Loading

مشروعية النظر العقلي في تقرير العقائد عند المتكلمين: فخر الدين الرازي نموذجًا

Machrūʿiyat al-naẓar al-ʿaqlī fī taqrīri al-ʿaqāʾid ʿinda al-mūtakalimīn:
fakhr al-Dīne al-Rāzī namūdhajan

The legitimacy of Speculated Reasoning from the Perspective
of Fakhr al-Dīne al-Rāzī

مشروعية النظر العقلي في تقرير العقائد عند المتكلّمين:

فخر الدين الرازي نموذجًا*

 

محمد الصادقي**
جامعة سيدي محمد بن عبد الله-فاس

Mohammed Essadki
Sidi Mohammed Ben Abellah University, Fez

essadki62@gmail.com

 

ملخص: نعالج في هذه الدراسة موضوع النظر العقلي في علم الكلام، أي استعمال الدليل العقلي المستقل في تقرير العقائد. وسنشتغل على نموذج محدد هو فخر الدين الرازي، فنتطرق من خلال متنه لمفهوم النظر العقلي، كما نتناول مشروعية اعتماد الدليل العقلي عنده في تقرير العقائد. وسنبرز ذلك من خلال ردوده على المشككين في هذه المشروعية، ويتعلق الأمر بالمذاهب السفسطائية التي تشكك في إمكان المعرفة العقلية أصلا، والباطنية التي تتهم العقل بعدم الكفاية فتشترط الرجوع إلى الإمام المعصوم، والحشوية الذين يرفضون العقل بدعوى كفاية النص وحده، وكذلك الاتجاه العلمي الذي يثق في قدرة العقل على تحصيل اليقين في المعرفة الطبيعية والرياضية دون الإلهية. لنخلص مع الرازي إلى أن مشروعية النظر العقلي ثابتة، وأن استعمال الدليل العقلي في أصول العقائد واجب.

كلمات مفاتيح: الدليل العقلي، علم الكلام، الحشوية، الباطنية، السفسطائية.

Abstract: In this article, we will discuss the subject of speculated reasoning (al-naẓar al ʿaqlī) in ʿilm al-kalām, from the perspective of fakhr al-Dīne al-Rāzī. According to his corpus, we will explore his conception of speculated reasoning and discuss the legitimacy of adopting rational proof in defending the essential doctrine of the faith. In this study, we will explain the perspective of al-Rāzī by investigating his debates with the doctrines who doubted the legitimacy of speculated reasoning. al-Rāzī’s first debate was with the Sophists who refused completely the existence of objective truth. The second debate was with the Doctrine of Teaching (ta’limism/al-bātinyyah), those who claimed that the truth could not be approached by reason only, but necessarily by the instruction of a teacher, the infallible Imam. The third debate was with the Traditionalists (al-ḥachwiyyah) who denied the theoretical reason under pretext that the revelation is enough for faith. The last debate was with the Scientists (al-muhandisūns) who believed in the ability of reason to achieve the certain knowledge merely in mathematical issues but not in metaphysical issues. We will conclude this study by confirming the legitimacy of speculated reasoning and the idea that the use of rational proof in faith is a religious duty.

Key-words: rational proof, ʿilm al-kalām, Traditionalists (al-ḥachwiyyah), the Doctrine of Teaching (al-bātinyyah), Sophists.

مقدمة

يحصل النظر والتناظر والاستدلال في كل ما وقع فيه خلاف بين العقلاء في أمور الدنيا والدين؛ غير أنه، ولكثرة تناظر المتكلمين وبنائهم أصول العقائد على النظر، صار النظر أنسب وألصق بعلم الكلام، وجعلوا له فصلا مستقلا، بل قدموه على مسائل علم الكلام الأخرى المتعلقة بالأصول.[1]

 وكلما تقدم هذا العلم في الزمان كلما ازدادت أهمية النظر العقلي، وترسخت مكانة الأدلة العقلية؛ بل صارت هي عمدة علم الكلام، خصوصا بعد أن قرر المتكلمون أن الاستدلال بالسمع على السمع يعد دورا، والدور باطل، ومن شأنه أن يعرض حجية الشريعة بأكملها للتشكيك، على اعتبار أن السمع ذاته لا يصير حجة إلا بعد أن تثبت حجيّته بالعقل.

غير أن انتماء علم الكلام إلى حقل العلوم الدينية، واعتماده الدليل السمعي في فروع العقائد طرح سؤال مشروعية اعتماد العقل، وأفرز خلافا حول مشروعية النظر العقلي الاستدلالي في تقرير العقائد: بين من ينكر وجوب النظر العقلي كلية، سواء في العقائد أو في غيرها من الحقول المعرفية، كما هو حال السفسطائية؛ ومن يريد تعطيله، إما كليا باسم النص كما فعلت الحشوية، أو جزئيا باسم الإمام المعصوم كما هو حال الباطنية؛ ومن يريد الحد من فعاليته بدعوى عجزه عن الوفاء باليقين في مجال الإلهيات، كما ذهب إلى ذلك بعض المحسوبين على الاتجاه العلمي الرياضي، أو من سموا بالمهندسين؛ ومن يتشبث به منهجا مستقلا وكافيا لتقرير أصول العقائد، كمعرفة الله وتوحيده وصفاته.

وقد خلق تعدد المواقف من النظر العقلي إشكالا مركبا يمكن أن نميز فيه بين ثلاثة مستويات: يتعلق الأول بالنقاش مع المنكرين للنظر كلية، إما في سائر المعارف بما فيها العقائد، وهم السفسطائية، أو في العقائد خاصة وهم الحشوية؛ ويتعلق الثاني بالنقاش مع الذين يعترفون بالنظر في الإلهيات وغيرها، غير أنهم ينكرون قدرته على تحصيل اليقين في الإلهيات، بدعوى أن منتهى ما يصل إليه هو المعرفة المظنونة، وهذا على خلاف العلوم الرياضية، حيث يمكن للنظر أن يحصّل اليقين؛ و ينحصرالثالث في نقاش أضيق بين من اعترفوا بأن حصول العلم اليقيني في مسائل الإلهيات عن النظر الصحيح واجب الحصول، غير أنهم اختلفوا بعد ذلك حول مصدر ذلك اللزوم: أهو العادة، أم التوليد، أم الإعداد، أم اللزوم العقلي؟

إن مقاربة هذا الإشكال، من شأنها أن تعطينا الفرصة لمساءلة بعض المواقف حول الأسس التي تستند إليها نظرة المسلمين إلى الوحي عامة وإلى العقائد خاصة؛ سواء مواقف بعض القدماء من الذين اكتفوا بالتقليد بديلا عن النظر، أو الذين استعاضوا عن استقلالية العقل بسلطة أخرى. أو مواقف بعض المحدثين الذين يتردد كثير منهم في وصف الكلام بالعلمية، بدعوى أن مباحثه تنتمي إلى المقدس، الذي أضفى عليه المسلمون صفات التنزيه والتبجيل، دون سعي منهم لعقلنته، وأن عمدة هذا العلم في تقرير العقائد هو تعجيز المخاطبين بالمعجزات التي تتجاوز عقولهم ولا تحاورها؛ وأنه يستند في بيان حجية النص الديني على مجرد تلقي الوحي عن النبي قبولا عنه وثقة فيه، أو ما سمي بالتقليد، من دون تحكيم للدليل العقلي المستقل والسابق منطقيا للنص الديني.[2]

ونظرا لشساعة المجال الذي يهم الإشكال أعلاه، فقد آثرنا الاشتغال على نموذج محدد، هو فخر الدين الرازي (ت. 606هـ/1210م)، لكون متنه يجسد درجة عالية من الإيمان بالمعقول، وفي الآن نفسه الدفاع عن الثوابت الاعتقادية للمتكلمين عامة وللأشاعرة خاصة؛ كما أنه دشن انفتاحا غير مسبوق على المعقولية الفلسفية، فترك لدى اللاحقين بصمات واضحة في تصوره للنظر العقلي، سواء على مستوى مادة المقدمات، أو على مستوى صورة انتظامها، أو كيفية إنتاجها. وسنعالج الإشكال أعلاه في أربعة مباحث نخص كل مستوى من مستويات الإشكال بمبحث مستقل، على أن نفرد لمفهوم النظر مبحثا خاصا.

أولا: حقيقة النظر العقلي

يتفق الرازي مع المتكلمين السابقين على أن النظر يتم بشكل عام من خلال انتقال الذهن من أمور تكون معلومة إلى نتائج تلزم عنها، تكون من قَبْلُ مجهولةً؛ لكن ماذا عن طريقة انتظام تلك الأمور المتقدم علمها حتى تصير محصِّلة للمطلوب؟ بصيغة أخرى ما مفهوم النظر عند الرازي؟ وإلى أي حد يتابع السابقين في ذلك؟

عرّف الرازي النظر في كتاب الإشارة في علم الكلام بأنه ”استحضار علوم أو ظنون يتمكن المرء بها من تحصيل علم آخر،“[3] والمقصود بالعلم هنا المعرفة اليقينية الثابتة المطابقة، وبالظن الاعتقاد الراجح. وفي كتاب المحصول في علم أصول الفقه عرفه بأنه: ”ترتيب تصديقات في الذهن، ليتوصل بها إلى تصديقات أخر.[4] كما اعتمد نفس التعريف في محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين: ”النظر ترتيب تصديقات ليتوصل بها إلى تصديقات أخر.“[5] وعرّفه في معالم أصول الدين قائلا: ”النظر والفكر عبارتان عن ترتيب مقدمات علمية أو ظنية ليتوصل بها إلى تحصيل علم أو ظن.“[6]

يستعمل الرازي النظر مرادفا للفكر؛ ولا يكون مقصوده هنا من الفكر العقل كملكة للتفكير، بل التفكير ذاته من حيث هو فعالية؛ ولا كل تفكير، بل التفكير الاستدلالي النظري المركب من عدة تصديقات، والذي يتضمن ترتيبا وانتقالا، حيث يتم ترتيب أمور معلومة أو حاصلة في الذهن، وينتقل منها إلى أخرى مجهولة أو مستحصلة.

ويتقاطع بهذه التحديدات مع تعاريف المتكلمين السابقين، الذين كانوا يدرجون النظر في خانة المعرفة المكتسبة، والتي تتم في صورة نظرية استدلالية عبر الانتقال مما هو معلوم إلى ما هو مجهول. غير أن هذا لا ينفي خروجه عن السابقين في مواطن عدة؛ فكلما تقدمنا مع الرازي في تصوره للنظر، إلا ونكتشف حضورا أكبر للفلسفة عامة، والمنطق خاصة، خصوصا ما يتعلق بمادة المقدمات وطريقة انتظامها حتى تصير منتجة. وهكذا سيحدد النظر انطلاقا من علل أربع، أي بوصفه ماهية مركبة تتكون من مادة هي المقدمات، وتقوم من النظر مقام العلة المادية التي تكون النتيجة موجودة فيها بالقوة؛ ومن علة صورية، وهي النتيجة الحاصلة عن ترتيب المقدمات؛ ثم من علة غائية، وهي المدلول المراد الاستدلال عليه والذي يكون متقدما في الذهن متأخرا في الوجود؛ ثم من علة فاعلة، وهي الناظر المرتِب للمقدمات على الوجه الذي يستنبط منها المطلوب. وبهذا التعريف يكون الرازي قد حد النظر بعلله الأربع، أي بما يعتبره أتمّ الحدود.

ويخالف الرازي أغلب النظار بإخراجه عملية الحد من النظر، بأن حصر النظر في طلب التصديقات المجهولة من المقدمات المعلومة، دون طلب التصورات، وذلك بناء على ما اختاره من امتناع الكسب في التصورات،[7] حيث اعتبرها كلها بديهية. فيكون كأنه جعل النظر غير مرادف للفكر أو العقل بإطلاق، بل يهم صنفا محددا من أفعاله وهو الاستدلال النظري، ليخرج بذلك التصورات والتصديقات البديهية.

وعندما يحدد عدد المقدمات، وصورة انتظامها حتى تصير منتجة، ينفصل عن المتكلمين المتقدمين ليقدم تصورا للنظر أكثر خصوصية، يتطابق في صورته مع التصور المنطقي للفلاسفة؛ حيث يؤكد أن النظر استدلال عقلي مخصوص، ينطلق من مقدمتين تستنبط منهما النتيجة؛ ويشترط وجود مقدمتين لا أقل ولا أكثر؛ يؤكد ذلك في المعالم قائلا: ”لا بد في طلب كل مجهول من معلومين متقدمين؛“[8] ويمثل لذلك بمن أراد أن يعلم أن العالم ممكن (النتيجة)، فإنه ينطلق من أن العالم متغير (مقدمة صغرى)، وأن كل متغير ممكن (مقدمة كبرى). وفي المحصل ورغم أنه ذكر المقدمات بصيغة الجمع عندما عرف النظر قائلا بأنه ترتيب تصديقات، فقد كان مقصوده النموذج المنطقي القياسي، كما يتبين من المثال الذي قدمه: العالم متغير، وكل متغير ممكن، إذن العالم ممكن. وفي نهاية العقول في دراية الأصول صرح بأن قياس الغائب على الشاهد، هو من جملة الطرق الضعيفة التي كان يعتمد عليها المتكلمون في استدلالاتهم على المسائل الاعتقادية؛ وحدد ضعفه بكونه راجع بالأساس إلى صورته التي لا تسمح بأن يكون الانتقال من المقدمات إلى النتيجة ضروريا.[9]

وميزة النموذج القياسي في نظره أنه يؤمّن لزوم النتيجة، أي ثبوت محمول النتيجة لموضوعها، بما يمتاز به من تداخل لحدوده الثلاث: الأصغر والأوسط والأكبر؛ إذ إننا متى جهلنا نسبة محمول لموضوع، فإننا نأتي بثالث يتوسطهما، وهو الحد الأوسط، فيندرج الأصغر (ممكن) تحت الأكبر (العالم) بوساطة المتوسط المندرج تحت الأكبر (متغير).[10]

وللنظر عدة مقابلات لا يجتمع معها؛ ومن هذه المقابلات العلم، فإن النظر طلب للعلم، ولذلك فهو ينافي حصول العلم، لأن الحاصل على الشيء لا يطلبه، لذلك لا يقال في حقه تعالى بأنه ناظر مفكر.

كما ينافي الجهلَ المركب، لأن صاحب الجهل المركب يجهل ولكنه يجهل بأنه يجهل، فـ”يعتقد أنه عالم، وذلك الاعتقاد يصرفه عن النظر؛“[11] فلا تتحرك نفسه للطلب.

كما يتقابل النظر مع الجهل البسيط، من حيث إن الجهل البسيط عدم للعلم؛ غير أنه وعلى خلاف الجهل المركب لا يصرف النفس عن النظر؛ لأن النفس تكون حينئذ واعية بجهلها، فتفزع لطلب العلم.

كما ينافي النظر اعتقاد المقلد؛ وهو اعتقاد جازم وصحيح من غير دليل،[12]غير أن اعتقاد المقلد بحصول العلم له، لا يبعثه على الطلب وإن لم يكن معه دليل يسند اعتقاده، فيكون حاله مثل حال العالم الحاصل على العلم بالشيء من جهة أن حصول العلم له مانع من النظر.

وتضاد النظر مع هذه المقابلات هو الذي يجعله عبارة عن حركة للنفس في المعقولات، حركة قصدية واعية ومتيقظة؛ ولذلك شبه الرازي نظر البصيرة بنظر البصر، فكما أن المبصر يحرك بصره حتى يقابل الشيء فيبصره، ويقطع نظره عن الأشياء المحيطة، فكذلك الناظر بالعقل، يقطع تفكيره عن سائر الأشياء، ويحركه بين المعقولات حتى يحصل له العلم بالمطلوب. وهذا التحريك مع إزالة الشواغل والصوارف مقدمة لحصول العلم عن الباري خلقا وإيجادا.

أما هل النظر هو عين الفكر أم أنه مغاير له؛ أي هل هو الانتقال نفسه من المقدمات إلى النتيجة، أم أن ذلك الانتقال لازم له؟ فيبدو أن ابن سينا يجعله عينه، بناء على أن العقل عنده جوهر لا مادي، وبناء كذلك على توحيده بين العقل والعاقل والمعقول؛ أما الرازي فإنه وإن تابع الفلاسفة في بعض كتبه في الاعتقاد بجوهرية النفس،[13] فإنه ذهب إلى أن الفكر أو العقل مجرد وظيفة من وظائفها، ولذلك صرح: ”والأقرب أن الفكر ليس هو إلا ذلك الانتقال.“[14]

ولأن النظر ينطلق من تصديقات وينتج تصديقات تقبل الشدة والضعف في اليقين، فقد قسمه إلى يقيني: ينتج علما لا يمكن دفعه بالشكوك والاعتراضات، وإلى ظني: ينتج ظنا غالبا.[15]

والعلم هو حكم للذهن بأمر على أمر، حكما جازما مطابقا للمحكوم عليه، إما لموجِب حسي أو عقلي أو مركب منهما؛ فإن كان الموجب العقلي مجرد تصور طرفي القضية، فهو العلم البديهي، أما إن كان قضايا أخرى فهو العلم النظري؛ وهذا النوع الأخير من العلم هو المطلوب بالنظر، أما الأول فمستغن عن النظر، فلا يحتاج لا إلى ترتيب مقدمات ولا إلى انتقال الذهن منها إلى غيرها. وقد عرَّف العلم وأدخل في التعريف صنفيه البديهي والنظري قائلا في الجزء المنطقي من شرح الإشارات والتنبيهات: ”اعتقاد أن الشيء كذا، مع اعتقاد أنه لا يمكن أن لا يكون كذا، إذا كان ممتنع التغير، إما لذاته كما في الضروريات وإما بالبرهان كما في النظريات؛“[16] فما يمنع الاعتقاد العلمي الثابت والجازم من التغير هو: إما البرهان كما في النظر، أو البداهة التي تستغني عن النظر والانتقال.

وبخصوص مادة المقدمات التي يتوسل بها الناظر في استدلالاته العلمية اليقينية، يتشدد الرازي في نوعية هذه المقدمات ويكاد يحصرها في البديهيات؛ فهي عنده إما أن تكون بديهية، أو لازمة عن مقدمات بديهية لزوما بديهيا، إما بوساطة واحدة أو عدة وسائط؛ فيؤول أمر جميع المقدمات التي تعتمد في النظر إلى المقدمات البديهية التي تحوز أعلى درجات اليقين، فهي وحدها التي تجعل النظر يتسم بطابع برهاني.[17] وهكذا يوافق الرازي في شرح الإشارات ابن سينا وعموم الفلاسفة المشائين في أن النظر الموقع للعلم واليقين هو الأقيسة البرهانية وحدها، أما الأقيسة الجدلية والخطابية التي تتشكل مادة مقدماتها من المشهورات والمقبولات فلا توقع إلا الظن؛ أما الشعرية فلا توقع تصديقا أصلا، لأنها تتركب من قضايا عملية انفعالية، غايتها ترغيب أو ترهيب النفس ودفعها إلى الإقدام على فعل أو الامتناع عنه؛ وأما السفسطائية فلا تتعلم ليعمل بها بل فقط ليحترز منها. وإن كانت الجدلية أداة للنظر العقلي غير أنها قليلة الفائدة ومنفعتها محدودة، لأنها لا تفيد اليقين للخاصة، وهي صعبة على العامة؛ فبقي أن الذي يفيد التصديق هما البرهان والخطابة؛ الأول يفيد اليقين للخاصة والثاني يفيد الظن للعامة؛ ولأجل منفعة الخطابة يقول الرازي قدّمها الباري على الجدل في قوله: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.﴾ (النحل/ 125).[18]

أما ما يتعلق بصورة النظر، أي أصناف الاستدلالات التي يعتمدها الناظر، أو الكيفية التي بها تنتظم المقدمات حتى تصير منتجة فيحصرها الرازي في ثلاث؛ يقول متابعا ابن سينا: ”فأصناف ما يُحتجّ به من الأدلة غير النقلية ثلاثة: القياس والاستقراء والتمثيل.“[19] وبعد أن يحكم بضعف الاستقراء والتمثيل بحكم أنهما لا يؤمنان اللزوم التام، يبقي على القياس المنطقي الفلسفي ويصف أشكاله بأنها ”تركيبات يقينية“؛ وتضم القياس الاقتراني بأشكاله المنتجة الثلاثة، والقياس الشرطي المنفصل أو ما سماه في نهاية العقول ”التقسيم المتردد بين النفي والإثبات،“ والشرطي المتصل وسماه ”طريقة التلازم.“ أما تلك الطرق التي كان يعتمدها المتكلمون المتقدمون ”فوصفها بالطرق الضعيفة“ وخصها بنقد واف بيَّن من خلاله عدم استيفائها لشرط الضرورة في اللزوم؛ وهذه الطرق هي: نفي ما لا دليل عليه، وقياس التمثيل، والإلزامات، والتمسك بالأدلة السمعية في العقليات.[20]

وإذا اختلَّت إحدى أو بعض شروط العلم صار الاعتقاد حينئذ إما تقليدا، أو جهلا مركبا، أو ظنا صادقا راجحا، أو شكا أو وهما؛ وهي كلها اعتقادات مفتقرة لليقين، وتقع كلها خارج دائرة النظر إلا الظن الراجح فإنه أحد قسميه.

