Loading

تصنيف العلوم عند فقهاء الأندلس: ابن عبد البر وابن حزم نموذجين

Taṣnīf al-ʿulūm ʿinda fuqahāʾ al-Andalus
Ibn ʾAbd al-Bar wa Ibn Ḥazm namūdhajayn

تصنيف العلوم عند فقهاء الأندلس:
ابن عبد البر وابن حزم نموذجين[1]

نظيرة فدواش
Nadira Fedouache
جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس

Abstract: The interest of the Muslim jurists in philosophy (ʿulūm al-qudāmā= “the sciences of the Ancients”) was not a uniform one, but rather there was a range between acceptance and rejection; it also experienced a fluctuation in attitudes depending on the nature of the philosophical science and its purposes. If it turns out, for example, that this science serves religious sciences in some way, then it becomes an acceptable science according to the standard of service, but if it turns out that its aims are far from the aims of religion, then it is rejected and excluded. According to this criterion, some jurists dealt with the sciences of the ancients, and on this basis one can say that their position was closer to a pragmatic moderation than to an absolute rejection. To demonstrate that, I have devoted this article to the study of the writings of two scholars, in which “the sciences of the Ancients” have received attention. Within this framework, I have chosen two Andalusian jurists known for their familiarity with the problem of the classification of sciences by dedicating their writings to it. The first example is ʿAbū Umar Yūsuf b. ʿAbd al-Lāh b. Muḥammad b. ʿAbd al-Barr (d. 463/1071) and his Jamiʿ Bayān al-ʿIlm wa faḍlih; the second example is the Zahirite jurist Abū Muḥammad ʿAlī b. Ḥazm (d. 456/1064) and his Treatise on the Classes of Sciences. It is noteworthy that the basic approach of these two scholars in their attitudes towards the sciences of the ancients is their classification according to the criteria of “service and benefit”. I will try to show in this article that this classification has influenced the general status of the sciences in the context of Islamic civilization, which has experienced different positions that sometimes go as far as the rejection of the sciences of the Ancients and the lack of recognition of their effectiveness, but if this recognition takes place, it does not leave the framework of service and dependence.

Key words: evaluation of sciences, religious sciences, astrology, reliability of proofs, classification.

ملخص: لم يكن اهتمام الفقهاء بعلوم الأوائل اهتماما موحدا، بل عرف تفاوتا بين القبول والرفض؛ كما عرف أيضا تأرجحا في المواقف حسب طبيعة العلم نفسه وحسب مقاصده. فإذا تبين، مثلا، أن هذا العلم يخدم بشكل من الأشكال العلوم الشرعية، فإنه يصبح علما مقبولا وفق معيار الخدمة، أما إن تبين أن مقاصده بعيدة عن مقاصد الدين الإسلامي فآنذاك يتم رفضه وإقصاؤه. وفق هذا المعيار تعامل بعض الفقهاء مع علوم الأوائل، وعلى هذا الأساس يمكن القول: إن موقفهم كان أقرب إلى الاعتدال منه إلى الرفض المطلق. وحيث إن المقام لا يسمح لنا بالوقوف عند نماذج من كل المذاهب الفقهية، فإننا خصصنا هذا المقال لدراسة نموذجين حظيت فيهما علوم الأوائل باهتمام ما، وخضعت فيها للترتيب والتصنيف وفق معياريي ”الخدمة والمنفعة“. وفي هذا السياق وقع اختيارنا على الفقيهين الأندلسيين اللذين عرفا بتخصيصهما لقول في هذا الموضوع. النموذج الأول هو الفقيه أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (ت. 463هـ/1071م) من خلال كتابه جامع بيان العلم وفضله؛ أما النموذج الثاني فهو الفقيه الظاهري أبو محمد علي بن حزم الأندلسي (ت. 456هـ/1064م) من خلال رسالته في مراتب العلوم. ونحاول أن نظهر في هذا المقال أن هذا الترتيب الممثل من قبل الفقهاء انعكس على وضعية العلوم وترتيبها في سياق الحضارة الإسلامية، التي عرفت مواقف متباينة تصل أحيانا إلى رفض علوم الأوائل وعدم الإقرار بنجاعتها، أما وإن حصل هذا الاعتراف فهي لا تخرج عن إطار الخدمة والتبعية.

الكلمات المفاتيح: تقويم العلوم، العلوم الشرعية، علم النجوم، الوثاقة البرهانية، التقديم والتفضيل.

تقديم:

لم يكن تصنيف العلوم في العالم الإسلامي في القرون الوسطى حكرا على الفلاسفة والعلماء، بل كان أيضا مجال اهتمام الفقهاء. غير أنه إذا كانت مسألة التصنيف بمثابة ”تقليد معرفي“ لدى أغلب النظار، فإن الاختلاف في المرجعيات كما في المقاصد بين الفلاسفة والفقهاء يظل أمرا جديرا بالاعتبار. إن نظر الفقهاء في منزلة العلوم ومراتبها لم يكن موجها بمسألة الترتيب بالدرجة الأولى، وإنما كان موجها بمعياري الحاجة والمنفعة.[2] فإنزال علم منزلةً ما يشترط فيه أولا وقبل كل شيء أن يكون خادما لعلوم الدين. من هنا يتبين تعارض وجهة نظر الفيلسوف مع وجهة نظر الفقيه حول مسألة التصنيف وما يترتب عنها من نتائج تخص موقف الفيلسوف والفقيه من العلوم، وخاصة علوم الأوائل.

من أجل التدليل على دعوانا، وقع اختيارنا على الفقيهين الأندلسيين ابن عبد البر (ت. 463هـ/1071م) وابن حزم (ت. 456هـ/1064م) وذلك بالنظر إلى الحضور اللافت لعلوم الأوائل في كتاباتهما، فضلا عن موقف الإعجاب الذي يمكن أن يلمسه المهتم في موقف ابن حزم تُجاه منطق أرسطو خاصة. إن إدراجنا لموقفي ابن عبد البر وابن حزم من تصنيفات الفلسفة والعلوم في بلاد الأندلس والمغرب إنما هو إبراز لمكانة العلوم عند الفقهاء في شخص هذين الرجلين. وعموما، يمكن أن نجمل الأسباب التي حملتنا على هذا الاختيار فيما يلي:

أولا: يعتبر كل من ابن عبد البر وابن حزم من الفقهاء الأوائل في الأندلس. ومن الضروري العودة إلى نموذج من الفقهاء الذين يمثلون الموقف الديني في الأندلس ومعرفة منزلة العلوم بالقياس إلى العلوم الدينية؛

ثانيا: إن وقوفنا عند تصور الفقهاء للعلوم إنما هو محاولة منا لتلمس مدى تغلغل العلوم، بما في ذلك علوم الأوائل، في السياق الثقافي العام للأندلس؛

ثالثا: كان ابن عبد البر أستاذا لتلامذة عدة منهم ابن حزم الذي اشتهر برسالته في مراتب العلوم،[3] مما قد يعني وجود نوع من الاستمرارية في تقليد تصنيف العلوم عند الفقهاء في الأندلس.[4]

وعليه، فإننا نتساءل: ماذا يقصد كل من ابن عبد البر وابن حزم من مفردة العلم؟ وما الذي حركهما نحو تصنيف العلوم وما هو غرضهما منه؟ وما الذي يميز تصنيفهما باعتبارهما فقهاء عن تصنيف الفلاسفة عموما؟ وما هو أثر تصنيفهما على الفاعلية العلمية في الغرب الإسلامي؟

أولا: ابن عبد البر والعلوم النافعة

تشير الدارسة ماري جونوفييف بالتي غيسدون Marie Geneviève Balty-Guesdon في مقال لها معنون بـ”الأندلس والموروث اليوناني حسب طبقات الأمم“ إلى أن ”ابن عبد البر لا يثير إطلاقا قضية أصل العلوم كما لا يثير مسألة انتمائها إلى أمة ما في جامع بيان العلم، وهو كتاب مخصص للحديث، والذي يتضمن بابا في تنظيم المعارف.“[5] يقترح ابن عبد البر في هذا الكتاب، وذلك في مسعاه إلى تنظيم المعارف، مجموعةً من التحديدات والفصول المرتبطة بالعلم، مبرزا منذ البداية ما يميز ”التقليد“ عن ”الاتباع“. فالتقليد محرم بموجب الشرع، لأنه يقتضي من المقلد أن يتبنى موقفا أو قولا دون أن يفهم معناه أو مقصده؛ أو أن يكون المقلد قد أدرك خطأه، لكنه لا يفصح عنه تهيبا وتحوطا؛ أما الذي يتبع قولا أو موقفا فيشترط في صاحبه الصحة والبيان، وعليه نأخذ به لأنه أمر محمود.[6] من خلال هذا التمييز يتخذ ابن عبد البر موقفا سلبيا تجاه ”التقليد“، على خلاف موقفه الإيجابي من ”الإتباع“. وحججه في تبني هذا الموقف هي أن التقليد يفرض على المقلد تبني موقف صاحبه دون معرفة ودراية بصحة أقواله، وحتى إن توفرت هذه المعرفة واكتشف المقلد خطأ صاحبه وفساد أقواله يأبى أن يخالفه الرأي، وهذا أمر شنيع ومحرم على حد تعبيره؛ أما الاتباع فهو أمر مختلف تماما لأنه قائم على معياري: أفضلية القول وصحة المذهب. وانطلاقا من هذا التمييز بين ”التقليد“ و”الاتباع“ يصبح الأول خارج دائرة العلم، أما الثاني فهو يسمح له بالانخراط في مجال العلم بحكم مقوماته، نظرا لأن هذه منسجمة مع شروط تحصيل العلم وتحققه.

ينتقل ابن عبد البر في مرحلة ثانية، في الكتاب المذكور أعلاه، إلى الحديث عما يجوز ترجمته عن غير أهل اللسان العربي بالفهم والعلم والمعرفة في اللسان العربي.[7] ويتبين من وجهة نظر هذا الفقيه أن عملية تلقي العلوم الناطقة بغير اللسان العربي مرت بمراحل، بدءا من الفهم مرورا بمرحلة العلم وصولا إلى مستوى المعرفة. وفي هذا السياق، يقترح تعريفا لما يصطلح عليه باسم العلم، وهو ما يحصل عن طريق اليقين والبيان، أي ”ما استيقنته وتبيّنته، وكل من استيقن شيئا وتبينه فقد علمه؛“[8] وكل ما هو خارج هذين المبدأين لا تصدق عليه صفة العلم. هذا، ويعتبر ابن عبد البر أن هذا التعريف هو موضع اتفاق الفقهاء والمتكلمين. والعلم من حيث بيانه وأفضليته ويقينه يحتاج إلى تصنيف وترتيب، وهو الأمر الذي جعل ابن عبد البر يفرد فصلا قائما بذاته من جامع بيان العلم وفضله خصيصا لتحقيق هذا الغرض.

وفي الواقع، فقد أجرى ابن عبد البر في هذا الفصل قسمات عدة للعلوم، لا قسمتين فقط، كما نفهم من كلام ميغال فوركادا.[9] وكما سنظهر من رسوم الخطاطات أدناه، يتعلق الأمر بأربعة تصنيفات، كل واحد منها ينظر إلى العلوم من زاوية خاصة. وهنا نجد ابن عبد البر قد اشتغل في بناء التصنيف الأول وفق معيار الضروري والمكتسب في العلم، ووفق هذا المعيار صنف أنواع العلوم؛ أما القسمة الثانية فقد حصلت وفق معيار الغياب والشهود؛ في حين قسم العلوم، في القسمتين الثالثة والرابعة، وفق أهلها المشتغلين بها؛ وذلك لأن تصنيف أهل الديانة للعلوم غير تصنيف أهل الفلسفة، وإن كانوا معا يجرون على العلوم ثلاثة أقسام، منها الأعلى ومنها الأوسط ومنها الأدنى.

ويمكن أن نسجل منذ البداية أن هذا التعدد في التصنيف وفي المعايير يعكس تعدد المشارب الفكرية لابن عبد البر وتردده بينها.

 القسمة الأولى:

القسمة الثانية:

القسمة الثالثة:

القسمة الرابعة:

 

ملاحظات أولية:

ما يمكن للمرء أن يلاحظه من خلال هذه الخطاطات أن ما وضع عند أهل الديانات علما أعلى هو غير ما وضع عند أهل الفلسفة كذلك؛ هذا وأن ما في الكتاب والسنة يغني عما يضع أصحاب الفلسفة ضمن موضوعات العلم الأدنى.

