا بالفعل، بل بالقوّة. فمن لم يتقدّم أوّلا ويمخض معاني السماع الطبيعيّ عن زبد تلك الفروع، كان مفرطا فيما يحاوله من فهمه وعرض له ما عرض لفلان وفلان ويحيى النحوي. ولقد حاول قوم مناقضة تلك المناقضة، فأتوا البيوت من ظهورها دون أبوابها، وحملوا أنفسهم على القناعة بما أوردوه حملا عسوفا.“ ابن سينا، كتاب المباحثات، ضمن: أرسطو عند العرب، نشره ع. بدوي (الكويت: وكالة المطبوعات، ط. 2، 1978م)، 121.

[57] ˮوقد شكّ يحيى النحويّ على المشّائين شكّا شديد الاعتياص وذلك أنّه قال إذا كان كلّ جسم فله قوّة متناهية؛ والسماء جسم؛ فلها قوّة متناهية؛ وكلّ متناه فاسد ضرورة؛ فالسماء فاسدة. فإن قيل إنّما استفادت عدم الفساد من قبل القوّة الأزليّة المفارقة، لزم أن يوجد شيء ممكن الفساد وهو أزليّ وهذا شيء قد تبيّن امتناعه في آخر الأولى من السماء والعالم.“ ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، تح. موريس بويج، (بيروت: دار المشرق، 1938م)، 1628.

[58] انظر: س. البوسكلاوي، ˮتكامل العلم والإيمان في فلسفة يحيى النحوي،“ (الرباط: موقع مؤسّسة مؤمنون بلا حدود، 17 يوليوز 2017م). https://www.mominoun.com/pdf1/2017-05/yahyya.pdf

[59] “The limits of language are also the limits of mutual recognition.ˮ Dominik Finkelde, “Excessive of Subjectivity, the paradox of Autonomy in Hegel and Kierkegaard,” in Kierkegaard and Political TheoryReligionAestheticsPolitics and the Intervention of the Single Individual, edited by Armen Avanessian and Sophie Wennerscheid (University of Chicago, 2014), 120.

[60] انظر:

Richard M. Frank, “Yā Kalām,” in Arabic Theology, Arabic Philosophy: From the One to Many: Essays in Celebration of Richard M. Frank, ed. James Montgomery (Orientalia Lovaniensia Analecta: Peeters, 2006), 11.

[61] انظر هامش رقم 4.

[62] انظر هامش رقم 30.

[63] انظر كتابيه في الردّ على برقلس والردّ على أرسطوطاليس في مسألة قدم العالم، علاوة على رسالة ثالثة احتفظ بها، أو بأجزاء منها، في العربيّة بعنوان في الدلالة على حدث العالم.

[64] وقد انتبه إلى ذلك ابن خلدون، وهو صاحب التقسيم المشهور بين طريقتي المتقدّمين والمتأخّرين في علم الكلام. وهو يقصد بالمتقدّمين الأشاعرة الأوائل، على ما يبدو، لا المعتزلة الأوائل. ولعلّ هؤلاء احتكّوا أيضا ببعض أصول الفلاسفة وبعض طرائقهم ومصطلحاتهم وأدلّتهم. وقد جمعت، في دراسة سابقة، بعض العناصر التي تبيّن كيف أنّ الكلام الإسلاميّ المبكّر يشكّل، بنحو ما، استمرارا لتقليد فلسفيّ كلاميّ سابق عن الإسلام يشكّل يحيى النحوي أحد أبرز وجوهه. انظر: س. البوسكلاوي، ˮيحيى النحوي والمعتزلة الأوائل في أدلّة حدوث العالم،“ ضمن كتاب الفكر النقديّ في الإسلام، المعتزلة أنموذجا، 1. قضايا كلاميّة وسياسيّة في الفكر الاعتزالي، نشره حمادي ذويب (الدار البيضاء/بيروت: المركز الثقافيّ العربيّ، 2016م)، 115–191.

