![]()
الماهوية والدوغمائية في قراءة التاريخ الفكري للمسلمين: نقاشٌ مع بناصر البعزاتي—الجزء الأول: عن الانتصار لگولدتسيهر

Essentialism and Dogmatism in Reading Islamic Intellectual History:
A Conversation with Bennacer El Bouazzati— Part One: In Vindication of Goldziher
al-Māhawiyya wa-l-dūghmāʾiyya fī qirāʾat al-tārīkh al-fikrī li-lmuslimīn: niqāsh maʿa Bannasar al-Buʿazzātī—Al-Juzʾ al-Awwal: ʿan al-Intiṣār li-Gūldtṣīhir
الماهوية والدوغمائية في قراءة التاريخ الفكري للمسلمين:
نقاشٌ مع بناصر البعزاتي
الجزء الأول:
عن الانتصار لگولدتسيهر
Fouad Ben Ahmed
Harvard University, Cambridge/Qarawiyyin University, Rabat
Abdelilah Boudib
Moulay Ismail University, Meknes
فؤاد بن أحمد
جامعة القرويين، الرباط/جامعة هارفارد، كمبريدج
عبد الإلاه بوديب
جامعة مولاي إسماعيل، مكناس
ملخص: صدر كتابُنا المشترك: بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي: جدل الانحطاط الفكري بتونس القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد (الرباط: دار الأمان، أواخر أكتوبر 2025، 216 ص). وبعد أسابيع قليلة من صدوره، نشر بناصر البعزاتي مقالةً من 56 صفحة بعنوان: ”قراءة في كتاب ’بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي‘.“ غير أن مقالته—بحسب ما يقرّ به هو—لم تتناول الكتاب بوصفه كُلًّا ولا بوصفه عملًا مشتركًا، ولم تناقش أطروحته ولا أدلتها؛ بل خاطبت مؤلفًا واحدًا وأقصت آخر دون أدنى مسوّغ، وانحصرت في فصلٍ واحدٍ بعينه وبعض أسطر من التقديم وهوامشه. ثم إن صاحبها عوّض هذا القصور المنهجي بتوسيع مساحة التجريح والاتهام، حتى غدا نصُّه الطويل أقرب إلى خصومةٍ شخصية منه إلى قراءةٍ علمية قابلة للفحص.
ومع ذلك—وعلى قاعدةٍ أولية مفادها أن الحجّة تُناقَش ولو خرجت في أسوأ قوالبها—سنضع جانبًا هذا المأخذ، ونلتفت إلى صلب اعتراضات البعزاتي؛ لا إكرامًا لأسلوبها، بل ضبطًا لمعيار النقاش. وعليه، فإن محاور نقاشنا معه—في الجملة—تدور على ثلاثة أصول كبرى:
أولها موقف البعزاتي من دعوى گولدتسيهر وتمسّكه الشديد بها، مع تلوين مضامينها وتبديل طريقة تقريرها أو تليينها بحسب المقام؛ وهو تذبذب يُسقط الدعوى من حيث أراد تثبيتها، إذ لا يثبت أصلٌ بعباراتٍ تتبدّل بتبدّل الغرض، ولا يستقيم استدلالٌ يتغيّر كلما احتيج إلى مخرج.
وثانيها قراءته لمشكلات العلم في القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد، وما يترتب على هذا التأطير الزمني من أحكام بـ”الانحطاط“ و”التراجع“ تتأرجح بين التعميم والنزعة الماهوية، ماسّةً بالفاعلين في المشهد الفكري لهذه الحقبة، وبما يقتضيه الإنصافُ في توصيفهم وتمييز مواقعهم.
وثالثها تصور البعزاتي لتاريخ المنطق في سياقات المسلمين، وللحياة الفكرية في الغرب الإسلامي بعد القرن السادس للهجرة/الثاني عشر للميلاد، وما يترتب على هذا التصور من إعادة تدويرٍ لسردية الانحطاط المتكررة. غير أن البعزاتي، بدل أن يراجع هذه السردية على ضوء ما استجدّ في هذا الملفّ من دراساتٍ مرجعية، يُنكر (ويستنكر) علينا الاحتجاج بها، ويصرّ على ترديد دعاوى متقادمة—على الرغم من التحولات الحاسمة التي شهدها هذا الحقل—ثم يملأ فجوات الاستدلال بأحكامٍ انطباعية، ويستعيض عن التحقيق بالتأثر، وعن البرهان بالإيحاء؛ فتغدو ”المراجعة“ إعادةَ إنتاج، وتغدو الإحالة إلى ”المراجع“ انتقاءً لما يوافق الصورة سلفًا لا اختبارًا لها.
وعلى هذه المحاور الثلاثة سيدور نقاشنا هنا: لا دفاعًا عن ”كتاب“ بالمعنى العاطفي، بل دفاعًا عن أبجديات القراءة، وترسيخًا لأدبيات النقد العلمي: أن يُناقَش النص في كُلّيته، وأن تُساق الدعاوى بأدلتها، وأن يُصان ترتيبُ النظر ومقتضياتُه؛ لا أن يُنتزع من الكتاب موضعٌ واحد ثم يُضخَّم حوله الخصام، فتتكاثر الاتهامات، وتُوَلّد الدوغمائيات، وتُرسَّخ النزعات الماهوية. وفي هذا الجزء الأول سنركز على المحور الأول، أي على دعوى گولدتسيهر في الصيغة التي يدافع عنها البعزاتي: طريقة تقريره لها، وتلوينه لمضامينها بحسب المقام، ووجوه تمسّكه بها في مواجهة الاعتراضات، وأثر ذلك كلّه في قراءته لتاريخ الإسلام.
الكلمات المفاتيح: التاريخ الفكري للمسلمين؛ القرن الثامن للهجرة/القرن الرابع عشر للميلاد؛ ابن عرفة الورغمي؛ ابن خلدون الحضرمي؛ گولدتسيهر؛ الأرثودوكسية الإسلامية؛ أهل السنة المتشددون؛ الحنابلة؛ البعزاتي؛ أطروحة الانحطاط؛ الماهوية؛ الدوغمائية؛ الإسلام والعلم
Absract. Our co-authored book, Bayna Ibn ʿArafa al-Warghamī wa-Ibn Khaldūn al-Ḥaḍramī: Jadal al-Inḥiṭāṭ al-Fikrī bi-Tūnis al-Qarn al-Thāmin li-l-Hijra / al-Rābiʿ ʿAshar li-l-Mīlād (Between Ibn ʿArafa al-Warghamī and Ibn Khaldūn al-Ḥaḍramī: The Debate over Intellectual “Decline” in Eighth-/Fourteenth-Century Tunisia) (Rabat: Dār al-Amān, late October 2025, 216 pp.), was followed a few weeks later by Bennacer el Bouazzati’s (B. al-Buʿazzātī) 56-page article, “Qirāʾa fī Kitāb ‘Bayna Ibn ʿArafa al-Warghamī wa-Ibn Khaldūn al-Ḥaḍramī’.” As his own framing indicates, the article neither engages the book as an integrated whole nor treats it as a genuinely collaborative work; it does not address the central thesis or its evidentiary architecture. Instead, it limits itself to a single chapter and a small portion of the introduction and its notes, while addressing one co-author and excluding the other without explicit justification. This narrowing of scope is further accompanied by a strongly accusatory register that tends to displace substantive evaluation with personalized reproach.
This response nevertheless offers an occasion to clarify what is methodologically at stake in contemporary debates on “decline,” periodization, and the intellectual history of the Islamic disciplines. Proceeding from the premise that arguments warrant assessment even when advanced polemically, this essay sets aside rhetorical escalation and focuses on the substance of al-Buʿazzātī’s objections. In broad outline, our discussion develops along three axes. The first concerns al-Buʿazzātī’s endorsement of Goldziher’s thesis regarding Sunnī “orthodoxy” and the philosophical (or rational) sciences. We analyze how he formulates, modulates, and at times softens the thesis according to context, producing an instability that weakens the inference he seeks to secure: a general claim cannot be stabilized through formulations that shift with argumentative need. The second axis addresses his framing of the “problems of science” in the eighth/fourteenth century and the evaluative conclusions he derives from this periodization—especially claims of “decline” or “retrenchment” that oscillate between sweeping generalization and essentialist typology, with direct consequences for how intellectual actors are characterized and differentiated. The third concerns his account of the history of logic in Muslim contexts and of intellectual life in the Islamic West after the sixth/twelfth century—an account that effectively recycles a familiar decline narrative. Rather than reassessing that narrative in light of major recent scholarship, he objects to (and at times chastises) our appeal to it, reiterates dated claims despite decisive shifts in the state of research, and fills the resulting inferential gaps with impressionistic judgments, substituting suggestion for demonstration. In this mode, “review” becomes reproduction, and citation becomes the selective enlistment of references that confirm a pre-established picture rather than a genuine test of it.
Our aim is not an affective defense of a “book,” but a defense of the elementary norms of scholarly criticism: that a text be addressed in its integrity, that claims be advanced with evidence, and that the order of inquiry be respected—rather than extracting isolated passages, inflating them into a quarrel, and allowing accusation to stand in for argument. This first installment concentrates on the first axis, namely Goldziher’s thesis as defended by al-Buʿazzātī: his mode of formulation, his strategies of persistence in the face of objections, and the consequences of this stance for his reading of Islamic history.