وكما يستبعد ابن عبد البر الفلسفة من العلوم في تصنيف أهل الديانات، لم يحجز للتقاليد الدينية أي مكان ضمن تصنيفات الفلاسفة، لكنه يوضح الفروق بين العلوم الوسطى للفلسفة والنظار الدينيين. أما الفلاسفة فإنهم يقسمون العلوم الوسطى إلى علم الحساب والفلك والطب والموسيقى. وهكذا، فبعد الإقرار بأن النظار الدينيين يرفضون الموسيقى، يصف ابن عبد البر بالتفصيل الموضوعات التي تتوافق مع الرياضيات والفلك والطب من جهة النظر التي يقبلها الشرع. والموضوع المرفوض صراحة هو التنجيم الذي خصص له ابن عبد البر فقرة طويلة لإدانته. وقد أدرج في الثلث الثالث تصنيف العلوم الدينية.[10]

يلاحظ ابن عبد البر أن ما صنفه أهل الفلسفة علما أعلى، وهو ”الكلام في حدوث العالم وزمانه، والتشبيه ونفيه، وأمور لا يدرك شيء منها بالمشاهدة ولا بالحواس“[11] لم تعد هنالك من حاجة إليه، ولا من مبرر لوجوده، خاصة بعد أن ”أغنت عن الكلام فيها كتبُ الله الناطقة بالحق، المنزلة بالصدق، وما صح عن الأنبياء صلوات الله عليهم.“[12] ومن هذه الجهة يغدو وجود القسم الأعلى من الفلسفة فضلا؛ لأن النصوص والسنة تقوم بديلا كافيا.

أمر آخر نود تسجيله في هذا السياق هو تقويم ابن عبد البر للقسمة الأخيرة، أعني لقسمة أصحاب الفلسفة في ضوء تصنيف أصحاب الديانات. فعلى سبيل المثال، ”علم الموسيقى واللهو >ف< مطرح ومنبوذ عند جميع أهل الأديان على شرائط العلم والإيمان.“[13]

والأمر الأخير هو استعمال ابن عبد البر لمعيار المنفعة في التمييز بين ما ينبغي أن يقبل في العلوم وما ينبغي أن يطرح؛ ومن منظور هذا المعيار فإن علمين فقط هما اللذان يذكرهما ابن عبد البر، وهذان العلمان هما على التوالي:

• علم الحساب الذي يقول عنه: ”وأما علم الحساب: فالصحيح عندهم منه معرفة العدد والضرب والقسم والتسمية وإخراج الجذور ومعرفة جمل الأعداد ومعنى الخط والدائرة والنقطة وإخراج الأشكال بعضها من بعض، وهو علم لا يستغنى عنه لفرائض المواريث والوصايا، وموت بعد موت، وأوقات الصلوات، والحج، وأحوال الزكوات، وما يتصرف فيه من البياعات، وعدد السنين والدهور ومرور الأعوام والشهور، وساعات الليل والنهار ومنازل القمر ومطالع الكواكب التي قدر الله تعالى للأنواء وسقوطها ومسير الدراري ومطالع البروج وسني الشمس والقمر.“ [14] لكن هذا لا يعني تقديرا مطلقا لعلم الحساب عند الرجل؛ بل على العكس إننا نجده لا يتردد في التحذير من أن ”الإغراق في علم الحساب ربما آل بصاحبه إلى علم القضاء بالتنجيم وهو علم مذموم لا يتناوله ولا يقطع أيامه فيه إلا الخراصون الذين هم في غمرة ساهون.“[15]

• والعلم الثاني هو علم الطب الذي أجمع الناس على نفعه، يقول عنه: ”وأما الطب فلفهم طبائع نبات الأرض وشجرها ومياهها ومعادنها وجواهرها وطعومها وروائحها، ومعرفة العناصر والأركان وخواص الحيوان، وطبائع الأبدان والغرائز والأعضاء، والآفات العارضة، وطبائع الأزمان والبلدان، ومنافع الحركة والسكون، وضروب المداواة والرفق والسياسة.“[16] فهذا هو العلم الثاني الأوسط، وهو علم الأبدان، وفق قسمة أهل الديانات.

على الرغم من أن ابن عبد البر لم يكن يتكلم بدقة العالم أو الفيلسوف، فإن هذا لا يعني أنه لم يكن مطلعا تماما على موضوعات العلوم وعلى بعض تصنيفات العلوم السابقة. وبالفعل، فالرجل قد كتب رسالة هامة في الفرائض (إعمال الحساب على الإرث) وهو من اشتهر بتأثيره على ابن السيد الكلبي (ت. ح 456هـ/1063م)، وهو أحد أهم الشخصيات الرياضية في الأندلس خلال القرن5هـ/11م.[17] وإلى ذلك فهو في هذا الفصل المخصص من كتابه لتصنيف العلوم يظهر معرفة بالعديد منها، الأمر الذي سمح له بتنظيم هذه المعرفة وتصنيفها بحدود. ويمكن أن نسجل، انطلاقا من أقوال ابن عبد البر في هذا الفصل، نوعا من القبول —الموجود لدى علماء دين آخرين من العصر نفسه— لسلسلة كبيرة من الموضوعات التي لم تكن تمثل تحديا للعقيدة والتي هي نافعة للناس، هذا على الرغم من أن النفع المجتمعي لم يكن قد حصل الإقرار به كمعيار على نحو صريح. ومع كل ذلك، لم يورد علوم العقل والإيمان معا في نفس المتن. وفي الواقع فالدائرتان، دائرة العلوم العقلية ودائرة العلوم النقلية، كانتا تمثلان، من حيث هما كذلك، عالمين منفصلين.[18] أي من جهة المقاصد، حيث الأولى بحسبه موجهة إلى الدنيا، أما الثانية فهي موجهة نحو الآخرة.

صحيح أننا يمكن أن نجد نوعا من التقارب بين تصنيف ابن عبد البر للعلوم وتصنيف بعض الفلاسفة المسلمين، خاصة على مستوى الشكل والهيكل العام، مع التأكيد على الاختلافات البينة في منازل العلوم.[19] وهكذا فقد تبنى الفيلسوف ابن سينا (ت.428هـ/1037م) التقسيم الثلاثي: حيث العلم الأعلى ممثل بالعلم الإلهي، والأوسط بالعلم الرياضي، والأسفل بالعلم الطبيعي.[20] وهذا يشبه تقسيم ابن عبد البر مع فارق في المضمون وفي المقاصد، لأن المسعى الرئيس من وراء هذه العلوم حسب هذا الأخير هو خدمتها للعلوم الشرعية. فـ”العلوم عند جميع أهل الديانات ثلاثة: علم أعلى وعلم أسفل وعلم أوسط، فالعلم الأعلى عندهم علم الدين الذي لا يجوز لأحد الكلام فيه بغير ما أنزل الله في كتبه وعلى ألسنة أنبيائه صلوات الله عليهم نصا، والعلم الأوسط هو معرفة علوم الدنيا التي يكون معرفة الشيء منها بمعرفة نظيره، ويستدل عليه بجنسه ونوعه كعلم الطب والهندسة، والعلم الأسفل هو إحكام الصناعات وضروب الأعمال.“[21] لكن الفارق الجوهري بين التصنيفين هو أن العلم الأعلى بالنسبة لابن سينا لم يحظ فيه علم الدين بالأولوية، لأن تعريف علم الدين كما هو وارد في نص ابن عبد البر يختلف عن تعريف ابن سينا للعلم الإلهي، فالشيخ الرئيس يقسم الحكمة إلى قسمين: الأول نظري والثاني عملي؛ مع تمييز كل قسم حسب غايته، يقول: ”فغاية النظري هو الحق وغاية العملي هو الخير،“[22] لينتقل مباشرة بعد ذلك إلى النظر في أقسام الحكمة النظرية، وهي ثلاثة: ”العلم الأسفل ويسمى العلم الطبيعي. والعلم الأوسط ويسمى العلم الرياضي. والعلم الأعلى ويسمى العلم الإلهي.“[23] مع ربط كل علم من هذه العلوم بقسم من أقسام الموجودات التي تخصها.[24]

التقسيم أعلاه، الذي أجراه ابن سينا تمت مراجعته من قبل الفقيه ابن عبد البر، وهذا نص قوله: ”وهذا التقسيم في العلوم كذلك هو عند أهل الفلسفة، إلا أن العلم الأعلى عندهم هو علم القياس في العلوم العلوية التي ترتفع عن الطبيعة والفلك، مثل الكلام في حدوث العالم وزمانه والتشبيه ونفيه وأمور لا يدرك شيء منها بالمشاهدة ولا الحواس.“[25] وهو تصنيف غير مقبول لأنه لا يمكن لأي علم أن يحظى بالأولوية دون علم الشريعة أي الكتب السماوية الناطقة بالحق والصدق والتي قامت مقام هذه العلوم. وبحسب ابن عبد البر فمعرفة الدين تأتي على ثلاثة أقسام: القسمة الأولى هي معرفة خاصة الإيمان والإسلام على حد تعبيره؛ والقسم الثاني: يشمل معرفة النبي صلى الله عليه وسلم الذي شرع الله الدين على لسانه ويده؛ أما القسم الأخير فيتعلق بمعرفة السنن.[26]

عند النظر في أقوال ابن عبد البر أو حتى مقارنتها بغيرها من أقوال الفلاسفة المسلمين، يظهر جليا أن موقفه تجاه علوم الأوائل يظل مطبوعا بالحذر مخافة الإغراق في تفاصيلها. لذلك كان لا بد من التأكيد من قِبَله على معيار المنفعة حتى يحدد كيفية التعاطي لهذه العلوم كالحساب وعلم الفلك، وهو نفسه المعيار الذي لا يسمح بإمكانية تقاطع علم من هذه العلوم مع بقية العلوم الأخرى؛ ومن هنا نفهم لماذا يتعذر الحديث عن وجود تفاعل بين العلوم بعضها مع بعض. أما العلاقة الوحيدة الممكنة فهي خدمة هذه العلوم للعلوم الشرعية وتبعيتها لها.[27] يتبين لنا، إذن، من محاولة ابن عبد البر في مسألة تصنيفه للعلوم، أن غرضه لم يكن هو الوقوف عند أهمية علوم الأوائل في ذاتها وباستقلال عن العلوم الشرعية، بل إن القصد كان هو ربط قيمتها بمدى خدمتها لعلوم الدين.

لم يكن غرضنا التبخيس من محاولة ابن عبد البر، وإنما قصدنا فهم مبررات هذا الفقيه في تصنيف العلوم ومقاصده. ومن هذه الجهة قد يكون عدم إلمام ابن عبد البر ببعض هذه العلوم وعدم ممارسته لها فعليا هو ما دفعه إلى أن يتخذ هذا الموقف بحجة أنها علوم لا تنفع إلا بقيود. ونسجل أن موقف ابن عبد البر، وهو فقيه مالكي، يظل أكثر اعتدالا من مواقف بعض الفقهاء الذين رفضوا تعاطي هذه العلوم والتعامل معها جملة وتفصيلا، والفقه الحنبلي، في مجمله، نموذج لهذا الموقف العدائي الذي اتخذه أصحابه اتجاه العلوم العقلية.[28]

وفي المقابل، قد يكون معيار المنفعة عند ابن عبد البر غير منفصل بمدى تأثره بالمذهب المالكي. إذ المعروف تأثر ابن عبد البر الشديد بإمام المذهب مالك بن أنس (ت. 179هـ/795م) الذي كان يكره الاشتغال بالعلم الذي ليس تحته عمل، وكان يكره الانشغال بالمسائل النظرية التي لم تقع. وابن عبد البر الذي أفنى أربعين سنة من عمره في كتابة التمهيد في شرح الموطأ، فضلا عن الاستذكار الذي هو أيضا شرحٌ لموطأ مالك لا يبعد أن يكون لهذا متأثرا بهذا المذهب في إعماله معيار المنفعة في تقسيم العلوم من حيث اعتبارها واستبعادها.[29]

ثانيا: منزلة العلوم عند ابن حزم

1. اعتبارات أولية

تعتبر رسالة ابن حزم في مراتب العلوم امتدادا للتقليد المشرقي في تصنيف العلوم، وهو تقليد لم يخرج عن ”التقليد المشائي“ في ترتيب العلوم مع تقييدات. وهكذا فقد جاء نظر ابن حزم في مراتب العلوم في سياق معرفي مهد له فلاسفة المشرق.[30] وبهذا الصدد، يعتبر إحسان عباس في مقدمة كتاب رسائل ابن حزم الأندلسي أنه ”في هذا السياق المشرقي المتدرج يجيء ابن حزم (ت. 456هـ/1046م) في أقصى المغرب (في الأندلس) ليمثل وقفة هامة لأنها تجاوزت ما تم في المشرق، وإن كان صاحبها قد تأثر بما حققه المشارقة في هذا الميدان.“[31] لكن محقق الرسائل، الدارس إحسان عباس سرعان ما يستدرك على قوله السابق بأن تصنيف ابن حزم لم يكن وفيا لسلطة أرسطو ولا لسلطة ابن سينا. وحجته على ذلك هي أن الفقيه الظاهري ”اكتفى بتسمية العلوم الدائرة بين الناس في زمنه فوجدها على طريق الحصر اثني عشر علما (ينتج عنها علمان) فعدها دون أن يراعي­ —إلا قليلا— ثنائية الانقسام بين العلوم الإسلامية وعلوم الأوائل.“[32]

