Loading

في تأبين عبد العلي العمراني-جمال

 

لم أكن أتوقع أن يأتي يوم أقول فيه كلمة تأبين في حق هذا الرجل الفاضل الشريف، الشغوف بالعلم، المحب للمعرفة وللحياة؛ لا لأنه لا يستأهل الشهادة، وإنما لأنني أنا لست أهلًا لها. فكيف تحتاج قامة علمية من طراز عبد العلي العمراني-جمال إلى شهادة مني؟

والواقع أنني أنا من يحتاج إلى أن يشهد فيه وله؛ لأنني، بشهادتي فيه وله، إنما أشهد لنفسي أساسًا، وأحدد لنفسي نوع الصلة التي تربطني بالعلم وأهله، وبالقيم التي كان الرجل يمثلها. وهذه هي سمة الأعلام الكبار: أننا حين نتحدث عنهم لا نكشف عن منزلتهم وحدها، وإنما نكشف، من حيث لا نشعر، عن مقدار ما وعيناه من فضلهم، وعن المكان الذي اخترنا أن نقيم فيه بالقياس إلى علمهم وأخلاقهم وآثارهم.

وها أنا اليوم مضطر إلى الحديث عنه بصيغة الماضي. وهذه، في حد ذاتها، محنة أخرى؛ إذ كيف يمكن للمرء أن يتحدث بصيغة الماضي عن رجل كان، إلى وقت قريب، حاضرًا في الذاكرة والفكر والوجدان، حاضرًا في الأسئلة والكتب والمشروعات واللقاءات، حاضرًا في حياة أصدقائه وزملائه وطلابه؟

سيداتي، سادتي،

لا قِبَل لي بالحديث عن مجمل سيرة عبد العلي العمراني-جمال؛ فهي تحتاج إلى أن نفرد لها عملًا خاصًا بها، يجمع آثارها، ويستقصي مراحلها، ويكشف عن أبعادها العلمية والفكرية والإنسانية. وفي المقابل، فإن ما أراه لنفسي من قدرة على الحديث عنه لا يعدو أن يكون إشارات إلى أهمية الرجل بالقياس إلى ما نحن فيه وإلى ما نشتغل به؛ حديثًا أستهله بضرب من الحديث الشخصي، وأختمه بالشكر على طريقة الفلاسفة والحكماء.

سيداتي، سادتي،

هالني أمر لا أرى حرجًا في البوح به، حتى وإن كان محرجًا لنا ولمؤسساتنا ولعقولنا.

فباستثناء عروض قليلة جدًا ألقاها عبد العلي العمراني-جمال في بعض الجامعات المغربية، لم يحظ الرجل، فيما أعلم، بما كان يستحقه من دعوات إلى إلقاء المحاضرات أو الإسهام في تأطير الطلبة والباحثين من قبل شعب الفلسفة في الجامعات المغربية.

وظل الرجل، حتى بعد تقاعده، يشتغل في دأب وصمت؛ ينظم اللقاءات، ويحاضر، ويشارك في الأنشطة الفكرية والعلمية بدعوات من مؤسسات ثقافية وجمعيات من المجتمع المدني، في الوقت الذي ظلت فيه أقسام جامعية كثيرة في غفلة عنه، وعن أهمية الأعمال التي راكمها على امتداد عشرات السنين في واحد من أهم مراكز البحث العلمي في العالم.

وقد يكون في هذا الكلام شيء من القسوة، ولكن في الموت لحظات تفرض علينا أن ننظر إلى أنفسنا في المرآة، وأن نقول بعض ما لم نحسن قوله في الوقت المناسب.

وبهذه المناسبة، أقدم اعتذاري إلى روحك، سيدي عبد العلي؛ لأننا لم نحسن التقاط ثمار علمك، ولم نعرف، بسبب أنانيتنا أحيانًا، وضيق أفقنا أحيانًا أخرى، ولأسباب كثيرة غير ذلك، كيف نغني مقدمات فكرنا وعملنا بنتائج بحوثك وثمرات نظرك.