فاعتقاد المقلد وإن كان حكما جازما مطابقا للمحكوم عليه، بل ويعتقد صاحبه بأنه ثابت لا يمكن تغيره، وأنه ”لا يمكن أن يكون إلا كذا؛“[21] إلا أن افتقاره لموجب عقلي أو حسي يسنده يجعله فاقدا لليقين ”جائز الزوال.“[22] فإن ”اعتقاد المقلد وإن كان في غاية القوة لكنه يكون ممكن التغير،“[23] ولذلك عرفه في المحصول قائلا: ”الذي [الحكم الجازم] لا يكون لموجب فهو اعتقاد المقلد.“[24]

والجهل المركب هو عدم العلم بالشيء، مع اعتقاد جازم مضاد لذلك، يدعي العلم من غير أن يكون حقيقة كذلك؛ فهو وإن كان اعتقادا جازما، فإنه غير مطابق كما يؤكد الرازي في المحصول قائلا: ”وأما [الحكم] الجازم غير المطابق فهو الجهل.“[25]

وأما الظن الصادق فهو حكم غير جازم، وهو مثل الشك لا يتخلص من التردد، غير أنه ينفصل عنه بكونه يرجِّح أحد الاحتمالين ويقترب من درجة اليقين؛ فإن صاحبه يكون معتقدا وقوع الشيء ولا وقوعه، غير أن اعتقاد الوقوع يكون عنده أرجح، فهو ”تغليب لأحد مُجَوَّزَين ظاهرَي التجويز.“[26] وإذا كان الظن مطابقا لموضوعه كان ظنا صادقا وإلا فكاذب؛ ويمتاز عن التقليد والجهل المركب بكونه يتضمن نظرا وتفكرا، لأنه يستند إلى دليل ويرتبه في صورة مقدمات. ويُختص اصطلاح الدليل عادة بالذي يتوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم، أما الذي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى الظن فيصطلح عليه أمارة.[27] ويبدو أن الرازي يجعل مصطلح الظن مقصورا على الظن الراجح، أما غير الراجح فليس بظن أصلا، بل هو إما شك أو وهم؛ ولذلك استعمل عند تعريفه للنظر مصطلح الظن من غير زيادة لفظ ”راجح،“ وإنما زاد هذا اللفظ عند تعريفه للظن تنبيها على أن الغلبة داخلة في ماهية الظن.

وأما الشك فإنه لا يترجح أحد طرفيه على الآخر، لأنه ”تجويز معتقدين لا مزية لأحدهما؛“[28] فهو شبيه بالظن والوهم في تردد وانتفاء الجزم عنه، غير أنه يقف في تردده غير قادر على ترجيح أي من الطرفين، ولذلك لا عبرة به في النظر؛ فالحكم ”الذي لا يكون جازما: فالتردد بين الطرفين إن كان على السوية فهو الشك، وإلا فالراجح ظن والمرجوح وهم.“[29]

وبعد أن يميز في النظر بين يقيني وظني، لا يدخل الرازي من هذه الاعتقادات غير العلمية وغير اليقينية في النظر إلا الظن الراجح، فإن اعتماده الدليل مع اقترابه من درجة اليقين يشفعان له في ذلك؛ أما الجهل المركب فيخرج لافتقاره للدليل وللمطابقة معا؛ وأما التقليد فيخرجه لافتقاره لدليل يسند اعتقاده الجازم والمطابق؛ كما يخرج الشك، الذي وإن كان متضمنا للتفكر في الأدلة، فإن عجزه عن الترجيح يجعله مفارقا للنظر الذي يشترط فيه أن يكون مثمرا لرأي محدد لا مترددا واقفا.

فالنظر إذن وإن كان شاملا عنده لما يفيد العلم اليقين والظن الغالب، فإن المفيد منه للعلم في العقائد يقتصر على البرهان؛ أما المفيد للظن الراجح فإنه وإن دخل في النظر، فلا يعتمد في تصحيح العقائد المعنية بوجوب النظر. وقد استعاد السنوسي (ت. 885هـ/1490م) قسمة الرازي لأنواع الاعتقادات ودرجاتها في اليقين، كما تبنى أصناف المقاييس التي ينتظم وفقا لها النظر الصحيح، ثم انتهى مؤكدا أن: ”المعتمد من هذه الأقسام في تصحيح العقائد الدينية القسم الأول الذي هو البرهان.“[30]

ثانيا: مشروعية النظر العقلي

على عادته في كتبه الكلامية عند تناول سائر المسائل، وسع الرازي دائرة البحث والتناظر في مسألة مشروعية النظر، فلم يقف عند ذكر المذاهب الرافضة لمشروعية النظر العقلي في الإلهيات داخل الحقل الإسلامي، بل أتى على ذكر سائر المذاهب حتى من غير المسلمين؛ كما أنه لم يقف عند القائلين بوجوب النظر من المتكلمين الإسلاميين، بل انفتح على غيرهم من النظار من غير أهل الإسلام. ومن خلال استقراء مجمل متنه، يمكن أن نميز في مسألة مشروعية النظر العقلي بين ثلاثة مستويات، تغطي مجتمعة مجمل نقاش الرازي حول هذه المسألة، ولكل مستوى من هذه المستويات إشكالا يخصه وفرقا مخالفة يتناظر معها.

وهكذا ميز بصدد مشروعية النظر بين أربعة مواقف:

 الأول: من أنكروا النظر مطلقا سواء في الإلهيات أو في غيرها من الحقول؛ فهم منكرون للنظر وللمبادئ التي يقوم عليها، خصوصا الحسيات والبديهيات، وهؤلاء هم السفسطائية. وإنما أوردهم في كتبه الكلامية بالخصوص ليس لأجل موقفهم من العقل والعلم، بل أساسا لأن موقفهم هذا من شأنه أن يقطع الطريق على أي نظر، خصوصا النظر المفضي إلى معرفة الله الذي هو المقصد الأساس من الكلام؛ فلأجل هذا ربما أدرجهم ضمن الفرق المتناظر معها في هذه المسألة.[31]

الثاني: هم المقرون بالعلم اليقيني في الإلهيات، لكنهم منكرون أن يكون طريقه هو النظر؛ فأنكروا النظر في الإلهيات كلية، سواء أكان مفضيا إلى اليقين أم كان مفضيا إلى الظن الراجح؛ فنفوا استقلالية العقل في المعرفة النظرية بالله، وأكدوا أنه غير مخاطب بمعرفة الله، ولا معني بها، ولا قادر عليها، لأن العلم بالعقائد حاصل من طريق الوحي تقليدا؛ وهؤلاء هم الحشوية.[32]

الثالث: هم المقرون بالمحسوسات والبديهيات التي تشكل منطلق النظر ومادة أدلته، المعترفون بالنظر في الإلهيات وفي غيرها من العلوم، غير أنهم ينكرون أن يفضي النظر في الإلهيات إلى العلم اليقيني. ثم إنهم بعد ذلك ينقسمون فرقا شتى: فمنهم من أنكر أن يفضي النظر إلى علم يقيني سواء في العلوم الرياضية أو الإلهيات، وهؤلاء هم المسمون بالسمنية؛ ومنهم من اعترف بإفضائه إلى العلم في الرياضيات دون الإلهيات، وقال إن المقصد الأقصى للنظر في الإلهيات هو تحصيل الأولى دون الجزم القاطع، وهم الذين يسمون بالمهندسين، ولما كانت العقائد لا يقبل فيها إلا الاعتقاد اليقيني سيتم إخراج هؤلاء والذين سبقوهم من جملة أصحاب النظر؛ ومنهم من أقر بإفضائه إلى العلم في الرياضيات دون الإلهيات، لكنه أضاف بأن العلم في الإلهيات مع ذلك ممكن، لكن ليس من طريق العقل، بل من طريق الإمام وهم الباطنية، وهؤلاء يتم أيضا إخراجهم من أصحاب النظر لا لإنكارهم النظر مطلقا، بل لمنعهم أن يكون كافيا في تحصيل العلم ومستغنيا عن الإمام.

الرابع: هم الذين وصفهم بأصحاب النظر، المقرون بوجوده ووجوبه وإفادته العلم اليقين في الإلهيات، وقال عنهم إنهم هم الجمهور الأعظم من أهل العالم، فصرح في الرياض المونقة في آراء أهل العلم قائلا: ”قول أصحاب النظر، وهو قول الجمهور الأعظم من أهل العلم، وتندرج فيه الفلاسفة، والصابئة، والبراهمة، وأكثر أرباب الكتب والأديان.“[33]

وبحكم انتمائه إلى أصحاب الموقف الرابع، وجه الرازي مجهوده النظري نحو الرد على المواقف الثلاثة الأخرى عارضا أطروحاتهم ومفندا أدلتهم. ورغم أن المواقف الثلاثة الأولى تشترك في التشكيك في مشروعية النظر في الإلهيات، فإنه مع ذلك لا يضعها في مستوى واحد، بل يميز فيها بين مستويين لكل منهما إشكالية تخصه: المستوى الأول: يتعلق بالرافضين للنظر العقلي في العقائد كلية، ويدرج ضمنهم المذاهب الداخلة في الموقف الأول والثاني؛ المستوى الثاني: ويتعلق بمن اعترفوا بمشروعية النظر غير أنهم أنكروا أن يفضي إلى العلم اليقين في العقائد، ويدرج ضمنه المذاهب الواردة في الموقف الثالث. وسنورد ردوده على أصحاب الموقفين الأول والثاني في هذا المبحث، على أن نتطرق لردوده على أصحاب الموقف الثالث في المبحث الموالي.

وقبل عرض مذاهب المنكرين للنظر ونقاشه معهم، نورد استدلاله الذي عزز به موقف أصحاب النظر، القائلين بوجوبه في مسائل الاعتقاد وكفايته واستقلاله عن السمع. فقد تبنى في نهاية العقول نفس الاستدلال الذي اعتمده الأشاعرة من قبل،[34] وعرضه كما يلي: لما ثبت أن معرفة الله واجبة إجماعا، وثبت أن هذا الواجب لا يتم إلا بالنظر، فإن النظر العقلي واجب، بناء على القاعدة الأصولية التي تقرر أن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به، وكان مقدورا للمكلف فهو واجب؛ فصرح في كتاب الإشارة قائلا إنه ”لا طريق إلى تحصيل هذه المعارف [الإيمان بالله وصفاته وصدق النبوة] إلا بالنظر، وهذه المعارف واجبة التحصيل، وما لا يتأدى الواجب إلا به فهو واجب، فالنظر في هذه الأدلة واجب.“[35] وأكد هذا الاستدلال في نهاية العقول قائلا: ”معرفة الله تعالى واجبة، لإجماع الأمة، وتحصيل معرفة الله تعالى لا يمكن إلا بالنظر. وما لا يتأدى الواجب المطلق إلا به فهو واجب.“[36]

فالمعرفة بالله الحاصلة عن الدليل العقلي الذي يفهمه أي إنسان عاقل، هي نفسها التصديق الإيماني المأمور به في القرآن؛ نعم إن التكليف الشرعي حسب الرازي هو الذي يفرض علينا المعرفة النظرية، ولكن المهم هو أن الموضوع واحد بين الخطاب القرآني والفكري البشري وهو الإيمان بالله؛ فالذي يأمرنا الشرع بالإيمان به هو عينه الذي يأمرنا أن نعرفه بعقولنا؛ ولا يمكن الفصل بين العمليتين، لأن كل فصل من شأنه أن يفضي إلى عزل العقل عن معرفة الله.

هذا الاستدلال تواجهه اعتراضات موجهة للدعوى ولمقدماتها ذكرها الرازي في كتبه الكلامية، وأغلب هذه الاعتراضات موجهة من طرف الحشوية الذين لا يوجبون على المكلفين إلا الإقرار والانقياد من غير نظر أو استدلال. وقد شعر الرازي ربما بقوة هذه الاعتراضات، وبضعف الاستدلال الذي اعتمده المتكلمون؛ فبعد أن وصف فيالمحصل هذا الدليل بالمشهور، اختار ما اعتبره أولى وأقوى، وهو التعويل على النصوص الآمرة بالنظر؛ فعلق على اعتراضات المنكرين لمشروعية النظر قائلا: ”الجواب على هذه الأسئلة وإن كان ممكنا لكن الأولى التعويل على ظواهر النصوص كقوله تعالى: ﴿قل انظروا.﴾“[37]

وبعد عرض تدليل الرازي الخاص على مشروعية النظر، نورد نقاشه مع المخالفين المشككين في تلك المشروعية؛ وأول المذاهب الذي ينازع في مشروعية النظر والذي خصه بالأولوية في ردوده هم السفسطائية؛ فإنهم في الحقيقة لا ينكرون النظر فقط، بل والقضايا اليقينية التي من شأن النظر أن يقوم عليها، أي التصديقات البديهية والحسية والوجدانية، فلا يقتصر إنكارهم على النظر في الإلهيات بل وفي سائر العلوم. فبعد أن شككوا في أحكام العقل والحس، وفي قدرتهما على إنتاج اليقين، قالوا إنه لما لم يكن حاكم أعلى منهما فلا مطمع في العلم اليقيني إذن، ضروريا كان أم مكتسبا، فانتهوا إما إلى التوقف أو الشك أو النسبية. وهم بحسب رواية الرازي التي ذكرها في نهاية العقول والرياض المونقة ثلاثة طوائف وهم: اللاّأدْريّة أو المتشكّكة أو أصحاب الحيرة؛ وهم متوقفون عن الحكم في الحسيات والبديهيات معا، ويؤكدون عجز الذات عن إثبات شيء يقيني، مستشهدين باختلاف الفرق في سائر المسائل بما فيها تلك المسماة بديهية كعلم الإنسان بوجود نفسه؛ فيسقطون في الشك المطلق. الطائفة الثانية هم العناديّة المنكرون للأساس الذي تقوم عليه العلوم أي البديهيات والحسيات، ويدعون الجزم بانتفاء العلوم ويرفضون حتى القول بنسبيتها؛ كما ينسب إليهم أنهم منكرون وجود الموجودات كلية. والثالثة هم العِنْديّة الذين يدعون نسبية حقائق الأشياء في ذاتها، ويجعلونها تابعة في نسبيتها لاعتقاداتنا المختلفة باختلاف الأشخاص، الأمر الذي يمتنع معه التناظر والإلزام. فالسفسطائية بطوائفهم المختلفة منكرون لحصول العلم في الأدلة والمدلولات، أي منكرون للنظر ولمقدماته الحسية والعقلية.[38]

أما بخصوص الرد عليهم، فقد ذكر اختلاف أقوال النظار في جواز مناظرتهم من عدمه؛ ومع ترجيحه في الرياض المونقة للرأي القائل بعدم الجواز، بدعوى غياب أرضية مشتركة معهم، قدم في نهاية العقول جملة من الردود التي تؤكد وجود التصورات والتصديقات البديهية التي هي عماد المعرفة النظرية.[39] أما هل كان لهذه الفرقة بتلويناتها وجود تاريخي أم أن وجودها يفترضه العقل فقط كأحد الأقسام الممكنة؛ فإن الرازي، وبعد أن نقل قول النافين لوجودهم، وقول يحيى النحوي (ت. 570م) والقاضي عبد الجبار (ت. 415هـ/1025م) المثبتين له، يبدو أنه جمع بين القولين، ومال إلى اعتبارهم فرقة تاريخية وجدت في الماضي، ويمكن أن توجد كذلك في كل عصر وعند كل فرد، وهذا ربما هو مبرر إيلائها مساحة معتبرة من نظره.[40]

والفريق الذي يأتي ثانيا في النزاع في مشروعية النظر العقلي هم الحشوية؛ فقد ذهبوا إلى أن الواجب على المسلم الإيمان والاعتقاد من طريق السمع، وأن الإيمان بالله مثله مثل سائر العقائد السمعية لا مدخل فيه للعقل ولا للعلم أو المعرفة، ولا يكون حصيلة عملية استدلالية. وردوا على دليل المتكلمين أعلاه قائلين: ”لا نسلم أن معرفة الله يمكن أن تكون جائزة فضلا عن أن تكون واجبة؛“[41] ولما انتفى إمكانها امتنع إيجابها؛ والمقصود بالمعرفة هنا الاعتقاد اليقيني الحاصل عن دليل، وإلا فإنهم معترفون بأن معرفة الله واجبة ومكتسبة سمعا. فيذمون النظر والاستدلال والجدال في العقائد كما ينقل الرازي عنهم قائلا: ”الحشوية من أهل الحديث الذين يقولون الاعتماد في معرفة الله تعالى على الكتاب والسنة، وأما النظر والاستدلال به مذموم والجدل عنه منهي.“[42]

ويورد لهم من الحجج التي يدللون بها على دعواهم بامتناع جواز المعرفة، وامتناع أن تكون مأمورا بها صنفين من الحجج:[43]

الصنف الأول يحتجون به على أن العلم مطلقا يمتنع أن يكون مأمورا به، سواء أكان علما بالله أم بغيره، لأنه غير مقدور أصلا، فالأمر به أمر بما لا يطاق. وما يدل على امتناع العلم مطلقا دليلان: الأول: أن الشخص المكلف بالعلم بالشيء يجب أن يكون قبل ذلك إما متمكنا من التمييز بين العلم والجهل، والتمييز بينهما لا يتم إلا إذا علم بمطابقة الاعتقاد للمعتَقَد، والاعتقاد بالمطابقة هو علم إضافي فيستدعي العلم بالمضافين، وهذا العلم بدوره يستدعي علما آخر فيتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية؛ وإما أن لا يكون متمكنا من التمييز بين العلم والجهل، فيكون حينئذ تكليفه بالعلم تكليف بالمحال وهو غير جائز شرعا. فثبت أن المعرفة أمر اتفاقي قد تحصل وقد لا تحصل، وما كان كذلك امتنع التكليف به. الثاني: قالوا لما كان حصول العلم يتم عبر ترتيب علوم بديهية ضرورية يلزم عنها علوم نظرية، فمتى خلق الله تلك العلوم الضرورية حصل العلم النظري، ومتى لم يخلقها استحال العلم النظري؛ فالعلم النظري إذن لا يتوقف على نظر الناظر بل على خلق الله، فلا يكون مقدورا للناظر، فلا يكون مأمورا به.