وإذا كان تصنيف العلوم قد اتخذ في بداية الأمر بعدا ثلاثيا كما بينا أعلاه مع ابن عبد البر وابن سينا، فإن هذا النوع من التصنيف لم يشكل قاعدةً، بدليل وجود اقتراح ثنائي، على اعتبار أن العلوم صنفان: نظرية وعملية. وعلى منوال هذا التصنيف حصلت تصنيفات مشابهة بين المنقول والمعقول، وبين علوم المسلمين وعلوم الأوائل إلخ.[33] ويشير إحسان عباس، في مقدمة نشرته لرسائل بن حزم، إلى أن الفلاسفة المسلمين في تصنيفهم للعلوم قد ساروا على نموذج التراث اليوناني (أرسطو خاصة)؛ فهل كان لابن حزم —وهو يمثل موقف وسلطة الفقيه—أن يقبل فعلا بهذا الإرث؟ أم أنه سيعمل على تكييف هذا الأخير ليجعله تابعا للعلوم الشرعية وخادما لها على غرار ما فعل ابن عبد البر؟

إن إقبال الفلاسفة والعلماء والفقهاء المسلمين على تصنيف العلوم لم تكن له مقاصد موحدة، حتى وإن كان يجمعهم موروث ثقافي موحد.[34] فإذا كان غرض الفلاسفة والعلماء النظر في مراتب العلوم لما تقتضيه ضرورة التكوين العلمي والمعرفي من جهة أولى، والوقوف عند إمكانية التفاعل بين العلوم من جهة ثانية، فإن الفقهاء كان يشغلهم رهان المفاضلة بين الموروثين، مع تقديم الموروث الإسلامي على الموروث اليوناني، على اعتبار أن الأول يفي بالغرض، ليصبح الثاني تابعا للعلوم الدينية، فيدخل، من ثم، في باب التبعية والخدمة؛ هذا إن لم يحصل التصريح بكونه فضلا لا جدوى منه. وعلى الرغم من أن الفلاسفة المسلمين كانوا على وعي بمشكلة المفاضلة هذه، فلعل مرونة الموقف عند بعضهم هي ما سمح لهم بإمكانية المزج بين علوم الأوائل والعلوم الدينية، مع مراعاة استقلالية كل علم على حدة؛ ومع التأكيد على أن الغرض من طلب هذه العلوم ”الدخيلة“ كان لذاتها، وليس من أجل خدمة علوم الآخرة.[35]

إن إقبال ابن حزم على كتابة رسالة في تصنيف العلوم جاء نتيجة تراكم معرفي أسهمت فيه عدة عناصر، وأعيد تشكيل هذه العناصر لتصبح ما سيعرف فيما بعد بالحضارة الأندلسية. هذه الأخيرة، عرفت تقلبات ومشاهد سياسية مختلفة، كان لها بعض الأثر في الإشعاع المعرفي أو في أفوله، وذلك حسب الأوضاع التي تلزم بهذا الأمر. وابن حزم، كما تشهد بذلك نصوصه الغنية والمتنوعة من جهة أولى، وأصحاب السير من جهة ثانية، كان على دراية بمجموعة من الأعمال، سواء تلك التي تحسب على الحضارة اللاتينية القديمة أو تلك التي وفدت عليه من المشرق، ولعل من أبرزها رسائل إخوان الصفا، وأعمال الفارابي (ت. 339هـ/950م)، إلا أن المناخ الثقافي الذي كان معاصرا له استوجب منه قراءة جديدة وتأويلا يناسب الأوضاع السياسية والاجتماعية التي كانت الأندلس تعيشها آنذاك.

فما هو معلوم عن الرجل درايته ببعض العلوم الفلسفية بما في ذلك علم المنطق والطب، دون أن تشمل تلك الدراية علوم الطبيعة والتعاليم؛ إلا أن أغلب تأليفاته كانت في العلوم الدينية؛ ويقول صاعد الأندلسي في هذا المعنى: ”ثم نبذ هذه الطريقة وأقبل على قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن، فعنى بعلم المنطق وألف فيه كتابا سماه ”التقريب لحدود المنطق“، […] وخالف أرسطاطاليس واضع هذا العلم في بعض أصوله، […] وأوغل بعد هذا في الاستكثار من علوم الشريعة حتى نال منها ما لم ينله أحد قط بالأندلس قبله، وصنف مصنفات كثيرة العدد شريفة المقصد معظمها في أصول الفقه وفروعه على مذهبه الذي كان ينتحله، وطريقه الذي يسلكه وهو مذهب داود بن علي بن خلف الأصبهاني، ومن قال بقوله من أهل الظاهر، ونفاة القياس والتعليل.“[36]

هذا التراجع عن تعاطي العلوم قد اتخذ عند ابن حزم أحيانا صورة الطعن في قيمة البعض منها، بحجة أنه لا منفعة من ورائها، وهذا معناه أن تصنيفه للعلوم قد كان قائما على قسمين: علوم نافعة في مقابل علوم غير نافعة. وهذه العلوم ذات الأصول اليونانية، إن كانت من هذا الأصل ولم يثبت نفعها، أو كانت في نظره تلحق الضرر والبلى على الناس، فإنها مرفوضة تماما كما هو أمر علم الكيمياء والموسيقى.[37]

لا بد من الإشارة أولا إلى أن ابن حزم، وعلى خلاف المتقدمين عنه في مسألة تصنيف العلوم، سيتخذ لنفسه مسلكا مغايرا؛ وفي كلامه ما يفيد هذا المعنى، إذ يقول: ”وهذه الرتبة هي غير الرتبة التي كانت عند المتقدمين، ولكن إنما نتكلم على ما ينتفع به الناس في كل زمان مما يتوصلون به إلى مطلوبهم من إدراك العلوم.“[38] فخروجه عن المعايير المعمول بها عادة في تقويم العلوم النظرية، وتبنيه لمعيار واحد منها، وهو معيار النفع الذي يثبت الأفضلية للعلوم الشرعية والصنائع العلمية، يستوحي الوجه الديني العام الذي يحذر من كل ما من شأنه أن لا ينفع الناس. وهكذا فقد ربط ابن حزم الصنائع بتهذيب العامة، وتحديد أهمية العلوم بما ينفع في الدار الآخرة، ومن ثم فالعلوم الجديرة بالاهتمام هي تلك التي تهدينا إلى طريق الخلاص. وهكذا فأفضل العلوم لدى ابن حزم ”ما أدى إلى دار الخلاص في دار الخلود ووصل إلى الفوز في دار البقاء.“[39]

ويمكن للمرء أن يسجل كون مثل هذا المعيار الذي يطالب الصناعة بالنفع المباشر (”المحتضر“ بعبارة الفارابي) ربما قد يعوق الصنائع عن التطور والتبلور ومن ثم عن النفع الذي قد يأتي في ما بعد (”المنتظر“ بعبارة الفارابي). فإذا كانت الموسيقى على سبيل المثال قد حظيت باهتمام كبير عند الفلاسفة المسلمين، سواء في مستوييها النظري أو التطبيقي، فإنها لم تجد الوقع نفسه لدى الفقهاء؛ لا فقط لأنها من العلوم الدخيلة، غير الأصيلة، بل لأنها تدخل في باب اللهو الضار.[40] هذا مع أن الموسيقى، عند أهلها، قد ثبت نفعها في تهذيب النفوس والطبائع.

صحيح أن هذا لا يعني منع العلوم النافعة التي تتيح لنا كسب العيش، و”إن كسبه أيسر أحيانا على العامة منه على المتبحر في العلم.“[41] ولعل ابن حزم بهذا كان يريد تصنيفا للعلوم يتماشى مع منطق المنفعة الاجتماعية الآنية، والتي لا تحتاج إلا إلى النزر القليل من العلم ”النافع“، والذي هو في الوقت نفسه توطئة للخلاص وللفوز بالآخرة. أما ”وإجهاد المرء نفسه فيما لا ينفع“ فهو أمر مرفوض عند الفقيه الظاهري.

صحيح أيضا أن ابن حزم لم يخرج عن المعايير المعمول بها لتقويم العلوم والصنائع. فهو لم يخرج مثلا عن تلك المعايير المشهورة التي أتى على ذكرها الفارابي في رسالة لها صلة بموضوعنا، وهي رسالة ما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم،[42] لكنه في الوقت نفسه تفادى الحديث عن المعايير الأخرى، واكتفى بمعيار الجدوى والمنفعة؛ وهذا المعيار كما هو معروف يثبت الأفضلية لعلوم الشريعة. يقول أبو نصر الفارابي: ”فضيلة العلوم والصناعات إنما تكون بإحدى ثلاث؛ إما بشرف الموضوع، وإما باستقصاء البراهين، وإما بعظم الجدوى الذي فيه، سواء كان ذلك محتضرا أو منتظرا. أما ما يفضل على غيره لعظم الجدوى الذي فيه، فكالعلوم الشرعية والصنائع المحتاج إليها في زمان وعند قوم. أما ما يفضل على غيره لاستقصاء البراهين فيه كالهندسة. وأما ما يفضل على غيره بشرف الموضوع فكعلم النجوم. وقد تجتمع هذه الثلاثة كلها أو الاثنان منها في علم واحد كالعلم الإلهي.“[43] ولا نملك تفسيرا كافيا عن رد ابن حزم باقي المعايير (شرف الموضوع، واستقصاء البراهين) إلى معيار الجدوى سوى أن إعماله هذه المعايير يستدعي وصفا داخليا للموضوع الذي تعالجه كل صناعة صناعة وتحليلا محايثا للبراهين المستعملة داخل كل صناعة على حدة. وهو أمر لم يكن في متناول ابن حزم؛ ربما لأنه لم تكن له دراية متينة بهذه العلوم. وقد سبق للفارابي أن قال: ”قد يحسن ظن الإنسان بالعلم الواحد؛ فيظنه أكثر وأحسن وأحكم وأوضح مما هو؛ وذلك إما لتقصير ونقص يكونان في طبعه، فلا يقدر معهما على الوقوف على حقيقة ذلك العلم، وإما لأنه لم يبلغ ما يعاند الذي عنده، وإما لفضيلة المستنبطين له والمتمسكين به، وإما لكثرتهم، وإما لحرص الإنسان على نيل ما يرجو أن يحصل من ذلك العلم وجلالة فائدته وعموم النفع فيه لو صح وتحقق، وإما لاجتماع أكثر هذه الأسباب فيه.“[44]

2.       تصنيف العلوم

هناك نوعان من تصنيف العلوم عند ابن حزم، أو على الأقل هناك غرضان: الأول هو غرض وصفي للبرنامج التعليمي التربوي الذي ينبغي أن ينضبط له المتعلم في مسار حياته التعلمية؛ والثاني هو وصف بنيوي لمنظومة العلوم.[45]

1)    البرنامج التربوي

يستند ميكال فوركادا على أقوال ابن حزم في تصنيفه لمراتب العلوم، وهي أقوال يؤكد فيها على البرنامج التربوي-التعليمي الذي يجب على كل متعلم أن يتبعه إن هو أراد تحصيل العلوم والمعارف أساسها التوفيق بين العلوم العقلية والدينية معا، على أن تكون الأولى خادمة للثانية لا غير. يقدم المؤلف في كتاب مراتب العلوم مخططا يخول للطالب اكتساب معارف شاملة توفق بين العلوم العقلية والعلوم الدينية. هذا المخطط مقسم إلى ثلاث طبقات تتوافق تماما مع المستويات الثلاثة للعلوم المحددة من قبل ابن عبد البر. في المستوى الأولي، يتوجب على المتعلم أن يتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن. وفي المستوى المتوسط عليه أن يتعلم النحو والشعر والرياضيات والهندسة والفلك (لاالتنجيم)، ثم المنطق وعلم النبات والحيوان والمعادن والتشريح. أما في المستوى العالي، فعلى الطالب أن يدرس ما أسماه جان جوليفي Jean Jolivet نوعا من ”علم الكلام العقلي.“[46] والذي نفهمه ضمنا من هذا التصنيف الذي هو نظام أرسطي فارابي كيّفه ابن حزم حسب معياره الخاص― وهذا هو الأمر الأكثر أهمية في نظره― هو تبعية كل معرفة للحقيقة الموحى بها، ومن ثم فقط تلك التي تؤدي إلى الخلاص. ليست العلوم العقلية سوى أدوات تمهيدية للعلوم الدينية، ولا وجود لتكامل بينها على غرار ما ذهب إليه بعض الدارسين.[47]

يقترح ابن حزم أن يشرع المتعلم الناشئ بأن يتعلم في البداية ”علم اللغة“ من حيث ”هي ألفاظ يعبر بها عن المعاني فيقتضي من علم النحو كل ما يتصرف في مخاطبات الناس، وكتبهم المؤلفة، ويقتضي من اللغة المستعملة الكثيرة التصرف.“[48]يبدو من هذا التعريف أن الغرض من هذا العلم هو تحقيق التخاطب بين الناس عن طريق استعمال النحو بالقدر الكافي، وبلغة ابن حزم نفسه ”بالمقدار الجاري“ دون التبحر في تفاصيل علم اللغة، إن التبحر ”فضول لا منفعة بها بل هي مشغلة عن الأوكد […] وإنما هي تكاذيب فما وجه الشغل بما هذه صفته.“[49] يقيد ابن حزم كلامه عن علم اللغة بمنطق المنفعة الذي أسس عليه تصوره للعلوم كلها، لكن دون إغفال لمجال الشعر الذي يشترط فيه ”الحكم والخير“ مع ذكر لبعض الشعراء الذين يمثلون هذا النوع من الشعر إذ يقول في حقهم: ”فإنهم نعم العون على تنبه النفس.“[50] لا بد أن مجال الشعر يعوض لدى ابن حزم مجال الموسيقى الذي اعترض عليه سابقا جملة وتفصيلا.