ولست أدري كيف يمكن لنا، في مجال البحث في الفلسفة في الإسلام، أن ننتهي إلى نتائج علمية رصينة من دون أن نبني على ما انتهيت إليه. فكيف يمكن أن نكتب عن ابن طفيل، أو في نظرية القياس، أو في نظرية العقل عند ابن رشد، أو في نظرية النبوة عند ابن سينا، أو في العلاقة بين المنطق والنحو، من غير أن نقرأ أعمالك، ونستوعب نتائجها، ونحاور أسئلتها؟

لعل هذا الإعراض عن تراكمات الباحثين الكبار هو أحد الأسباب التي تفسر قيمة كثير مما ننشر من أعمال ودراسات؛ أعمال لا تتصل بما أُنجز قبلها، ولا تنتمي إلى حركة البحث في زمانها، حتى إن أقل ما يمكن أن نصف به بعضها أنها تقع خارج التاريخ العلمي للموضوعات التي تتناولها.

انتهى الاعتذار.

سيداتي، سادتي،

كان أول لقاء شخصي جمعني بعبد العلي العمراني-جمال سنة 2001، في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، خلال عرض ألقاه حول كتاب جورج صليبا ”الفكر العلمي العربي: نشأته وتطوره“، الصادر سنة 1998.

وبعد ذلك بسنوات، حين كنت بصدد إخراج مخطوط لابن طملوس في المنطق، وكان عبد العلي قد سبق إلى إنجاز دراسة بالغة الأهمية في الموضوع، بعنوان ”معطيات جديدة لدراسة المدخل إلى صناعة المنطق لابن طملوس“، قدمها في ندوة الجمعية الدولية لتاريخ العلوم والفلسفة العربية والإسلامية المنعقدة في باريس سنة 1993، ثم نُشرت ضمن أعمال الندوة عن دار بيترز في لوفان سنة 1997، جمعني به لقاء عابر في فضاء المكتبة الوطنية بالرباط.

رأيته آنذاك بجلبابه الأنيق وسبحته، فتقدمت إليه وقدمت له نفسي. ولحسن حظي، لم يكن اللقاء عويصًا عواصة بعض اللقاءات بين الزملاء في المغرب؛ بل ضربنا، على جناح السرعة، موعدًا في مقهى كان أثيرًا لديه في الرباط، يطل على المحيط الأطلسي.

ومنذ ذلك الحين، توالت لقاءاتنا وتبادلاتنا العلمية والإنسانية. وقد زرته مرارا في بيته الثاني بالمحمدية. ولم يتردد في مدي بتحقيقه الأولي لكتاب ”التحليل“ لابن طملوس، حتى أستفيد منه في نشرتي الأخيرة لمجموع الكتاب، الصادرة عن دار بريل في ليدن.

كما لم أتردد في دعوته إلى مؤسسة دار الحديث الحسنية؛ وقد ساعدنا فعلا على ترسيخ درس الفلسفة في هذه المؤسسة، وإلى ندوات أخرى انعقدت في الرباط وسلا ومرسيليا. وفي كل مرة كان يحضر فيها عبد العلي العمراني-جمال، كان نجاح اللقاء مضمونًا، لا من الناحية العلمية فحسب، وإنما من الناحية الإنسانية أيضًا.

كان الرجل يحمل علمه من غير أن يثقل به على الآخرين. وكان يجمع بين هيبة العالم وبساطة الإنسان، وبين صرامة الباحث ووداعة الصديق. وكان حضوره يمنح اللقاءات العلمية جدية ووقارًا، ولكنه كان يمنحها، في الوقت نفسه، دفئًا ومودة وطمأنينة.