ويخلصون من هذين الدليلين إلى أن العلوم كلها غير مكتسبة بجهد الناظر، فإما أن لا تحصل أو تحصل ضرورة؛ فهي غير مقدورة للعباد ”فكان الأمر بها أمرا بما لا يطاق وأنه غير جائز ولو صح لبطل أصل الدليل.“[44]

الصنف الثاني يدللون من خلاله على أن معرفة الله خاصة يستحيل أن تكون مأمورا بها. وذلك من وجهين: الوجه الأول: أن المكلف المأمور بمعرفة الله، لا يخلو إما أن يكون عارفا به مسبقا، فيستحيل تكليفه لأن الأمر بتحصيل الحاصل محال؛ وإما أن لا يكون، ومحال تكليفه أيضا، لأن الجاهل بالله يستحيل أن يكون عالما بأمر الله، فيكون أمر الله له بالمعرفة تكليفا بما لا يطاق. الوجه الثاني: قالوا إنه لا وجود لدليل شرعي يدل على كون معرفة الله مأمورا بها، بل ”الأمر ما ورد إلا بالإقرار والاعتقاد فقط؛“[45]فإن كان الاعتقاد مطابقا ويقينيا فهو كاف؛ ودعوى الإجماع ممنوعة. وما يدل في نظرهم أن المأمور به هو الاعتقاد الجازم وليس المعرفة النظرية جملة أمور منها: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحكم بإسلام الأعرابي الجلف لمجرد نطقه بكلمة الشهادة، مع العلم أن معرفة الله نظرا ما كانت حاصلة له، ولا كان قادرا على تصور هذه الدلائل. ومنها أنه لم ينقل عن الصحابة والسلف والتابعين خوضهم في هذه الأدلة مثل الجوهر والعرض والخلاء وحدوث العالم، مع أن إيمانهم كان أتم؛ فكان الخوض في ما لم يخوضوا فيه بدعة. ومنها أنه قد ورد عن النبي النكير على من خاض في مثل هذه المسائل.

ويمضي هؤلاء في حجاجهم قائلين: حتى مع التسليم جدلا بأن لا بد من النظر وأنه لا يجوز الاكتفاء بالاعتقاد والتسليم، فلم لا يجوز الاكتفاء بالظن الغالب، لأن الوصول إلى العلم الحق لا يتم إلا بمعرفة أصول العقائد عن أدلتها، ومعرفة الشبهات وكيفية الرد عليها، وذلك قد يستدعي صرف العمر كله، فلا يصل إلى الإيمان الحق إلا النادر من الناس. ثم إن تحصيل هذا النوع من الإيمان قد يؤدي إلى سقوط دعوة الأنبياء، لأنه يجوز للمدعو طلب مهلة ليست باليسيرة لتحصيل اليقين المطلوب منه بالنظر، ولا يمكن للنبي أن ينسبه إلى التقصير طوال هذه الفترة.

ويضيفون، حتى مع التسليم جدلا بأن معرفة الله واجبة ومأمورا بها، فلم حصرتم طرق المعرفة في ثلاث هي الحس والخبر والنظر، وأسقطتم طريق الحس للاتفاق حول عدم صلاحيته، ثم أسقطتم الخبر، وأبقيتم على النظر العقلي وحده؟ فإن هناك طريقا آخر هو تصفية الباطن بالزهد والذكر، وهو طريق الصوفية فإنه قلما يحصل لأصحاب النظر مثل جزمهم.

ثم مع التسليم بصحة حصر طرق المعرفة في ثلاث: الخبر أو الحس أو العقل، فلم لا يجوز أن يكون طريق معرفة الله خبر شخص واحد هو المعلم الصادق؟ أما من اعترض قائلا: وكيف نعرف صدقه ونميزه عن المعلم الكاذب، ألا نحتاج إلى النظر والنظر عندكم محال؟ فيجيبونه قائلين: كما صح التمييز بين النظر الفاسد والنظر الصحيح عندكم بنظر نعرف صحته بالضرورة، فكذلك فإن كلام المعلم يفيد العلم دون كلام سائر الناس، لأن نفسه كاملة ومُنْتقِشة بالحقائق، ونفسه بالنسبة لنفوس الناس كالشمس بالنسبة للأبصار، فمتى انضمت عقولهم إلى عقل المعلم الكامل عرفت الله، ومتى استقلت لم تقو على ذلك.

وأضافوا مجادلين: مع التسليم أنه لا طريق لمعرفة الله غير النظر، فلم قلتم إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؟ فإن التكليف مشروط بكون المكلف قادرا، والمكلف لا يجب عليه تحصيل ذلك الشرط الذي هو النظر، لأنه غير قادر عليه؛ فحتى لو كانت معرفة الله لا تتم إلا بالنظر، فمتى كان المكلف غير قادر عليه فقد سقط وجوبه عليه.

وأجاب الرازي عن هذه الاعتراضات في نهاية العقول[46] على الشكل التالي: في مقابل قولهم إن المعرفة يمتنع أن تكون مأمورا بها على الإطلاق؛ أجاب بأن المعرفة نظرا حاصلة، وحصولها يدل على إمكانها، فيجوز أن يكون مأمورا بها شرعا؛ وإجماع الأمة دل على أنها هي المراد من الأمر الإلهي. فالإيمان المأمور به شرعا حسب الرازي هو التصديق وهو فعل للنفس ولا تدخل فيه الأفعال دخول جزء مقوم بل هي مجرد ثمار له. وبهذا يتابع الرازي الأشعري ومعظم الأشعري في جعل الإيمان مقصورا على التصديق بالقلب دون أفعال الجوارح.[47]

وعن قولهم إن التمييز بين العلم والجهل يستدعي علما آخر ويتسلسل إلى ما لا نهاية؛ أجاب بأن طريق التمييز بين العلم والجهل لا يكون فقط بما ذكروه، بل هناك طريق آخر هو أن الاعتقاد اللازم عن العلوم البديهية يكون بالضرورة اعتقادا علميا، فمتى رأينا النتيجة لازمة عن العلم الضروري علمنا ضرورة أن تلك النتيجة علم. وعن قولهم إن العلوم النظرية لازمة للعلوم الضرورية فلا تكون مكتسبة ولا مقدورة فلا يتعلق بها أمر التكليف؛ أجاب أن التكليف بالنظر ممكن، لأن حصول العلوم الضرورية لا يكفي لوحده لحصول العلم النظري، وإلا لحصلت العلوم لكل من كان عالما بالقضايا البديهية، بل يتوقف على شرط هو قصد الناظر، وهذا هو الذي يجعل النظر مكتسبا والتكليف به ممكنا في حق الإنسان. وعن قولهم بأن الأمر بتحصيل المعرفة بالله إن توجه للمكلف حال كونه عالما بالله فلا معنى للأمر بالنظر لأجل معرفة الله لأنها حاصلة، وإن توجه له حال كونه جاهلا بالله فلن يكون عالما بأمر الله، فالتكليف باطل لأنه مشروط بالعلم بالأمر والآمر؛ أجاب بأن سلَّم بأن الأمر بالتكليف يتوجه إلى المكلف حال كونه غير عالم بالله، لكنه لم يسلم بأن العلم بالله مشروط بالعلم بالأمر والآمِر، بل بالقدرة على ذلك، حتى إذا حصل للمكلف العلم بالله علم أنه كان مأمورا بمعرفة الله.

وعن تشكيكهم في حصول إجماع الأمة على وجوب معرفة الله؛ يجيب الرازي بالقول إن إجماع الأمة حاصل حول أن المأمور به هو الإقرار والاعتقاد بالدين الحق، وليس أي اعتقاد كيف ما كان، بل الاعتقاد الناجم عن دليل قطعي؛ لأن الاعتقاد الحق في ما لا بداهة فيه ولا حس ولا يستند إلى الخبر لا يصير حقا وثابتا إلا بعد النظر والدليل. وعن قولهم: لم لا يُكتفى بالظن الغالب؟ أجاب بأن تمييز الظن الصحيح من الفاسد يقتضي النظر، ثم حتى مع التسليم جدلا أن المطلوب هو الظن الغالب فإنه لا يحصل إلا بالنظر.

أما حكم النبي بقبول إسلام الأعرابي مع جهله بهذه الأدلة فيحتمل حسب الرازي أمرين: أحدهما أن يكون النبي قد علم من ذلك الشخص أنه عالم بأوائل الأدلة المؤدية للاستدلال على الأصول، وأن ذلك القدر كاف لكي يحصل له اليقين، فيكون بذلك ناظرا وإن لم يكن قادرا على التعبير عن نظره في شكل مقدمات وعبارات قياسية صناعية. وأمثال هؤلاء غير القادرين على النظر التفصيلي ولا على التعبير عنه بالاصطلاحات الدارجة بين النظار يكفي في حقهم النظر الإجمالي الذي يتضمن حصول العلم بالأدلة وبدلالتها على الفاعل المختار؛ ويقدم الرازي مثالا لهذا النوع من النظر الواجب في حق العامة مؤكدا أن قبول إسلام العامة راجع لاحتمال ”أن يكون النبي عليه السلام قد علم من ذلك الشخص كونه عالما بأوائل الأدلة في هذه الأصول، وذلك القدر كاف في حصول اليقين. ولا يلزم من عدم اقتدارهم عن التعبير عن تلك المعاني أن لا يكونوا عالمين بها، فإن العامي إذا رأى تغيير الهواء من الرعد والبرق فقال سبحان الله! علمنا أنه إنما قال ذلك لما تقرر في اعتقاده أن هذه الحوادث لمَّا اختص حدوثها بالوقت المعين مع جواز ذلك قبله أو بعده، استند ذلك —لا محالة— إلى فاعل مختار، فهذا المعنى إن كان متقررا في عقله كان عالما بالله تعالى بدليله، ولا يضره عدم الاقتدار على بيان ذلك وشرحه.“[48] أما الاحتمال الثاني فهو أن يكون النبي قد علم عدم استعداد ذلك الشخص لفهم هذه الدلائل، فيكون التكليف ساقطا عنه. ويمكن أن نفهم من جواب الرازي هذا أن وجوب النظر ليس بإطلاق، بل على المكلف القادر، وأنه ساقط عن العاجز.

ولا يسلم الرازي بجهل الصحابة والسلف بهذه الدلائل بدعوى عدم تكلمهم فيها، لأن أصول هذه الأدلة التي ذكرها المتكلمون لاحقا في إثبات حدوث العالم ووجود الخالق وصفاته مذكورة في القرآن، وهي أكثر من أن تعد وتحصى، وأكثر الصحابة كانوا عالمين بها؛ ويفسر استغناءهم عن تقريرها مفصلة كما هي في نفوسهم بقلة الشبه والشكوك في زمانهم.[49]

وعن قولهم بأن النبي والصحابة كانوا منكرين للجدل والخوض في هذه الأدلة؛ يجيب بالمنع، مؤكدا أن أكثر آيات القرآن مشتملة على هذه الأدلة؛ ويقدم أمثلة لآيات عرضت شبهات حول إنكار البعث، والصانع، وصفاته، والنبوة، كما عرضت حججا مجيبة عن شبههم ومثبتة للعقائد؛ ويوضح أن النهي عن الجدل الوارد في النصوص الدينية[50] ليس بمطلق، لأنه نهى عن استعمال الشبهات والضلالات، بل كان النبي عليه السلام مأمورا بالجدل.

ولما كان الحشوية يزكون موقفهم بما نقل عن علماء السلف من نهي عن الكلام والجدل في العقائد، أورد الرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين نصا مطولا للفراء البغوي (ت. 510هـ/1117م) يتضمن أقوالا وآراء لبعض هؤلاء العلماء مثل عمر بن عبد العزيز (ت. ‏101هـ‏/ ‏720م‏) وابن شهاب الزهري المحدث (ت. 124هـ/742م) ومالك بن أنس (ت. 179هـ/ 795م) وسفيان الثوري (ت. 161هـ/ 777م) والشافعي (ت. 204هـ/ 820م)؛ ثم علق قائلا إن حسن الظن بهؤلاء الأفاضل يقتضي حمل أقوالهم التي بالغت في النهي عن الجدل والخصومة على من يتعلم علم الكلام لبث الشبهات، لا من يتعلمه لإقامة الدلائل على العقائد والرد على الملحدين والمبطلين. وبهذا يكون الرازي قد ميز في الجدل بين مذموم ومحمود.[51]

فهذه حسب الرازي هي جملة الاعتراضات التي رد بها الحشوية على دليل المتكلمين، ساقوها للتأكيد على امتناع وجوب النظر، وامتناع أن تكون معرفة الله حاصلة بالأدلة، مؤكدين بدل ذلك أن الواجب هو مجرد الاعتقاد والتصديق تقليدا من غير نظر ولا استدلال. وقد عرضها الرازي في نهاية العقول مشفوعة بأجوبته عليها، مزكيا مسلك ”جمهور الأصحاب“[52] في وجوب النظر؛ أما في المحصل، وبعد أن أعاد عرض دليل المتكلمين واعتراضات الحشوية عليه، أمسك عن الإجابة عنها؛ لا لاعتقاده بصحتها، لأنه يمكن في نظره الجواب عنها، بل لأنها جاءت للرد على دليل هو في الأصل مفضول؛ ربما بسبب ما عليه من الإشكالات التي أوردها أعلاه. ولذلك اختار ما اعتبره الدليل الأفضل في إيجاب النظر، ألا وهو الاكتفاء بظواهر النصوص الآمرة بذلك من قبيل قوله تعالى:﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يومنون.﴾ (يونس/101) فإن فيها أمرا ظاهر الوجوب.[53]

وسواء تعلق الأمر بالدليل الأول أو الثاني فإن الرازي في اختياريه معا ينحاز إلى الأشاعرة القائلين إن جهة وجوب النظر هي السمع؛ فاستخدام العقل عنده رغم وجوبه وارتباط الإيمان به يتأطر بتكليف شرعي محض، فلو لم يرد أمر الشرع الواجب ما كان للعقل أن يتخذ معرفة الله أمرا واجبا؛ وهذا بناء على رفضه للتحسين والتقبيح. فهو لا يشكك في قدرة العقل على معرفة الله، ولا يمانع أن يهتدي إلى ذلك من تلقاء ذاته ومن غير أمر شرعي، ولكن لما كانت المعرفة المطلوبة هي تلك التي يترتب عليها ثواب أو عقاب، وهي التي تقع في دائرة الأمر الإلهي، فإن الإيجاب لا يكون إلا سمعيا في نظره. وهذا مقابل ما ذهبت إليه المعتزلة من أن جهة الوجوب هي العقل، بناء على مذهبهم في التحسين والتقبيح؛ فيكون العقل بالنسبة إليهم مصدرا للمعرفة وللأمر الملزم بهذه المعرفة.[54] فالرازي لا يفصل هذه المسألة عن قاعدة نفي التحسين والتقبيح التي تابع فيها الأشاعرة؛ وهو في هذا الربط بين المسألتين يسير في الاتجاه العام للمعتزلة والأشاعرة.[55] ولا يعني تأكيده على سمعية الأمر بوجوب النظر أنه يقدم السمع على العقل مطلقا، لأنه يميز بين الأمر بمعرفة الله الذي هو أمر شرعي، وبين معرفة الله التي هي مسألة عقلية، بل ويميل إلى إيجاب النظر على كل مكلف، ويعتبر المؤمن غير الناظر مقلدا في اعتقاده.

وبرفضهم مشروعية النظر واستقلالية العقل وكفايته في معرفة الله يكون الحشوية قد نصبوا التقليد بديلا عنه؛ وهو الأمر الذي أفضى إلى حصول خلاف بين النظار حول إيمان المقلد ومدى صحته، فرغم اتفاقهم على وجوب النظر فإنهم اختلفوا في مدى صحة اعتقاد المقلد. فكما رأينا أعلاه، لما كانت أقسام الحكم العقلي بحسب درجة يقينيتها خمسة: علم واعتقاد وظن وشك ووهم، وكان الأول والثاني يقينيان، والباقي غير يقيني، فقد حصل إجماع بين النظار المسلمين على أن الإيمان إن حصل عن القسم الأول فهو صحيح، لأن الجزم فيه مؤسس إما على البداهة أو البرهان، وهو المسمى علما ومعرفة ويقينا؛ كما حصل اتفاق على أن الإيمان إن حصل عن الأقسام الثلاثة فهو باطل، لأن الظن لا يقبل في العقائد. لكن وقع الخلاف حول وقوعه عن الاعتقاد، لأنه وإن كان حكما جازما وصحيحا ومطابقا، غير أنه مفتقر إلى الدليل الذي يسنده؛ وهذا هو اعتقاد عامة المسلمين، وهو المسمى بالتقليد.

وقد نقل السنوسي عن ابن عرفة (ت. 803هـ/1401م) أن فيه أقوالا ثلاثة: أولها أن صاحبه مؤمن، غير عاص بتركه النظر؛ والثاني أنه مؤمن، لكنه عاص بتركه النظر؛ وثالثها أنه كافر.[56] ثم زكى ما اعتبره مذهب الجمهور وهو عدم الاكتفاء به، فقال: ”واختلفوا في الاعتقاد الصحيح الذي حصل بمحض التقليد، فالذي عليه الجمهور والمحققون من أهل السنة كالشيخ الأشعري (ت.324هـ/ 936م)والأستاذ والقاضي وإمام الحرمين (ت. 478هـ/1085م) وغيرهم من الأئمة أنه لا يصح الاكتفاء به في العقائد الدينية، وهو الحق الذي لا شك فيه، وقد حكى غير واحد الإجماع عليه، وكأنه لم يعتد بخلاف الحشوية وبعض أهل الظاهر؛“[57] ويوضح السنوسي اتفاق المتكلمين على أن الواجب على المكلف وجوبا عينيا هو الدليل الإجمالي أما الدليل التفصيلي فهو فرض كفاية.[58] كما ذهب إلى أن الظاهر من كلام ابن رشد الجد (ت. 526هـ/1126م) في نوازله أن الدليل التفصيلي على طريقة المتكلمين مندوب إليه لا فرض كفاية.[59]

أما الرازي فيبدو أنه ركز تفكيره على بيان حكم النظر بدل حكم تاركه المستعيض عنه بالتقليد؛ والظاهر من نقاشه مع الحشوية ومن كلامه في مجمل كتبه أنه جعل النظر التفصيلي واجبا كفائيا لا يخص إلا فئة محددة هم النظار، والنظر الإجمالي واجبا عينيا على كل مكلف ولو كان من العامة، فأعفى العامة من النظر التفصيلي وألزمهم النظر الإجمالي. أما الحكم على إيمان تارك النظر فلم نجد له عنده قولا صريحا، فعند مناقشته لطريق الصوفية في المعالم أكد أن العقائد التقليدية التي لا تسندها أدلة لا عبرة بها؛ الأمر الذي يمكن أن يفهم منه أن التقليد من القادر على النظر لا يصح الاكتفاء به، لكن من غير تصريح إن كان صاحبه آثما أو كافرا أو صحيح الإيمان ليس عليه شيء. كما أكد، عند مناقشته للحشوية، بأن غير القادر على النظر لا يجب عليه النظر؛ الأمر الذي يفهم منه صحة إيمان المقلد غير القادر على النظر إن كان اعتقاده جازما.[60] ورفع وجوب النظر عن غير القادر يذكرنا بموقف الغزالي، فقد أعفى في الاقتصاد في الاعتقاد العامة ممن لهم اعتقاد صحيح ويقيني من النظر في الأدلة، ولم يشترط عليهم إلا اليقين في عقائدهم، وقبل منهم التقليد، بل منعهم من مجاوزته؛ وبرر ذلك بكونهم، بحكم فطرهم، غير مؤهلين للنظر العقلي.[61]

ولأن النقاش مع الحشوية حول مشروعية النظر في العقائد هو في صميمه نقاش حول مشروعية علم الكلام ذاته، على اعتبار أن الدفاع عن العقائد بالعقل شكل رسالة علم الكلام منذ نشأته؛ وجدنا الرازي يؤكد شرف هذا العلم ومشروعيته، ويبوِّئه مكانة متميزة ضمن سائر العلوم الدينية وغير الدينية، بل ويعتبره أشرف العلوم على الإطلاق؛ وهذا في مقابل ما ذهب إليه هؤلاء من اعتبار هذا العلم بدعة. ولم يجعل شرفه موقوفا فقط على شرف المسائل التي ينظر فيها أي العقائد الدينية، وشرف غايته أي السعادة الأخروية، بل أدرج ضمن ذلك أيضا وثاقة براهينه؛ فاعتبر اعتماد هذا العلم الدليل العقلي القطعي ضمن المكونات الضرورية التي استحق بها هذه المكانة.[62]

وهكذا ربط الرازي بين شرف علم الكلام وبين الحضور الوازن للعقل فيه، فجعل النظر في أساس هوية هذا العلم؛ بل اصطلح عليه أحيانا ”العلم الإلهي،“ قاصدا بذلك جعله موازيا لإلهيات الفلاسفة، بل مستوعبا لها ومتجاوزا إياها في يقينية مقدماته ووثاقة براهينه. فرغم أن هذا العلم ظل يصنف مع الرازي ضمن العلوم الدينية، ويحاجج على العقائد الدينية التي نصت عليها الملة المحمدية خاصة، فإنه في نظر الرازي لا يستند في سبيل ذلك إلا على المقدمات العقلية اليقينية التي تقطع بها سائر العقول، لا المقدمات التي تخص أهل الإسلام المقبولة عندهم دون غيرهم. ثم إنه يصوغ استدلالاته في قالب قياسي برهاني، بحيث تصير نتائجه، التي هي في هذه الحالة العقائد الدينية، قطعية الثبوت وملزمة لسائر النظار من مختلف المذاهب والملل والنحل.