يضع ابن حزم علم العدد مباشرة بعد علم اللغة، ويعرفه من حيث هو قدرة على ”الضرب والقسم والجمع والطرح والتسمية“ وللتعرف على المساحات، وهنا يؤكد على الأرتميطيقا وهو النظر في طبيعة العدد، داعيا إلى ضرورة قراءة مرجعين: الأول هو كتاب أقليدس واصفا إياه، بـ”العلم الرفيع“ معللا هذا الحكم بكون هذا الأخير يسمح بـ”معرفة نصب الأرض ومساحتها وتركيب الأفلاك ودورانها وأبعادها، والوقوف على براهين كل ذلك وعلى دوران الكواكب وقطعها في البروج، فهذا علم رفيع جدا يقف به المرء على حقيقة تناهي جرم العالم وعلى آثار صنعة الباري في العالم، فلا يبقى له إلا مشاهدة الصانع فقط، وأما الصنعة والإرادة والتركيب، فقد شاهد كل ذلك بوقوفه على ما ذكرنا.“[51] لتشمل منفعته الآثار العلوية كمعرفة دوران الكواكب، ولتحقيق هذا الغرض يقترح ابن حزم مطالعة كتاب المجسطي لمعرفة الكسوفات وعروض البلاد […] وكل هذه المعارف هي بمثابة مقدمات نحو ”مشاهدة الصانع.“ وتجدر الإشارة هنا أن علم العدد بحسب ابن حزم يضم علم الحساب وعلم الفلك، دون أحكام النجوم.

بعد ذلك يرتقي المتعلم إلى تعلم المنطق، إذ من المناسب بعد أن ينتهي المرء من العلوم السابقة الذكر أن ينظر ”في حدود المنطق وعلم الأجناس والأنواع والأسماء المفردة والقضايا والمقدمات والقرائن والنتائج ليعرف المرء ما البرهان وما الشغب، وكيف التحفظ مما يظن أنه برهان وليس ببرهان، فهذا العلم يقف على الحقائق كلها ويميزها من الأباطيل تمييزا لا يبقى معه ريب.“[52] هذا هو الدور الذي يسنده ابن حزم لعلم المنطق، إذ يدرك المرء من خلاله التمييز بين الحق والباطل؛ وهو من دون شك يخضع لمبدأ الفقيه الظاهري الذي تمت الإشارة إليه سابقا، أعني طلب ”القدر الكافي“ من العلم.[53]

بعد التمكن من هذا القدر الكافي من صناعة المنطق يأتي وجوب النظر ”في الطبيعيات، وعوارض الجو، وتركيب العناصر، وفي الحيوان والنبات والمعادن، ويقرأ كتب التشريح ليقف على محكم الصنعة وتأثير الصانع وتأليف الأعضاء واختيار المدبر وحكمته وقدرته.“[54] وهو العلم الذي يختم به ابن حزم تصنيفه المبدئي، مكتفيا بإبراز أهمية هذه العلوم بالإضافة إلى ”الصانع الأول“؛ وبالفعل، يأتي تصريح هذا الفقيه مباشرة بعد إنهاء القول في مراتب هذه العلوم السابقة الذكر إلى فكرة منفعة هذه العلوم بالنسبة إلى المدبر الأول.

أما الاعتقاد بتحصيل العلم لأجل ذاته، كما ساد الاعتقاد مع أصحاب تصور العلوم النظرية التي تقتنى لذاتها (وهو تصور الفلاسفة)، فهو قول مردود بحسب ابن حزم: ”فإن قال قائل: إن في علم العدد والهيئة والمنطق معرفة الأشياء على ما هي عليه، قلنا إن هذا حسن إذا قصد به الاستدلال على الصانع للأشياء بصنعته، ليتدرج بذلك إلى الفوز بالنجاة والخلاص من العذاب والنكد؛ وأما إن لم يكن الغرض إلا معرفة الأشياء الحاضرة على ما هي عليه فقط، فطالب هذه العلوم، ومن جعل وكده معرفة صفة البلاد على ما هي عليه، وصفات سكان أهل كل بلدة وما هي عليه صورهم سواء، ومن كان هذا هو غرضه فقط، فهو إلى أن يوصف بالفضول والحماقة أقرب منه إلى أن يوصف بالعلم، إذ حقيقة العلم هو ما قلنا إنه يطلبه لينتفع به طالبه، وينتفع به غيره في داره العاجلة وداره الآجلة التي محل قراره ومكان خلوده، وبالله تعالى نتأيد.“[55] هكذا إذن تكون كل هذه العلوم من وجهة نظر ابن حزم توطئة لعلوم الشريعة التي تتربع على قمة هرم العلوم قاطبة. ومعرفتنا بهذه العلوم لازمة لخدمة علوم الشريعة فقط، أما معرفة العلوم لذاتها والنظر في إمكانية تطورها فمسألة غير واردة في فكر ابن حزم، بل هي على حد تعبيره تدخل في باب الحماقة وليس في باب العلم.

بعد هذا التصنيف، يذكرنا ابن حزم بأن أهمية العلوم لا تُستمد من ذاتها وإنما من مقاصدها. وعلى هذا النحو تقال العلوم بحسب قربها وبعدها من الأغراض والمطالب الدنيوية؛ فإذا كانت هذه العلوم أقرب إلى أمور الدنيا قيلت بتأخير، أما إذا كانت قريبة أو ممهدة نحو الخلاص فهي تقال بتفضيل، حيث يحوز بها طالبها أفضل المراتب وأشرفها؛ يقول: ”وعند التحقيق وصحة النظر فكل ما علم فهو علم؛ فيدخل في ذلك علم التجارة والخياطة والحياكة وتدبير السفن وفلاحة الأرض وتدبير الشجر ومعاناتها وغرسها والبناء وغير ذلك. إلا أن هذه إنما هي للدنيا خاصة فيما بالناس إليه الحاجة في معايشهم. والعلوم التي قدمنا، الغرض [منها] التوصل إلى الخلاص في المعاد فقط، فلذلك استحقت التقديم والتفضيل.“[56]

وبالجملة فإن هذا البرنامج العلمي الذي يقترحه ابن حزم على المتعلمين والقائم على مبدأ التدرج، إنما هو برنامج إعدادي يؤهل المتعلمين في نهاية الأمر لاكتساب علوم الآخرة. وإلا فإنه لا معنى لتعلم علوم نظرية لا تنفع في الدنيا والآخرة.

2)    التصنيف البنيوي للعلوم: ابن حزم والنظرة الوسيلانية

أ‌.      الطب: فرض كفاية

علم الطب مثله مثل علم النجوم والعدد والفلسفة علم تتفق فيه الأمم كلها. وأحد التعريفات التي يقدمها ابن حزم للطب هو أنه ”معاناة الأجسام.“[57] وهذا هو النوع الذي يناظر باقي الصنائع. والواقع أن ابن حزم يعود بنا ليقسم الطب عدة قسمات، ليجعل القسمة الأولى منه تشمل علم المنطق من حيث هو طب للنفس. يقول في هذا المعنى: ”علم الطب ينقسم قسمين: طب النفس، وهو نتيجة من علم المنطق بإصلاح الأخلاق ومداواتها وصرفها عن الإفراط والتقصير وإقامتها على الاعتدال؛ وطب الأجسام، وهو ينقسم إلى معرفة الطبائع الجسمية ومعرفة تركيب الأعضاء ومعرفة العلل وأسبابها وما تعارض به من الأدوية وتميز القوي من الأدوية والأغذية. وينقسم أيضا قسمين: عمل باليد كالجبر والبط والكي والقطع، وعمل في صرف قوى العلل بقوى الأدوية، وينقسم أيضا قسمين: حفظ الصحة لئلا يحدث المرض ثم معاناة المرض.“[58]

يبدو لنا أن القاعدة التداولية التي استهل بها ابن حزم رسالته، وهي أن لكل مقام مقالا، تعين على فهم التردد الكبير في موقف ابن حزم من صناعة الطب. ذلك أن زوايا النظر إلى هذا العلم هي ربما ما جعل مواقفه تظهر وكأنها ليست على خط واحد. يقول ابن حزم: ”أما العلم الذي ليس فيه إلا حفظ صحة الجسم فقط، فإن المتعب فيه بدنه، المجهد لنفسه في تلقيه وتقييده لا يحصل من تمامه لديه إلا على البصر في معاناة مرض لا يدري أيتم له غرضه من بُرئه أم لا يتم. ثم إن تم فليس على ثقة من عود ذلك الداء بعينه أشد ما كان، أو حدوث داء آخر مثل الذي استنفد طوقه في معاناته وأعضل منه. وأما المضمون المحتوم فإنه لا يقدر على دفع الموت إذا حل، ولا علاج الزمانة إذا استحكمت، ولعل ذلك يحدث بمن أتعب نفسه في مداواته في أسرع من كر الطرف.“[59] إن الناظر في هذا النص قد يحمله على فهم الموقف المناهض لصناعة الطب من قبل ابن حزم، وهو أمر يتعارض مع ما يرد في الرسالة من أقوال. لذلك يبدو لنا أن قصد الرجل هو التنبيه إلى ضرورة ربط هذا العلم أو الاشتغال به لا بمنفعته الخاصة فقط، بل لا بد من تقييده بمجموعة من الاعتبارات أو الفوائد العامة التي تتدرج وتتراتب من أجل غاية قصوى.

وبالجملة هناك اعتباران اثنان في التعاطي للعلوم عموما:

الاعتبار الأول، ويقول عنه: ”الواجب أن يتهمم المرء بالعلوم الممكن تعلمها التي قد ينتفع بها في الوقت، وأن يؤثر منها بالتقديم ما لا يتوصل إلى سائره إلا به ثم الأهم فالأهم والأنفع فالأنفع، فإن من رام الارتقاء إلى أرفع العلوم دون معاناة ما لا يوصل إليه إلا به، كمن رام الصعود إلى علية مفتحة مظلمة أنيقة البناء دون أن يتكلف التنقل إليها في الدرج والمراقي التي لا سبيل إلى تلك العلية إلا بها؛“[60] ومن هذه الجهة أيضا، فإن التعاطي لعلم ما يجب أن لا يحمل صاحبه على أن يتخذ سائر العلوم سخريا، مثل ”من تعلق بالطب فلم ير علما غيره.“[61]

وأما الاعتبار الثاني والأهم فهو أن ”أفضل العلوم ما أدى إلى الخلاص في دار الخلود ووصل إلى الفوز في دار البقاء.“[62]

يعيننا هذان الاعتباران على أن ننظر إلى كل علم في سياقه وفي نسبيته وربطه بمحيطه؛ وفي هذا المعنى يقول: ”فمن تأمل ما ذكرنا، علم أن المنفعة بما قصد به من العلوم إلى المنفعة الخاصة، قليلة جدا وضعيفة العائدة جملة؛“[63] وإلا فإنه ”لا بد في الشريعة من معرفة العيوب التي تجب التكليف كعاهة الجنون المتملكة، وقوام الآفات والأدواء، فلا بد من معرفة العلل ومداوتها وهو علم الطب،“[64] بل إن ”تعلم الطب فرض على الكفاية، ومضيعه مضيع فرض.“[65]

ب‌.  التنجيم

في رسالة لأبي نصر الفارابي في ما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم، يعبر الفارابي بشكل واضح عن ثلاثة معايير لتقويم العلوم، شرف الموضوع، واستقصاء البراهين، والجدوى.