ولم يكن عبد العلي ممن يجعلون المعرفة حجابًا بينهم وبين الناس، أو يجعلون التخصص وسيلة للاستعلاء عليهم. كان محبًا للقاء، شغوفًا بالحوار، قادرًا على الاستماع، كريمًا في تقديم المعلومة والوثيقة والنصيحة. وكان يعرف أن العلم لا يُصان بالاحتكار، وإنما ينمو بالتداول والتعاون والرعاية.

سيداتي، سادتي،

المشتغلون بالفلسفة وبتاريخ الفلسفة من المغاربة كثيرون، لكن أمثال عبد العلي العمراني-جمال قلة قليلة جدًا. ويكفي النظر في أعماله وفحصها للوقوف على مدى إخلاص الرجل لحرفته، منذ أول ما كتب سنة 1976 إلى آخر ما أنجزه.

اشتغل عبد العلي العمراني-جمال على أكثر من واجهة نظرية، وظل وفيًا لشروط البحث العلمي، شديد الحرص على الدقة والتحقيق والأمانة. وعمل بالقرب من عدد من أساطين البحث في مجال الفلسفة العربية والإسلامية. ويكفي أن نذكر أنه اشتغل إلى جانب بيار تييه، وجان جوليفيه، ومحسن مهدي، وعبد الرحمن بدوي، وغيرهم من كبار الباحثين.

ولم يترك لنا أعمالًا مهمة فحسب، بل ترك، وهو الأهم، أوراشًا علمية مفتوحة، وأسئلة وقضايا تحتاج منا إلى مواصلة النظر والبحث.

أنجز أطروحة دكتوراه مهمة عن المنطق الأرسطي والنحو العربي، نُشرت سنة 1983، وصارت من الأعمال الأساسية في بابها. وأطر رسائل للدكتوراه في موضوعات متصلة بابن حزم، وابن حنبل، وابن سينا، وتوما الأكويني.

وأشرف على ندوات وأعمال جماعية مهمة ونسقها، في موضوعات تتصل بالكندي، وابن سينا، واللغة والفلسفة، وبالمنظورات المتوسطية العربية واللاتينية والعبرانية للتراث العلمي والفلسفي اليوناني.

وشارك عبد العلي العمراني-جمال في أعمال موسوعية كبرى، من قبيل موسوعة الفلسفة التي أصدرتها المنشورات الجامعية الفرنسية، ومعجم الفلاسفة القدماء الصادر عن المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي.

ومن الأعمال المهمة التي أطلقها العمراني-جمال ملتقيات ابن رشد الدولية، التي انعقدت حلقتها الأولى في فاس، ثم انعقدت الثانية في هارفارد، والثالثة في كولن. وقد مثلت هذه الملتقيات فضاء علميًا جادًا للتفكير الجماعي في فلسفة ابن رشد، وفي امتداداتها وسياقاتها التاريخية، وفي موقعها داخل التراث الفلسفي الإنساني.

ونشر عشرات الدراسات المتميزة بالفرنسية والعربية عن ابن طفيل، والغزالي، والكندي، وابن رشد، وابن سينا، وابن الخطيب، وابن طملوس، وغيرهم. وإن لم يكن المجال هنا متسعًا لذكر عناوين هذه الدراسات وتفصيل مضامينها، فإنه لا مفر للمشتغلين بالفلسفة في الإسلام من قراءتها واستثمار نتائجها في أعمالهم.

ولا بد هنا من الإشارة إلى المشروع الفكري والبحثي الطموح الذي كان يحمله عبد العلي العمراني-جمال، والذي دشن جانبًا منه بمحاضرة عن فقه ابن رشد وفلسفته في مؤسسة دار الحديث الحسنية منذ سنوات، ثم توالت بعد ذلك المحاضرات واللقاءات المتصلة به.

وقد كان لي عظيم الشرف أن أكون أول من دعاه إلى إلقاء محاضرة في دار الحديث الحسنية، كما سعدت بدعوته إلى المشاركة في أكثر من لقاء داخل المغرب وخارجه.