وهكذا يصير هذا العلم وفق منظوره، وكما نظّر له ومارسه، خير تجسيد لتصوره الخاص للنظر العقلي. ولم يكتف بالتأكيد على مشروعة التفكير العقلي في العقائد، بل عمل على ترسيخ التوجه المعرفي البرهاني لهذا العلم، جنبا إلى جنب مع البعد الجدلي؛ فوسع مجال التناظر حول العقائد ليشمل مقالات سائر النظار المعاصرين والسابقين له بمن فيهم الفلاسفة، كما وسع دائرة المرجعية العقلية التي كان يستمد منها المتكلمون المتقدمون مقدماتهم لتشمل حتى المشائية في نسختها السينوية خاصة.[63]

وهكذا، وبناء على طبيعة الدليل العقلي المعتمد، أسند الرازي للنظر الكلامي وظيفتين رئيسيتين، أولاهما: جدلية تتوخى حفظ العقيدة من الشبهات المشككة والمبطلة، وثانيهما: برهانية تروم الاستدلال على وجود الصانع تعالى وتوحيده وصفاته. وقد اقتنع الرازي بفكرة الدور المعتزلية،[64] ولمنع أن يصير السمع دليلا على نفسه، أكد أن العقل أصل للسمع وبه تثبت حجيته، ”لأن خبر الغير ما لم يعرف بالعقل صدقه لم يفد [العلم بالمدلول]“[65] كما أكد أن الدليل العقلي ليس فقط معتمد في التدليل على أصول العقائد بل يعتمد وحده دون السمع، لأن كل ”ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته استحال تصحيحه بالسمع، وذلك كمثل العلم بوجود الصانع، وكونه مختارا وعالما بكل المعلومات، وصدق قول الرسول.“[66] فإعمال النظر يتخذ وجهين: جدلي وبرهاني، وعليه، وكما أكد جوزيفْ فانْ إسْ Josef Van Ess (1934-2021م)، فإن القول بأن الكلام لم يشغل إلا وظيفة حجاجية دفاعية لا يصح إلا جزئيا، وذلك ”بعد أن لم يتأخر في أن ينسب لنفسه تقديم تفسير أصيل للعالم.“[67]

كما يورد الرازي ضمن الفرق التي تعتقد بالعلم بالله وتجعله مكتسبا لكن من طريق غير النظر—بالإضافة إلى الباطنية والحشوية—الصوفية، الذين قالوا إن ”معرفة الله تعالى بتخلية النفس عن العلائق الجسمانية وتحليتها بالنفوس الروحانية.“[68] لكن هل يعد هذا الطريق من طرق أهل النظر أم أنه داخل في جملة التقليد؟ يعتقد الرازي أنه لا يشكل طريقا نظريا مستقلا قائم الذات وإنما هو مجرد تقليد، لأن العقائد الحاصلة بعد التصفية إما أن تكون ضرورية: ”فإنا نسلم أن النظريات يمكن أن تصير ضرورية؛“[69] وإن لم تكن ضرورية فإما أن تكون لازمة عن مقدمات ضرورية فتعد نظرية؛ أو حاصلة دون مقدمات، ”فتلك العقائد ليست إلا عقائد تقليدية، ولا عبرة حينئذ بذلك.“[70] فلا يعتقد بكون التصفية طريقا مستقلا لتحقيق العلم بالعقائد، لأن الزهد والعبادة يمكن أن تحصل حتى لمن كان معبوده باطلا؛ وهي وإن كانت مفيدة، فمن باب الشروط المساعدة على النظر، لا أن تكون بديلة عنه. فالرياضة والمجاهدة وتصفية الباطن،[71] كل ذلك إنما هو عزلة وتقوى وزهد وذكر وعبادة، يؤدي الاشتغال به إلى رسوخ المعرفة بالله، ولكن ذلك مشروط بالمعرفة المسبقة بالمعبود، إذ ”كيف يمكن التعبد لمن لا يعرف معبوده، والذكر لمن لا يعرف مذكوره، والتقوى لمن لا يعرف آمره وناهيه، وطلب مباح لمن لا يعرف المبيح.“[72] نعم إن الاشتغال بالرياضة سبب للتقرب إلى الله، وترق من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، ولكن لا يصح كل ذلك في نظر الرازي إلا بعد المعرفة الصحيحة بالمعبود تعالى، وإلا صارت الرياضة رهبنة باطلة كما حصل لبعض الطوائف. ولذلك يخرج في كتاب الرياض المونقة طريق الصوفية من طرق أهل النظر.[73]

وفي اعتقادات فرق المسلمين والمشركين وصف طريق الصوفية بأنه حسن، ومعتبر ضمن الطرق الموصلة للحق، بل اعتبرهم خير فرق الآدميين، إلا أنه كان يقصد إحدى فرقهم الخمس وهم أصحاب الحقيقة، الذين تكون التصفية عندهم لاحقة للنظر لا مستغنية عنه؛ أولئك الذين إذا فرغوا من الفرائض لم يشتغلوا بنوافل العبادات، بل بالفكر وتجريد النفس من الأهواء والشهوات، وإشغال السر بذكر الله. وبناء على هذا الشرط المتعلق بوجوب التفكر والنظر لأجل معرفة الله يرفض مسلك الطرق الصوفية الأخرى: أصحاب العبادات، وأصحاب العبارات، والحلولية، والنورية.[74]

وباستقراء مجمل الطرق الموصلة إلى معرفة الله، يمكن التمييز حسب الرازي بين خمسة، وهي: الأول طريق أصحاب المعارف القائلون إن معرفة الله ضرورية غير مكتسبة أصلا، وحاصلة لكل الناس حتى المنكرين منهم؛ وقد نسب هذا الرأي إلى أبي عثمان الجاحظ (ت. 255هـ/868م) من المعتزلة.[75] الثاني طريق الصوفية؛ الثالث طريق الباطنية التعليمية؛ الرابع طريق الحشوية؛ الخامس طريق أهل النظر. وقد أخرج سائر هذه الطرق من جملة أصحاب النظر وأبقى على الخامس الذي يضم ”الجمهور الأعظم من أهل العلم، وتندرج فيه الفلاسفة، والصابئة، والبراهمة، وأكثر أرباب الكتب والأديان.“[76] ورغم أن الرازي نصب نفسه ضمن جملة الذابين عن عقيدة أهل السنة والجماعة في وجه الفلاسفة، وذكر في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين أنه لأجل الرد عليهم ألف مجموعة من أهم كتبه، فإنه جعل نفسه، وسائر المتكلمين ونظار الأمم والملل الأخرى، في نفس الصف مع الفلاسفة في التأكيد على مشروعية استعمال العقل في الإلهيات.

ثالثا: لزوم حصول العلم عن النظر

من نازع في مشروعية النظر بأن أنكر وجوده كلية كما هو الحال مع السفسطائيين، أو أنكره كلية في العقائد كما هو الحال مع الحشوية، فهو غير معني أصلا بسؤال: هل النظر الصحيح يفيد العلم اليقين في الإلهيات أم لا؟ أما المعترفون بالفكر النظري الاستدلالي في الإلهيات، فقد وقع الخلاف بينهم حول مدى إفادته اليقين. فإن هناك من اعترف بالنظر لكن من غير أن يجعله مفيدا للمقصود منه وهو تحصيل العلم؛ فهؤلاء انتقل نقاش الرازي معهم حول مشروعية النظر إلى مستوى أخص من السابق؛ نلخصه في السؤال التالي: هل يفيد النظر العلم اليقيني في الإلهيات أم يكتفي بالظن؟ وقد أكد التفتازاني (ت. 792هـ/1390م) منظور الرازي هذا لمحل النزاع قائلا: ”قال الإمام [الرازي]: لا نزاع في أن النظر يفيد الظن، وإنما النزاع في إفادته اليقين.“[77] كما أكد التهانوي (ت. 1158هـ/1745م) إجماع المعترفين بمشروعية النظر على إفادته الظن، قائلا: ”لا اختلاف في إفادة النظر الصحيح الظن بالمطلوب، وأما في إفادته العلم به فقد اختلف فيه؛“[78] ثم وصف المعترفين بإفادته اليقين بأنهم هم الجمهور.

ومن منطلق خلفيته الكلامية، يدقق الرازي محل النزاع هذا ليؤكد بأن المسائل المعنية بالنظر فيها نظرا يقينيا أو ظنيا لا تشمل سائر مسائل الإلهيات، بل تخص البعض منها وهي تلك المتعلقة بأصول العقائد دون فروعها، أو ما سمي بالعقليات دون السمعيات التي تكتفي بالدليل النقلي. ويبدو أن الرازي يتبنى المعيار الذي اعتمده المعتزلة والأشاعرة من قبل في التمييز بين الأصول والفروع، فيقول: ”فالأصل كل ما ينبني عليه غيره، وكل ما لا يمكن إثبات شرع محمد عليه السلام إلا بعد إثباته، فهو من أصول الدين؛ نحو العلم بأن للعالم صانعا مختارا يصح منه الإرسال.“[79] وقد انتبه الرازي إلى أن هذا المعيار يجعل مباحث مثل أحكام الجوهر، والعرض، والصفات، والرؤية، والوعد والوعيد، والإمامة، من الفروع؛ غير أنه فسر إدراج المتكلمين إياها ضمن الأصول بشرفها، أي من باب تسمية الشيء بأشرف أجزائه، وبكون البحث العميق في الأصول أفضى إليها. فالرازي يتابع المتكلمين في كون الفروع أو السمعيات غير معنية بوجوب النظر، لأنه ليس للعقل دخل في إيجابها، إلا أن يثبت جوازها العقلي وانتفاء امتناعها.

فبعد أن تأكدت مشروعية النظر ووجوبه، وتبين أن معرفة الله لا تتم إلا بالنظر العقلي، صار الرد على مذاهب المشككين في إفضائه إلى العلم واجبا وجزءا من علم الكلام، بل ومقدما على النظر في أصول العقائد؛ فما الدليل عند الرازي على وجود النظر المفضي إلى اليقين في العقائد؟ وكيف رد على مذاهب المنكرين له؟

والمذاهب في هذه المسألة ثلاثة حسب الرازي: مذهب من ينكر إفادة النظر العلم مطلقا في الإلهيات وغيرها، ومذهب من يعترف بإفادته العلم في الرياضيات واكتفائه بالظن في الإلهيات، ومذهب أصحاب النظر المعترفين بإفادته العلم مطلقا في الإلهيات وغيرها؛ أما الحشوية فلا حديث له معهم هنا لأنهم منكرون النظر في العقائد كلية؛ كما لا حديث مع السفسطائية في هذا المقام لأنهم منكرون حتى المبادئ التي يقوم عليها النظر؛ فلا معنى إذن لأن يُتوجه لهاتين الفرقتين بالسؤال: هل يفيد النظر العلم اليقين أم يكتفي بالظن؟

وقد أكد الرازي في المحصل ونهاية العقول والمعالم والرياض المونقة أن الفكر الصحيح المفضي إلى العلم في الإلهيات موجود، وذكر أن هذا هو مذهب السواد الأعظم من النظار إسلاميين وغيرهم، فلاسفة ومتكلمين؛[80]وعوَّل لإثبات دعواه على البداهة، لأن من عرف حقيقة النظر علم ضرورة إفضاءه للعلم، فإن حصول العلم بالنتيجة عن المقدمات اليقينية المرتبة يتم ضرورة وبداهة، ولا يحتاج إلى نظر آخر. والنظر الذي يعنيه هو التفكير المتضمن لأربعة علوم كل واحد منها بديهي: أولها العلم البديهي بالمقدمات وهي حاصلة في الذهن مرتبة؛ وثانيها العلم البديهي بصحة ترتيبها؛ وثالثها العلم البديهي بلزوم المطلوب عن تلك المقدمات؛ ورابعها العلم البديهي بأن اللازم عن العلوم البديهية بديهي بدوره. فمن حصلت له هذه العلوم البديهية علم ضرورة صحة مطلوبه؛ فإنا إن قلنا مثلا: هذا العالم حادث؛ وكل حادث محتاج ضرورة للمؤثر؛ علمنا بالضرورة حاجة العالم للمؤثر. وإنما عول على البداهة في إثبات هذا المطلوب حتى لا يستدل بالنظر على النظر ويلزمه الدور.

وهكذا فالمنكرون لإفادة النظر العلمَ فريقان: أولهما المنكر لذلك في جميع العلوم، وهم المسمون بالسمنية، وثانيهما المنكر لذلك في الإلهيات دون الرياضيات. أما السُّمْنية[81] فإن المستفاد من كلام الرازي أنهم معترفون بالقضايا الحسية والبديهية،[82] إلا أنهم ينكرون أن يكون نظر الفكر فيها مفضيا إلى حصول العلم اليقيني مطلقا، من غير تمييز لهم بين إلهيات ورياضيات وطبيعيات. ونقل الرازي عن السمنية أنهم احتجوا على دعواهم بما يلي: الحجة الأولى: أننا إذا تفكرنا وحصل لنا عقب ذلك الفكر اعتقاد، فإنّ عِلْمنا بأن ذلك الاعتقاد علم، لا يمكن أن يكون علما ضروريا، وإلا لما اختلف فيه، ولا علما نظريا، وإلا لأفضى إلى التسلسل. ويجيب الرازي بأن ذلك الاعتقاد علم ضروري، لأن الناظر متى استجمع الشروط الأربعة أعلاه، علم ضرورة أن ما حصل له علم. الثانية: قالوا: المطلوب إن كان معلوما فإنه لا يطلب، وإن كان مجهولا فإن علم بعد ذلك فكيف يعلم أنه هو الذي كان مطلوبا؟ وحل هذا الاعتراض حسب الرازي أن المطلوب بالنظر يكون معلوم التصور مجهول التصديق، ومهمة النظر هي التصديق الجازم. الثالثة: قالو: إنَّ فكرنا يتشبث بدليل ما زمانا، ثم يظهر له ضعفه فيستبدله بثان، وهذا الثاني يسري عليه ما يسري على الأول، وهكذا دواليك، فلا يستقر فكرنا على دليل أبدا؛ ويجيب الرازي بجواب يصفه الطوسي (ت. 672هـ/ 1274م) بأنه جدلي، ومضمونه أن الحس الذي تعترفون بحكمه يلزمه هو بدوره نفس الاعتراض؛ والجواب الحق يقول الطوسي أن يقال بأن غلط العقل في بعض أحكامه لا يلزم عنه الغلط في الكل. الرابعة: قالوا: العلم بمقدمتين اثنتين دفعة واحدة ممنوع، لأن الذهن لا يتوجه إلا إلى مقدمة واحدة، وذلك يمنع إنتاج العلم؛ ويرد الرازي بأنه لا امتناع في اجتماع علمين دفعة واحدة كما في القضية الشرطية فإنها مركبة من قضيتين.[83]

أما الفريق الثاني من المنكرين حصول العلم اليقين عن النظر فينقسمون بدورهم حسب الرازي إلى فريقين: الأول يضم من سماهم ”المهندسون“ فإنهم يشككون في قدرة الفكر على إفادة العلم اليقين في الإلهيات، ويعترفون به في الرياضيات؛ الثاني هم الباطنية، ويتفقون مع المهندسين في مقالتهم، غير أنهم يزيدون عليهم بالقول بإمكان تحصيل العلم اليقين في الإلهيات من طريق آخر غير النظر هو طريق الإمام. ويشترك الفريقان في الاحتجاج على دعواهم بالقول بأن منتهى قدرة العقل في الإلهيات هو تحصيل الأولى والأخلق، وأما اليقين المانع من الظن والاختلاف فلا سبيل إليه، لأن من عرف شروط المعرفة البرهانية بمقدماتها وكيفية ترتيبها كما وضعها المناطقة علم امتناع الوفاء بها في الإلهيات. ومما يزكي امتناع تحصيل العلم في الإلهيات، أن أهل الحساب والهندسة قلما يخالف بعضهم البعض، وحتى إن اختلفوا فيظهر لهم الحق سريعا؛ أما في العلوم الإلهية فقلما نظفر باتفاق شخصين على رأي واحد؛ وحتى أقرب المعارف إلى الإنسان ألا وهي نفسه، فإنهم اختلفوا في هويتها بين من اعتبرها هي الجسم المحسوس عينه كما ذهب إلى ذلك بعض المتكلمين، ومن اعتبرها أجزاء لطيفة سارية في البدن كالنظام (ت. 221هـ/ 836م) المعتزلي، ومن قال إنها جزء لا يتجزأ في القلب وهو قول ابن الراوندي (ت. 298هـ/911م)، ومن اعتبرها أجزاء تتعلق بها الحياة كمحققي المتكلمين، ومن حددها في النفس الناطقة وهو مذهب متأخري المتكلمين وجمهور الحكماء؛ وهذا الاختلاف دليل في نظرهم على عجز العقل عن النفاذ إلى مثل هذه الأشياء والجزم فيها.

ويضيف المهندسون، أن الحقائق الإلهية المتعلقة بذاته تعالى وصفاته غير متصورة للذهن أصلا لا تصورا ضروريا ولا تصورا نظريا؛ أما امتناع تصورها بداهة فلأنها ليس من التصورات البديهية، وأما كسبا فلأن الحقائق الإلهية بسيطة فيمتنع حدها لأنه لا حد إلا للمركب الماهية، أما الرسم فلا يفيد في معرفة الماهية؛ ولما امتنع تصور الحقائق الإلهية امتنع الحكم عليها بأحكام تصديقية.