ودون الدخول في تفاصيل المقارنة بين ابن حزم وأبي نصر، نؤكد على ما سبق أن أشرنا إليه أعلاه من أن ابن حزم قد همش المعيارين الأول والثاني على أهميتهما، وإن كان لم يعدم الإشارة إلى استقصاء البراهين. وهذا التهميش هو، في الواقع، ناتج عن رد صناعة أحكام النجوم إلى القسم الذي حصل بخصوصه اتفاق على لا جدواه، وهو القضاء بالنجوم.

ولم يخصص ابن حزم فقرة بعينها للحديث عن هذه الصناعة، بل ذكرها في مواضع عدة (أربعة أو خمسة) من الرسالة؛ لذلك نرى أن الحكم على هذه الصناعة قد جاء عنده قبل تعريفها، بل قبل تحديد منزلتها. فقد انتهى من ”استدلال القسمة“ إلى نزع المعنى عن الاشتغال بها، وإلى أن من اشتغل بشيء من أحكام النجوم، فإنما هو إنسان محروم مخذول يطلب ما لا يجد أبدا. يقول في هذا المعنى: ”وأما الاشتغال بأحكام النجوم فلا معنى له، ولا يخلو من أن يكون ما يحكون من قضايا حقا أو باطلا، إذ لا سبيل إلى قسم ثالث، فإن كانت حقا فما لها فائدة إلا استعجال الهم والغم والبؤس والنكد، لتوقع المرض والنكبات وموت الأحبة وانقطاع كمية العمر ومعرفة فساد المولد. فإن قالوا إنه قد يمكن دفع ما يتوقع من ذلك فقد قضوا بأنها لا حقيقة لها، إذ الحق لا سبيل إلى رده. وإن كان باطلا فأهل أن لا يشتغل به.“[66] وهكذا، فإن توظيف معيار الفائدة هو الذي يؤدي إلى رفض أحكام النجوم حتى في حالة كونه حقا.

لكن ابن حزم سرعان ما يلجأ إلى معيار آخر، هو معيار الوثاقة البرهانية. ومن هذه الجهة أيضا، إن غياب هذه الوثاقة عن هذه الصناعة تحملنا أيضا على إقصاء هذا العلم. يقول في هذا المعنى: ”فليس القضاء بالنجوم علم برهان، وإنما هي تراعي أبدا، وبالجملة تجارب، وإذ هي كذلك، فباطل بلا شك، لأن التجارب لا تكون إلا بتكرير الحال مرارا كثيرة جدا على صفة واحدة لا تستحيل أبدا والنصبة التامة من الكواكب لا تعود إلا إلى عشرة من آلاف من السنين، وإذا ذهبت المملكة لم تذهب إلا بحروب وغارات وسوء حال وفساد بلاد وحدوث أخر، وهذا كله يذهب علوم تلك المملكة ورتبها وأرصادها وأكثر أخبارها بل كلها، فلا سبيل مع ذلك إلى اتصال رصد هذه المدة كلها، فكيف أن يمكن دوام التجربة تكرارا دورا بعد دور؟“[67] وهكذا فعلم أحكام النجوم صناعة لا يمكن إدراجها ضمن العلوم البرهانية، والسبب في ذلك أن هذا العلم متوقف بالدرجة الأولى على التجربة، وهي بحسب ابن حزم دليل منع لا دليل إثبات، أي أنها عنصر ثالث يؤكد بطلان هذا العلم. لكن صفحات بعد ذلك، يعاود ابن حزم الحديث عن أحكام النجوم، وفي الفقرة التي يحدد فيها ابن حزم موقع أحكام النجوم داخل المنظومة العلمية، نجده يعتبر هذه الصناعة من تلك الصنائع التي لا تختلف بها الأمم بعضها عن بعض، وهي علم العدد وعلم النجوم والطب والفلسفة.[68] وصفحتان بعد ذلك، يفاجئنا ابن حزم بالعودة القهقرى إلى تعريف علم النجوم. في هذه اللحظة بالذات يعترف ابن حزم أن ”علم النجوم: ينقسم إلى معرفة علم الهيئة والتعديل ببرهانه ثم الذي يذكرونه من القضاء.“[69] وكما هو معروف، فإن علم الهيئة غير القضاء بالنجوم، الذي يقول عنه ابن حزم: ”وأما القضاء بالنجوم فلا يعرف بطلانه إلا من أشرف عليه، ولا يعرف الخطأ من الصواب إلا بمعرفتهما.“[70]

والواقع إن أي تساؤل عن موقف علم الهيئة في كلام ابن حزم لا يجد له جوابا شافيا. فلا أثر لأي حديث عن منزلته ولا عن قيمته ولا عن منفعته. كل ما يمكن أن يجده المرء في كلام ابن حزم هو الموقف من القسم الثاني من علم النجوم، والحكم ببطلان الاشتغال بأحكام النجوم وبغياب المعنى عنه. أما علم الهيئة فقد تجاهله أو سكت عنه. وبناء عليه يبدو لنا أن موقف ابن حزم من هذا العلم موقف ملتبس تماما.

وإذا قارنا بين موقف ابن حزم وابن عبد البر بخصوص علم النجوم، وجدنا الغموض ذاته في موقف ابن عبد البر. فهذا الأخير لا يتحدث بالاسم عن أحكام النجوم وإنما عن التنجيم، ويموقعه ضمن العلوم الأربعة التي تشكل العلم الأوسط عند الفلاسفة، إلى جانب الطب والموسيقى والحساب. لكنه سرعان ما نجده يقول: إن الإغراق في علم الحساب قد يفضي بصاحبه إلى علم القضاء بالتنجيم؛ وبعبارته هو: ”الإغراق في علم الحساب ربما آل بصاحبه إلى علم القضاء بالتنجيم وهو علم مذموم لا يتناوله ولا يقطع أيامه فيه إلا الخراصون الذين هم في غمرة ساهون.“[71] وابن عبد البر نفسه يلجأ إلى معيار استقصاء البراهين للطعن في علمية أحكام النجوم، يقول: ”والمتخرصون بالنجامة كالمتخرصين بالعيافة والزجر وخطوط الكف والنظر في الكتف وفي مواضع قرض الفأر، وفي الخيلان والعلاج بالفكر وملك الجن وما شاكل ذلك مما لا تقبله العقول، ولا يقوم عليه برهان، ولا يصح من ذلك كله شيء، لأن ما يدركون منه يخطئون في مثله مع فساد أصله، وفي إدراكهم الشيء وذهاب مثله أضعافا ما يدلك على فساد ما زعموه، ولا صحيح على الحقيقة.“[72]

الظاهر أن ابن حزم وابن عبد البر لم ينظرا إلى علوم كثيرة مثل التنجيم سوى بمنظار معيار الجدوى والمنفعة، الذي يثبت التقدم والأفضلية للعلوم الشرعية؛ ومن ثم فهذه العلوم (التنجيم والموسيقى وغيرهما) لا معنى لها؛ لأنه لا فائدة ترجى منها كما ترجى من العلوم الشرعية.

ت‌.    الموسيقى

يمكن للملاحظ العادي أن يتساءل كيف أمكن لمؤلف طوق الحمامة، ذي الروح الشعرية الرقيقة أن يسجل مواقف مناهضة للموسيقى علما وممارسة، فضلا عن مناهضته لشتى أغراض الشعر باستثناء الغرض الديني-الوعظي؟ وهذا التساؤل أو بالأحرى الاستغراب يمكن أن يصدر لا بخصوص الموسيقى فحسب، بل بخصوص الموقف الفقهي الذي تبناه ابن حزم، والذي لا يسمح بفسحة التأويل والخروج عن الظاهر. وهو أمر كان ابن حزم على وعي به؛ فقد كان يتوقع من مخاطبيه أن ينكروا عليه هذا الهجوم على الموسيقى والأشعار وهو من هو في قرض الشعر. لكن الاستجابة إلى الحق، في تقديره، هي ما حمله على التنكر إلى جزء من سيرته، وهو مدرك أنه قد يقدح عليه من هذه الجهة بالذات. يقول في هذا المعنى: ”ولا يظن ظان أن هذا علم جهلناه فذممناه، فقد علم من دخلنا أو بلغه أمرنا كيف توسعنا في رواية الأشعار، وكيف تمكننا من الإشراف على معانيها، وكيف وقوفنا على أفانين الشعر ومحاسنه، ومعانيه وأقسامه، وكيف قوتنا على صناعته، وكيف تأتي مقصده ومقطوعه لنا، وكيف سهولة نظمه علينا في الإطالة فيه والتقصير، ولكن الحق أولى بما قيل.“[73]

وعلى كل حال، فإن المنفعة، التي وضعها ابن حزم معيارا لتقويم العلوم والمعارف، هي التي أدت به إلى التحذير من المتعاطين لعلوم مثل الموسيقى وعلم التنجيم؛ يقول: ”فاعلموا أسعدكم الله بتوفيقه أن من رأيتموه يدعي علم الموسيقى واللحون، وعلم الطلسمات، فإنه ممخرق كذاب ومشعوذ وقاح؛“[74] وإن كنا لا نرى أي مسوغ لهذه الدعوة، لأنه لا علاقة، في ما يبدو لنا، بين المخاريق والكذب والشعوذة من جهة والموسيقى من جهة ثانية. ثم أكثر من ذلك إننا لا ندري ما الذي حمل ابن حزم على اعتبار الموسيقى من العلوم المندرسة، التي لم يعد لها أثر في العالم، يقول: ”ثم إن من تلك العلوم ما بقي وبقيت الحاجة إليه، ومنها ما درس رسمه، ودثرت أعلامه، وانبت جملة فلم يبق إلا اسمه. فمن ذلك علم السحر، وعلم الطلسمات […] ومن ذلك الموسيقى وأصنافها الثلاثة، فإن الأوائل يصفون أنه كان منها [ما] يشجع الجبناء وهو اللوي، ونوع ثان يشجع البخلاء وأظنه الطنيني، ونوع ثالث يؤلف بين النفوس وينفر. وهذه صفات معدومة من العالم اليوم جملة.“[75] يبدو أن ما كان يقصده ابن حزم هو الموسيقى التي ”تشجع الجبناء“ و”تسخي البخلاء“ و”تؤلف بين النفوس وتنفر“ فهي إذن ثلاثة أنواع من الموسيقى لم يعد لها أثر، وبالتالي لا فائدة من استرجاعها.

وعموما، فقد كان معيار المنفعة حاسما في رفض ابن حزم للموسيقى، ذلك أن علما كهذا يصعب أن يكون وجها من وجوه الخلاص. وبناء على هذا المعيار نفسه حكم ابن حزم على مختلف أنواع الشعر؛ ومن ثم نفهم اعترافه بأهمية النوع الديني. يقول في هذا: ”وإن كان مع ما ذكرنا رواية شيء من الشعر فلا يكن إلا من الأشعار التي فيها الحكم والخير، كشعر حسان بن ثابت، وكعب بن مالك […] فإنها نعم العون على تنبيه النفس.“[76]

وتجدر الإشارة إلى أن ابن حزم كان قد عرف صناعة الشعر في التقريب لحد المنطق على طريقة الفقهاء لا على طريقة الفيلسوف أرسطو ومن تبعه من المشائين المسلمين الذين شرحوا كتاب الشعر.[77] فقد شرع بالاستشهاد بقول للحكماء وللمتقدمين مشيرا إلى الكذب الملازم للشاعر، وسار على هذا الخط مستشهدا بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية. والشعر إما أن يكون كاذبا بتخييلاته وإما أن يصير كلاما واصفا موضع هزء السامعين؛ وكأنه لا درجات بين الحدين القصويين. ومع ذلك، فإننا نجده يعرف الشعر بمقدار ما يحسن، فيقول: ”للشعر ثلاثة أقسام: صناعة وطبع وبراعة؛ فالصناعة هي التأليف الجامع للاستعارة والإشارة، والتحليق على المعاني […] والطبع هو ما لم يقع فيه تكلف، وكان لفظه عاميا لا فضل فيه عن معناه، […] والبراعة هي التصرف في دقيق المعاني وبعيدها، والإكثار هو ما لم يقع فيه تكلف، وكان لفظه عاميا لا فضل فيه عن معناه، […] والبراعة هي التصرف في دقيق المعاني وبعيدها، والإكثار فيما لا عهد للناس بالقول فيه، وإصابة التشبيه، وتحسين المعنى اللطيف […] وأشعار سائر الناس راجعة إلى الأقسام التي ذكرنا ومركبة منها. […] وكون المرء شاعرا ليس مكتسبا لكنها جبلة إلا أنه يقوي صاحبها بالتوسع في قراءة الأشعار وتدبرها؛“[78] ويضيف ابن حزم مباشرة: ”وإذ قد تكلمنا في الشعر بكلام جامع لأقسامه وانقضى رأينا فنقول: هذا هو حد المنطق؛“[79] فقد استوفى الحديث عن الأقسام الثمانية للمنطق الأرسطي في تلقيه المشائي الإسلامي بما في ذلك تأكيده على دخول كل من الخطابة والشعر ضمن الصناعة المنطقية، وهو الموقف الموروث ربما عن الفارابي. صحيح أنه يحق لنا أن نسجل اتساع المسافة بين كلام ابن حزم وكلام الفلاسفة المسلمين في الشعر، كالفارابي أو ابن سينا، غير أنه ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أن ابن حزم لا يقرب حد المنطق بإطلاق، وإنما يقربه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية.