Key-words: Islamic intellectual history; 8th century/14th century; Ibn ʿArafa al-Warghamī; Ibn Khaldūn; Goldziher; Islamic orthodoxy; al-Ḥanābila; al-Buʿazzātī; decline thesis; essentialism; dogmatism; Islam and science
تقديم
صدر كتابُنا المشترك: بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي: جدل الانحطاط الفكري بتونس القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد (الرباط: دار الأمان، أواخر أكتوبر 2025، 216 ص). ولم يمر سوى أسابيع قليلة على تاريخ صدوره حتى نشر بناصر البعزاتي بتاريخ 31 دجنبر 2025 مقالةً من 56 صفحة بعنوان ”قراءة في كتاب ’بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي‘.“[1] غير أن نصَّه—بحسب ما يدل عليه هو نفسه—لم يتناول الكتاب بوصفه كُلًّا، وإنما انحصر في فصلٍ واحد وبعض الأسطر من التقديم وهوامشه؛ ومن ثم فالأدقّ، وفق أعراف هذا الجنس، أن يُقرأ ما نشر البعزاتي بوصفه ردًّا على اعتراضات بعينها في التقديم والفصل المذكورين لا ”قراءة“ في الكتاب. والردّ والنقاش مرحب بهما على كل حال، بل نعدّه علامة عافية في فضاء يهدده الصمت المريب؛ لكن شرطه الأول أن يُلتزم محلّ الاعتراض كما هو، وأن يواجه نصّنا في مواضعه المحددة بدل نقل السؤال من موضعه إلى موضع آخر هروبًا وتملصًا.
غير أن الحرج المنهجي يبدأ قبل أي تفصيل: فالكتاب موقَّع باسم مؤلفين، ومع ذلك قرّر البعزاتي أن يخصّ بالردّ مُؤَلِّفًا واحدًا، مستبعدًا شريك التأليف من غير موجبٍ نصّي، إذ يقول:
”من واجبي الرد على تجاوزات الكتاب التي أنسبها بدرجة أساسية للشخص الفاعل في الكتاب، الذي هو فؤاد بن أحمد […].“[2]
وهذا التقسيم لا سند له في الكتاب: باستثناء التمهيد الموقع باسم فؤاد بن أحمد، لا فصل مَمْهور باسم أحدنا دون الآخر، ولا موضع يجيز افتراض ”فاعل“ و”غير فاعل.“ ومن ثمّ فردّ البعزاتي لا يبدأ بنقاش أطروحة، بل بترتيبٍ تعسّفيّ للأدوار: ينزع ”الفاعلية“ عمن يشاء ويمنحها لمن يشاء ثم يبني عليها لغة المخاطبة وطريقة الاتهام.
وليس في النص ما يسوّغ افتراض ”أهلية“ لأحد المؤلفين دون الآخر؛ لذلك فإن إسناد ”الفاعلية“ إلى فؤاد بن أحمد وحده ليس نتيجةً علمية، بل هو إجراءٌ انتقائي يوزّع الشرعية قبل أن يبدأ النظر. ولسنا ندري—إذن—ما الذي يصنعه اسم عبد الإلاه بوديب على الغلاف إن لم يكن شريكًا أصيلًا في العمل. ومهما كان مثل هذا الأسلوب مألوفًا في خصومات لا تعترف بقواعد البحث، فإنه لا يستقيم في مقام الردّ والمناظرة؛ لأن المناظرة لا تقوم على تراتبيةٍ مسبقة في ”الأهلية،“ بل على مواجهة الحجج داخل النص كما هي.
وعليه، فالأصل الإجرائي البسيط هو أن من أراد نقد نصٍّ مشترك فعليه أن يخاطب صاحبيه معًا، وأن يوجّه اعتراضه إلى الحجة لا إلى ”شخص فاعل“ يتخيله في ذهنه. وبوديب—بوصفه شريكًا في التأليف—لا معنى لأن يُستبعد، ثم تُنسب ”تجاوزات الكتاب“ إلى طرف واحد بلا دليل، بل الأحرى أن يُناقَش ويُخاطَب على قدم المساواة مع بن أحمد. ونحن لا نُحاكم النوايا؛[3] يكفينا أن نقرر الأثر الموضوعي لهذا الاستبعاد: إنه يخلّ بشرط التكافؤ ويُضعف صدقية الردّ من حيث هو ردّ على ”كتاب“ لا على ”شخص.“ لذلك سنعامل ردّ البعزاتي على أنه موجّه إلى العمل المشترك كله، ونجيب عنه على هذا الأساس.
والأمر الثاني الأكثر إحراجا حقيقة هو أسلوب البعزاتي في رده علينا. إذ يصعب على القارئ—أيًّا كان موقفه من موضوع الخلاف—ألّا يلاحظ انزياحًا بيّنًا في ردّ البعزاتي من لغة المناقشة العلمية إلى لغة التوصيف القدحي. فبدل الاقتصار على بيان مواضع الخطأ في النقل أو الاستدلال، تتكرر في المقالة عبارات تتضمن أحكامًا على النيات والذمم أو تنقيصًا من الشخص المخاطب بالرد، وهو ما يغيّر طبيعة النقاش من اختبار الحجج إلى محاكمة المخالف. ولأجل أن يتبينَ القارئ —والبعزاتي أيضا—هذا المنحى بوضوح ويَعتبره، نثبت في ما يأتي جردًا شبه كامل للألفاظ والعبارات القدحية الواردة في المقالة مع الإحالة مباشرة إلى صفحاتها:
”أما أن تأتي الطعون بناءً على قراءة غير نزيهة.“ 298؛ ”خاصة إذا امتزج الهوى بانتقائية مبتذلة.“ 298؛ ”لكن أن تأتي الطعون ضدّاً على الأمانة العلمية.“ 298 هـ 1؛ ”وفي الفصل […] فقرات مليئة بالكذب والافتراء والباطل.“ 299؛ ”افتتح فؤاد بن أحمد تقييمه النقدي […] لكن يبدأ حديثه بالكذب.“ 300؛ ”وهذا كذب آخر.“ 301؛ ”يبدأ طُعونه إذن…“ 301؛ ”عندما صبّ طعونه…“ 301؛ ”والعبارة لا تخلو من سوء أدب.“ 301؛ ”في حين يطعن فؤاد بن أحمد…“ 303؛ ”إن فؤاد بن أحمد يكتب في الظلام؟“ 305؛ ”اتخذ فؤاد بن أحمد مقالة لي، […] مطية…“ 305؛ ”لقراءته الواهية.“ 306؛ ”ليس لطعونه الخفيفةِ الوزنِ أيُّ أساس.“ 307؛ ”وفؤاد بن أحمد يسطو…“ 309؛ ”لا أتردد في الكلام عن بعض أقوال فؤاد بن أحمد باعتبارها من باب التزوير والكذب“ 310؛ ”يفتح الباب لشناعة أخرى“ 310؛ ”فهو يكذب عن وعي قصد استعمال كذبه ليسهل الهجوم على محتوى دراساتي.“ 310؛ ”والحال أنه يسرق منها جملاً وفقرات.“ 310؛ ”ليوهم القارئ…“ 310؛ ”ليبرز كفاءته العلمية على أن يقيم مداركي.“ 310؛ ”ولم يشر الطاعن…“ 310؛ ”وليس هذا من آداب الكتابة.“ 311؛ ”العالم المقوم.“ 311؛ ”وهذا تصرف غير نزيه من لدن فؤاد بن أحمد.“ 312؛ ”أشرت إلى هذا الخطأ لأنه تجرّأ على الطعن في بعض عباراتي.“ 312؛ ”هذا مزيج من الهلوسة والاصطياد في الماء العكر.“ 312؛ ”لكن للعالم المدقق فؤاد بن أحمد رغبة…“ 315؛ ”يدعي صاحب التهجم.“ 315؛ ”يأخذ جملاً من كتاباتي، ويضفي على الفكرة تضخيماً وتهويلاً.“ 323؛ ”والحال أن كل تدخلاته إما نقل من نصوصي أو كذب وبهتان.“ 323؛ ”ومن باب حرص فؤاد بن أحمد على الظهور في التدقيق العلمي.“ 325؛ ”لا أتردد في القول عن هذا التشويه لأفكاري إنه أباطيل متعمدة.“ 325 هـ 79؛ ”ليبرز فؤاد بن أحمد ترهاته.“ 325 هـ 79؛ ”ليأخذ منه ويغير بعض العبارات والأسماء.“ 327؛ ”وأقوال فؤاد بن أحمد مجرد ترديد.“ 327؛ ”وهذا الطعن كذاب.“ 328؛ ”أما كلام فؤاد بن أحمد فمجرد مفرقعات أو نقلٍ لأقوال من كتاباتي.“ 331؛ ”لكن قصده غير نزيه. فأحكامه إذن من قبيل الافتراء.“ 340؛ ”ولا يمكن السكوت عن هذه الخزعبلات.“ 342؛ ”[…] تكشف عن أكاذيب فؤاد بن أحمد.“ 344؛ ”ولا يبقى له إلا الإفتاء بإحراق كتاباتي.“ 344؛ ”وعلى فؤاد بن أحمد أن ينهض [ إلى أحد المؤلفين الذين تحدثوا عن علماء متزمتين] ويتهمه بمعاداة تاريخ الإسلام ويطالبه بتقديم لائحة شاملة بأسماء الفقهاء، قبل أن يسبقه أحد، وهو صاحب المراجعة الجذرية.“ 345؛ ”كلام فؤاد بن أحمد تافه، وليس فيه أيّ ملاحظة يمكن أن تُحسَب على البحث الجدي.“ 351؛ ”كلامه تُرَّهات وأباطيل.“ 351؛ ”تخريجات فؤاد بن أحمد المسرحية الدرامية.“ 352. ”لكنه لم يقرأ أبحاث أولئك الدارسين الأساسية.“ 352.