والذين تبنوا هذه المقالة من المنتمين إلى الفريق الأول حسب الرازي هم جمع من الفلاسفة وجمع من متكلمي الإسلام؛ أما الفلاسفة فيذكر منهم أرسطو؛ فقد نسب في الرياض المونقة إلى أرسطو (384 ق.م/322 ق.م) مذهبا قريبا من هذا، بموجبه لا ينكر العلم الإلهي مطلقا لكن ينكر تحصيل اليقين التام فيه؛ ونقل عن إبراهيم بن علي النصيبي المعتزلي عن أرسطو أنه قال: المقصد الأقصى في الأمور الإلهية هو الأخذ بالأولى والأخلق، أما الجزم المانع من النقيض فلا سبيل إليه.[84]أما الإسلاميون من أهل هذه المقالة فقد انسلخوا حسب الرازي عن سائر المذاهب والأديان وأنكروا النبوة، وذكر أن أصحاب هذه المقالة هم: عمر بن زياد البصري المعروف بأبي حفص الحداد، وعبد الله بن محمد الناشي، وأبي سعيد الحسن بن علي البصري المعروف بالحصري.

أما الباطنية فإنهم وإن وافقوا الفريق السابق في التشكيك في قدرته العقل على تحصيل العلم في الإلهيات، فإنهم استدركوا وقالوا إنه إذ لم يكن كافيا لوحده فبإمكانه ذلك إذا عضده مرشد معصوم؛ فقالوا إنه لا بد في الإلهيات من المعصوم سواء كان رسولا أو إماما. ونظرا لاعتمادهم على الثقة في قول الإمام صنفهم الرازي ضمن طريقة أهل السمع. فبينما يذهب أهل النظر من الإسلاميين إلى أن دعوة النبي ذاتها تحتاج إلى النظر لإثبات ما تدعو إليه من عقائد، يذهب هؤلاء إلى أن نظر العقل واجب لكنه غير كاف ولا يغني عن تزكية الإمام المرشد. ويؤكدون أنهم لا ينازعون في وجوب النظر بل في كفايته؛ وينقل الرازي عنهم قولهم: ”إنا لا نقول إن مجرد قول الإمام يفيد العلم، وأنه لا حاجة إلى العقل والنظر والاستدلال، بل نقول إن نظر العقل وحده لا يكفي، بل لا بد من الإمام المعصوم لينبه على الدليل والشبهة، والعقل وحده غير مستقل بذلك لنقصانه. وإذا وجد المعلم الصادق أرشد المتعلم إلى الدليل وأجاب عن الشبهة، فحينئذ يدرك المتعلم بعقله صحة الحق وفساد الباطل.“[85]

ويؤكدون أنه لو كان المعلم وحده كافيا، لكان خلق العقل عبثا، ولكان تكليف الإنسان مثل تكليف الحيوان، ولو كان العقل وحده كافيا لكانت البعثة عبثا. ويقولون إن الدليل على عدم كفاية العقل، ما نراه من الخلاف المستمر بين مذاهب أهل العالم في سائر المسائل الاعتقادية؛ كل واحد منهم جازم برأيه حتى إذا احتكموا إلى عقولهم وتناظروا لم يتفقوا على الحق بل كان السيف حاكمهم، ولو كان العقل كافيا لكفوا شر الخلاف والسيف، فلا مخرج لهم إذن إلا الإمام المعصوم.

واحتج جمهور الأشاعرة والمعتزلة على فساد دعواهم، بالقول بأننا لكي نميز الإمام الحق من الكاذب نحتاج إلى إمام آخر ويلزم التسلسل، فلا مخرج إذن إلا بالعقل، فدل ذلك على استقلاليته. وينتقد الرازي في المحصل هذه الحجة التي اعتمدها هو نفسه في النهاية، ويصفها بالضعيفة؛ لاحتمال أن يجاب عنها بالقول إن عقل النبي والإمام أكمل من عقولنا فيستقل بإدراك الحقائق، أما عقولنا فتحتاج بسبب نقصها إلى الإمام. والحجة الثانية التي اعتمدها جمهورهم لإبطال دعوى الباطنية هي أننا لا نعلم صدق المعلم إلا بعد أن نعلم أن الله صدَّقه بالمعجزة، ولو توقف علمنا بالله على قول المعلم للزم الدور؛ ويصفها الرازي كذلك بالضعيفة، لأن الدور يلزم من يقول إن العقل معزول مطلقا والإمام وحده كاف لإفادة العلم؛ والحال أن الباطنية لا تقول ذلك حسب الرازي، بل تقول إن عقلنا ضروري، إلا أنه غير كاف فيحتاج ضرورة للمعلم، وبقوة عقولنا وتعليم المعلم ندرك العلم، ومن جملة ما يعلمنا إياه المعلم صدقه، وبذلك يرتفع التسلسل. كما ينتقد الرازي مسلك الغزالي في القسطاس المستقيم في نقده لمذهب الحسن بن صباح، لأنه في رده اكتفى ببيان أن المعلم غير كاف وأن العقل ضروري؛ والحال أن ابن صباح لم يدَّع أنه لا حاجة إلى العقل أصلا، بل ادعى أن العقل وحده غير كاف وأنه لا بد من المعلم المعصوم الذي يرشده إلى الأدلة ويجيب عن الشبهات؛ فكان الأولى بالغزالي حسب الرازي لأجل إبطال دعوى الخصم أن يبين ”أن العقل كاف ولا حاجة إلى المعلم.“[86]

وبناء عليه فالرد على الباطنية في نظره لا يتأتى فقط بإثبات ضرورة العقل، بل وكفايته وغناه عن المعلم المرشد؛ والمعتمد في الرد عليهم في نظره هو التأكيد على أن من نظر نظرا صحيحا حصل له العلم ضرورة وخرج من الشك والحيرة، سواء كان له معلم أو لم يكن؛ فمن علم أن العالم ممكن وأن لكل ممكن مؤثرا، علم أن للعالم مؤثر. وما حكاه الباطنية والسمنية من اختلافات الخلق في الحق، لا يدل في نظره على امتناع الوصول إلى الحق في الإلهيات بالعقل، بل يدل فقط على صعوبته، ومن أتى بالنظر على الوجه المطلوب، تخلص مما وقع فيه الناس من الاضطراب.أما دعواهم أن المعلم يكمِّل عقل الطالب فيكون نظره ناقصا، فيجيب عنها بالقول إنه إن كان المقصود منها أن العقائد الحاصلة للطالب بعد اكتمال عقله لازمة عن المقدمات العقلية فذلك هو النظر عينه؛ أما إن كان المقصود بها أن تلك العقائد غير لازمة عنها، فالأمر يتعلق حينئذ بعقائد تقليدية؛ فيرجع محصول دعواهم إلى مذهب الحشوية. فدعوى الأنبياء وأقوال المدعين للحق لا يمكن التحقق منها في كل الأحوال إلا بحجة تنضمُّ إليها فتؤيدها وتميزها عن غيرها، فكان النظر واجبا.[87]

ويعتقد الرازي أن الباطنية وإن كانوا مصرحين بوجود العلم بالعقائد، فإنما يفعلون ذلك تظاهرا بالإسلام، وإلا فمقصودهم هدم الشريعة ونفي الصانع والقيامة وإنكار الملل؛ وقد كان الفساد اللازم على الدين منهم أكثر من غيرهم، ولذلك يصفهم في المحصل بالملاحدة، ويدرجهم في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ضمن الذين يتظاهرون بالإسلام وإن لم يكونوا مسلمين. كما أنهم بتوقيفهم الحق على إمام غائب إنما يكونوا قد أوقفوه على شرط متعذر، والموقوف على شرط معدوم يكون معدوما مثله؛ فيؤول حاصل دعواهم في نظره إلى إبطال جميع الشرائع والأديان والمذاهب والملل.[88]

رابعا: مصدر اللزوم بين النظر والعلم

بعد التسليم بأن النظر الصحيح يفيد العلم اليقيني، يطرح إشكال متعلق بالمصدر الذي يستمد منه النظر القوة على إفادة اليقين، أو الكيفية التي بها يفيد النظر العلم؟ وهو إشكال أخص من السابق لأن النقاش ينحصر فيه بين المعترفين بإفادة النظر العلم؛ فبعد أن اتفق النظار على وجوب حصول العلم عن النظر الصحيح اختلفوا بعد ذلك في مصدر ذلك الإيجاب، بين من جعله ذاتيا، ومن جعله توليدا، ومن جعله عادة، ومن جعله عقليا؛ فالمذاهب في العلاقة بين الدليل والعلم أربعة: أولها مذهب الشيخ الأشعري القائل بحصول العلم عقب النظر عادة؛ وثانيها مذهب المعتزلة القائلين بتوليد النظر للعلم بالقدرة الحادثة؛ والثالث مذهب الفلاسفة الذين جعلوا النظر في الدليل علة مؤثرة في حصول المدلول؛ والرابع ما ذهب إليه الجويني من أن المدلول لازم عقلا عن الدليل.[89] فما موقع الرازي من هذه المواقف التي كانت موجودة قبله؟ وهل يعتبر موقفه امتدادا لموقف الأشعري؟ أم أنه موقف مستقل ومخالف لأصول الأشاعرة؟

بعد أن نسب المعتزلة أفعال العباد الاختيارية إليهم قالوا إن العلم يحصل بعد النظر بالتوليد، ومعنى التوليد عندهم ”أن يوجب فعل لفاعله فعلا آخر كحركة اليد والمفتاح؛“[90] ذلك أنهم ميزوا بين ما يصدر عن الإنسان بمباشرته، وما يصدر عنه بالتوليد، فالنظر حاصل بالمباشرة، ويتولد عنه فعل آخر هو العلم. أما الفلاسفة وخاصة الفارابي وابن سينا، فتبنوا مفهوم الفيض في تفسير كيفية صدور العلم عن العقل النظري، فقالوا إن واهب العلم؛ أي العقل الفعال فاعل موجب غير مختار وهو عام الفيض، فيفيض بالمعقولات على كل ذهن مستعد لقبولها؛ والنظر عندهم يُعِد الذهن لتلقي العلم، فيفيض عليه العلم وجوبا من العقل الفعال الوسيط بين واجب الوجود والإنسان.

فالتوليد عند المعتزلة والإعداد عند الفلاسفة هما ما يبرر كون الإنسان ناظرا مفكرا منتجا للعلم، أي فاعلا مستقلا وليس مجرد متلق لعلم آت من مصدر آخر. وبهذا يكون الفريقان، مع إقرارهما بالأثر الإلهي في التفكير المنتج للعلوم، قد حرصا على تأمين شروط إنتاج المعرفة العلمية من داخل الإنسان ذاته. غير أن الأمر قد يكون مختلفا عند الأشاعرة، فإنهم مع تشديدهم على مشروعية النظر وقدرته على إنتاج العلم عادوا فنسبوا حصول العلم لله، وأنكروا أن يكون الإنسان علة تامة لأفكاره، الأمر الذي قد يظهر أنه إلغاء للنظر ذاته.

وقد أنكر الأشاعرة التوليد والعلية، ونسبوا كل المخلوقات إلى الباري ابتداء من غير وساطة مؤثر آخر؛ ولما كان العلم أحد المخلوقات، أخضعه شيخهم لنفس القاعدة قائلا: إن حصول العلم بعد النظر بطريق جري عادة الله على خلق العلم عقيب النظر من غير لزوم عقلي؛[91]وما حمله على هذا هو اعتقاده أن كل الممكنات مستندة إلى الله ابتداء من غير واسطة، وأنه تعالى فاعل مختار لا يجب عليه شيء؛ فالعلم والنظر كلاهما مخلوقان لله، وليس للنظر مدخل في وجود العلم بل يصدر العلم عنه بإرادته بلا واسطة شيء آخر من الممكنات؛ فإذا تكرر صدور العلم عن النظر دائما كان ذلك بإجراء العادة، وإن لم يتكرر فالأمر يتعلق بخرق للعادة.

وإذا كانت علاقة التلازم بين النظر والعلم تعد أساس المعرفة العلمية النظرية، وكان مفهوما التوليد والتهييء يؤمنان هذه العلاقة في نظر المعتزلة والفلاسفة، فإن مفهوم الاقتران الأشعري قد يواجه إشكال اللزوم، الأمر الذي قد يتخذه البعض دليلا للطعن في أصل الدعوى الأشعرية القائلة بأن النظر الصحيح يفيد العلم اليقيني. وقد ذكر الرازي في نهاية العقول[92] أن بإمكان المنكرين لكون النظر مفيدا للعلم أن يحتجوا على دعواهم بموقف الأشعري قائلين: مادام العلم يحصل عند الأشاعرة بخلق الله، وأنه لا تأثير للأدلة في حصول العلم، وأن العلم غير لازم للنظر، فمعنى هذا أن النظر غير مفيد للعلم. وفي ما يشبه الإقرار بصلابة هذا الاعتراض، ولأجل الجواب عنه، ولرفع الإلزام عن الأشاعرة، صرح الرازي أن جمهور الأشاعرة استدركوا على شيخهم وقالوا إن النظر يتضمن العلم، وفسروا التضمن بملازمة العلم للنظر؛ وبمفهومهم هذا للتضمن والملازمة يكونون قد أكدوا ضرورة حصول العلم عن النظر.

وبعد إقراره الضمني بضعف موقف الأشعري أمام المشككين في وجوب حصول العلم عن النظر، اختار الرازي بخصوص كيفية إفادة النظر العلم ما اعتبره موقف جمهور الأشاعرة القائلين بالملازمة، وصرح قائلا: ”الأشعري وإن كان مذهبه أن حصول العلم عقيب النظر بإجراء العادة، إلا أن جمهور أصحابه يقولون: النظر الصحيح يتضمن العلوم، وفسروا التضمن بملازمة العلم النظري للنظر ، وفسروا النظر بالتردد في أنحاء العلوم الضرورية، فنحن نقول بهذه الملازمة.“[93] وأكد مفهوم الملازمة هذا قائلا: ”الصحيح أن النظر مستلزم للعلم بالنتيجة، لما ذكرنا أن مع حصول تينك المقدمتين يمتنع أن لا يحصل العلم بالمطلوب.“[94] وزكى موقفهم هذا بأن أضاف إليه مفهوم الوجوب، مستندا في ذلك إلى موقف أبي الحسين البصري المعتزلي (ت. 436هـ/ 1044م)، الذي مدحه بكونه هو الرجل في المعتزلة، ونسب إليه أنه يقول: ”هذه العلوم الضرورية [المقدمات] توجب العلم النظري.“[95] وقد استعمل الرازي مفهوم الوجوب ليشرح موقفه، مبينا أنه وبسبب كون النظر موجبا لحصول العلم سمى الدليل موجِبا، والمدلول موجَبا، والعلاقة بينهما علاقة إيجاب؛ يقول: ”حاصل الكلام في النظر أن يحصل في الذهن علمان، وهما يوجبان علما آخر. فالتوصل بذلك الموجِب إلى ذلك الموجَب المطلوب هو النظر، وذلك الموجِب هو الدليل.“[96] وضرب مثالا لذلك بالاستدلال بمماسة النار على حصول الاحتراق، أو الاستدلال بالاحتراق على مماسة النار.

وبخصوص الدليل على هذا اللزوم، قال إنه معلوم بداهة من غير حاجة للدليل، لأن من علم أن العالم متغير، وأن كل متغير حادث، لزم ضرورة من هذين العلمين أن يحصل له علم ثالث بكون العالم حادثا. فالعلم بالنتيجة هو حصيلة لأربعة علوم كلها بديهية؛ فـ ”من حصلت له هذه العلوم الأربعة فإنه لا بد أن يحصل له العلم بصحة المطلوب، فثبت أنه من تصور حقيقة النظر الذي ندعي إفضاءه إلى العلم علم بالضرورة إفضاءه كذلك.“[97] فحصول العلم عن النظر الصحيح يرقى عنده إلى مقام الضرورة التي لا تتخلف ويكون واجب التصديق، ولا يمكن الطعن فيه؛ نعم يمكن للإنسان أن يخطئ في العلم النظري ولكنه ”لا يمكنه أن يعتقد اعتقادا يناقض العلم الضروري،“[98] والعلم بلزوم العلم عن النظر من هذا الصنف.

ورغم قوله باللزوم إلا أنه أنكر أن يكون للنظر تأثير ذاتي في العلم الناتج عنه، معللا ذلك بإسناد كل الممكنات إلى الباري ابتداء من غير وساطة، على اعتبار أن ”المؤثر ليس إلا الواحد وهو الله سبحانه؛“[99] وبكونه يؤثر على سبيل الاختيار؛ وبذلك فهو يرفض التصورين الاعتزالي والفلسفي، ويعتبر قول المعتزلة بالتوليد والفلاسفة بالإعداد بمثابة إثبات واسطة بين الله وبين حصول العلم. فهو وإن استعمل مصطلحات التضمن واللزوم والإيجاب فإنه يؤكد على معناها العقلي؛ فالنظر الصحيح عنده وإن كان يستلزم العلم فليس من حيث هو علة له، فلا يوجده ولا يُوَلِّده ولا يوجبه إيجابا ذاتيا؛ ويؤكد أن الله هو الخالق للدليل والمدلول والضامن للاطراد بينهما، ”فمتى خلق الله تعالى تلك العلوم الضرورية كان ذلك العلم النظري حاصلا لا محالة.“[100]

ورغم استناده إلى مفهومي اللزوم والوجوب لتأمين حصول العلم عن النظر، فإنه بعد ذلك يمكن الاعتراض عليه عن دور الإنسان في فعل النظر؛ فرب معترض يتساءل: ألا يكون إسناد حصول العلم إلى الله، مع رفض أن يكون الإنسان علة ذاتية لذلك الحصول، كأنه إلغاء لفعل النظر ذاته؟ هنا يتمسك الرازي بأشعريته موضحا بأنه لا تنافي بين صدور العلم عن الله اختيارا، وبين كونه واجبا وجوبا عقليا عن نظر الإنسان؛ لأن الإرادة الإلهية هي مصدر الأثر (العلم) وفي الآن نفسه الضامن لوجوب حصوله عقب السبب (الفكر). بل إنما يحصل التنافي عنده لو كان حصول العلم يلزم عن غير الإرادة الإلهية؛ وهكذا جوّز، بحسب تعبير شمس الدين الأصفهاني (ت. 749هـ/1349م)، أن ”يكون الأثر الصادر من الفاعل بالاختيار، واجبا بالاختيار.“[101]

وبذلك رام في تفسيره لكيفية حصول العلم عن النظر الإبقاء على معنى اللزوم، مع فصله عن التوليد والعلية؛ ثم التمسك بالأصلين الأشعريين: إسناد كل أثر إلى الله، والقول بأنه مختار لا يجب عليه شيء. لكن إلى أي حد يعتبر اجتهاده هذا موافقا لأصول الأشعرية؟ وهل هو حقا امتداد لما ذهب إليه الباقلاني والجويني وجمهور الأشاعرة؟

ميز الرازي في الأشعرية بين رأيين: رأي الأشعري القائل بالاقتران، ورأي جمهور أصحابه القائلين باللزوم، ثم ضم رأيه إلى الجمهور؛ غير أن الكثير من الأشاعرة بعده فصَلوا رأيه عن الفريقين معا واعتبروه مذهبا مغايرا لمذهب الأشاعرة ومذهب شيخهم. فبعد أن حصر الإيجي والشريف الجرجاني المذاهب في هذه المسألة في ثلاث، قالا بأن ”ههنا مذهب آخر اختاره الإمام الرازي؛“[102] ومقتضاه أن العلم الحاصل بعد النظر واجب الحصول عقلا عن النظر من غير أن يتولد عنه، واعتبراه مذهبا مغايرا لمذهب جمهور الأشاعرة. وعلق الإيجي على هذا المذهب بأنه لا يستقيم مع تمسك الرازي باثنين من أصول الأشعرية هما: القول بإسناد كل الممكنات إلى الله، وبأنه فاعل مختار غير موجب في ما يصدر عنه؛ فهو مناقض لهذين الأصلين، لأن عند الأشاعرة لا وجوب عن الله خلافا للفلاسفة، ولا وجوب عليه خلافا للمعتزلة.