مقالات ذات صلة

في مقاربة فلسفة الفعل عند الفخر الرازي: مراجعة نقدية لمقالة ”فلسفة الفعل ونظرية العادة التاريخية عند المتكلمين“

في مقاربة فلسفة الفعل عند الفخر الرازي: مراجعة نقدية لمقالة ”فلسفة الفعل ونظرية العادة التاريخية عند المتكلمين“

On the Approach to the Philosophy of Action in Fakhr al-Dīn al-Rāzī:A Critical Review of “Falsafat al-fiʿl wa-naẓarīyyat al-ʿādah al-tārīkhīyyah ʿinda al-mutakallimīn” Fī muqārabah Falsafat al-fiʿl ʿinda Fakhr al-Dīn al-Rāzī:Murājaʿat naqdīyyah li-maqālat “Falsafat...

أبو البركات البغدادي ومشكل الزمان

أبو البركات البغدادي ومشكل الزمان

Abū al-Barakāt al-Baghdādī on The Problem of Time Abū al-Barakāt al-Baghdādī wa Mushkil al-Zamān Jalel DridiUniversity of Tunis, Tunis أبو البركات البغدادي ومشكل الزمان جلال الدريديجامعة تونس، تونس Abstract׃ The approach adopted by Abū al-Barakāt al-Baghdādī...

مشروعية النظر العقلي في تقرير العقائد عند المتكلمين: فخر الدين الرازي نموذجًا

مشروعية النظر العقلي في تقرير العقائد عند المتكلمين: فخر الدين الرازي نموذجًا

Machrūʿiyat al-naẓar al-ʿaqlī fī taqrīri al-ʿaqāʾid ʿinda al-mūtakalimīn:fakhr al-Dīne al-Rāzī namūdhajan The legitimacy of Speculated Reasoning from the Perspective of Fakhr al-Dīne al-Rāzī مشروعية النظر العقلي في تقرير العقائد عند المتكلّمين: فخر الدين الرازي...

”ما هي الأعمال الفلسفية اليونانية القديمة […] التي ندين للعرب في أول معرفتنا بها؟“: عودة إلى نقاش ”قديم“

”ما هي الأعمال الفلسفية اليونانية القديمة […] التي ندين للعرب في أول معرفتنا بها؟“: عودة إلى نقاش ”قديم“

“Which of the works of the ancient Greek philosophers [...] do we owe the first knowledge to the Arabs?” Revisiting an “old” Dispute “Mā hiya al-Aʿmāl al-Falsafīyah al-Yūnānīyah al-Qadīmah [... ] allatī Nadīn lil-ʿArab fī Awwal Maʿrifitinā bihā? ” ʿAwdah ilá Niqqāsh...

ما بعد السنوسي: آفاق جديدة في دراسة العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي

ما بعد السنوسي: آفاق جديدة في دراسة العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي

After al-Sanūsī: New Areas for the Study of Ashʿarī Creed in Northwest Africa Mā Baʿd al-Sanūsī: Āfāq Jadīda fī Dirāsat al-ʿAqīda al-Ashʿariyya fī l-Gharb al-Islāmī Caitlyn OlsonOxford University ما بعد السنوسي:آفاق جديدة في دراسة العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي[✯]...

تصنيف العلوم عند فقهاء الأندلس: ابن عبد البر وابن حزم نموذجين

تصنيف العلوم عند فقهاء الأندلس: ابن عبد البر وابن حزم نموذجين

Taṣnīf al-ʿulūm ʿinda fuqahāʾ al-AndalusIbn ʾAbd al-Bar wa Ibn Ḥazm namūdhajayn تصنيف العلوم عند فقهاء الأندلس:ابن عبد البر وابن حزم نموذجين[1] نظيرة فدواشNadira Fedouacheجامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاسAbstract: The interest of the Muslim jurists in philosophy (ʿulūm...

تصور فخر الدين الرازي لحقيقة الزمان ومرجعيته الأفلاطونية

تصور فخر الدين الرازي لحقيقة الزمان ومرجعيته الأفلاطونية

تصور فخر الدين الرازي لحقيقة الزمان ومرجعيته الأفلاطونية* Tasawwūr Fakhr al-Dīn al-Rāzī liḥaqīqat al-zamān wa marjiʿiyyatuh al-Aflāṭūniyyah Fakhr al-Dīn al-Rāzī’s Conception of Quiddity of Time and its Platonic Background محمد الصادقيEssadki Mohammed جامعة سيدي محمد...

مشاركة / Share
error: Content is protected !!