وكما يظهر جليا، لا يقدّم البعزاتي ردًّا بقدر ما يقدّم لائحة اتهامات وشتائم تُلقى بدل الحجج: ”كذب،“ ”افتراء،“ ”تزوير،“ ”سطو،“ ”سرقة،“ ”بهتان،“ ”خزعبلات،“ ”ترهات،“ ”تافه،“ ”مفرقعات،“… إلى آخر ما يملأ صفحات من ”القراءة“ وهي—في هذا الجانب—أقرب إلى المشاجرات العامّية منها إلى مناقشة عاقلة بين محسوبين على الحقل الأكاديمي. وهذه اللغة ليست مجرد ”حدة“ في التعبير، بل هي نقلٌ للنقاش من سجلّ التخطئة والتحقق إلى سجلّ التجريم والتشهير: فبدل أن يقول: ”هذا الاستنتاج غير صحيح“ أو ”هذا الفهم غير دقيق أو خاطئ“ أو ”هنا سقط شرط التوثيق،“ يختار أن يجعل الخلاف في نية فؤاد بن أحمد وذمته: يكذب ”عن وعي،“ ”يزوّر،“ ”يسرق،“ ”قصده غير نزيه،“… والنتيجة—قبل أي تفصيل—أن القارئَ يُدفَع إلى الانفعال بدل الفحص، وأن الموضوعَ يُزاح من سؤال: ماذا تقول النصوص؟ إلى سؤال: من هو الأشرّ أخلاقًا؟ وهذا وحده كافٍ لإفساد شروط الحوار العاقل من أساسه.
ثم إن هذه الاتهامات—إذا أُريد لها أن تدخل بابَ البحث—لا تُقبل على هذا الوجه الإنشائي العام؛ لأنها ادعاءات واقعية قابلة للاختبار، ولا يصحّ إطلاقها إلا بتحويلها إلى ملفّ موثَّق. والملفّ الموثَّق له شروط معلومة: (1) تحديد موضع الاتهام في كتابنا بالصفحة والسطر، (2) إيراد النصّ الأصل الذي يدّعي البعزاتي أننا ”سطونا“ عليه أو ”زوّرناه“ بالصفحة والسطر، (3) بيان وجه التغيير بيانًا حرفيًّا: أين حذفنا؟ أين أضفنا؟ أين قلبنا المعنى؟ وكيف يثبت أن ذلك وقع قصدًا لا خطأً في النقل أو تحريرًا في الصياغة؟ أمّا أن تُرفع التهمة ثم تُترك معلّقة في الهواء، فذلك ليس نقدًا، بل هو قذفٌ بلا بيّنة، وإغراءٌ للقارئ غير الحصيف بأن يصدّق الاتهام لأنه صيغ بصوت عالٍ وبألفاظ عنيفة وساقطة.
ولهذا نغلق الباب المنهجي منذ البداية: نحن لا نتحاكم إلى الأوصاف، لأن الأوصاف لا تُنتَقد ولا تُفحَص؛ بل نتحاكم إلى النصوص. فإذا كان البعزاتي يملك دليل ”التزوير“ أو ”السرقة“ فليقدّمه في صورته القابلة للاختبار. وإذا كان لا يملك غير تكرار ألفاظ من هذا القبيل، فليس ذلك إلا إحلالا للتشنيع محل البرهان، وإحالةً للصفحات إلى ساحة توبيخ وصراخ أمام ”العوام الذين لا عقل لهم ولا تمييز،“ لا إلى ساحة تدليل وحجاج أمام ”ذوي الاعتبار والتمييز“ من العقلاء. والأسوأ أن هذا الأسلوب يمنح صاحبه ميزة غير مشروعة، فهو يفرض على خصمه أن يدافع عن نفسه بدل أن يدافع عن دعواه، وأن يستهلك الجهد في نفي نوايا لا سبيل إلى إثباتها أو نفيها، بدل أن يستعمله في إنشاء المعرفة وحفظها.
وبناءً على ذلك سيكون جوابنا منضبطًا بضابطٍ واحد: سنجيب عن القضايا حيث يوجد ما يمكن اعتباره نصًّا أو دليلًا، وسنترك ”التقويمات الأخلاقية“ حيث مكانها الطبيعي: في خطاب الانفعال لا في خطاب البحث. فالكذبُ والتزويرُ والسرقةُ ليست ألفاظًا للتزيين البلاغي، بل هي اتهاماتٌ ثقيلة لا يطلقها من يكتب بحدٍّ أدنى من المسؤولية العلمية إلا إذا كان مستعدًّا لتحمّل عبء الإثبات. أمّا إطلاقها على هذا النحو، ثم إحلالها محلّ المناقشة، فهو—في أحسن أحواله—هروبٌ من مناقشة المواضع المحدّدة التي انتقدناه لأجلها، وفي أسوئه محاولةٌ لصناعة انتصارٍ لغويّ أمام ”المريدين“ و”الغاوين“: بإسقاط الخصم أخلاقيًّا بدل إسقاط حجته معرفيًّا.
ولذلك نقولها بوضوح: من أراد مناقشةً علمية فليلزم أدواتها: النصوص، وتوثيق الإحالات، وتفكيك المقدمات والنتائج، والمقارنة الدقيقة بين الدعوى ودليلها. أمّا من جعل الاتهام بديلًا عن البرهان فقد اختار سلفًا أن يهدم الجسر الذي يربط النقد بالمعرفة—ولا يبقى له عندئذٍ إلا رفع الصوت والكلام الساقط (وهذا وصف). وهذه ليست شجاعةً فكرية، بل تحلّلٌ خطير من آداب الحوار والمناقشة. وما أوردناه أعلاه من قائمة العبارات القدحية التي صدرت عن البعزاتي إنما نُعيدها إليه دون أن نقابلها بمثلها، عسى أن يعتبر ويميّز بين ما يُقال وما لا يُقال في باب النقد العلمي؛ فالأقوال—كما الأخلاق—مقامات.
ثمة أمرٌ منهجيّ آخر لا بدّ من التنبيه إليه حتى يستقيم مسار هذا الرد: إن مناقشتنا تنطبق حصرًا على الصيغة المنشورة من ”قراءة“ البعزاتي بتاريخ 31-12-2026 بمجلة تمييز الإلكترونية، بوصفها النصّ الذي وُضع للتداول العمومي وتعلّق به اعتراضنا. وأي تعديلٍ أو تهذيبٍ أو إضافةٍ لاحقة يجريها المؤلف، أو الجهة الناشرة، بعد ذلك التاريخ، فلا يدخل في نطاق هذا الرد، ولا يُحتجّ به علينا، إلا إذا نُشر في صيغةٍ مستقلةٍ مؤرَّخةٍ بوضوح يمكن الرجوع إليها ومقابلة عباراتها بعبارات الصيغة الأصل.
ردّ البعزّاتي طويلٌ إلى حدٍّ مُنهِك، ويُظهر— بالنظر إلى الفاصل الزمني القصير بين صدور الكتاب في أواخر أكتوبر 2025 ونشر الرد في آخر دجنبر 2025، وإلى ما يعتوره من تفككٍ بنيويّ وتكرارٍ غير مُعلَّل[4]—سماتِ كتابةٍ استعجالية أكثر مما يَشي بعملٍ مُنقَّح. فمن يقرؤه يجد أنه مصوغٌ في فقراتٍ تتناول قضايا متفرقة، غير أنّه يفتقر إلى ترتيبٍ منهجيّ للمسائل وإلى بيانٍ كافٍ لعددٍ من الاعتراضات والأفكار التي سجّلناها في نقدنا.
فضلًا عن ذلك، تزدحم المقالة باقتباساتٍ وافرة من أعمال البعزّاتي نفسه، وبعرضٍ مطوّل—بل مسهب—لدراساتٍ بغير العربية، على نحوٍ يُثقِل المتن ويُضعف ظهور مناط الحُجّة بدل أن يُنيره. ويُلاحظ كذلك أن الفقرة الواحدة، أو الفقرات المتتالية، لا تلتزم دائمًا موضوعًا موحّدًا؛ فقد يثير مسألةً في موضعٍ ثم يعود إليها في موضعٍ آخر دون تنبيهٍ أو وصلٍ يفسّر سبب العودة، مما يفضي إلى نصٍّ أقرب إلى شذراتٍ وتعليقاتٍ متناثرة منه إلى قراءةٍ نقديةٍ محكمةٍ تُدار بمحاور واضحة.
ومع ذلك، إذا تجاوزنا ما سبق وركزنا على صلب اعتراضات البعزاتي، وجدنا أنها—في الجملة—تدور على ثلاثة محاور كبرى: أولها موقفه من دعوى گولدتسيهر وتمسّكه بها، وما يتصل بذلك من طريقة تقريرها أو تليينها بحسب المقام؛ وثانيها قراءته لمشكلات العلم في القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد، وما يترتب على هذا التأطير الزمني من أحكام في ”الانحطاط“ و”التراجع“ تتردد بين ”التعميم“ ”والماهوية؛“ وثالثها تصوره لتاريخ المنطق في سياقات المسلمين، وما يفترضه هذا التصور من مرجعياتٍ معتمدة في القراءة وفي مراجعة سردية الانحطاط والعداء المزمن بين الإسلام والعلم، وهو ما ضمنه البعزاتي غير قليل من ”الانطباعات“ و”المجازفات“ بخصوص ما قرأناه وما لم نقرأه من هذه المرجعيات.
وفي هذا الجزء الأول سنركز على المحور الأول: موقف الأرثودوكسية الإسلامية من العلوم الفلسفية في الصيغة التي بلورها گولدتسيهر. وسنناقشها هنا كما يدافع عنها البعزاتي: طريقة تقريره لها، وتلوينه لمضامينها بحسب المقام—من ”السُّنّة المتشددين“ إلى الحنابلة ثم إلى ”الأرثودوكسية الإسلامية القدمية“—ووجوه تمسّكه بها رغم اعتراضات الدارسين، وأثر ذلك كلّه في مقاربته لتاريخ الإسلام ككل.