وأذكر جيدًا أنه لم يتردد في قبول دعوتي إلى القدوم إلى مرسيليا للمشاركة في يوم دراسي عن التفلسف في الإسلام اليوم، كنت قد نظمته سنة 2019. لم يكن يتعامل مع الدعوات العلمية بمنطق المجاملة أو الحضور العابر، بل كان يجعل من كل لقاء فرصة حقيقية للحوار وتبادل المعرفة وبناء الصلات الإنسانية.

وإلى كل ما سبق، أضيف أن عبد العلي العمراني-جمال كان مدافعًا شرسًا عن الفلسفة، أو الحكمة كما كان يفضل تسميتها، وعن موقعها في التاريخ. وكان عارفًا بأهمية النصوص والوثائق، مدركًا لأهمية الجماعة العلمية، واعيًا بقيمة الرعاية العلمية في تكوين الباحثين وفي ضمان استمرار البحث وتراكمه.

كان يعرف أن العلم لا يقوم بالجهود الفردية المنعزلة وحدها، وإنما يحتاج إلى تقاليد راسخة، ومؤسسات حاضنة، وجماعات من الباحثين يتعاون أفرادها، ويتحاورون، ويصحح بعضهم بعضًا، ويبني اللاحق منهم على ما أنجزه السابق.

وهذه نبذة شديدة الاختزال عن المسيرة الغنية والاستثنائية لرجل أعده، لأسباب علمية وشخصية، رجلًا استثنائيًا. وهذا القول ليس مدحًا له بقدر ما هو نقد لنا، ولمؤسساتنا، ولعجزنا عن حسن الاستفادة من العلماء الذين عاشوا بيننا.

وفي تقديري، فإن هذه المسيرة العلمية المتواصلة هي التي تجعلني أعد عبد العلي العمراني-جمال من أولئك الذين لا ينتمي فكرهم إلى الماضي وحده، بل ينتمي كذلك إلى المستقبل.

فقد كان، بما راكمه من خبرات، وما حصله من زاد علمي ومعرفي ووجداني، جزءًا من الأفق الفكري الذي نطمح إليه ونتحرك فيه. ولذلك، فإن فكر الرجل لا يقع خلفنا وفي ماضينا، وإنما يقع أمامنا؛ ولذلك ينبغي أن نسير إليه بالحسنى.

لقد رحل الرجل، ولكن الأسئلة التي أثارها، والأعمال التي أنجزها، والمشروعات التي طرق أبوابها، ما تزال قائمة أمامنا. ومن ثم، ينبغي أن نقرأه بعناية، وأن نستأنف الأسئلة التي طرحها، وأن نبني على النتائج التي انتهى إليها.

صحيح أن عبد العلي العمراني-جمال قد دخل تاريخ البحث بفضل ذلك التراكم الذي حصّله في دراساته، وهي تعد بالعشرات، وقد أنجز كثيرًا منها بطريقة تشبه الطرز والنقش، لما فيها من دقة وصبر وعناية بالتفاصيل. غير أن هذا التراكم يفرض علينا، نحن أبناء الجيل الذي أتى بعده، أن نستأنفه، وألا نعود القهقرى إلى ما قبل نتائجه.

ومن هذه الجهة، تؤسس أعمال عبد العلي العمراني-جمال أفقًا للاشتغال. فقد خلف لنا أعمالًا أثارت من المسائل والأسئلة أكثر مما قدمت من أجوبة نهائية. طرق أبوابًا عديدة، وعلينا نحن أن نواصل العمل عليها، عسى أن تُفتح تلك الأبواب لنا أو لغيرنا ممن سيأتون بعدنا.

وكان عبد العلي العمراني-جمال منارة حقيقية في مجال تاريخ الفلسفة في سياقات المسلمين؛ لأن محاورته، بالنسبة إليّ على الأقل، كانت دائمًا محاورة استهداء واسترشاد.