وعموما، فإن معيار المنفعة الاجتماعية هو ما دعا ابن حزم إلى تجنب أربعة أضرب من الشعر، من قبيل ضرب الغزل والرقيق وضرب الصعلكة والترف والهجاء؛ أما المدح والرثاء فهما من المباح المكروه. وطبعا، فإن كل حكم من هذه الأحكام يبرره ابن حزم بتبريرات الشرع. ومن ثم فمن وجهة النظر الأخيرة سيغدو أمرا مفهوما لماذا يجب تفادي الأشعار التي تحث على الفتنة وتصرف النفس إلى الخلاعة واللذات وتبذير المال، وإلى كل ما هو رديء، وتلك التي تثير النفوس وتهيج الطبائع وتثير الفتن وطلب الظلم وسفك الدماء، وتلك التي تدعو إلى التغرب وتنشب المرء فيما قد يصعب عليه التخلص منه بلا معنى، وتلك التي تدعو إلى ذكر العورات والمساوئ وحلول الدمار في الدنيا والآخرة. أما المباح المكروه فهو كذلك لأنه يحبب النفوس في الموت والكذب.[80] وبالجملة، فإن ”الإكثار من رواية الشعر، هو كسب غير محمود، لأنه من طريق الباطل والفضول، لا من طريق الحق والفضائل.“[81]

وابن حزم لم يخرج في موقفه من الموسيقى والشعر عن مضمون موقف أستاذه ابن عبد البر، الذي نعود إليه هنا على سبيل المقارنة. فقد صنف ابن عبد البر الموسيقى وعلم اللحون ضمن العلم الأوسط كما هو معتبر عند الفلاسفة، إلى جانب علم الحساب والتنجيم والطب، يقول: ”وعلم الموسيقى ومعناه: تأليف اللحون وتعديل الأصوات ورن الأنقار وأحكام صنوف الملاهي؛“[82] لكن ابن عبد البر لم يقف عند هذا الحد بل عمد إلى تقويم هذا العلم من قبل أهل الديانة، فقال: ”أما علم الموسيقى واللهو فمنطرح ومنبوذ عند جميع أهل الأديان على شرائط العلم والإيمان.“[83] ولعل أهم شرائط العلم والإيمان هو المنفعة الدينية تحديدا.

خاتمة

يظهر إذن من خلال اشتغالنا على نموذجي ابن عبد البر وابن حزم، أن قبول علوم الأوائل كان مقيدا بشروط ومعايير، وكل علم لا يخضع لهذه المعايير يُرفض و يتم استبعاده من عملية التصنيف المقترحة من قبل هذين الفقيهين. فمسألة تلقي العلوم وقبولها من جهة، وتصنيفها بمعية العلوم الشرعية من جهة ثانية، أثر على الفاعلية العلمية التي احتضنتها الحضارة الإسلامية.

كما يمكننا أن نسجل أن وقوفنا عند هذين النموذجين من الفقهاء، سمحت لنا بمراجعة بعض المواقف التي تجعل موقف الفقهاء من علوم الأوائل موقفا واحدا هو الرفض. فيبدو أن فقهاء الأندلس، وربما للسياقين الثقافي والسياسي اللذين شهدتهما هذه المنطقة، كانوا أكثر مرونة في تعاطيهم لهذه العلوم، وهي المرونة التي أثرت عمليا على موقفهم من مسألة التصنيف.

صحيح أن قبول هذين الفقيهين ببعض العلوم بشكل انتقائي أثر على وضعية هذه العلوم في سياق الحضارة الأندلسية، لكنه تأثير لم يكن له نفس الوقع كما حصل مع بعض الآراء الفقهية الأخرى (من قبيل غالبية الحنابلة وبعض المالكية) التي تعاملت مع هذه العلوم بعدائية غير مبررة، وإن كانت مفهومة إلى حد ما.

اتساع المسافة بين المواقف، الذي يعود إلى اختلاف المرجعيات والتقاليد الثقافية، لم يكن يشجع على توطيد سبل التفاعل والاستفادة. ذلك أن الموقف المتحفظ من الموسيقى والأشعار يظل متمسكا بموقف اللامشروعية، أما إن استجاب الموقف المقابل وحاول التفاعل إيجابا مع موقف التحفظ، فسيضطر إلى التوقف عن الممارسة والصناعة لحينٍ من أجل استكمال واستيفاء مطلب المشروعية. هكذا يكون التفاعل في هذه الحالة نوعا من الانتكاسة إلى الوراء من أجل البحث عن موطئ قدم لهذه الصناعة أو تلك بدل استئناف النظر والدرس فيها بهدف الإسهام في التراكم العلمي الذي عرفته الصناعة حتى ذلك الحين.

ومن جهة أخرى، إن التفاعل كما يفهمه الفقهاء في هذا السياق هو الخدمة والمنفعة. إذ لم يتصوروا علوما يخدم بعضها بعضا، وإنما وضعوا منظومة علمية بأكملها في خدمة منظومة أخرى. هذا مع أن العلوم داخل المنظومة نفسها يمكن أن يخدم بعضها بعضا في اتجاه واحد؛ ويمكن أن يكون بعضها منضويا تحت أخرى لاعتبارات تتعلق بطبيعة البراهين والموضوع المدروس. أما أن يُشرط وجود المنظومة كلها ويُرهن بخدمة المنظومة المقابلة، فهذه نظرة اختزالية للعلوم لا تشجع على بلورة تفاعلات حقيقية. من هذا المنظور بالضبط، نظر الفقهاء إلى علوم بعينها على أنها تخدم علوم الشريعة فقبلوا بها ووضعوا لها حدودا لا تتعداها، كما نظروا إلى علوم أخرى على أنها لا تنفع أو أنها تتعارض ومرجعية علوم الشريعة في النفع، فرفضوها وطرحوها. وهكذا يصير للتفاعل هنا معنى آخر، معنى التبعية والخدمة ولا يمكنه أن يخرج عن هذا الإطار.

Bibliography

al-Buʾazzātī, Bannāṣar. al-Fikr al-ʾilmī wa al-thaqāfah al-islāmiyyah. Rabat: Dār al-amān, 2015.

al-Fārābī, Abū Naṣr. Risālah fi mā yaṣiḥu wa mā lā yaṣiḥu min aḥkām al-nujūm. Edited by Jaʿfar Āl Yāsīn. Beirut: Dār al-manāhil, 1987.

al-Fārābī, Abū Naṣr .Iḥṣāʾ al-ʿulūm. Edited by ʿUthmān Amīn. Cairo: Maṭbaʿat al-ssaʿādah, 1931.

al-Miṣbāhī Muḥammad, “Bayna al-ssalafiyah al-mustanīrah wa al-ssalafiyah al- mutazammitah.”(may, 2014). In Muʾassasat muʾminūn bilā ḥudūd li al-dirāsāt wa al-abḥāth. https://www.mominoun.com/tags/1136.

ʾArfa, Mukdād Mansiyya. “al-ʿUlūm wa al-taʿlīm fī fikr Ibn Ḥazm al-Andalusī.” In ʿIlm al-kalām wa al-falsafah. Tunisie: Dār al-janūb li al-nashr, 1995.

Balty-Guesdon, Marie Geneviève. “al-Andalus et l’héritage grec d’après les ṭabaqāt al-ʿumam de Ṣaʿid al-Andalusī.” In Perspectives arabes et médiévales sur la tradition philosophique grecque. Edited by Ahmad Hasnawi, Abdelali Elamrani-Jamal et Maroun Aouad, 331–342. Paris-Leuven: Institut du Monde Arabe-Peeters, 1997.

Dandash, ʿIṣmat. “Ārāʾ fī ṭalab al-ʿilm wa ādābih li Ibn Ḥazm.” In Ibn Ḥazm al-Andalusī : al-manḥaj wa al-maʿrifah. Edited by Ben Karūm Saʿīd. Mohamadia: manshūrāt kuliyyat al-ādāb wa al-ʿulūm al-insāniyah, (2005): 171–195.

Forcada, Miquel. “Ibn Bâjja and the Classification of the Sciences in al-Andalus.” Arabic Sciences and Philosophy 16 (2006): 287–307.

Ibn ʿAbd al-Bar, Abū ʿUmar Yūsuf. Jāmiʿ bayān al-ʿilm wa faḍlih. Edited by Abī al-Ashbāl al-Zahīrī. Volume 1. Al-Ddamām: Dār ibn al-Jawzī, 1994.

Ibn Ḥazm, Abū Muḥammad ʿAlī. al-Taqrīb li ḥadd al-mantiq wa al-madkhal ilayh bi al-alfāẓ al-ʾāmmiyah wa al-amthilah al-fiqhiyah. Edited by Ahmad Farīd al-mazīdī. Beirut: Dār al-kutub al-ʿilmiyah, 2003.

Ibn Ḥazm, Abū Muḥammad ʿAlī. Rasāʾil ibn Ḥazm al-Andalusī. Edited by Iḥsān ʿAbbās. Volume 4. Beirut: al-Muʿassasah al-ʿarabiyah li-ddirāsāt wa al-nashr, 1983.

Ibn Rushd, Abū al-Walīd. al-Ḍarūrī fī al-ssiyāsah : Mukhtaṣar kitāb al-ssiyāsah li Aflātūn. Edited by Aḥmad Shahlān. Beirut: Markaz dirāsāt al-waḥdah al-ʿarabiyah, 1998.

Ibn Sīnā, Abū ʿAlī. Risālah fī aqsām al-ʿulūm al-ʿaqliyyah in Tisʿ rasāʾil fī al-ḥikmah wa al-ṭabīʿiyāt. 2nd edition. Cairo: Dār al-ʿarab, undated.

Ibn Sīnā, Abū ʿAlī. al-Shifāʾ: 1. al-Ilāhiyāt. Edited by George Anawati and Saʿīd Zāyid. Cairo: al-Hayʾa al-ʿāmmah li shuʾūn al-maṭābiʿ al-ʿāmiriyyah, 1960.

Goldziher, Ignaz. “Mawqif ahl al-sunnah al-qudāmāʾ bi izzāʾ ʿulūm al-awāʾil.” In al-Ṯurāth al-yūnānī fī al-ḥaḍārah al-islāmiyah, dirāsāt li kibār al-mustashriqīn. Edited by ʾAbd al-Raḥmān Badawī. Egypt: Maktabat al-nahḍah al-maṣriyyah, 1940.

Jolivet, Jean. ‘‘Classifications of the sciences.’’ In Encyclopedia of the History of Arabic Sciences. Volume 3. Edited by Roshdi Rashed in collaboration with Régis Morelon, 1008–1025. London-New York: Routledge, 1996.

Vernet, Juan. Faḍl al-Andalus ʾalā thaqāfat al-gharb. Edited by Niḥād Reḍā. Damas: Ishbīliyah li al-dirāsāt wa al-nashri wa al-ttawziʾ, 1997.

Ṣāʿid, Abū al-Qāsim Ṣāʿid ben Aḥmad. Ṭabaqāt al-ʿumam. Edited by Ḥusayn Muʾnis. Cairo: Dar al-maʿārif, 1993.