الجزء الأول:
عن الانتصار لگُولدْتْسيهر
احتلت دعوى المستشرق الهنغاري إگناس گولدتسيهر (ت. 1921م)—في شأن موقف ”الأرثودوكسية الإسلامية القديمة“ من علوم الأوائل[5]—موضعًا محوريًّا في ردّ بناصر البعزّاتي علينا. وليس هذا الاهتمام طارئًا؛ فقد سبق له أن استثمر هذه الدعوى ودافع عن صوابها في كتاباته السابقة، وذلك ما انتقدناه من أجله، مع أن مسار البحث خلال العقود الأخيرة—وبخاصة مع تجدد المادة النصية وتبدّل زوايا القراءة والتفسير—أنتج دراساتٍ تراجعها من داخلها أو تدعو إلى تجاوزها من أصلها.[6] وليس الأمر هنا تقلبًا في أهواء الدارسين وأمزجتهم، بل تحوّلًا في أدوات الاستدلال وحدود التعميم ومعايير التمثيل. ومع ذلك يُلاحظ أن هذه الاعتراضات لا تزيد البعزّاتي إلا إصرارًا على إبقائها قائمة بوصفها إطارًا تفسيريًّا.
وقبل أن ندخل في تفاصيل اعتراضه، لا بد من تثبيت محلّ النزاع: هل نحن أمام خطأٍ وصفيّ في تعيين موضوع مقالة گولدتسيهر، أم أمام اختلاف في درجة التخصيص داخل الوصف نفسه؟ والطريق العلمي في مثل هذا الموضع هو الرجوع إلى عنوان المقالة وألفاظها وسياق نشرها لاختبار المسائل الآتية: ما الذي يتناوله نص گولدتسيهر بالفعل؟ وبأي مصطلحات؟ وهل يجيز حصرَه في ”السنة المتشددة“ أو الزعم بأنه ”يركز على الحنابلة،“ أم أن ذلك انتقالٌ تفسيري يحتاج إلى برهان؟
1. گولدتسهير و”موقف المسلمين السنة تجاه علوم الأوائل“
يقول البعزاتي:
”افتتح فؤاد بن أحمد تقييمه ’النقدي‘ بالحديث عن موقفي من دعوى گُلْدْتْسيهِر (وف1921)؛ لكن يبدأ حديثه بالكذب. يبدأ باعتبار دعوى گلُدْتْسيهٍر متعلقة بـ’موقف المسلمين السنة تجاه علوم الأوائل.‘ كلّا. الدعوى تتعلق بأهل السنّة المتشدّدين، والعالِم الهنغاري يركز على الحنابلة.“[7]
وقد جاء قول البعزاتي هذا ردا على عبارتنا الآتية:
”يمكن العثور في أعمال بناصر البعزاتي على تمسك شديد بصواب دعوى گولدتسيهر بخصوص موقف المسلمين السنة تجاه علوم الأوائل (الفلسفة والمنطق…) في وجه الانتقادات المعاصرة التي وجهت له من قبل مؤرخي الفلسفة والعلوم عند المسلمين.“[8]
يتمثّل الموضوع المركزي في عبارتنا في توصيف موقف البعزّاتي الحِجاجي؛ أي القول إن لديه تمسّكًا شديدًا بصواب دعوى گولدتسيهر في مواجهة بعض الانتقادات المعاصرة التي أحصاها البعزاتي وردّ عليها واحدا واحدا ليخلص إلى أن الدعوى تظل صائبة في كل الأحوال.[9] أمّا تعيينُ موضوع الدعوى بكونه متعلّقًا بموقف الأوساط السنيّة من ”علوم الأوائل“ فليس إلا قيدًا موضوعيًّا يحدّد مجال ذلك التمسّك، ولا يُكوّن لبَّ الحكم. لذلك فعبارتنا ليست تقريرًا لمحتوى دعوى گولدتسيهر فحسب، بل هي أساسًا تقريرٌ عن درجة تمسّك البعزّاتي بصوابها.
أمّا عبارة البعزّاتي فتنقل مركز الحكم الأساسي إلى مستوى آخر؛ إذ تجعل الخبرَ الرئيس اتهامًا أخلاقيًّا بالكذب، ثم تبني عليه إعادةَ تعريفٍ حصريّ لموضوع دعوى گولدتسيهر، بحصرها في ”أهل السنّة المتشدّدين“ والقول بـ”تركيزه“ على الحنابلة. وبهذا ينتقل النقاش من توصيفٍ نقديّ قابل للمراجعة إلى تقريرٍ تعريفيّ/إجرائيّ يُطرح معيارًا للحكم على الصدق والكذب.
والآن لنترك جانبا محاولة البعزاتي تغيير مركز الاهتمام مما هو جوهري في اعتراضنا إلى ما ورد عرضًا فيه، فإننا نرى أن نسايره في ذلك ونطرح سؤالا بسيطا في ظاهره ولكنه حاسم في لوازمه: هل هذه القضية الخبرية: ”دعوى گولدتسيهر متعلقة بـ’موقف المسلمين السنة تجاه علوم الأوائل‘“ قضية كاذبة حقّا؟
نتصور أن الجواب عن هذا لا يكون بالانفعال ولا بإطلاق الاتهام، بل بالرجوع إلى مقالة گولدتسيهر نفسها وإلى مفرداتها. وهكذا، فعنوان مقالة گولدتسيهر موضوع الخلاف في أصله الألماني هو:
“Stellung der alten islamischen Orthodoxie zu den antiken Wissenschaften,”
وترجمته الحرفية إلى العربية هي: ”موقف الأرثودوكسية الإسلامية القديمة [أو الأولى] من علوم الأوائل.“
وقد اجتهد الراحل عبد الرحمن بدوي (ت. 2002م) عام 1940 فترجم العنوان إلى العربية كما يلي:
”موقف أهل السنة القدماء بإزاء علوم الأوائل،“[10]
وهي ترجمة مقبولة وشائعة من حيث إنها تقرّب اصطلاح [11]“Orthodoxie” إلى الدلالة السائدة في الأدبيات العربية (أوساط سنية فقهية وحديثية غالبًا…)، مع بقاء التنبيه اللازم: عنوان گولدتسيهر يتحدث عن ”الأرثودوكسية الإسلامية“ لا عن ”السنة“ لفظًا، لكن من حيث المحتوى فإن ”الأرثودوكسية“ عنده تُحيل غالبًا إلى الأوساط السنية الفقهية والحديثية والكلامية مع تنوع المذاهب داخلها، وإشارات قليلة إلى مواقف بعض الشيعة الزيدية والاثني عشرية.
وأما الترجمة الإنجليزية للمقالة فقد تأخرت إلى أن أنجزها مِرلِن ل. سوارتز (Merlin L. Swartz) سنة 1981، فصاغ العنوان على النحو الآتي: “The Attitude of Orthodox Islam toward the Ancient Sciences”[12]، وترجمته الحرفية: ”موقفُ الإسلام الأرثودوكسي تجاه علوم الأوائل.“ وكما يظهر، فالصياغة تنطوي على حذفٍ وتحوير: أمّا الحذف فبإسقاط النعت altenالذي كان يقيّد islamischen Orthodoxie، فصار العنوان يوهم بعموم ”الإسلام الأرثودوكسي.“[13] غير أنّ موطن الإشكال الأبرز ليس هنا، إذ قد يجد هذا الحذف وجهًا ما في الأصل الألماني، وإنما في الترجمة نفسها لـdie islamische Orthodoxie بـorthodox Islam؛ فهي ليست نقلًا محايدًا، بل تُحوِّل موضوع العبارة من ”أرثودوكسية داخل الحقل الإسلامي“ (تيار/سلطة معيارية/أوساط تقليدية قابلة للتعدد والتدرّج) إلى ”إسلامٍ أرثودوكسي“ بوصفه وصفًا للإسلام نفسه، بما يفتح باب التعميم والماهويّة ويجعل من الشواهد الجزئية ”موقفَ الإسلام“ لا ”موقفَ فاعلين داخل الإسلام.“ ويعضد ذلك الاستعمالُ الألماني نفسه: فلو أُريد معنى ”الإسلام الأرثودوكسي“ لقيل غالبًا der orthodoxe Islam لا die islamische Orthodoxie؛ لذا فالأقرب: ”الأرثودوكسية الإسلامية“ أو ”الأرثودوكسية في الإسلام“ أو ”الأوساط الأرثودوكسية الإسلامية،“ لا ”الإسلام الأرثودوكسي.“
وبناء على هذين الاعتبارين (الحذف والتحوير)، يظل عنوان عبد الرحمن بدوي أقرب من العنوان الإنجليزي إلى الأصل الألماني.[14]
ومن الجدير بالذكر أن گولدتسيهر يخبرنا في يومياته Tagebuch أن إنجاز دراسته هذه، إضافة إلى دراسة ثانية، لم يستغرق منه أكثر من شهر ونصف. فقد كتب في يومياته بتاريخ 28 غشت 1915 قائلا:
”وفي يوليوز حتى منتصف غشت أنجزتُ دراستين لطيفتين: إحداهما معدّة لمجلة الإسلام بعنوان ’الرأس المكشوف،Entblössung des Hauptes ‘[[15]] والأخرى موجّهة إلى أكاديمية برلين بعنوان ’موقف الأرثودوكسية الإسلامية [كذا] من علوم الأوائل‘ ‘Stellung der islamischen Orthodoxie zu den ‘ulûm al-awâ’il’.“[16]
فهذا إذًا گولدتسيهر نفسه لم يقيد ”الأرثودوكسية الإسلامية“ بالنعت alten ولا بأي نعت آخر. ونميل إلى القول بأن گولدتسيهر قد نهج هنا نهجه في دراسات أخرى له، حيث يتحدث عن ”الأرثودوكسية الإسلامية“ بإطلاق مع أنه يعني الأوساط الأرثودوكسية القديمة بعموم.[17] لذلك فنحن عندما استعملنا عبارة موقف المسلمين السنة تجاه علوم الأوائل، فإننا نعني بالأساس موقف الأرثودوكسية الإسلامية القديمة. وعلاوة على هذا أن گولدتسيهر لم يستعمل عبارة ”الأرثودوكسية الإسلامية القديمة“ في ثنايا مقالته وإنما استعملها عنوانا لها فقط. فالمقالة في جملتها تعالج مواقف ”الأرثودوكسية الإسلامية“ في سياق تاريخي قديم، ثم تلمح في خاتمتها إلى التحولات الحديثة التي حصلت في تلك المواقف، أو عن موقف ”الأرثودوكسية الإسلامية“ في العصر الحديث. وهذا أمر معروف عند من قرأ المقالة.