ورغم أن الرازي دافع عن أشعرية موقفه في هذه المسألة، بأن أكد أن العلم حاصل وجوبا لكن من غير توليد، وفسر الوجوب بأنه عقلي منطقي من غير أن يكون فيه إيجاب شيء على الفاعل المختار، وفسر نفي التوليد بكون النظر مستند إلى الله ابتداء؛ فإن الإيجي حكم بعدم صحة أشعرية هذا الموقف لمخالفته الأشعري في أصلين: أحدهما إسناد كل الممكنات إليه تعالى ابتداء، إذ لم يسند العلم إليه ابتداء بل أسنده إليه بوساطة النظر الموجب له، فيكون التوليد لازم له وإن أنكره؛ والثاني كونه تعالى فاعلا مختارا يصح عنه الفعل والترك ولا يجب عليه شيء، بأن أثبت الوجوب عليه تعالى، لأن مقتضى قوله بوجوب صدور العلم عقيب النظر، هو وجوب صدوره عن الله بعد النظر. فيكون الرازي بهذا إما أثبت الوجوب على الله بوساطة بعض الممكنات، كما فعلت المعتزلة عندما أثبتت وجوب الأصلح عليه تعالى، وإما أثبت الوجوب عن الله كما فعل الفلاسفة الذين أوجبوا صدور العلم عنه بوساطة الإعداد؛ كما يكون في موقفه متناقضا لكونه يتبنى من جهة الوجوب العقلي، ويتمسك من جهة أخرى بإسناد العلم لله ابتداء واختيارا.[103]

وقد خفف الجرجاني من حدة هذا النقد، وذهب إلى أن مذهب الرازي يتنافى مع أصل واحد، هو إسناد كل الممكنات إلى الله ابتداء، ونبه إلى أن أشعريته لا تصح إلا مع رفع قيد إسناد كل الممكنات إلى الله ابتداء، وتجويز أن يكون لبعض آثاره مدخل في البعض الآخر كما هو الأمر مع التوليد عند المعتزلة. وأوضح أن هذا المذهب لا يتنافى مع الأصل الثاني، وهو إسناد العلم إلى الفاعل المختار، لأن وجوب الفعل (العلم) لا ينافي قدرة الفاعل المختار على ذلك الفعل، إذ يمكنه أن يوجده بإيجاد ما يوجبه (النظر)، ويتركه بترك ما يوجبه؛ وذلك بأن يقال: ”النظر صادر بإيجاد الله تعالى وموجب للعلم بالمنظور فيه إيجابا عقليا بحيث يستحيل أن ينفك عنه؛“[104] لكن لا يكون في هذه الحالة تأثير قدرة الله في العلم ابتداء كما هو الشأن عند الأشعري بل بوساطة النظر. فالقول بإيجاب العلم لا ينافي إسناده إلى قدرة الله ومشيئته حسب الجرجاني، ولكن ينافي إسناده إلى قدرة الله ابتداء؛ ولا يصح القول به إلا مع رفع قيد الابتداء وتجويز أن يكون العلم متولدا عن النظر الصادر عن الله ابتداء، فيلزم الرازي تجويز التوليد في أفعاله تعالى وإن صرح بخلافه.[105] وكأن الرازي حسب هذا النقد نقل التوليد من دائرة الفعل الإنساني إلى دائرة الفعل الإلهي ووظفه في تفسير العلاقة بين العلم والنظر. ورغم أن الباقلاني والجويني (ت. 478هـ/ 1085م) قالا باستلزام النظر العلم على سبيل الوجوب من دون توليد، إلا أن ما ذهب إليه الرازي مخالف لهما حسب الجرجاني، لأن ”مرادهما [الباقلاني والجويني] الوجوب العادي دون العقلي، أما وجوبه [الرازي] عقلا.“[106]

وتوضيح الجرجاني بكون مذهب الإيجاب عند الرازي لا ينافي القول بإسناد العلم إلى قدرة الله ومشيئته، إنما هو تأكيد منه أن مذهبه هذا يبقيه مع ذلك بعيدا عن الفلاسفة الذين أسندوا للنظر دور الوساطة في إيجاد العلم؛ كما يبقيه بعيدا عن المعتزلة الذين أسندوا النظر إلى قدرة العبد، مقابل إسناد الرازي إياه إلى قدرة الله، لكن يقربه بعض الشيء منهم من جهة أنه جعل مثلهم حصول العلم واجبا ومتولدا عن النظر.

وفي الاتجاه المقابل ألحق التفتازاني مذهب الرازي بمذهب جمهور الأشاعرة خصوصا الباقلاني والجويني[107] ومن جاء بعدهما، وعزز رأيه بما نقل عن الغزالي من نسبة مذهب الوجوب إلى الأشاعرة فقال: ”وههنا مذهب آخر اختاره الإمام الرازي، وذكر حجة الإسلام الغزالي أنه المذهب عند أكثر أصحابنا، وهو أن النظر يستلزم العلم بطريق الوجوب الذي لا بد منه، لكن لا بطريق التوليد على ما هو رأي المعتزلة؛ وهذا ما نقل عن القاضي أبي بكر وإمام الحرمين أن النظر يستلزم العلم بطريق الوجوب، من غير أن يكون النظر علة أو مولِّدا.“[108] ودافع التفتازاني عن أشعرية هذا المذهب وانسجامه مع إسناد جميع الآثار إلى الفاعل المختار ابتداء، بالتأكيد على أن وجوب العلم وامتناع انفكاكه عن النظر، لا ينافي كونه أثرا لفاعل مختار يجوز منه الفعل والترك، ويصح منه أن لا يخلق اللازم (العلم) وملزومه (النظر)، لا بأن يخلق الملزوم من غير أن يخلق لازمه؛ وهذا كالحال في علاقة اللزوم بين سائر الممكنات كتصور الابن الذي يستلزم تصور الأب؛ وإنما يكون التلازم منافيا للفاعل المختار، بأن لا يكون قادرا على خلق النظر وملزومه. وقد فرَّق التفتازاني بين مذهب الأشعري ومذهب جمهور أصحابه بقابلية الانفكاك من عدمها، فقال: ”لزوم العلم عقلي عندهم [الجمهور] حتى يمتنع الانفكاك كتصور الأب لتصور الابن، وعادي عند الأولين، حتى لا يمتنع الانفكاك بطريق خرق العادة كالإحراق بالنار.“[109]

وقد أجاب جلال الدين الدواني (ت. 918هــ/1512م) في شرحه على العقائد العضدية عن اعتراض الإيجي والجرجاني الوارد أعلاه، وقال إن الرازي بمذهبه في وجوب العلم عن النظر، لا يلزمه مخالفة لا أصلين من أصول الأشعري كما ذهب إلى ذلك الإيجي، ولا أصلا واحدا كما ذهب إلى ذلك الجرجاني، لأن مضمون كلامه يفيد أن النظر والعلم واقعان معا بقدرة الله؛ وأوضح أن لزوم الثاني للأول لا يعني أن حصول العلم متوقف على النظر، إذ لو كان متوقفا عليه لكان النظر وسيطا في حصول العلم على ما هو مذهب التوليد والإعداد، ولحصلت حينئذ فعلا مخالفة الأشعري؛ بل يعني أن فعل الله الذي هو العلم، لازم لفعل آخر لله الذي هو النظر؛ واللزوم بهذا المعنى لا ينافي مذهب الأشعرى، يقول الدواني: ”محصول كلام الإمام الرازي أنه على هذا التقدير يكون العلم حاصلا بقدرة الله تعالى، ويكون لازما للنظر بحيث يمتنع تخلفه عنه عقلا، والنظر أيضا يكون حاصلا بقدرة الله تعالى، ولا يلزم من ذلك توقف حصول العلم على النظر، بل لزوم بعض أفعاله تعالى، وهو العلم، لبعض أفعاله وهو النظر. ومن البين أن الأشعري لا ينكر أن لبعض الأشياء لزوما عقليا مع بعض، مع أن الكل مستند عنده إلى الله تعالى ابتداء.[110]

وقد زكى إسماعيل الكلنبوي في حاشيته على شرح العقائد العضدية للدواني ما ذهب إليه هذا الأخير، وأكد أن مذهب الرازي موافق لأصول الأشاعرة وهو عين مذهب محققيهم. وفي معرض رده على كلام الجرجاني، أوضح أن مراد الأشعري من قوله ”ابتداء“ هو نفي أن تكون أفعاله تعالى مشروطة ببعض الممكنات على ما هو الحال في التوليد والإعداد، وليس نفي اللزوم مطلقا؛ على اعتبار أنه قائل ضرورة باللزوم العقلي بين بعض الممكنات، لأنه لا ينفي أن إيجاد العرض يستلزم إيجاد المحل، وإيجاد الجسم يستلزم إيجاد أجزائه التي لا تتجزأ. ويوضح الكلنبوي أن الوجوب المحذور هو أن يكون العلم موقوفا على النظر، وهو التوليد الممنوع، ويؤكد أن الرازي غير قائل به، ويستغرب نسبة هذا الأمر له متسائلا: ”كيف والإمام [الرازي] وهؤلاء الأعلام قائلون بأنه تعالى قادر على خلق العلم بأخفى النظريات بالإلهام بلا نظر أصلا.“[111] بمعنى أنه يصح على مذهب الرازي إيجاب العلم من الله مع ترك ما يوجبه (النظر). فأن يكون العلم واجبا بواسطة غير موقوف عليها وليس لها تأثير ذاتي، فهو وجوب غير محذور سواء سمي توليدا أو لا. وهكذا ميز الكلنبوي بين اللازم من الشيء وهو الوجوب الممنوع، واللازم للشيء وهو الوجوب غير الممنوع، ونبه إلى أن مراد الأشعري ليس نفي الوجوب مطلقا بل الوجوب الأول؛ فصرح قائلا: ”فالحق ههنا أن الأشعري لا يمكنه إنكار اللزوم العقلي بين الممكنات وإلا لزمه تجويز وجود العرض بدون الجوهر المحل.“[112] ومقابل فصل الإيجي والجرجاني مذهب الرازي عن الأشاعرة، وصله الدواني والكلنبوي بهم؛ وتابع المحشِّي الشارح في أن مذهب الرازي ليس بدعة خارجة عن أصول الأشعري، بل هو حمل لكلامه وفق مقتضاه وليس وقوفا عند ظاهره، وأنه ”لا يخالف شيئا من أصول الأشعري بل هو مذهب المحققين من الأشاعرة.“[113]

وبتبنيه للوجوب واللزوم يكون الرازي قد اجتهد في هذه المسألة قصد الوفاء في الآن نفسه لأصول الأشاعرة الذين يردون كل فعل إلى القدرة الإلهية ابتداء، وقاعدة اللزوم بين النتائج والمقدمات التي شدد عليها الفلاسفة والمعتزلة؛ وبينما يميل هؤلاء إلى تقريب النظر من العقل واعتبار النظر فعالية ذاتية لعقل الإنسان، يميل الرازي إلى تقريب النظر من مفهوم الاستدلال،[114] ولا يعتبر تفكير العقل علة للعلم بل أشبه بشرط له، لأنه يرد العلم إلى القدرة الإلهية بأن يعتبره عرضا حادثا عنها ابتداء.

خاتمة

وختاما يمكن أن نخلص إلى جملة من الخلاصات نجملها في ما يلي:

إن تصور الرازي لمفهوم النظر ينسجم مع تصور المدرستين الاعتزالية والكلامية؛ غير أنه كان أكثر وضوحا بأن حصر النظر في التصديقات النظرية الاستدلالية، وأخرج التصديقات البديهية، كما أخرج التصورات لأنها تقتنص بالحد من غير حاجة للاستدلال.

كما كان أكثر وضوحا بصدد صورة النظر ومنهجه، وذلك بعد أن صاغه في صورة قياسية برهانية، تنطلق من مقدمات عقلية كلية، تلزم عنها نتائج تكون هي نفسها العقائد الإيمانية؛ وبذلك يؤول النظر عنده إلى تفكير استدلالي تنتظم مقدماته وفق قياس منطقي وليس قياس الغائب على الشاهد.

إن مشروعية النظر العقلي داخل علم الكلام مؤكدة ومؤسسة، وهذه المشروعية نابعة من طبيعة الكلام وتقتضيها وظيفته؛ فعليها يتوقف العلم البرهاني بأصول العقائد، ومن آمن بيقين، ولم ينظر، فإنه وإن كان اعتقاده صحيحا فإنه مقلد. وهذا ما يجعل التفكير العقلي في مسائل الإلهيات يرقى إلى مستوى واجب شرعي على كل مكلف.

رغم أن الرازي جعل النظر واجبا على كل مكلف، فإنه ميز بين النظر التفصيلي الذي لا يجب إلا على النظار، والنظر الإجمالي الذي يجب على العامة.

لم يقبل مصادرة حق العقل في النظر البرهاني اليقيني في الإلهيات، سواء باسم الإمام كما كان الحال مع الباطنية، أو باسم النص الديني كما هو الحال مع بعض الحنابلة والمحدِّثين، أو بدعوى قصر اليقين على علوم الرياضيات والطبيعيات دون الإلهيات.

لا يقف دور النظر في التدليل على أصول العقائد، بل تقوم عليه حجية الشريعة بأكملها؛ فبعد أن اقتنع الرازي بفكرة الدور الاعتزالية، شدد على أنه لا يمكن درء الدور إلا بجعل العقل أصلا للسمع.

رغم إيمان الرازي القوي بدور العقل في العقائد، رسم له حدودا لا يمكنه تجاوزها، فأوكل العلم بفروع العقائد والفقهيات إلى الدليل السمعي؛ وشدد على أن التعويل على الدليل العقلي المستقل في السمعيات حمق وجهالة؛ ثم استدرك منبها إلى أن للعقل حق الحكم بالجواز في السمعيات، من غير حكم بالوجوب أو الامتناع.

إذا كان إعطاء الأولوية للعقل على النقل في أصول العقائد ليس بجديد، بل قرره المتكلمون سابقا، وكان اعتماد القياس المنطقي كآلية للاستدلال في الكلام قد قرره الغزالي من قبل؛ فإن الجديد عند الرازي على مستوى منظوره وممارسته للنظر الكلامي، هو الانفتاح على مقدمات الفلاسفة التي اعتمدوها في بناء أنساقهم الفلسفية. الأمر الذي مكنه إما من تعديل بعض مقدمات المتقدمين، كما هو الأمر عندما اعتبر الإمكان هو علة حاجة الحوادث إلى الفاعل تعالى بدل الحدوث، أو إدماج مقدمات فلسفية في علم الكلام كمفهوم ممكن الوجود، وواجب الوجود، وعرضية الوجود للماهية.

ورغم أن رهان المعقولية قد قاد الرازي إلى مزيد من الانفتاح على الفلسفة، وخلط الكلام بمباحثها، واعتماد القياس المنطقي منهجا للتفكير، فقد ظل محافظا لعقلانية علم الكلام على هويتها الأصلية، مميزا بين نظر المتكلم ونظر الفيلسوف؛ بحكم أن المعقولية بقيت معه موجهة أساسا نحو الاستدلال على العقائد التي جاء بها الوحي وأقرَّها السلف، ولم تتحول إلى مجرد تفكير حر في الوجود على غرار ما هو الحال عليه في الفلسفة.

Bibliography

ʿAbdu, Muḥammad. al-Aʿmāl al-kāmilah. 3 parts. Edited by: Muḥammad ʿImārah. Beirut: Dār al-Shurūq, 1993.

al-Āmidī, Sayf al-Dīn. Abkār al-afkār fī uṣūl al-dīn. Edited by Aḥmad Muḥammad al-Mahdī. Cairo: Dār al-Kutub wa-al-Wathāʾiq al-Qawmīyyah, 2004.

al-Aṣfahānī, Abū al-Thanāʾ Shams al-Dīn Ibn Maḥmūd Ibn ʿAbd al-Raḥmān. Maṭāliʿu al-anẓār ʿalā matn ṭawāliʿ al-anwār li-l-Byḍāwī: wa-maʿahu ḥāshiyat al-Sayyid al-Sharīf al-Jurjānī. Cairo: Dār al-Kutubī, 2008.

al-Ashʻarī, Abū al-Ḥasan. Risālat fī-istiḥsān al-khawḍ fī ʿilm al-kalām. Edited by Richard McCarthy. 2nd ed. Ḥaydar Abād: Dāʾirat al-Maʿārif al-Niẓāmīyyah.

al-Baghdādī, ʿAbd al-Qāhir. uṣūl al-Dīn, Istānbūl: Madrasat al-Ilāhīyāt bi-Dār al-Funūn al-Turkiyyah, 1928.

al-Bāqilānī, Abū Bakr. tamhīd al-Awāʾil wa-talkhīṣ al-Dalāʾil. Edited by ʿImād al-Dīn Aḥmad Ḥaydar. Beirut: Muʾassasat al-Kutub al-Thaqāfīyyah, 1987.

ـــــــــــــــ. al-Taqrīb wa-l-irshād (al-ṣaghīr). two parts. Edited By Abd al-Ḥamīd ibn ʻAlī Abū Zanīd. 2nd ed. Beirut: Muʾassasat al-Risālah, 1998.

al-Bayḍāwī, Nāṣir al-Dīn. Ṭawāliʿu al-anwār min Maṭāliʿi al-anẓār. Edited By ʿAbbās Sulaymān, Beirut-Cairo: Dār al-Jīl-al-Maktabah al-Azharīyyah li-l-Turāth, 1991.

al-Duwānī, Jalāl al-Dīn. Sharḥ al-ʿaqāʾid al-ʿAḍudīyyah. In Ḥāshiyat al-Kalanbawī ʿalā sharḥ Jalāl al-Dīn al-Duwānī ʿalā al-ʿaqāʾid al-ʿAḍudīyyah. Turkey: Dār al-Ṭibāʿah al-ʿĀmirah, 1900.

al-Fārābī, Abū Naṣr. Kitāb al-ḥurūf. Edited by Muḥsin Mahdī. Beirut: Dār al-Mashriq, 1986.

al-Ghazālī, Abū Ḥāmid Muḥammad ibn Muḥammad ibn Muḥammad. al-Iqtiṣād fī al-iʿtiqād. Edited by Ibrāhīm Akāh and Ḥusayn Atay. Ankara: Maṭbaʿat al-Nūr, 1962.

ـــــــــــــــ. al-Mustaṣfā min ʿilm al-uṣūl. Edited And translated by Aḥmad Zakī Ḥammād. 2 parts. Riyadh: Dār al-Maymān li-l-Nashr wa-al-Tawzīʿ, [undated].

al-Ījī, ʿAḍud al-Dīn ʿAbd al-Raḥmān Ibn Aḥmad. al-Mawāqif fī ʿilm al-kalām. Beirut: ʿĀlam al-Kutub, [undated].

al-Jurjānī, al-Sharīf. Sharḥ al-mawāqif wa-maʿahu ḥāshiyatā al-Siyālkūtī wā-al-jalabī ʿalā sharḥ al-mawāqif. 8 Part. Edited By Maḥmūd ʿUmar al-Dimyāṭī. Beirut: Dār al-Kutub al-ʻIlmīyah, 1998.

al-Juwaynī, ʿAbd al-Mālik. al-Burhān fī uṣūl al-fiqh. 2 parts. Edited By Abd al-ʿAẓīm al-Dīb. Doha: Maṭābiʿ al-Dawḥah al-Ḥadīthah, 1979.