كان، بسعة فكره وبُعد نظره، المحك الذي أختبر عليه أفكاري لأميزها عن أوهامي، والوثاق الذي أشد به أزري لمواصلة العمل. واليوم، إذ يغيب الرجل، أشعر أنني أفقد واحدًا من المراجع التي كنت أطمئن إلى وجودها، وأعود إليها لأختبر أسئلتي وأعيد النظر في أفكاري.

غير أن العلماء الكبار لا يغيبون غيابًا كاملًا؛ إذ تظل آثارهم حاضرة في كتبهم، وفي تلامذتهم، وفي الأسئلة التي أثاروها، وفي المناهج التي علمونا إياها، وفي الأفق الذي فتحوه أمام الآتين بعدهم.

سيداتي، سادتي،

لا أتصور أن ما قلته يفي الرجل حقه، وحال العي والعجز عن العبارة التي أنا فيها بادية للعيان. والحالة هذه، فإني لا أجد ملاذًا أفر إليه مما أنا فيه، ولا وسيلة أستعين بها على أداء بعض ما له علينا، إلا نصوص الحكماء والفلاسفة، التي هي خبزنا وشغلنا اليومي، بل وعبادتنا على نحو من الأنحاء.

ولست أريد أن أطيل عليكم باقتباسات كنت قد اخترتها يومًا لشكر الرجل وهو بيننا. غير أن المعنى الذي كانت تحمله تلك النصوص صار اليوم أشد حضورًا وإلحاحًا.

لقد ذكرنا الكندي بأن شكر من أفادونا من ثمار فكرهم واجب؛ لأنهم يجعلون من أعمالهم سبلًا وآلات نهتدي بها إلى الحق. وعلمنا أرسطو أن فضل المتقدمين لا يقتصر على الآراء الصادقة التي وصلتنا عنهم، بل يشمل أيضًا ما هيأوا به عقولنا، وما دربونا عليه من طرائق السؤال والنظر.

أما ابن رشد، فقد عبر عن هذا المعنى بعبارة لا أجد اليوم أليق منها بمقام عبد العلي العمراني-جمال، إذ قال:

”إن القدماء يتنزلون من المحدثين منزلة الآباء من الأبناء؛ إلا أن ولادة هؤلاء أشرف من ولادة الآباء، لأن الآباء ولدوا أجسامنا، والعلماء ولدوا أنفسنا. فالشكر لهم أعظم من شكر الآباء، والبر بهم أوجب، والمحبة فيهم أشد، والاقتداء بهم أحق.“

وما أحوجنا اليوم إلى استحضار هذا القول ونحن نودع عبد العلي العمراني-جمال. فقد كان واحدًا من أولئك العلماء الذين يسهمون في ولادة عقولنا، وفي تهذيب أسئلتنا، وفي توسيع آفاق نظرنا.

ولن يكون شكره بالكلمات وحدها، وإنما بالعناية بأعماله وقراءتها وجمعها ونشرها، ومواصلة البحث في المسائل التي فتحها أمامنا. ولن يكون الوفاء له بتعداد خصاله ومناقبه، على كثرتها، وإنما بأن نحفظ تراثه العلمي، وأن نعرّف به الأجيال الجديدة من الباحثين، وأن نجعل من أعماله جزءًا من التكوين الفلسفي والعلمي في جامعاتنا ومؤسساتنا.

ولعل شكره الخاص به، على نحو ما قال ابن رشد في شكر أرسطو، إنما يكون بالعناية بأقاويله وشرحها وإيضاحها للناس؛ أي بالعناية بأعماله، وبما تركه من وثائق ودراسات ومشروعات، وبالسعي إلى استكمال ما لم يمهله الزمن لاستكماله.

نعم، يحق للمغرب أن يفخر بأنه أنجب عالمًا محصلًا وباحثًا موسوعيًا استثنائيًا من طراز عبد العلي العمراني-جمال. ويحق للمغاربة، بل من واجبهم، أن ينظروا إليه بوصفه قدوة ومثالًا يُحتذى في الإخلاص للعلم، والصبر على البحث، والتواضع، والأمانة، والوفاء للتقاليد العلمية الرصينة.