وعليه، فقولنا: ”موقف المسلمين السنة تجاه علوم الأوائل“ ليس ”كذبًا“ بالمعنى الذي يلوّح به البعزّاتي، بل هو وصفٌ لنطاق موضوع المقالة كما يدل عليه عنوانها ومادتها. نعم، يمكن للبعزّاتي أن يقول: إن گولدتسيهر يخصّ بالذكر أشكالًا متشددة داخل الأوساط الأرثودوكسية، أو يحمّل ”الحنبلية“ وظيفة رمزية في مواضع محددة من السرد؛ لكن هذا شيء، والقول إن المقالة ”تتعلق بأهل السنة المتشددين“ حصرا أو إنها ”تركّز على الحنابلة“ شيء آخر يحتاج إلى برهنة نصية وإحصاء وضبط. أمّا تحويل خلافٍ في الصياغة (عموم/خصوص) إلى اتهامٍ أخلاقي (”كذب“) فمصادرة لا تقوم مقام التحقيق.
وأما الآن، فالسؤال الذي يهمنا أكثر هو لماذا قيّد گولدتسيهر ”الأرثودوكسية الإسلامية“ في عنوان مقالته بالنعت ”قديمة“ أو ”أولى“ (“alten”) بدل أن يقيدها بـ”متشددة“ أو ”حنبلية“؟
هذا السؤال يقودنا إلى ما يقدمه البعزاتي بوصفه الصواب، حيث يقول اعتراضا علينا: ”كلا. الدعوى تتعلق بأهل السنة المتشددين، والعالم الهنغاري يركز على الحنابلة.“[18]
وصواب البعزاتي يتكون من جملتين خبريتين نصوغهما، بتصرف ضئيل في عبارته، على النحو الآتي: أما الأولى، فهي: ”تتعلق دعوى گولدتسيهر بأهل السنة المتشددين.“ وأما الثانية، فهي: ”يركز گولدتسيهر على الحنابلة.“ والعلاقة بين القضيتين هي علاقة عموم بخصوص.
فلنفحصهما على التوالي هنا:
2. القضية الأولى: دعوى گولدتسيهر تتعلق بأهل السنة المتشددين
ليست ”الأرثودوكسية الإسلامية“ حسب فهم بناصر البعزاتي لگولدتسيهر سوى ”فقهاء السنة المتشددين،“ وهم أولئك ”الجموع من الفقهاء المناوئين للعلوم العقلية.“[19] ولكن، إذا كان گولدتسيهر حسب فهم البعزاتي يقصد أهل السنة المتشددين، وقد تحدث عن عدد منهم في المقالة فعلا، ألم يكن من باب الأَولى أن ينصّ على هذا صراحة في العنوان، لا أن يترك القارئ يتوهم أن الكلام عن ”أهل السنة“ على الإطلاق؟ ثم كيف نتخيّل عالمًا كبيرا مثل گولدتسيهر يضع عنوانًا من قبيل: ”موقف أهل السنة المتشددين من علوم القدماء“؟ أليس هذا أقرب إلى أن يكون تحصيل حاصل؟ لأنك إذا قلت ”المتشددين“ فقد سلّمتَ من البداية بموقفٍ معروف: المنع والإنكار حيث اشتهر التحريم. وهذا يشبه أن ينهض دارس ليبحث ”موقف أهل السنة المتشددين من الفنون“: بم عساه يخرج سوى ما هو مقررٌ سلفًا؟
أمّا البحث في ”موقف أهل السنة“ (بالمعنى التاريخي الواسع) من علوم القدماء فموضوعٌ آخر تمامًا: موضوع غير مُعطى، تتداخل فيه التلوينات والتدقيقات والاختلافات، ويُنتظر فيه الجديد؛ لأنه لا يلاحق موقف فئةٍ معلومة الشدة سلفًا، بل يفتش في تشكّل المواقف وتنوعها وحدودها وأسبابها عبر العصور. ولهذا فاختزالُ البعزاتي الدعوى في ”المتشددين“ ليس تفسيرًا بريئًا، بل هو تضييقٌ متعسّف يفرّغ المسألة من معناها، ويَسوقها سوقًا إلى الاتجاه الذي يريد.
صحيح أن مقالة گولدتسيهر لا تدرُس مواقف كل تيارات السنة على إطلاقها؛ ولكنها بكل تأكيد لا تدرس موقف أهل السنة المتشددين حصرًا. وفي نهاية الأمر ليس موقف هؤلاء المتشددين، في مقالة گولدتسيهر، سوى موقف من المواقف الأخرى التي يدرس گولدتسيهر طيفا واسعا منها. فليس موقف التحفظ الذي أبداه فخر الدين الرازي (ت. 606هـ/1210م) من الفلك ولا الموقف المتوجس الذي أظهره أبو حامد الغزالي (ت. 505هـ/1111م) تجاه الطبيعيات هو نفسه موقف التحريم الذي عبر عنه ابن الصلاح (ت. 643هـ/1245م) تجاه المنطق. وقد ذكر گولدتسيهر مواقف هؤلاء الثلاثة وغيرهم في مقالته.
وعند عودتنا، مرة أخرى، إلى حديث گولدتسيهر في يومياته عن هذه المقالة، وقد ذكرنا أعلاه قطعة منها، نجدها لا ترِدُ بعنوانها الذي نُشرت به في الحالات الثلاث المذكورة، لكننا لا نجد أثرا أو تلميحا إلى النعت ”متشددون.“ ففي المقطع الذي أوردناه أعلاه يعطي لمقالته عنوان:
”موقف الأرثودوكسية الإسلامية من علوم الأوائل،“
وبهذا العنوان تحديدا ورد في 11 نونبر 1915 في إعلان خاص بأكاديمية العلوم ببرلين وضَـمّنَه هو مذكراته، أي: ”موقف الأرثودوكسية الإسلامية من علوم الأوائل.“[20] لكن گولدتسيهر يعود، بعد أن نُشرت المقالة عام 1916، فيكتب بتاريخ 18 غشت من السنة نفسها:
”أتلقّى عن ’موقف الأرثودوكسية الإسلامية القديمة‘ و’كشف الرأسEntblössung des Hauptes ‘ كلَّ ما يمكن تصوّره من عبارات الإطراء.“[21]
وعليه فعنوان المقالة قبل نشرها، أو كما أرسلت إلى أكاديمية برلين وأعلن عنها، مختلفٌ عن عنوان المقالة بعد نشرها، من حيث إنه حمل نعت ”القديمة alten؛“ وهذا ما يجعلنا نحتمل أن يكون هذا الوصف قد أُضيف في طورٍ تحريرِيّ لاحق.[22]
فهل يمكن فهم لفظ ”الأرثودوكسية“ كما استعملها گولدتسيهر في مقالته في أصلها الألماني مرادفًا لـ”المتشددين من أهل السنّة“ كما يدّعي البعزّاتي؟
للجواب عن هذا السؤال لابد من فحص المقالة لا العنوان فقط. وبما أن عبد الرحمن بدوي قد استغنى تماما عن لفظ ”الأرثودوكسية“ واستعمل بدلًا منه ”أهل السنّة“ أو ”السنّة،“… فإننا سنضطر إلى الرجوع إلى الأصل الألماني لتدقيق استعمالات گولدتسيهر لـ”الأرثودوكسية“ و”أرثودوكسي؛“ ذلك أن الاقتصار على الترجمة العربية—وإن كانت تسهل العودة إليها اليوم—لا يكفي وحده لضبط محلّ النزاع.