للتوثيق

فدواش، نظيرة. ”تصنيف العلوم عند فقهاء الأندلس: ابن عبد البر وابن حزم نموذجين.“ ضمن موقع الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية، الرابط <https://philosmus.org/archives/3337>

نظيرة فدواش

تشتغل نظيرة فدواش أستاذةً للفلسفة وتاريخ العلوم بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-ظهر المهراز. ينحصر مجال اهتمامها في دراسة فلسفة الطبيعة وتاريخ الأفكار الفلسفية والعلمية في السياقات الإسلامية. من أعمالها نشرتها المشتركة مع يونس أجعون وفؤاد بن أحمد للجزء الأول من الأعمال الفلسفية الكاملة لموفق الدين عبد اللطيف البغدادي. الرباط-بيروت-الجزائر: دار الأمان-ضفاف للنشر-الجزائر، 2018. هي عضوة الجمعية الدولية لتاريخ العلوم والفلسفة العربية والإسلامية بپاريز، وعضوة الجمعية المغربية لتاريخ العلوم.

[1] أشكر للزميلين، ذ. محمد أبركان (جامعة سيدي محمد بن عبد الله – فاس) وذ. محمد الصادقي (جامعة سيدي محمد بن عبد الله- فاس)، مراجعتهما لهذا المقال. كما أشكر للمحكم السري ملاحظاته المفيدة.

[2] في دراسة خصصها محمد المصباحي للحديث عن السلفية المتنورة والسلفية المتزمتة، عرض لمصطلح ”العلم النافع“ في مقابل ”العلم غير النافع“. وهكذا، فإن العلم النافع عند الحنابلة هو العلم المُتلقى على حد تعبيره، بينما العلم غير النافع ”هو العلم النابع من ذات الإنسان، لا الآتي من خارجها، وهو علم غير نافع في نفسه، وغير نافع لغيره، بل قد يكون ضره أكثر من نفعه.“ بخصوص تفاصيل حول هذا الموضوع انظر: محمد المصباحي، ”بين السلفية المستنيرة والسلفية المتزمتة.“ مؤسسة مؤمنون بلا حدود، أبريل/2014. الرابط: مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث – بين السلفية المستنيرة والسلفية المتزمتة (mominoun.com)

[3] ابن حزم الأندلسي، رسالة مراتب العلوم، ضمن رسائل ابن حزم الأندلسي، تحقيق إحسان عباس، ج. 4،(بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1983). بخصوص تلمذة ابن حزم لابن عبد البر، انظر: أبو الأشبال الزهيري، ”مقدمة كتاب جامع بيان العلم وفضله،“ تحقيق أبي الأشبال الزهيري (الدمام: دار ابن الجوزي، 1994)، ج.1، 11.

[4] علاقة ابن حزم بابن عبد البر، كما ورد قبل، هي علاقة تلمذة ومصاحبة؛ فقد تأثر بما كتبه ابن عبد البر في مجال علم الحديث، وأثنى على كتاباته في أكثر من موضع. ويكفي أن نحيل على ما ورد على لسان ابن حزم في رسالته فضل الأندلس، حيث نجده في سياق الحديث عن أحكام القرآن، يستحضر ما قدمه ابن عبد البر في علم الحديث، بل إنه لا يجد من هو أجود منه في هذا الباب. انظر: ابن حزم، رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها، ضمن رسائل ابن حزم الأندلسي، تحقيق إحسان عباس (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1987م)، ج. 2، 179.

[5] M. G. Balty-Guesdon, “Al-Andalus et l’héritage grec d’après les ṭabaqāt al-umam de Ṣā‘id al-Andalusi,” in Ahmad Hasnawi, Abdelali Elamrani-Jamal et Maroun Aouad (éds.), Perspectives arabes et médiévales sur la tradition philosophique grecque (Paris-Leuven: Institut du Monde Arabe-Peeters, 1997), 338.

[6] يقول يوسف ابن عبد البر: ”والتقليد عند العلماء غير الاتباع؛ لأن الاتباع هو تتبع القائل على ما بان لك من [فضل] قوله وصحة مذهبه. والتقليد أن تقول بقوله وأنت [لا تعرف وجه] القول ولا معناه [وتأبى من سواه] أو أن يتبين لك خطؤه فتتبعه مهابة خلافه وأنت قد بان لك فساد قوله، وهذا محرم القول به في دين الله [سبحانه] وتعالى.“ جامع بيان العلم وفضله، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، ج. 1، 787؛ ويضيف ابن عبد البر: ”وقال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي: ’التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة.“ وقال في موضع آخر من كتابه: ”كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح. وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع.“ لإعادة النظر في مفهوم التقليد، ندعو القارئ العودة إلى كتاب الدارس حمو النقاري، حيث يؤكد على ”ضرورة الاقتداء والاقتفاء،“ 16؛ إذ لا ينبغي أن نفهم من التقليد―وهو هنا يتحدث عن تقليد فلاسفة الاسلام من المشائين― ”مبدأ تبعية غبية ومنفعلة وجامدة،“ 22، بل هي ”تبعية فطنة وفاعلة ونشطة.“ نظرية العلم عند الفارابي (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2011)، 27.

 [7] ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج. 1، 787–788.

[8] ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج. 1، 787.

 [9] يقول م. فوركادا: ”يخصص ابن عبد البر فصلا قصيرا لتصنيف العلوم، يميز فيه بين المعرفة الدينية أو علم الديانة، والمعرفة العقلية أو سائر العلوم المنتحلة. ويقدم تصنيفين للعلوم، أحدهما خاص بأهل الفلسفة والثاني خاص بأهل الديانة.“ Miquel Forcada, “Ibn Bajja and the Classification of the Sciences in al-Andalus,” Arabic Sciences and Philosophy 16, 2 (2006): 290.

[10] Miquel Forcada, “Ibn Bajja and the Classification of the Sciences,” 290.

[11] ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج. 1، 790.

[12] ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج. 1، 790.

[13] ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج. 1، 790.

[14] ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج. 1، 790.

[15] ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج. 1، 790–791.

[16] ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج. 1، 795.

[17] Miquel Forcada, “Ibn Bajja and the Classification of the Sciences,” 291.

[18] Miquel Forcada, “Ibn Bajja and the Classification of the Sciences,” 291.

[19] ينبهنا إحسان عباس في مقدمة كتاب رسائل ابن حزم إلى أن تقسيم العلوم الذي تبناه الفلاسفة المسلمون سيرا على خطى كل من أفلاطون وأرسطو، قد كان له أثره على بعض الفقهاء ومن بينهم ابن عبد البر، مع فارق جوهري أن تقسيمه للعلوم ظل تابعا للشريعة وخادمة لها، يقول إحسان عباس: ”وقد كان لهذه التسمية الجديدة أثرها في مختلف الفئات، وعندما وصلت في تأثيرها إلى فقيه مثل ابن عبد البر النمري في القرن الخامس(هـ463/1071م) تحول بها إلى ما يخدم الغاية الدينية.“ 11.

[20] انظر: ابن سينا، في أقسام العلوم العقلية، ضمن تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات، ط. 2 )القاهرة: دار العرب، د.ت.(، 107.

[21] ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج. 1، 788.

[22] ابن سينا، في أقسام العلوم العقلية، 105.

[23] ابن سينا، في أقسام العلوم العقلية، 105.

[24] قسم ابن سينا العلم الإلهي إلى قسمين: أطلق على الأول عنوان ”الأقسام الأصلية للعلم الإلهي،“ وهو بدوره مكون من خمسة أقسام، أما القسم الثاني فهو ”فروع العلم الإلهي“. حول تفاصيل العلم الإلهي، انظر: في أقسام العلوم العقلية، 112–116.

[25] ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج. 1، 790.

[26] لمزيد من التفاصيل حول سبل معرفة الدين وأقسامه انظر: ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج.1، 796.

[27] لمزيد من التفاصيل حول موقف الفقهاء من علوم الأوائل، انظر: اجناس جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء بإزاء علوم الأوائل،“ ضمن التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، دراسات لكبار المستشرقين، ترجمة وتأليف عبد الرحمن بدوي )مصر: مكتبة النهضة المصرية، 1940(، 123–217.

[28] انظر: محمد المصباحي، ”بين السلفية المستنيرة والسلفية المتزمتة،“ مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث – بين السلفية المستنيرة والسلفية المتزمتة (mominoun.com)

[29] يعود الفضل إلى ذ. إبراهيم بوحولين في تنبيهي إلى هذه النقطة.

[30] إحسان عباس، ”مقدمة: رسالة مراتب العلوم في ضوء ما سبقها من تصنيف العلوم عند العرب،“ ضمن رسائل ابن حزم الأندلسي، ج. 4، 22.

[31] إحسان عباس، ”مقدمة: رسالة مراتب العلوم في ضوء ما سبقها من تصنيف العلوم عند العرب،“ ج. 4، 22.

[32] إحسان عباس، ”مقدمة: رسالة مراتب العلوم في ضوء ما سبقها من تصنيف العلوم عند العرب،“ ج. 4، 22. ينفي عباس تمسك ابن حزم بتلك النظرة الشمولية التي تناول من خلالها الفلاسفة المسلمون مسألة التصنيف، قائلا: ”فلم يعبأ (ابن حزم) بتلك النظرة الشمولية.“ انظر: إحسان عباس، ”مقدمة: رسائل مراتب العلوم في ضوء ما سبقها من تصنيف العلوم عند العرب،“ ج. 4، 22؛ في المقابل نجد بالتي غيسدون تؤكد على أن كلا من ابن حزم وابن عبد البر قد تمسك بهذه المقاربة، وقد أشارت إلى ذلك في سياق حديثها عن عمل صاعد الأندلسي، إذ يتميز عمل هذا الرجل بمقاربته الكونية للعلوم الفلسفية، لكنها تعتبر أن كلا من ابن عبد البر وابن حزم قد سبق صاعد في هذه المقاربة، وهذا يفيد أن ”تصور كونية المعرفة الفلسفية ليس خاصا بصاعد. فقد قدم ابن عبد البر وابن حزم، من قبله، هذا التصنيف.“ 337.

[33] في هذا السياق يرجح إحسان عباس، في مقدمة تحقيقه لكتاب رسائل ابن حزم الأندلسي، أن تكون القسمة الثنائية أقدم من التصنيف الثلاثي؛ وإن كان ترجيحه مبنيا فقط على التخمين، إذ يقول في هذا الصدد: ”ولا ندري متى بدأت هذه الرؤية الثنائية تجد طريقها إلى التصنيف، ولكننا نعتقد أنها أقدم بكثير من التقسيمات الثلاثية، وأنها ربما كانت وليدة اشتداد حركة الترجمة في القرن الثاني الهجري، ذلك أنا نجدها عند جابر بن حيان (ت. ح 200هـ/810م) الذي يرى أن العلوم تقع في ضربين: علم الدين وعلم الدنيا.“ ”مقدمة“ ضمن رسالة مراتب العلوم في ضوء ما سبقها من تصنيف العلوم عند العرب،“ ج. 4، 12. وإذا كان إحسان عباس يعتبر أن عملية تصنيف العلوم كانت انطلاقا من القرن الثاني الهجري، فإنها لم تتقو وتصبح جزءا أساسيا من التكوين المعرفي إلا مع بداية القرن الرابع الهجري. ويرجع السبب في ذلك إلى ”تنوع الروافد الثقافية وضروب المعارف التي تستدعي على نحو طبيعي نظرة تأملية فاحصة تقوم على المقايسة والمقارنة بل وعلى المفاضلة في بعض الأحيان.“ ”مقدمة“ 7.

[34] في كتابه الإلهيات، وفي المقالة الأولى على وجه التحديد، لا يتردد ابن سينا في تأكيده على أن ما يوحد بين العلوم هو منطق المنفعة، والتي يعرفها من خلال غايتها ألا ”وهي: تحصيل كمال النفس الإنسانية بالفعل مهيئة إياها للسعادة الأخروية.“ انظر: ابن سينا، الإلهيات، تحقيق جورج قنواتي وسعيد زايد (القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1960)، 17. لكن سرعان ما نجد أبا علي يستدرك على هذا القول معتبرا أنه إذا ما تم البحث والتدقيق في ما أسماه برؤوس الكتب يصبح المعنى غير مطلوب، وبهذا تأخذ المنفعة معنى أفقيا، حيث تفيد بعض العلوم حسب أولويتها وترتيبها علوما أخرى أخس منها؛ أي أن المنفعة مع ابن سينا تظل محصورة بين العلوم في علاقتها مع بعضها البعض، مع التمييز بين المنفعة بإطلاق والمنفعة بتخصيص، ”فأما المطلق فهو أن يكون النافع موصلا إلى تحقيق علم آخر كيف كان، وأما المتخصص فأن يكون النافع موصلا إلى ما هو أجل منه، وهو الغاية له إذ هو لأجله بغير انعكاس.“ الإلهيات، 18.