ـــــــــــــــ. al-Irshād ilā qawāṭiʿ al-adillah fī uṣūl al-iʿtiqād. Edited by Muḥammad Yūsuf Mūsā and ʿAlī ʿAbd al-Munʿim ʿAbd al-Ḥamīd. Cairo: Maktabat al-Khānjī, 1950.

al-Kalanbawī, Ismāʻīl. Ḥāshiyat al-Kalanbawī ʻalá sharḥ Jalāl al-Dīn al-dawānī ʻalā al-ʻaqāʼid al-ʻAḍudīyah. Turkey : Dār al-Ṭibāʿah al-ʿĀmirah.1899.

al-Rāzī, Fakhr al-Dīn Muḥammad ibn ʿUmar. al-Ishārah fī ʿilm al-kalām. Edited by Muḥammad Ḥāmid Muḥammad. Egypt: al-Maktabah al-Azharīyyah li-l-Turāth, 2009.

ـــــــــــــــ. al-Kāshif ʿan uṣūl al-dalāʾil wa-fuṣūl al-ʿilal. Edited By Aḥmad Ḥijāzī al-Saqqā. Beirut: Dār al-Jīl, 1992.

ـــــــــــــــ. al-Maḥṣūl fī ʿilm uṣūl al-fiqh. 6 parts. Edited By Ṭāhā Jābir fayyāḍ al-ʿAlwānī. 3rd ed. Muʼassasat al-Risālah, 1997.

ـــــــــــــــ. al-Munāẓarāt. Edited by Ārif Tāmir. Beirut: Muʾassasat ʿIzz al-Dīn li-l-Ṭibāʿah wa-al-Nashr, 1992.

ـــــــــــــــ. al-Riyāḍ almuwannaqah fī Ārāʾ ahl al-ʿIlm. Edited by Asʿad Jumʿah. al-Qayrawān: Kullīyyat al-Ādāb wa-al-ʿUlūm al-Insānīyyah wa-Markaz al-Nashr al-Jāmiʿī, 2004.

ـــــــــــــــ. Iʿtiqādāt firaq al-Muslimīn wa-al-mushrikīn. Edited by Alī Sāmī al-Nashshār. Cairo: Maktabat al-Nahḍah al-Miṣrīyyah, 1938.

ـــــــــــــــ. Maʿālim uṣūl al-dīn. Ḍimna Ibn al-Tilimsānī. Sharḥ al-Maʿālim. Edited by Nizār Ḥammādī. Jordan: Dār al-Fatḥ li-l-Dirāsāt wa-al-Nashr, 2010.

ـــــــــــــــ. Maʿālim uṣūl al-Dīn. Dimna sharḥ Maʿālim uṣūl al-Dīn li-al-Rāzī. Edited by Nizār Ḥammādī. Jordan: Dār al-Fatḥ l-al-Dirāsāt wa-al-Nashr, 2010.

ـــــــــــــــ. Muḥaṣṣal afkār al-mutaqaddimīn wa-al-mutaʾakhkhirīn min al-ʿulamāʾ wa-al-ḥukamāʾ wa-al-mutakallimīn: Wa-bi-dhaylihi Talkhīṣ al-Muḥaṣṣal li-l-ʿallāmah Naṣīr al-Dīn al-Ṭūsī. Edited By Abd al-Raʾūf Saʿd. Beirut: Dār al-Kitāb al-ʻArabī, 1984.

ـــــــــــــــ. Nihāyat al-ʿuqūl fī dirāyat al-uṣūl. Edited by Saʿīd ʿAbd al-Laṭīf Fawdah. Beirut: Dār al-Dhakhāʾir, 2015.

ـــــــــــــــ. Sharḥ al-ishārāt wa-al-tanbīhāt. Edited by Alī Riḍā Najaf Zādah. Tehran: Maʿhad al-Dirāsāt al-Islāmīyyah bi-Jāmiʿat Ṭahrān, 2005.

al-Shāfiʿī, Ḥasan. al-Madkhal ilā dirāsat ʿilm al-kalām, 2nd ed. Karachi: Idārat al-Qurʾān wa-al-ʿUlūm al-Islāmiyyah, 2001.

al-Shahrastānī. al-Milal wa-al-niḥal. 3 parts. Edited By Abd al-ʿAzīz Muḥammad al-Wakīl. Cairo: Muʾassasat al-Ḥalabī wa-Shurakāʾuhu li-al-Nashr wa-al-Tawzīʿ, 1968.

al-Sanūsī, Abū ʿAbd Allāh Muḥammad Ibn Yūsuf. Sharḥ al-kubrā, al-musammā bi-ʿUmdat ahl al-Tawfīq wa-al-tasdīd fī sharḥ ʿaqīdat ahl al-tawḥīd al-kubrā. Egypt: Maṭbaʿat Jarīdat al-Islām, 1899.

al-Taftāzānī, Saʿd al-Dīn. Sharḥ al-maqāṣid. 5 Parts, Edited by Abd al-Raḥmān ʿUmayrah. 2nd ed. Beirut: Ālam al-Kutub, 1998.

al-Tahānawī, Muḥammad Alī. Kashshāf iṣṭilāḥāt al-funūn. Edited By Rafīq al-ʿAjam. Edited By Alī Daḥrūj. Beirut: Maktabat Lubnān Nāshirūn, 1996.

al-Ṭūsī, Naṣīr al-Dīn. Talkhīṣ al-Muḥaṣṣal. ḍimna al-Rāzī. Muḥaṣṣal afkār al-mutaqaddimīn wa-al-mutaʾakhkhirīn. Edited by Abd al-Raʾūf Saʿd. Beirut : Dār al-Kitāb al-ʿArabī, 1984.

Es-sadki, Mohammed. “Qāʿidat ittirād al-adillah wa-n-ʿikāsuhā bayna tarīqat al-mutaqaddimīn wa-ṭarīqat al-mutaʼakhkhirīn min al-mutakallimīn.” Ḍimna wāqiʿ wa-āfāq al-baḥth fī tārīkh al-fikr fī al-gharb al-islāmī: Murājaʿāt fī al-falsafah wa-al-taṣawwuf wa-uṣūl al-fiqh, aʿmāl Nadwat muhdāt ilā al-mufakkir al-Maghribī ʿAbd al-Majīd al-Ṣghīr, 2 parts. 249 – 264. Edited By Azīz Abū al-Sharʿ wa-ākharūn. Morocco: Maṭbaʿat Amīn Jrāf, 2018.

Hasan al-Chāfiʿī, Al-madkhal ilā dirāsat ʿilm al-kalām. Karachi: Idārat al-Qurʾān wa-al-ʿUlūm al-ʾIslāmiyyah, 2001.

Ibn al-Tilimsānī, Sharaf al-Dīn ʿAbd Allāh Ibn Muḥammad al-Fihrī al-Miṣrī. Sharḥ Maʿālim uṣūl al-dīn li-l-Rāzī. Ed By Nizār Ḥammādī. Jordan: Dār al-Fatḥ li-l-Dirāsāt wa-al-Nashr, 2010.

Ibn Ḥazm, Abū Muḥammad ʿAlī ibn Aḥmad. al-Fiṣal fī al-milal wa-al-niḥal. Edited By Muḥammad Ibrāhīm Naṣr wa-ʿAbd al-Raḥmān ʿUmayrah, 2nd ed. Beirut: Dār al-Jīl, 1996.

Ibn Khaldūn, Abū Zayd ʿAbd al-Raḥmān ibn Muḥammad. Muqaddimat Ibn Khaldūn. Beirut: Dār al-Jīl, [undated].

Ibn Rushd, Abū al-Walīd. al-Kashf ʿan manāhij al-adillah fī ʿaqāʿid al-millah. Edited by Muḥammad ʿĀbid al-Jābirī. Beirut: Markaz Dirāsāt al-Waḥdah al-ʿArabīyyah, 1998.

ـــــــــــــــ. al-Jadd. Fatāwā Ibn Rushd. Edited By al-Mukhtār Ibn al-Ṭāhir al-Talīlī. Beirut: Dār al-Gharb al-Islāmī, 1987.

J. R.T.M, Peters. “La théologie musulmane et l’étude du langage.” Histoire Épistémologie Langage 2. Fascicule 1 (1980): 9–19.

Frank, Richard. “The Foundations of Religious Belief in Classical Ashʿarism.” Journal of the American Oriental Society 109, no. 1 (Jan-Mar. 1989): 37–62.

Van Ess, Josef. Prémices de la théologie musulmane. Paris: Albin Michel, 2002.

للتوثيق

الصادقي، محمد. ”مشروعية النظر العقلي في تقرير العقائد عند المتكلّمين: فخر الدين الرازي نموذجًا.“ ضمن موقع الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية، الرابط <https://philosmus.org/archives/3687>

محمد الصادقي

يعمل محمد الصادقي أستاذًا للفلسفة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية - ظهر المهراز. وهو حاصل على الدكتوراه في الفلسفة سنة 2013، وذلك بموضوع: الأفق السينوي في كلام فخر الدين الرازي. كما أنه عضوٌ بمختبر إقلاع في الفلسفة والقانون والمجتمع، وبالجمعية الدولية لتاريخ العلوم والفلسفة العربية والإسلامية (SIHSPAI). له العديد من المقالات المنشورة، ِمن بينها: ”شكوك فخر الدين الرازي على دعوى عَرَضِية الشر في العالم لدى ابن سينا“، مجلة مقاربات، العدد التاسع والعشرون، المجلد الخامس عشر (2017): 80-65؛ ”نقد تصور المتكلمين والمشائين للزمان عند فخر الدين الرازي“، مجلة تبيّن، العدد 32، المجلد الثامن (ربيع 2020): 7-29.

* أتوجه بالشكر الجزيل للباحث إسماعيل أصبان على تفضله بمراجعة هذا المقال.

** أستاذ الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس.

[1] وقد فسر شرف الدين ابن التلمساني (ت. 644هـ/1246م) تقديم باب النظر على الأبواب الأخرى عند الرازي في كتابه شرح معالم أصول الدين قائلا: ”إنما قدم هذا الباب لأن وجود الله تعالى وصفاته ليس معلوما بالحس، ولا بالوجدان، ولا بضرورة العقل، ولا يمكن التوصل إلى معرفته بالخبر؛ فإنه إنما يفيد إذا ثبت كون المخبِر صادقا في إنبائه عن الله تعالى، ولا يثبت ذلك بالخبر، لما فيه من إثبات الشيء بنفسه؛ فيتعين أن لا طريق إلى معرفة الله تعالى وصفاته التي يتوقف خلق المعجزة عليها وصدق الرسول —في مجرى العادة—إلا بالنظر والاستدلال.“شرف الدين ابن التلمساني، شرح معالم أصول الدين للرازي، تحقيق نزار حمادي (الأردن: دار الفتح للدراسات والنشر، 2010)، 49.

[2] انظر: Peters, J.R.T.M, J. R.T.M, Peters. “La théologie musulmane et l’étude du langage.” Histoire Épistémologie Langage 2. Fascicule 1 (1980): 9–19.

[3] الرازي، الإشارة في علم الكلام، تحقيق محمد حامد محمد (القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث، 2009)، 40.

[4] الرازي، المحصول في علم أصول الفقه، دراسة وتحقيق طه جابر وفياض العلواني، ط. 3 (بيروت: مؤسسة الرسالة: 1418هـ/1997م)، ج. 1، 87.

[5] الرازي، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين: وبذيله تلخيص المحصل للعلامة نصير الدين الطوسي، تقديم وضبط عبد الرؤوف سعد، ط. 1 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1404هـ/1984)، 57.

[6] الرازي، معالم أصول الدين، ضمن: ابن التلمساني، شرح معالم أصول الدين، 68.

[7] الشري

ف الجرجاني، شرح المواقف. ومعه حاشيتا السيالكوتي والجلبي على شرح المواقف، ضبطه وصححه محمود عمر الدمياطي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1998)، ج. 1، 210؛ انظر أيضا: الآمدي، أبكار الأفكار في أصول الدين، تحقيق أحمد محمد المهدي، ط. 2 (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2004)، ج. 1، 127؛ التفتازاني، شرح المقاصد، تحقيق عبد الرحمن عميرة، ط. 2 (بيروت: عالم الكتب، 1419هـ/1998)، ج. 1، 229. وقد ذكر التفتازاني أن ”ظاهر كلام المتكلمين أنهم يريدون بالعلم والنظر عند الإطلاق ما يخص التصديقات“ دون التصورات. شرح المقاصد، ج. 1، 236.

[8] الرازي، معالم، 81. وانظر أيضا: الرازي، نهاية العقول في دراية الأصول، تحقيق سعيد عبد اللطيف فودة (بيروت: دار الذخائر، 2015)، ج. 1، 121.

[9] انظر: الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 133–137.

[10] انظر: نهاية العقول، ج. 1، 121.

[11] الرازي، المعالم، 87؛ الرازي، المحصل، 61.

[12] يعرف اعتقاد المقلد بأنه حكم للذهن بأمر على أمر، حكما جازما ومطابقا للمحكوم عليه، لكن بغير موجب يوجب على الذهن اعتقاده ذاك، فيقول: ”وأما الذي [حكم الذهن] لا يكون لموجَب [لموجِب] فهو اعتقاد المقلد.“ الرازي، المحصول، 88.

[13] بخصوص موقفه من جوهرية النفس تقلب الرازي بين رأيين؛ فرفض الاعتراف بمفارقتها للجسد، وتبنى مذهبا قريبا من مذهب الجويني، فقال إنها جوهر جسماني نوراني شريف مداخل للجسم في المعالم والإشارة. انظر: معالم أصول الدين، 568؛ كتاب الإشارة، 382؛ كما تبنى جوهرية النفس ومفارقتها للجسد في المباحث، ج. 2، 232؛ والنفس والروح وشرح قواهما، تحقيق محمد صغير حسن المعصومي (إسلام أباد: مطبوعات معهد الأبحاث الإسلامية، 1968م)، 33؛ ويسألونك عن الروح، تحقيق محمد عبد العزيز الهلالي (القاهرة: مكتبة القرآن، 2002)، 38؛ والمطالب، الجزء السابع: في الأرواح، 105.

[14] الرازي، شرح الإشارات والتنبيهات، مقدمة وتصحيح علي رضا نجف زاده (طهران: معهد الدراسات الإسلامية بجامعة طهران، 1426هـ/2005)، ج. 1، 9.

[15] انظر: الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 188.

[16] الرازي، شرح الإشارات، ج. 1، 12.

[17] انظر: الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 122.

[18] انظر: الرازي، شرح الإشارات، الجزء المنطقي، 14.

[19] انظر: الرازي، شرح الإشارات، الجزء المنطقي، 273.

[20] انظر: الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 122–153؛ شرح الإشارات، ج. 1، 29، 133، 272–281.

[21] الرازي، شرح الإشارات: الجزء المنطقي، 12.

[22] الرازي، شرح الإشارات: الجزء المنطقي، 12.

[23] الرازي، شرح الإشارات، الجزء المنطقي، 29.

[24] الرازي، المحصول، ج. 1، 84.

[25] الرازي، المحصول، ج. 1، 84.

[26] الرازي، المحصول، ج. 1، 85.

[27] انظر بصدد هذه المفاهيم: الرازي، المحصول، ج. 1، 81–88.

[28] الرازي، الكاشف عن أصول الدلائل وفصول العلل، تحقيق أحمد حجازي السقا (بيروت: دار الجيل، 1413هـ/ 1992)، 20. وقد عرض الآمدي مختلف الآراء بصدد تعريف الشك، ورجح ما ذهب إليه الرازي، وهذا من غير ذكر اسمه. انظر: الآمدي: أبكار الأفكار، ج. 1، 113–115.

[29] الرازي، المحصول، ج. 1، 84.

[30] السنوسي أبو عبد الله محمد بن يوسف، عمدة أهل التوفيق والتسديد في شرح عقيدة أهل التوحيد الكبرى (مصر: مطبعة جريدة الإسلام، 1316هـ )، 11.

[31] وبسبب إنكار السفسطائية للحقائق الحسية والعقلية التي تبنى عليها دلائل إثبات العقائد، أدرجهم ابن حزم من قبل ضمن الفرق المبطلة لدين الإسلام، بل واعتبرهم الأكثر بعدا على الإطلاق. انظر: ابن حزم، الفصل في الملل والنحل، تحقيق محمد ابراهيم نصر وعبد الرحمان عميرة، ط. 2 (بيروت: دار الجيل، 1996)، ج. 2، 36.

[32] يعرفهم التهانوي قائلا: ”وهم قوم تمسكوا بالظواهر فذهبوا إلى التجسيم وغيره. وهم من الفرق الضالة […] وقيل المراد بالحشوية طائفة لا يرون البحث في آيات الصفات التي يتعذر إجراؤها على ظاهرها بل يؤمنون بما أراده الله مع جزمهم بأن الظاهر غير مراد ويفوضون التأويل إلى الله. وعلى هذا إطلاق الحشوية عليهم غير مستحسن لأنه مذهب السلف.“ التهانوي محمد علي، كشاف اصطلاحات الفنون، تقديم وإشراف ومراجعة رفيق العجم، تحقيق علي دحروج، نقل النص الفارسي إلى العربية عبد الله الخالدي، الترجمة الأجنبية جورج زيناتي، (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 1996)، ج. 1، 678–679.

[33] الرازي، الرياض المونقة في آراء أهل العلم، تحقيق أسعد جمعة (القيروان: كلية الآداب والعلوم الإنسانية ومركز النشر الجامعي، 2004)، 69.

[34] بخصوص هذا الاستدلال انظر: الباقلاني، التقريب والإرشاد (الصغير)، تحقيق عبد الحميد بن علي أبو زنيد، ط. 2 (بيروت: مؤسس الرسالة، 1418هـ/1998)، ج. 1، 211؛ والجويني، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، تحقيق محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد، (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1950)، 11.

[35] الرازي، الإشارة، 37.

[36] الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 165.

[37] الرازي، المحصل، 64. وهو هنا يشير إلى قوله تعالى: ﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يومنون﴾ (يونس/101).

[38] بصدد مذهبهم وردود الرازي عليهم انظر: الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 157–178؛ الرازي، الرياض المونقة، 9–15؛ الرازي، المحصل، 54؛ وانظر أيضا: نصير الدين الطوسي، تلخيص المحصل، ضمن: الرازي، المحصل، 55. هذا وقد جعلهم ابن التلمساني أربع فرق؛ رابع فرقهم هم الموقنون بانتفاء العلم القائلون ”نعلم أن لا علم“ ابن التلمساني، شرح المعالم، تحقيق نزار حمادي، ط. 1 (الأردن: دار الفتح للدراسات والنشر، 2010)، 71.

[39] انظر: الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 173؛ الرازي، الرياض المونقة، 10–12؛ التهانوي، كشاف، 957.

[40] الرازي، الرياض المونقة، 13.

[41] الرازي، المعالم، 195.

[42] الرازي، الرياض المونقة، 62.

[43] انظر: الرازي، المحصل، 62–64؛ نهاية العقول، 195–219.

[44] الرازي، المحصل، 62.

[45] الرازي، المعالم، 201. وقد علق الطوسي على هذين الوجهين بالقول إن المعتزلة لا يحتاجون في القول بوجوب النظر إلى ورود الأمر السمعي به، لأن وجوب المعرفة عندهم عقلي، فليسوا معنيين بهذا الاعتراض؛ وإنما المعني به هم أهل السنة القائلين بالتكليف بالوجوب بناء على الأمر السمعي. انظر: الطوسي، تلخيص المحصل، 62.

[46] انظر: الرازي، نهاية العقول، 195–219.

[47] بصدد مفهوم الإيمان عند الرازي وعموم الأشاعرة انظر: الرازي، المحصل، 347؛ الرازي، معالم أصول الدين، 640–648؛ ابن عرفة التونسي، المختصر الكلامي، تحقيق نزار حمادي، ط. 1 (الكويت: دار الضياء، 1435هـ/2014)، 1012–1020؛ Richard M. Frank, “The Foundations of Religious Belief in Classical Ashʿarismm,” Journal of the American Oriental Society 109, no. 1 (Jan-Mar. 1989): 38.