واعتمادًا على الأصل الألماني (المنشور عام 1916) يظهر أن “Orthodoxie/orthodox” عند گولدتسيهر ليست اسمًا متواطئًا أحاديًّا يُحيل تلقائيًّا إلى ”أهل السنة المتشدّدين،“ بل هو مفهومٌ يُقال بالتشكيك، وذو إطار دلالي واسع، يتلوّن داخليًّا بأوصافٍ وتقسيماتٍ وسياقاتٍ متعددة. فالملاحظ، بعد الرجوع إلى النص، أن عبارة “alten islamischen Orthodoxie”وردت عنوانًا للمقالة ولم تتكرر بهذه الصيغة المركبة في المتن؛ وهو أمر يظل لغزا ما لم نستحضر إشارات گولدتسيهر في يومياته، وهي التي جعلتنا نفترض أن العنوان الأصلي للمقال لم يكن يحمل النعت (”قديم“ “alten”)، وأن التغيير قد طال العنوان، لاحقا، دون أن يتم تبعا لذلك تعديل ما يمكن أن يكون مرتبطا به في المتن. وفي المقابل يتصرف المتن بكثافة في مفردة“Orthodoxie” وتقييداتها مما يحول دون اختزال الأرثودوكسية في السنة المتشددين. فقد استعمل مفردة ”الأرثودوكسية“ مطلقةً ليعبر عن بيئة أو موقف عام سبع مرات؛[23] واستعمل ”الأرثودوكسية الأشعرية“ مرة واحدة.[24] ولكن گولدتسيهر استعمل مفردة “Orthodoxie” أيضا مقترنة بتقويماته وأحكامه، فتحدث عن ”الأرثودوكسية المتشددة (strenge Orthodoxie)“ مرة واحدة؛[25] و”الأرثودوكسية القاتمة (finsteren Orthodoxie) مرة واحدة؛[26] و”الأرثودوكسية الجامدة (starre Orthodoxie)“ مرة واحدة؛[27] بل تأتي “Orthodoxie” أحيانًا بمعنى أقرب ”إلى استقامة الشخص وتديّنه المقبول،“ كما في قوله عن عبد السلام بن عبد الوهاب الملقب بركن الدين (ت. 611هـ/1214م): ”لم تكن أرثودوكسيته موضع تقدير كبير.“[28] واستعمل ”الأرثودوكسية الإسلاميّة في العصرِ الحديث“ (“neuzeitliche islamische Orthodoxie”) مرة واحدة في آخر مقالته.[29]
والأهم أيضا أن النعت ”أرثودوكسي “orthodox عند گولدتسيهر في هذه المقالة يتحرك عبر حقولٍ مختلفة: يتكلم عن ”الردة أو الاستعادة الأرثودوكسية“ في سياق سياسي هو انقلاب المتوكل العباسي (حكم 232-247هـ/847-861م) على المعتزلة،[30]وعن ”متوسط أو جمهور اللاهوتيين الأرثودوكس“ في سياق تصنيفي،[31] وعن ”الأوساط الأرثودوكسية،“[32] وعن ”سلطان أرثودوكسي.“[33] واللافت للانتباه أن گولدتسيهر يستعمل النعت لتقديم أبي حامد الغزالي بوصفه واحدا من ”السلط الأرثودوكسية،“[34] (مستحضرا غالبا شهرة الغزالي بلقب حجة الإسلام) وللحديث عن ”توصيف أرثودوكسي للفلسفة“ في سياق فتوى ابن الصلاح،[35] بل وعن ”المدارس الأرثودوكسية للإسلام“ التي استقر فيها تدريس مادة منطقية وكلامية على مدى طويل.[36]
الآن، وفي ضوء هذا التعدد في دلالات ”أرثودوكسية“ و”أرثودوكسي“ والتقييدات والتلوينات والتقويمات التي ربطها بها گولدتسيهر، هل هناك وجه للزعم بأن دعوى ”گولدتسيهر تتعلق بأهل السنة المتشددين“؟ لكي نجيب بالإيجاب، ونوافق البعزاتي على زعمه، يجب أن نتجاهل كل هذه التلوينات والتقييدات والاختلافات التي وردت في المقالة بخصوص الاسم والنعت المذكورين.
والصواب أن نقول إن المقالة تحاول أن ترصد مواقف الأرثودوكسية الإسلامية (أو أهل السنة بعموم) من علوم الأوائل وكيف تراوحت هذه الأرثودوكسية في مواقفها من تلك العلوم ما بين الشدة واللين والتحريم والإقبال، وتباينت من عالم إلى آخر ومن زمن إلى آخر؛ مع التنبيه إلى أن گولدتسيهر في ما يشبه الخاتمة لعمله، يفصِل في أسطر قليلة بين مواقف الأرثودوكسية القديمة التي يعتبرها تنتمي إلى زمن ولّى، وموقف الأرثودوكسية في العصر الحديث. بعبارة أخرى، إن مقالة گولدتسيهر ترصد مواقف ”الأرثودوكسية الإسلامية“ (بالمعنى الواسع الذي تستعمله المقالة ذاتها في المتن) من علوم الأوائل عبر درجاتٍ وسياقاتٍ متعددة، ولا تنهض عبارته الاصطلاحية ولا استعمالاته الداخلية شاهدًا لحصر الأطروحة في ”أهل السنة المتشدّدين“ وحدهم ولا في القدامى وحدهم.
3. القضية الثانية: ”گولدتسيهر يركز على الحنابلة“
وإذا ثبت بطلان القضية العامة—وهي أن دعوى گولدتسيهر تتعلق بـ”أهل السنة المتشددين“—فإن بطلان القضية الخاصة—وهي أنه ”يركّز على الحنابلة“—يكون حينئذٍ تحصيلَ حاصل؛ إذ يلزم عن انتفاء الأعم انتفاءُ الأخص، ولا يلزم العكس. ومع ذلك، فسنتناول القضية الثانية كما لو أنها مستقلة عن الأولى.
يعتقد البعزاتي أن گولدتسيهر ”يركّز على الحنابلة.“ لكن قبل أن نشرع في فحص هذه الدعوى واختبارها، ينبغي أن نسأل: ما معنى ”التركيز“ أصلًا؟ أهو مجرد التقاط أسماء حنبلية متناثرة في المتن ثم بناء انطباعٍ عليها؟ أم هو ادعاءٌ أثقل بكثير: أن الحنبلية هي مركز الثقل التحليلي—أي أن الوسم بالحنبلية يتكرر حتى يصير إطارًا مهيمنًا، وأن الصياغات الأكثر تقنينًا (=التحريم) بخصوص علوم الأوائل تُسند إلى حنابلة، وأن المثال الذي تُبنى عليه خلاصة المقالة مثالٌ حنبلي؟ إن لم تُضبط هذه القاعدة التمهيدية، صار ”التركيز“ كلمة ”مجملة“ تُستخدم للإيحاء بما لا يُثبت، لا معيارًا يمكن مساءلته. ثم لِنقُلها بوضوح: لسنا هنا في مسابقة أرقام لنحصي ”الأكثر حضورًا“ ثم نوزع الألقاب؛ فالأغلبية العددية—في حدود ما سيظهر لاحقًا—تميل أصلًا إلى غير الحنابلة، وتحديدًا إلى المعتزلة إن التزمنا بالمذهبية العقدية، وإلى الشافعية إن التزمنا بالمذهبية الفقهية. لكن القضية التي تهمّنا مختلفة: من أين تُصاغ القاعدة؟ وعلى أي مثالٍ تُحمَّل النتيجة؟ ومن الذي يُعطى حقّ تمثيل ”الأرثودوكسية“ في لحظة التقنين؟
وعند الرجوع إلى بنية المقالة كما تعكسها قائمة الأعلام والشواهد، ينهار من الأساس الإغراءُ الذي يقف خلف مثل هذا الادعاء: قائمة گولدتسيهر ليست ”قائمة مذهب“ كي يُستخرج منها حكمٌ خطّي؛ إنها قائمة شديدة التنوع زمنيًّا ووظيفيًّا ومذهبيًّا، تجمع فقهاء ومحدّثين ومتكلّمين وصوفية وأدباء ورحّالة ومؤرخين وحكامًا وغيرهم من قرون متباعدة. ومن هذه الجهة، فالمقالة غير صالحة—من حيث مادتها نفسها—لإنتاج عبارة مريحة من نوع: ”موقف الأرثودوكسية واحد وثابت،“ ولا لتمرير انطباع ”محور واحد“ بالسهولة التي توحي بها كلمة ”تركيز“ التي يستعملها البعزاتي. فالنص يكشف عن طيف واسع من التوجسات والتسويغات والتقييدات يتبدّل بتبدّل الموضوع (إلهيات، طبيعيات، حساب، هندسة، فلك، نجوم، منطق…) ويتلوّن بالمقام (فتوى، حكاية، ترجمة، واقعة سياسية) ويتغيّر مع الزمن والبيئة. لذلك فالسؤال الصحيح ليس: ”كم حنبليًّا مرّ في سطور المقالة؟“ بل ”من الذي يُمنح امتياز تمثيل القاعدة؟“ ومن الذي يُستدعى بوصفه النموذج الذي ”يشرح“ الباقي؟ أي: أيُّ نموذج تُبنى عليه الصياغة التقنينية، وتُساق إليه الشواهد بوصفها ملحقات؟ عندها فقط نتحدث عن ”تركيز“ بوصفه بنية حجاجية، لا إيحاءً عابرًا.
أولُ ما يجدر بنا تسجيلُه أن صناعة المنطق—من الناحية الكميّة—هي أوسعُ الملفّات التي خصّها گولدتسيهر ببحث موقف الأرثودوكسية منها.[37] أمّا من الناحية الكيفيّة، فإن الموقف من هذه الصناعة يمثّل لديه ذروةَ الهجوم السنّي على علوم الأوائل؛ إذ يقرر:
”تبلورَ في معسكرِ الأرثودوكسيةِ موقفٌ حاسم/مبدئي إزاءَ المنطقِ اليوناني، أكثرَ من سائرِ التخصّصاتِ الأخرى الداخلةِ في ’علومِ الأوائل‘.“[38]
وهنا يأتي الدليل الذي لا ينبغي تجاهله ومر عليه البعزاتي مرور الكرام: أكبر صياغة تحريمية ”تقنينية“ صريحة في ملفّ المنطق—أي تحريم الاشتغال بالمنطق بوصفه ”مدخلًا إلى الفلسفة“ وما يستتبعه من الدعوة إلى منع الاشتغال به وإخراج المشتغلين به من المدارس ومعاقبتهم…—يحمّلها گولدتسيهر لـ ”المحدث“[39] ابن الصلاح الشهرزوري، ويجعلها مثالًا لما يسميه انتقال دراسة المنطق إلى دائرة الحرام.[40] ثم يؤكد لاحقًا أن ”صواعق“ ابن الصلاح ضد المنطق لم تُثمر نجاحًا يُذكر.[41]وعليه، إذا كان هذا هو قلب ملفّ المنطق في المقالة، فكيف يُقال إن ”التركيز“ حنبلي؟ والحال أن أشد تقنين تحريمي في النص ليس حنبليًّا أصلًا، بل هو منسوب إلى ابن الصلاح الذي هو شافعي، ثم إن النص نفسه يسجل أن هذا التشدد لم ينتصر مؤسسيًّا. وهذا وحده كاف لإبطال اختزال ”العداء“ في الحنابلة إذا كان المقصود بالتركيز في المقالة ”مركز التحريم“ أو ”محور التقنين.“
وقد يُعترض علينا بالقول إن تقيّ الدين ابن تيمية (ت. 728هـ/1328م) حاضرٌ في المقالة بوصفه خصمًا جَلْدًا للفلسفة. نعم؛ فهو يُذكر مرتين، ويُقدَّم بوصفه من ألدّ أعداء ”العلوم القديمة،“ وبأنه من كبار الحنابلة. غير أن السؤال الحاسم هو: هل منحه گولدتسيهر الثقلَ التحليليّ نفسه الذي منحه لصياغة ابن الصلاح في شأن المنطق؟ لا تسنُد بنيةُ المقالة ذلك؛ إذ يظل حضور ابن تيمية هنا مهمًا بوصفه شاهدًا على تشدّدٍ حنبلي، لكنه لا يتحول—في اقتصاد النص—إلى محورٍ ينهض عليه الاستدلال برمّته.