[35] يبدو أن الفقهاء لم يكونوا وحدهم من عمد إلى التخفيف من حضور المرجعية اليونانية في تصنيف العلوم؛ فالفلاسفة كانوا مدعوين أيضا إلى الحد من نموذجية التصنيف الأرسطي، وإن كان هذا من زاوية نظر وبرهان مختلفين عن برهان وزاوية نظر الفقهاء. فهؤلاء كانوا مضطرين إلى ذلك بالنظر إلى تراكم وتشعب المعارف العلمية في الحضارة الإسلامية، بحيث لم يعد النموذج اليوناني كافيا. فالفارابي، مثلا، سيقدم علم اللسان، من ناحية نشأة العلوم، على باقي العلوم، حتى يحظى تصنيفه بالاعتراف والقبول؛ على الأقل هذا ما يبدو من نصوصه التي تعالج مسألة ترتيب العلوم، يقول الفارابي في هذا السياق: ”قصدنا في هذا الكتاب أن نحصي العلوم المشهورة علما علما، ونعرف جمل ما يشتمل عليه كل واحد منها، وأجزاء كل ما له منها أجزاء، وجمل ما في كل واحد من أجزائه، ونجمله خمسة فصول: الأول في علم اللسان وأجزائه. والثاني في علم المنطق وأجزائه. والثالث في علوم التعاليم […] والرابع في العلم الطبيعي وأجزائه، وفي العلم الإلهي وأجزائه. والخامس في العلم المدني وأجزائه، وفي علم الفقه، وعلم الكلام.“ إحصاء العلوم، نشرة عثمان أمين (القاهرة: مطبعة السعادة، 1931)، 3.

[36] صاعد الأندلسي، طبقات الأمم، تحقيق وتعليق حسين مؤنس (القاهرة: دار المعارف، 1993)، 98.

[37] وهو العلم الذي أنزله جابر بن حيان منزلة العلوم الشريفة.

[38] ابن حزم، التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية، تحقيق أحمد فريد المزيدي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003)، 201.

[39] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 62.

[40] في رسالته في الغناء الملهي، أمباح هو أم محظور؟ يميز ابن حزم بين الغناء المباح استنادا على مجموعة من الأحاديث النبوية، مثلما يعود إلى أحاديث نبوية أخرى تحرم الغناء؛ فالمانعة بحسبه لها أسبابها، والمبيحة له لها صحتها، يقول ابن حزم في هذا السياق: ”أما بعد، أيدك الله وإياي بتوفيقه، وأعاننا بلطفه على أداء حقوقه، فإنك رغبت أن أقدم لك في الغناء الملهي، أمباح هو أم من المحظور، فقد وردت أحاديث بالمنع منه وأحاديث بإباحته. وأنا أذكر الأحاديث المانعة وأنبه على عللها، وأذكر الأحاديث المبيحة له وأنبه على صحتها إن شاء الله.“ رسائل ابن حزم الأندلسي، ج. 1، 430.

[41] خوان فيرنيت، فضل الأندلس على ثقافة الغرب، نقله عن الاسبانية نهاد رضى (دمشق: اشبيلية للدراسات والنشر والتوزيع، 1997)، 52.

[42] أبو نصر الفارابي، رسالة في ما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم، تحقيق جعفر آل ياسين (بيروت: دار المناهل، 1987).

[43] الفارابي، رسالة في ما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم، 48.

[44] الفارابي، رسالة في ما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم، 48–49.

[45] يقول مقداد عرفة منسية: ”نجد بعض الاختلاف بين تقسيم العلوم الواردة في التقريب والتقسيم الوارد في مراتب العلوم. ويتمثل الاختلاف أساسا في معرفة أقسام العلوم ما إذا كانت ثابتة أم متحولة، نهائية أم وقتية. أما في التقريب حيث يهتم ابن حزم بإرجاع العلوم إلى المقدمات التي تنطلق منها (حسية كانت أو عقلية أو نقلية) فإنه يقبل منظارا حركيا يبرز من خلاله تطور العلوم وتغيرها. فلا يحدد عدد العلوم ولا أقسامها بصفة مطلقة صالحة لكل أمة ولكل زمان، بل يقتصر على إحصاء العلوم المتداولة التي يطلبها الناس في عصره.“ انظر: ”العلوم والتعليم في فكر ابن حزم الأندلسي ت. 456/994،“ ضمن علم الكلام والفلسفة (تونس: دار الجنوب للنشر، 1995)، 116–117.

[46]­ Jean Jolivet, ‘‘Classifications of the sciences,’’ in Encyclopedia of the History of Arabic Sciences, ed. Roshdi Rashed in collaboration with Régis Morelon (London-New York: 1996), iii, 1008.

وانظر بخصوص هذه المراحل، عصمت دندش، ”آراء في طلب العلم وآدابه لابن حزم،“ ضمن ابن حزم الأندلسي: المنهج والمعرفة، تنسيق سعيد بنكروم (المحمدية: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2005)، 171–195، 180–181.

[47] تدعي الدارسة عصمت دندش أن العلوم المذكورة يكمل بعضها بعضا. انظر: ”آراء في طلب العلم وآدابه لابن حزم.“ 179.

[48] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 66.

[49] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 66.

[50] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 66.

[51] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 69.

[52] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 72.

[53] لم يستثن ابن حزم المنطق من معياري الخدمة والمنفعة، إذ نجده يؤكد على وظيفة المنطق وخدمته للعلوم الشرعية، يقول: ”فمنها كتب أرسطاطاليس الثمانية المجموعة في حدود المنطق. ونحن نقول قول من يرغب إلى خالقه الواحد الأول في تسديده وعصمته، ولا يجعل لنفسه حولا ولا قوة إلا به، ولا علم إلا ما علمه: إن من البر الذي نأمل أن نغتبط به عند ربنا تعالى بيان تلك الكتب لعظيم فائدتها.“ التقريب لحد المنطق، 12؛ فبالرغم من إقراره بأهمية المنطق في تصويب الذهن وابتعاده عن الخطأ، فإن ابن حزم يخضع المنطق مثله مثل باقي العلوم لمعيار المنفعة، ولا يمكنه أن يخرج عن هذا الإطار، يقول: ”فإن قال قائل: إن في علم العدد والهيئة والمنطق معرفة الأشياء على ما هي عليه، قلنا إن هذا حسن إذ قصد به الاستدلال على الصانع للأشياء بصنعته.“ التقريب لحد المنطق، 75–76؛ انظر أيضا: بناصر البعزاتي، الفكر العلمي والثقافة الإسلامية (الرباط: دار الأمان، 2015)، 351–366.

[54] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 72.

[55] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 75–76.

[56] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4،81.

[57] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 78.

[58] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 80.

[59] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 63–64.

[60] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 62.

[61] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 88.

[62] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 64.

[63] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 64.

[64] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 82.

[65] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 87.

[66] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 69–70.

[67] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 70.

[68] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 78.

[69] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 80.

[70] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 83.

[71] ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج. 1، 790–791؛ ويقول أيضا: ”ومن أهل العلم من يذكر شيئا مما وصفنا أنه لا يعلم أحد بالنجامة شيئا من الغيب، ولا علمه أحد قط علما صحيحا إلا أن يكون نبيا خصه الله بما لا يجوز إدراكه. قالوا: ولا يدعي معرفة الغيب بها اليوم على القطع إلا كل جاهل منقوص مغتر متخرص؛ إذ في أقدارهم أنه لا يمكن تحديثها إلا في أكثر من عمر الدنيا ما يكذبهم في كل ما يدعون معرفتها بها.“ 791.

[72] ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج. 1، 795.

[73] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 69.

[74] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 61.

[75] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 61–62.

[76] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 67.

[77] يقول ابن حزم في كتاب الشعر: ”هذه صناعة قال فيها بعض الحكماء: كل شيء يزينه الصدق إلا الساعي والشاعر، فإن الصدق يشينهما فحسبك بما تسمع. وقال المتقدمون: الشعر كذب ولهذا منعه الله نبيه صلى الله عليه وسلم.“ ضمن التقريب في حد المنطق، 191.

[78] ابن حزم، التقريب لحد المنطق، 355–356.

[79] ابن حزم، التقريب لحد المنطق، 356.

[80] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 68.

[81] ابن حزم، رسالة مراتب العلوم، ج. 4، 68.

[82] ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج. 1، 790.

[83] ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ج. 1، 790.

مقالات ذات صلة

مكانة ”الالتباس“ في الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الكلاسيكي: بواكير منظور جديد

مكانة ”الالتباس“ في الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الكلاسيكي: بواكير منظور جديد

Navigating Ambiguity: Exploring the Role of Uncertainty in the Classical Arab-Islamic Culture Makānat Al-Iltibās fī al-Thaqāfah al- ʿArabiyya al-Islāmiya Fī ʿAṣrihā al-Klāsīkī:Bawākīr Manẓūr Jadīd مكانة ”الالتباس“ في الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الكلاسيكي بواكير...

أثر فلسفة ابن رشد في الكلام الأشعري المغربي: دراسة في المنجز حول فكر أبي الحجاج يوسف المكلاتي (ت.626هـ/1229م)

أثر فلسفة ابن رشد في الكلام الأشعري المغربي: دراسة في المنجز حول فكر أبي الحجاج يوسف المكلاتي (ت.626هـ/1229م)

The Impact of Ibn Rushd's (Averroes’) Philosophy on Maghribi Ashʿarī KalāmCurrent State of Studies on al-Miklātī (d.626/1229) Athar Falsafat Ibn Rushd fī al-Kalām al-Ashʿarī al-Maghribī: Dirāsa fī al-Munajaz ḥawl Fikr Abī al-Hajjāj Yusuf al-Miklatī (626/1229) Majda...

في مقاربة فلسفة الفعل عند الفخر الرازي: مراجعة نقدية لمقالة ”فلسفة الفعل ونظرية العادة التاريخية عند المتكلمين“

في مقاربة فلسفة الفعل عند الفخر الرازي: مراجعة نقدية لمقالة ”فلسفة الفعل ونظرية العادة التاريخية عند المتكلمين“

On the Approach to the Philosophy of Action in Fakhr al-Dīn al-Rāzī:A Critical Review of “Falsafat al-fiʿl wa-naẓarīyyat al-ʿādah al-tārīkhīyyah ʿinda al-mutakallimīn” Fī muqārabah Falsafat al-fiʿl ʿinda Fakhr al-Dīn al-Rāzī:Murājaʿat naqdīyyah li-maqālat “Falsafat...

أبو البركات البغدادي ومشكل الزمان

أبو البركات البغدادي ومشكل الزمان

Abū al-Barakāt al-Baghdādī on The Problem of Time Abū al-Barakāt al-Baghdādī wa Mushkil al-Zamān Jalel DridiUniversity of Tunis, Tunis أبو البركات البغدادي ومشكل الزمان جلال الدريديجامعة تونس، تونس Abstract׃ The approach adopted by Abū al-Barakāt al-Baghdādī...

مشروعية النظر العقلي في تقرير العقائد عند المتكلمين: فخر الدين الرازي نموذجًا

مشروعية النظر العقلي في تقرير العقائد عند المتكلمين: فخر الدين الرازي نموذجًا

Machrūʿiyat al-naẓar al-ʿaqlī fī taqrīri al-ʿaqāʾid ʿinda al-mūtakalimīn:fakhr al-Dīne al-Rāzī namūdhajan The legitimacy of Speculated Reasoning from the Perspective of Fakhr al-Dīne al-Rāzī مشروعية النظر العقلي في تقرير العقائد عند المتكلّمين: فخر الدين الرازي...

”ما هي الأعمال الفلسفية اليونانية القديمة […] التي ندين للعرب في أول معرفتنا بها؟“: عودة إلى نقاش ”قديم“

”ما هي الأعمال الفلسفية اليونانية القديمة […] التي ندين للعرب في أول معرفتنا بها؟“: عودة إلى نقاش ”قديم“

“Which of the works of the ancient Greek philosophers [...] do we owe the first knowledge to the Arabs?” Revisiting an “old” Dispute “Mā hiya al-Aʿmāl al-Falsafīyah al-Yūnānīyah al-Qadīmah [... ] allatī Nadīn lil-ʿArab fī Awwal Maʿrifitinā bihā? ” ʿAwdah ilá Niqqāsh...

ما بعد السنوسي: آفاق جديدة في دراسة العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي

ما بعد السنوسي: آفاق جديدة في دراسة العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي

After al-Sanūsī: New Areas for the Study of Ashʿarī Creed in Northwest Africa Mā Baʿd al-Sanūsī: Āfāq Jadīda fī Dirāsat al-ʿAqīda al-Ashʿariyya fī l-Gharb al-Islāmī Caitlyn OlsonOxford University ما بعد السنوسي:آفاق جديدة في دراسة العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي[✯]...

مشاركة / Share
error: Content is protected !!