غير أن مواصلة التعويل على الاستثناءات وحدها أمر في غاية الخطورة. فالأمم والمؤسسات العلمية لا تتقدم بأن تنتظر ظهور أفراد استثنائيين من حين إلى آخر، وإنما تتقدم حين تهيئ الشروط التي تجعل العلم تقليدًا راسخًا، والرعاية العلمية ممارسة مؤسسية، والتراكم المعرفي مسؤولية جماعية.

ولذلك، فإن من واجب المؤسسات العلمية والثقافية المغربية أن تعمل على حفظ تراث عبد العلي العمراني-جمال، وجمع دراساته المنشورة بالعربية والفرنسية، والعناية بما تركه من أوراق ومشروعات، وتنظيم لقاء علمي يليق بمكانته وبما قدمه للبحث في الفلسفة في الإسلام.

فليس أصعب من أن نكتشف قيمة علمائنا بعد رحيلهم، وليس أقسى من أن نبدأ في جمع آثارهم بعد أن كنا قادرين على الإصغاء إليهم وهم بيننا. غير أن تدارك بعض التقصير خير من الاستمرار فيه، وحفظ أثر الرجل بعض ما يجب له علينا.

وختامًا، أقول لك، سيدي عبد العلي العمراني-جمال:

لقد رحلت اليوم، ولكنك تركت لنا من العلم والعمل والذكر الطيب ما سيبقيك حاضرًا بيننا. ستظل أعمالك شاهدًا على إخلاصك، وستظل أسئلتك مفتوحة أمام الباحثين، وستظل صورتك، بجلبابك الأنيق وسبحتك وابتسامتك وكرمك، حاضرة في ذاكرة من عرفوك وأحبوك.

ولعل من أقسى ما في الموت أنه يجعلنا نستعيد التفاصيل الصغيرة التي كنا نحسبها عابرة، فإذا هي أثبت الأشياء في الذاكرة: لقاء في مكتبة، وموعد في مقهى يطل على المحيط، ومخطوط يُدفع بسخاء إلى زميل، ودعوة تُقبل بمحبة، ومجلس علمي يكتسب بحضور صاحبه معنى آخر.

جزاك الله عن العلم وأهله خير الجزاء، وتقبل منك ما قدمت، وجعل ثمار فكرك وعلمك في ميزان حسناتك، ورحمك رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته.

وألهم زوجك وأسرتك وأصدقاءك وطلابك وزملاءك ومحبيك جميل الصبر والسلوان، وحفظ لهم طيب ذكرك وحسن أثرك.

لك مني، في رحيلك، أزكى عبارات التقدير والامتنان والوفاء.

وداعًا، سيدي عبد العلي العمراني-جمال.

والسلام.

طنجة سادس غشت 2026

فؤاد بن أحمد

مقالات ذات صلة

الأستاذ ريتشارد تايلور ضيف مؤسسة البحث في الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية

يلقي الأستاذ ريتشارد تايلور من جامعة ماركيت بملووكي بالولايات المتحدة الأمريكية محاضرة عن ابن رشد في صيغتيه اللاتينية والعربية؛ وذلك يوم الجمعة 8 مارس على الساعة التاسعة بتوقيت المغرب  لمتابعة المحاضرة والتفاعل معها يرجى الضغط على رابط صفحة المؤسسة بالفايس بوك...

مدخل ابن رشد في موسوعة استانفورد للفلسفة

في أبرز الموسوعات الفلسفية العالمية “ستانفورد”، أضيف مدخل مفصل باللغة الإنجليزية لحياة وعمل الفيلسوف الأندلسي ابن رشد، أعده الأكاديمي المغربي فؤاد بن أحمد والأكاديمي الأمريكي روبرت باسناو. وتقدم هذه المادة التعريفية بالموسوعة مدخلا إلى حياة أبي الوليد ابن رشد ومنجزه،...

مشاركة / Share
error: Content is protected !!