وفي المقابل، إن مسار عرض گولدتسيهر يقود القارئ إلى مفصلٍ واضح في القرن السابع للهجرة/الثالث عشر للميلاد: تتبلور عند ابن الصلاح لأول مرة صياغةٌ تحريمية تقنينية تخصّ المنطق؛ ثم ينتقل النص إلى موقف تاج الدين السبكي (ت. 771هـ/1370م) بوصفه من شيوخ الشافعية الذين قيدوا حكم ابن الصلاح؛ ثم يُذكر ابن تيمية مع التنصيص على أن موقفه من المنطق يبقى مستقلًّا عن موقف ابن الصلاح؛ ثم يقدم جلال الدين السيوطي الشافعي بوصفه ناقلًا لقول ابن تيمية في المنطق، من جهة، وصاحبَ موقفٍ خاصٍّ به من جهة ثانية.[42] ومع ذلك لا يلبث النص أن يقيّد أثر هذه الهجمات، بل يؤكد بطلان مفعولها أمام الاكتساح الواسع للمنطق ولعلم الكلام الفلسفي.[43] فكيف يُنقل—إذن—مركز الاستدلال إلى ”الحنبلية“ من غير قرينةٍ نصية تُثبت أن الحنابلة هم قطب التحليل؟
وعلاوة على ذلك، فإن هذا المفصل يكشف أثر ”سياسة الإسناد المذهبي“ الموجودة في المقالة بين التصريح والإهمال في النص، حيث يُسكت عن مذهب صاحب أشدّ تقنين تحريمي في باب المنطق وهو ابن الصلاح، بينما يُصرَّح بالحنبلية في مواضع أخرى مشحونة، فتبرز ”الحنبلية“ في الذاكرة أكثر مما يسنده وزنها التحليلي. ومن هنا يرجح أن يكون قد تولّد انطباع ”أغلبية/تركيز حنبلي“ عند البعزاتي وغيره لا من بنية الحجة ذاتها، بل من طريقة توزيع الأوصاف بين التصريح والإهمال.
ثم هناك أمر منهجي أدق، إن دعوى ”التركيز على الحنابلة“ تصبح ملتبسة إذا كان الوصف ”حنبلي“ لا يشتغل دائمًا في النص بوصفه انتماءً فقهيًّا صارمًا، بل بوصفه إيحاء إلى اتجاه تقليدي أثري في العقيدة دون تدقيق. والدليل الحاسم على ما نقول هو أن گولدتسيهر يصنف شمس الدين الذهبي (ت. 748هـ/1348م) ”حنبليًا“ بل ”حنبليًّا متعصبًا“ في موضعين صريحين، مع أن الذهبي معروف عمومًا بأنه شافعي في الفقه (مع نزعة حديثية أثرية في الاعتقاد). فإذا صحّ هذا الافتراض، فلا يجوز منهجيًّا بناء نتيجة مثل ”التركيز الحنبلي“ اعتمادًا على تصنيف گولدتسيهر وحده؛ لأننا سنكون حينئذ نُحصي ”حنبليةً“ هي في الحقيقة خلطٌ بين معيارين: المذهب الفقهي من جهة، والنزعة التقليدية الأثرية في الاعتقاد من جهة أخرى، وهي موجودة في كثير من المذاهب على كل حال. يمكن للمرء أن يثير اعتراضا حول هذه النقطة بالذات: إذا كان المقصود بـ”الحنبلية“ اتجاها أثريا حديثيا، فلماذا سكت گولدتسيهر عن ذكر مذهب ابن الصلاح؟ ولماذا قرر تصنيف الذهبي حنبليا بدل تصنيفه أثريا شافعيا؟ نستبعد أن يكون القصد عند گولدتسيهر أن ينسب كل من هو متشدد إلى المذهب الحنبلي وكأن بقية المذاهب الأخرى لم يكن فيها متشددون تجاه العلوم القديمة؛ أو أن الحنابلة لم يشتغلوا بعلوم الأوائل، وگولدتسيهر نفسه لم يتردد في ذكر إسنادهم إلى المذهب الحنبلي، حيث نجده يصف ”الفيلسوف“ فخر الدين الأزجي (ت. 610هـ/1213م) بالحنبلي، فيقول:
”ويذكرون مثالًا لرجال الدين المتأثرين بالعلوم اليونانية، وكأنهم يريدون بهذا المثال التحذير، إسماعيل بن علي بن حسين الأزجي البغدادي الحنبليّ.“[44]
والحال أن التاريخ، كما تظهر المقالة، يكشف أن أكثر المواقف تشددا قد صدرت عن ابن الصلاح وشمس الدين الذهبي والسيوطي، وهم شافعية. ومن دون هذا التفكيك تصبح عبارة البعزاتي: ”گولدتسيهر يركز على الحنابلة“ عبارة فضفاضة.
وخلاصة القول: إذا كانت دعوى البعزّاتي تعني أن گولدتسيهر يجعل الحنبلية (فقهًا) محور مقالته، فإن النص لا يسعفه، لأن أقوى صياغة تحريمية تقنينية في ملفّ المنطق تُنسب إلى ابن الصلاح الشافعي ثم يُقرّ النص بعدم نجاحها، ولأن ”الوصف الحنبلي“ عند گولدتسيهر قد يوظف أحيانًا للإيحاء إلى التشدد أو المذهب الأثري وليس إلى تعريف فقهي دقيق. لذلك، إذا أردنا تقييم ”المناهضة“ داخل المقالة تقييمًا مضبوطًا، فالأصح أن تُصنَّف بحسب نوع الخطاب، فنميز في المواقف بين التحريم والتفصيل والتحفظ والاستثناء؛ ونميز في الموضوعات بين المنطق والفلسفة والنجوم والطبيعيات…، لا بحسب المذهب الفقهي وحده.
ومن الجدير بالذكر أن مقالة گولدتسيهر قد كانت موضوعًا لقراءات نقدية وتأويلات متعددة. ومن أبرزها قراءة جورج مقدسي، وقد ألمحنا إليها من قبل. غير أنه قبل عرض طرف بسيط موجز من هذه القراءة، يلزم تقييد النظر بالمقالة التي نعالجها نفسها: مقالة گولدتسيهر عن ”موقف الأرثودوكسية الإسلامية القديمة من علوم الأوائل،“ فالمسألة هنا ليست ما يمكن أن يُستنبط من مشروع گولدتسيهر العام، ولا ما شاع في الأدبيات اللاحقة من ربط ”الأرثودوكسية القديمة“ بالحنبلية، وإنما: ما الذي تسمح به هذه المقالة المخصوصة من تعيينات؟ وهل تسعف نصوصها القولَ بأن گولدتسيهر ”يركّز على الحنابلة“ أو بأنه يجعلهم ممثلين للأرثودوكسية الإسلامية القديمة؟
يقول جورج مقدسي:
”انتهى الأمر بگولدتسيهر إلى أن يرى في الإسلام نوعين من الأرثودوكسية: إحداهما سمّاها ’الرسمية،‘ أي الأشعرية ابتداءً من الغزالي؛ والأخرى سمّاها ’القديمة،‘ أي الحنبلية، وهي مدرسة لم يكفّ عن وصفها بالمتعصّبة والصلبة، المناهضة لكل مبدأ من مبادئ التقدّم. وسمّاها ’قديمة‘ لأنها كانت تتذرّع بالسلف الصالح. وهذه المدرسة التي وصفها بأنها ’صلبة ومتعصّبة،‘ كان يتناولها في معظم الأحيان مجسَّدةً في شخص واحد من أشهر ممثليها، هو تقيّ الدين ابن تيمية.“[45]
هكذا صار گولدتسيهر في قراءة مقدسي يقيم مقابلة صريحة بين ”أرثودوكسية إسلامية قديمة“ معادية للعلوم والفلسفة و”أرثودوكسية إسلامية حديثة/مجددة“ أكثر انفتاحًا، الأمر الذي جعله يسقط في تحيزٍ ضد الحنابلة.[46] غير أن هذا التأويل —على قوته في تركيب الصورة العامة—لا يجد في المقالة التي تهمنا ما يكفي لإسناده على جهة الإحكام. فگولدتسيهر في مقالة 1916، وعلى الرغم من حديثه عن ”الأرثودوكسية الأشعرية“ وعن ”الوسط الأرثودوكسي الحنبلي“ فهو لا يعرّف ”الأرثودوكسية القديمة“ تعريفًا يطابقها بالحنبلية بوصفها مذهبًا فقهيًّا، كما لا يقدم الأشعرية بوصفها ”الأرثودوكسية الرسمية،“ ولا يجعل ابن تيمية قطب التحليل في هذا النص. فگولدتسيهر، كما قلنا، لا يُسند مفصلَ ”تقنين التحريم“ في ملفّ المنطق—نعني الصياغة التي تُدخل المنطق في دائرة الحرام وتستتبع منع الاشتغال به—إلى ابن تيمية، وإنما يُسنده إلى ابن الصلاح، ويجعله المثال الأشد دلالة على ذروة الهجوم الأرثودوكسي على علوم الأوائل. ومن ثم، فليست القضية إنكار حضور ابن تيمية، وإنما بيان أن حضوره—في حدود هذه المقالة—لا يتحول إلى محورٍ ينهض عليه الاستدلال، ولا إلى تجسيدٍ وحيد لما يسميه النص ”الأرثودوكسية القديمة.“
ومن هنا أيضًا يُفهم موقف البعزّاتي حين يجعل ”الأرثودوكسية القديمة“ عند گولدتسيهر ممثلةً بالحنابلة؛ فإن هذا التعيين لا نجد له في المقالة المعنية ما يسنده على وجه الحصر أو المحورية. وقد يكون هذا المسلك متأثرًا بعمل آخر لگولدتسيهر،[47]وبتلقي مقدسي وما جرى مجراه؛ غير أن الأوفق منهجيًّا أن يُفحص: أين يصرح گولدتسيهر بما يفيد مطابقة الأرثودوكسية القديمة بالحنبلية؟ وأين يجعل الحنبلية إطارًا تفسيريًّا لبنية النص، لا مجرد اسمٍ حاضر في بعض الشواهد؟ لأن تحويل ”حنبلي“ من علامةٍ في بعض السياقات إلى مفتاحٍ يفسر المقالة برمتها أمر يحتاج إلى دليلٍ نصي لا إلى تواطؤ تأويلي لاحق.