[48] الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 212.

[49] ويستعيد الرازي هنا في هذا الجواب والذي بعده، نقاش أبي الحسن الأشعري للحشوية في رسالة استحسان الخوض في علم الكلام. انظر: أبو الحسن الأشعري: رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام، الأب رتشرد يوسف مكارتي اليسوعي، ط. 2 (حيدر أباد: دائرة المعارف النظامية، 1344هـ)، 89–95.

[50] يشير بذلك إلى المواضع التي ذُكر فيها الجدل في معرض الذم، من قبيل قوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ (الزخرف/ 58). وقوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (غافر/ 5).

[51] انظر: الرازي، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، مراجعة وتحرير علي سامي النشار (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1938)، 63. وقد زكى اليفرني الطنجي(ت. 734هـ/1334م) هذا التمييز، فقسم المناظرة إلى مباحة ومحظورة. انظر: اليفرني الطنجي أبي الحسن علي، المباحث العقلية في شرح معاني العقيدة البرهانية، تقديم وتحقيق جمال علال البختي (تطوان: مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية، 1437هـ/2016م)المجلد الأول، 379. وبخصوص ما ورد من كلام علماء السلف حول النهي عن الكلام انظر أيضا: ابن عساكر الدمشقي، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، ط. 2 (دمشق: دار الفكر، 1399)، 333.

[52] الآمدي: أبكار الأفكار، ج. 1، 156.

[53] وهو مسلك بعض الأشاعرة حسب الآمدي. ومع ميله إلى هذا المسلك انتهى الآمدي إلى أن ”مسألة وجوب النظر ظنية لا قطعية.“ الآمدي: أبكار الأفكار، ج. 1، 169.

[54] بصدد توحيد المتكلمين بين المعرفة بالله القائمة على الأدلة العقلية والمعرفة القائمة على التصديق الإيماني انظر: جورج قنواتي، ولويس غرديه، فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية، ترجمة صبحي الصالح وفريد جبر، ط. 2 (بيروت: دار العلم للملايين، 1983)، ج. 3، 104.

[55] بخصوص الارتباط بين المسألتين عند المعتزلة والأشاعرة انظر: حسن الشافعي، المدخل إلى دراسة علم الكلام، ط. 1 (كراتشي: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، 2001)، 139.

[56] انظر: السنوسي، شرح الكبرى، 12. وبصدد اختلاف الفرق في إيمان المقلد، ومفهوم التقليد، وحكم النظر، وصحة إيمان من لم ينظر، انظر أيضا: ابن حزم، الفصل، ج. 4، 67–78؛ الآمدي، أبكار الأفكار، 163–164؛ حسن الشافعي، المدخل، 129–137.

[57] السنوسي، شرح الكبرى، 7–8.

[58] السنوسي، شرح الكبرى، 12. وبصدد مشروعية إيمان المقلد انظر أيضا: عبد القاهر البغدادي، أصول الدين، ط. 1 (استانبول: مدرسة الإلهيات بدار الفنون التركية، 1346هـ/1928م)، 254–255.

[59] وقد أنكر ابن رشد الجد أن يكون من الأشاعرة من قال بأنه لا يصح إسلام المرء ولا يكمل إيمانه، إلا بمطالعة أدلة المتكلمين الأشاعرة التفصيلية التي ذكروها في كتبهم. وأكد أن النظر العقلي الواجب على العامة هو الاستدلال الذي نطق به القرآن، والذي وصفه بأنه عقلي بديهي ومركب من مقدمات يقينية ومناسبة لأفهام كافة من لزمه حكم الخطاب. أما الاستدلال على طريقة المتكلمين الأشاعرة فقد نهى العامة المبتدئين عن قراءته لما قد يحدث لهم بسببه من العنت والانقطاع عن الإيمان؛ إلا من كان له حظ وافر من الفهم؛ فإن من شأن ذلك أن يجعله مندرجا ضمن صنف العلماء الذين عناهم النبي عليه السلام بأنهم العلماء العدول. انظر: ابن رشد الجد، فتاوى ابن رشد، تحقيق المختار بن الطاهر التليلي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1407هـ/1987)، المجلد الثالث، 966–972؛ والسنوسي، شرح الكبرى، 12. وقد تابع ابن رشد الحفيد جده (ت.‏595 هـ /1198م) في القول بوجوب النظر العقلي لمعرفة الله، وفي أن الشارع تعالى سلك بالناس طرقا سهلة مشتركة للجميع وبرهانية، ووصف الحشوية بالفرقة الضالة لعزلهم العقل عن الإيمان؛ وتقاطع مع الأشعرية في القول بأن أول معرفة تجب على المكلف هي معرفة الله نظرا، غير أنه وعلى خلاف جده وصف طريقتهم بغير البرهانية وغير الشرعية. انظر: ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، مع مقدمة تحليلية وشروح للمشرف على المشروع محمد عابد الجابري (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، 103.

[60] الرازي، المعالم، 216.

[61] انظر: أبو حامد الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، عارضه بأصوله وعلق حواشيه وقدم له، ابراهيم آكاه وحسين أتاى (أنقرة: مطبعة النور، 1962)، 9.

[62] انظر بصدد شرف هذا العلم: فخر الدين الرازي، نهاية العقول في دراية الأصول، تحقيق سعيد عبد اللطيف فودة (بيروت: دار الذخائر، 2015)، ج. 1، 97.

[63] للاطلاع على معالم طريقة المتقدمين والمتأخرين انظر: عبد الرحمن ابن خلدون، المقدمة، حقق نصوصه وعلق عليه وخرج أحاديثه عبد الله محمد الدرويش (دمشق: دار البلخي-دار الهداية، 2004)، ج. 2، 210–214؛ وانظر: محمد الصادقي، ”قاعدة اطراد الأدلة وانعكاسها بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين من المتكلمين،“ ضمن واقع وآفاق البحث في تاريخ الفكر في الغرب الإسلامي: مراجعات في الفلسفة والتصوف وأصول الفقه، أعمال ندوة مهداة إلى المفكر المغربي عبد المجيد الصغير، تنسيق عزيز أبو الشرع وآخرون (المغرب: مطبعة أمين جراف، 2018)، ج. 1، 249–264.

[64] انظر: حسن الشافعي، المدخل، 140.

[65] – الرازي، المحصل، ص 71.

[66] – الرازي، نهاية العقول، ج 1، ص: 142.

[67] Josef Van Ess, Prémices de la théologie musulmane (Paris: Albin Michel, 2002), 12.

[68] الرازي، الرياض المونقة، 60.

[69] الرازي، المعالم، 216.

[70] الرازي، المعالم، 216.

[71] وكذلك أخرج شمس الدين الأصفهاني في مطالع الأنظار الصوفية من جملة أهل النظر قائلا: ”ذهب جمهور المسلمين إلى أن معرفة الله تعالى واجبة، ثم افترق هؤلاء فرقتين فرقة قالوا طريق معرفة الله تعالى إنما هو الرياضة وتصفية الباطن، وهذا هو مذهب الصوفية أصحاب الطريقة. وفرقة قالوا طريق معرفة الله تعالى إنما هو النظر وهو قول الأشاعرة والمعتزلة،“ انظر: شمس الدين الأصفهاني، مطالع الأنظار على متن طوالع الأنوار للبيضاوي: ومعه حاشية السيد الشريف الجرجاني(القاهرة: دار الكتبي، 1428هـ/2008)، 34.

[72] ابن التلمساني، شرح معالم أصول الدين،50–51.

[73] انظر: الرازي، الرياض المونقة، 68.

[74] انظر: الرازي، اعتقادات فرق المسلمين، 73.

[75] ذكر الرازي أن هناك من يقول إن معرفة الله ضرورية غير مكتسبة، ومن القائلين بهذا ذكر أبو بكر بن لوقا المعتزلي، والجاحظ الذي ذهب إلى أن هذه المعرفة مادامت غير مكتسبة فهي حاصلة حتى للكفار، وأنهم بإنكارهم مقلدون مكابرون. الرازي، اعتقادات فرق المسلمين، 59. كما نقل عن أبي الهذيل العلاف(ت. 235هـ/850م) قوله: ”المعرفة بالله تعالى تحصل بغير نظر أو استدلال،“ الرازي، الرياض المونقة، 215. بمعنى أن معرفتنا بالله هي عنده أمر قبلي فطري، والاستدلال عليه عقلا يأتي بعديا لا لتحصيل المعرفة بل فقط لأجل أن تطمئن قلوبنا. انظر أيضا: Van Ess, Prémices, 151.

[76] انظر: الرازي، الرياض المونقة، 69.

[77] التفتازاني، شرح المقاصد، ج. 1، 235.

[78] التهانوي، كشاف، 1708.

[79] الرازي، الرياض المونقة، 42.

[80] يسميهم الرازي أصحاب النظر: ”وهو قول الجمهور الأعظم من أهل العلم، ويندرج فيه الفلاسفة والصابئة والبراهمة وأكثر أرباب الكتب والأديان“ اعتقادات فرق المسلمين، 69. أما الشهرستاني فيقدم رأيا آخر بصدد قدرة العقل على تحصيل اليقين في الإلهيات عند الفلاسفة، إذ يحكي عنهم أنهم جعلوا النظر العقلي البرهاني حكرا على علوم الحكمة دون العلوم الدينية، بزعمهم أن سعادة الإنسان مطلوبة لذاتها حتى لو لم يأمر بها وحي، وأنها لا تنال إلا بالحكمة، والحكمة علم وعمل ”وهذان القسمان مما يُوصَل إليه بالعقل الكامل والرأي الراجح […] فغاية الحكيم هو أن يتجلى لعقله كل الكون ويتشبه بالإله الحق تعالى وتقدس بغاية الإمكان، وغاية النبي أن يتجلى له نظام الكون، فيقدر على ذلك مصالح العامة حتى يبقى نظام العالم وتنتظم مصالح العباد؛ وذلك لا يتأتى إلا بترغيب وترهيب، وتشكيل وتخييل“ الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل (القاهرة: مؤسسة الحلبي وشركاؤه للنشر والتوزيع، 1968)، ج. 2، 117.

[81] قال شمس الدين الأصفهاني في مطالع الأنظار: ”قوم من عبدة الأصنام يقولون بالتناسخ،“28.

[82] انظر للرازي: الرياض المونقة، 21؛ والمحصل، 57. بينما ينسب إليهم التهانوي أنه لا يعترفون إلا بالحس. انظر: التهانوي، كشاف، 1709.

[83] انظر: الرازي المحصل،58؛ الطوسي، تلخيص المحصل، 59.

[84] انظر: الرازي، الرياض المونقة، 21. كما ينسب التفتازاني لأرسطو نفس الرأي، انظر: التفتازاني، شرح المقاصد، ج. 1، 236.

[85] انظر: الرازي، الرياض المونقة، 27.

[86] الرازي، المناظرات، تحقيق وتعريف وتقديم عارف تامر (بيروت: مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، 1992)، 156.

[87] انظر: الرازي، المحصل، 59.

[88] انظر: الرازي، اعتقادات، 78؛ المحصل، 59؛ الرياض المونقة، 28.

[89] بصدد المواقف المختلفة من هذه المسألة انظر: التفتازاني، شرح المقاصد، ج. 1، 236؛ ناصر الدين البيضاوي، طوالع الأنوار من مطالع الأنظار، تحقيق وتقديم عباس سليمان (بيروت-القاهرة: دار الجيل-المكتبة الأزهرية للتراث، 1991)، 66.

[90] الإيجي، المواقف في علم الكلام، (بيروت: عالم الكتب، [د. ت])، 27.

[91] يقول ابن فورك (ت. 406هـ/ 1015م) عن الأشعري: ”وكان يقول أيضا إن ما يحدث من العلم عن نظر مخصوص فليس لأن النظر أوجب كونه، ولكن هو والعلم مخترعان للباري سبحانه، ولو فعل أحدهما دون صاحبه جاز. وسبيل سائر ما يحدث أحدهما عقب صاحبه لعادة جرت على ذلك أو لمعنى آخر، لا على طريق الإيجاب له أو كونه سببا موجبا له.“ ابن فورك أبي بكر محمد بن الحسن، مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري، عني بتحقيقه دانيال جيماريه (بيروت: دار المشرق، 1987)، 33.

[92] انظر: الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 180، 188.

[93] الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 188. المراد بالتضمن عند الجويني ”أن النظر الصحيح إذا استبق، وانتفت الآفات بعده، فيتيقن عقلا ثبوت العلم بالمنظور فيه،“ الجويني، الإرشاد، 6.

[94] الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 88.

[95] الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 188.

[96] الرازي، المعالم، ضمن شرح المعالم، 79.

[97] الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 179.

[98] الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 193.

[99] الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 89.

[100] الرازي، نهاية العقول، ج. 1، 196. وبصدد موقف الرازي من اطراد وانعكاس الأدلة، انظر: محمد الصادقي، ”قاعدة اطراد الأدلة وانعكاسها،“ ضمن واقع وآفاق، ج. 1.

[101] الأصفهاني، مطالع الأنظار، 32.

[102] الإيجي، المواقف، 28.

[103] انظر: الإيجي، المواقف، 28؛ وبصدد تفسير النقد الذي وجهه الإيجي للرازي انظر أيضا: إسماعيل الكلنبوي، حاشية الكلنبوي على شرح جلال الدين الدواني على العقائد العضدية، (تركيا: دار الطباعة العامرة، 1317هـ)، 210–211.

[104] الجرجاني، شرح المواقف، ج. 1،255.

[105] انظر: الكلنبوي، حاشية الكلنبوي،211.

[106] الجرجاني، شرح المواقف، ج. 1، 252.

[107] بخصوص مذهب الباقلاني في الوجوب، يقول في التقريب والإرشاد مثبتا الوجوب ونافيا التوليد: ”قد يجب وجود الشيء مع الشيء أو بعده من جهة تضمنه له، لا لكونه مولِّدا له. يدل على ذلك وجوب وجود الكون عند وجود الجوهر لتضمنه لوجوده لا لكونه مولدا له.“ التقريب والإرشاد، ج. 1، 211. كما يشرح الجويني مذهبه في التضمن قائلا: ”المراد بذلك أن النظر الصحيح إذا استبق، وانتفت الآفاق [الآفات]، فيتيقن عقلا ثبوت العلم بالمنظور فيه؛ فثبوتهما كذلك حتم من غير أن يوجب أحدهما الثاني أو يوجده أو يولده.“ الجويني، الإرشاد، 6؛ وانظر له أيضا: البرهان في أصول الفقه (الدوحة: مطابع الدوحة الحديثة، 1399)، ج. 1، 126.

[108] التفتازاني، شرح المقاصد، ج. 1، 239.

[109] التفتازاني، شرح المقاصد، ج. 1، 240.

[110]جلال الدين الدواني، شرح العقائد العضدية، ضمن حاشية الكلنبوي على شرح جلال الدين الدواني على العقائد العضدية، (دار الطباعة العامرة، 1317هـ)، ج. 1، 212–213.

[111] الكلنبوي، حاشية الكلنبوي، ج. 1، 211–212.

[112] الدواني، شرح العقائد العضدية، ج. 1، 214.

[113] الدواني، شرح العقائد العضدية، ج. 1، 212–213.

[114] بصدد صلة النظر بالعقل والاستدلال المنطقي انظر: لويس غرديه وجورج قنواتي، فلسفة الفكر الديني، ج. 3، 99–101.

مقالات ذات صلة

في مقاربة فلسفة الفعل عند الفخر الرازي: مراجعة نقدية لمقالة ”فلسفة الفعل ونظرية العادة التاريخية عند المتكلمين“

في مقاربة فلسفة الفعل عند الفخر الرازي: مراجعة نقدية لمقالة ”فلسفة الفعل ونظرية العادة التاريخية عند المتكلمين“

On the Approach to the Philosophy of Action in Fakhr al-Dīn al-Rāzī:A Critical Review of “Falsafat al-fiʿl wa-naẓarīyyat al-ʿādah al-tārīkhīyyah ʿinda al-mutakallimīn” Fī muqārabah Falsafat al-fiʿl ʿinda Fakhr al-Dīn al-Rāzī:Murājaʿat naqdīyyah li-maqālat “Falsafat...

أبو البركات البغدادي ومشكل الزمان

أبو البركات البغدادي ومشكل الزمان

Abū al-Barakāt al-Baghdādī on The Problem of Time Abū al-Barakāt al-Baghdādī wa Mushkil al-Zamān Jalel DridiUniversity of Tunis, Tunis أبو البركات البغدادي ومشكل الزمان جلال الدريديجامعة تونس، تونس Abstract׃ The approach adopted by Abū al-Barakāt al-Baghdādī...

”ما هي الأعمال الفلسفية اليونانية القديمة […] التي ندين للعرب في أول معرفتنا بها؟“: عودة إلى نقاش ”قديم“

”ما هي الأعمال الفلسفية اليونانية القديمة […] التي ندين للعرب في أول معرفتنا بها؟“: عودة إلى نقاش ”قديم“

“Which of the works of the ancient Greek philosophers [...] do we owe the first knowledge to the Arabs?” Revisiting an “old” Dispute “Mā hiya al-Aʿmāl al-Falsafīyah al-Yūnānīyah al-Qadīmah [... ] allatī Nadīn lil-ʿArab fī Awwal Maʿrifitinā bihā? ” ʿAwdah ilá Niqqāsh...

ما بعد السنوسي: آفاق جديدة في دراسة العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي

ما بعد السنوسي: آفاق جديدة في دراسة العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي

After al-Sanūsī: New Areas for the Study of Ashʿarī Creed in Northwest Africa Mā Baʿd al-Sanūsī: Āfāq Jadīda fī Dirāsat al-ʿAqīda al-Ashʿariyya fī l-Gharb al-Islāmī Caitlyn OlsonOxford University ما بعد السنوسي:آفاق جديدة في دراسة العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي[✯]...

تصنيف العلوم عند فقهاء الأندلس: ابن عبد البر وابن حزم نموذجين

تصنيف العلوم عند فقهاء الأندلس: ابن عبد البر وابن حزم نموذجين

Taṣnīf al-ʿulūm ʿinda fuqahāʾ al-AndalusIbn ʾAbd al-Bar wa Ibn Ḥazm namūdhajayn تصنيف العلوم عند فقهاء الأندلس:ابن عبد البر وابن حزم نموذجين[1] نظيرة فدواشNadira Fedouacheجامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاسAbstract: The interest of the Muslim jurists in philosophy (ʿulūm...

تصور فخر الدين الرازي لحقيقة الزمان ومرجعيته الأفلاطونية

تصور فخر الدين الرازي لحقيقة الزمان ومرجعيته الأفلاطونية

تصور فخر الدين الرازي لحقيقة الزمان ومرجعيته الأفلاطونية* Tasawwūr Fakhr al-Dīn al-Rāzī liḥaqīqat al-zamān wa marjiʿiyyatuh al-Aflāṭūniyyah Fakhr al-Dīn al-Rāzī’s Conception of Quiddity of Time and its Platonic Background محمد الصادقيEssadki Mohammed جامعة سيدي محمد...

حدود التسامح والاعتراف المتبادل بين الفلاسفة والمتكلّمين: حالة يحيى النحوي

حدود التسامح والاعتراف المتبادل بين الفلاسفة والمتكلّمين: حالة يحيى النحوي

حدود التسامح والاعتراف المتبادل بين الفلاسفة والمتكلّمين:حالة يحيى النحوي[1] سعيد البوسكلاويجامعة محمّد الأوّل-وجدة/جامعة زايد-أبوظبي   Abstract: This article attempts to determine the extent to which scholars in general adhere to values of recognition and...

مشاركة / Share
error: Content is protected !!