والحق أن گولدتسيهر في مقالة (1916) لا يركز على الحنابلة؛ فالمقالة ليست بحثًا في ”موقف الحنابلة“ من علوم الأوائل، وإنما يعرض مواقف متفرقة من مذاهب وبيئات مختلفة، تدخل فيها الحنبلية ضمن غيرها. ومن يقرأ المقالة في جملتها يجد فيها إحالات إلى الشافعية والمالكية، كما ترد فيها أخبار ومواقف تُنسب إلى متكلمين معتزلة وغيرهم، وتظهر أسماء من طراز الشاطبي (ت. 790هـ/1388م) وابن حزم (ت. 456هـ/1064م) والفخر الرازي والغزالي والسنوسي (ت. 895هـ/1490م)، فضلًا عن ابن تيمية. لذلك فالأقرب أن يقال، كما أوردنا أعلاه: إن المقالة ترصد ”مواقف أوساط أرثودوكسية إسلامية قديمة“ من علوم الأوائل، مع ميلٍ واضح إلى إبراز الأوساط السنية المتعددة، لا إلى تخصيص الحنابلة بالبحث ولا إلى جعلهم المحور الوحيد.
ويحسن بنا في ختام تحليلنا لهاتين للقضيتين بخصوص مقالة گولدتسيهر أن نذكر أن الدّارسين قد تنبّهوا إلى أن مفهوم ”الأرثودوكسية الإسلامية“ عسيرُ الضبط من جهة المذهب والحدود والتعريف، وأنه لا يتيح تعيين ”القائمين عليه“ تعيينًا سوسيولوجيًّا محكمًا؛ كما لاحظوا أن گولدتسيهر نفسه—مع شعوره بإشكال إطلاق لفظ ”الأرثودوكسية“ في السياق الإسلامي[48]—كان يكثر من استعماله في تصانيفه.[49] وقد تأكدت لنا هذه الملاحظة عند فحصنا، في الصفحات السابقة، محتويات المقالة التي تعنينا، أي مقالة (1916): ففقد بينا أن التعبير الكامل، أي ”الأرثودوكسية الإسلامية القديمة“ لا يرد إلا في عنوان المقالة (ويتكرر في رأس الصفحات)، بينما يشتغل المتن فعليًّا بمفردات وصفية مرنة ومتدرجة (nuanced). ولهذا ندعي أن ”قِدَم“ الأرثودوكسية في عنوان المقالة قد أسهم في توليد التباس كبير: أيعني به المتشددين عمومًا، أم الحنابلة على وجه الخصوص، أم مجرد تقابلٍ زمنيّ بين ”أرثودوكسية قديمة“ وأخرى ”حديثة“ معاصرة لزمن گولدتسيهر؟ لا سيما وأن بناء المتن على أوصافٍ متدرجة لأشكال متعددة داخل ما يسميه ”الأرثودوكسية“ دون تعريفٍ مذهبيٍّ صريح. وهذا—بدوره— ما يفسّر الانزلاق التأويلي (الاختزالي) الذي حصل للبعزاتي عندما حصر ”الأرثودوكسية“ في ”أهل السنة المتشدّدين“ أو في ”الحنابلة،“ مع أن نص المقالة نفسه لا ينهض بهذا التعيين وحده. وبالجملة فإن تتبّع استعمالات گولدتسيهر لمفهوم ”الأرثودوكسية“ لا تسمح بالقفز إلى تعيينٍ مذهبيّ جاهز.
4. القضية الثالثة: الأغلبية الحنبلية الموهومة
في معرض حديثه عن صلب دعوى گولدتسيهر يقول البعزاتي:
”يرى الدارس المجَري أن الفقهاء المتشددين اتخذوا مواقف مناوئة إزاء العلوم العقلية، وعبّروا عن ذلك بأشكال متنوعة. فأحياناً يدعون إلى إحراق كتب العلوم والفلسفة والمنطق، وأحياناً يتّهمون المقبِلين على قراءة تلك الكتب بالكفر والزندقة والمروق، وأحياناً يصدرون أحكاماً وفتاوى بالسجن أو التعذيب أو النفي أو المنع من التدريس.“[50]
لا خلاف في أن البعزاتي يلتقط—في الجملة—جانبًا حقيقيًّا من مقال گولدتسيهر حين يبرز صور التنديد عند بعض الفقهاء بعلوم الأوائل، غير أنّ الإشكال أنه يقدّم هذا الجانب بوصفه ”صلب الدعوى،“ وهو في الحقيقة اختزالٌ لها وحجبٌ لعنصرين حاسمين. فأطروحة گولدتسيهر ليست مجرّد تعدادٍ لأشكال الرفض من تحريمٍ وإحراقٍ وتشنيع، وإنما تَعرض مشهداً أوسع وأكثر تدرّجاً داخل ما يسميه من ”الأرثودوكسية“: طيفًا من الخطابات يتراوح بين الرفض الصريح، والتحذير والتخويف، والقبول الانتقائي الذي يسمح بعلم ويمنع آخر، ومحاولات ”توطين“ المنطق وتوظيفه خادماً للعلوم الشرعية. ثم إن الأهم—وهو ما يطمسه عرض البعزاتي—أن گولدتسيهر نفسه لا يدّعي نجاح هذه المعارضة في شلّ العلوم العقلية؛ بل يصرّ على أن الاشتغال بها قد تواصل رغم أصوات التحريم والإنكار. ولو قُدّم ”صلب الدعوى“ كاملاً لوجب أن يُصاغ على شقّين معاً: تعدّد المواقف داخل المجال الأرثودوكسي من جهة، وفشل المقاومة النهائية في القضاء على حضور علوم المعقول من جهة ثانية.
انسجاماً مع اختزاله دعوى گولدتسيهر في صورة ”مواقف متشدّدة“ فحسب، يقفز البعزاتي—كما لو كانت النتيجة بديهية—إلى تعميمٍ كمّي مُرسل: أن گولدتسيهر ”يأتي بأغلب الأمثلة“ لهذه المواقف من الحنابلة. وبعبارته: ”يأتي گولدتسيهر بأغلب الأمثلة على تلك المواقف من الفقهاء الحنابلة، وبعض المالكية والشافعية.“[51] غير أن هذا ”الأغلب“ ليس معلوما، بل هو ادّعاءٌ يحتاج برهانًا؛ لأن البعزاتي لا يقدّم أي معيار للاحتساب ولا أي إجراء للإحصاء، فيظلّ القارئ أمام رقمٍ بلا حساب. ما الذي يُسمّى ”مثالاً“ هنا؟ اسمُ فقيه؟ نصٌّ منقول؟ حادثةُ اضطهاد؟ فتوى؟ وأيّ أغلبية يقصد: عددية أم خطابية تُقاس بطول الاستشهادات وشدّة العبارات؟ ثم إن هذا التقرير لا معنى له أصلاً ما لم يُختبر على متن مقالة گولدتسيهر نفسها: كم اسمًا يَسمه گولدتسيهر صراحةً بالحنبلية (أو بالمالكية أو بالشافعية)؟ وكم اسمًا يُهمل مذهبه ابتداءً؟ وكم نموذجاً تُسند فيه الصيغ الأشدّ تحريماً إلى غير الحنابلة؟ من دون هذا الفحص تصبح جملة ”أغلب الأمثلة“ مجرّد انطباعٍ مُوجه للقراءة، لا نتيجةً موثّقة؛ وتغدو وظيفةُ العبارة واضحة: تمهيد الطريق—من غير دليل—لردّ ظاهرةٍ مركّبة إلى قالبٍ مذهبي جاهز.
هكذا يتأرجح البعزاتي بين دعويين مختلفتين في الطبيعة والمنهج: دعوى أن ”گولدتسيهر يركز على الحنبلية“ ودعوى ”الأغلبية العددية للحنابلة.“ فالأولى تتعلق بمحور التحليل وبؤرة الاستدلال: أي بمن يجعلهم النص مفتاحًا تفسيريًّا لموقف ”الأرثودوكسية القديمة،“ وبمن تُسند إليهم الصياغات الأشد دلالة ومفاصل التقنين، وقد أظهرنا أن الحنبلية لم تكن مركز التقنين في النص، بل كانت الشافعية. أما الثانية فدعوى إحصائية تتعلق بعدد الأمثلة أو عدد الأعلام أو عدد المواقف، ولا تقوم إلا على معيار عدٍّ مُعلن وإحصاء يمكن مراجعته. والخلط بين هذين المستويين يُنتج انتقالًا غير مبرر: إذ قد لا تكون الفئة ”أغلبية“ ومع ذلك قد تُمنح في السرد وظيفةً رمزيةً توحي بالمركزية، وقد تكون ”أغلبية“ عددية من دون أن تكون محورًا تحليليًّا.
وفي هذا السياق، يظل مثال سيف الدين الآمدي (ت. 631هـ/1233م) الذي يستحضره البعزاتي لدعم قوله عنوان الالتباس والتذبذب من حيث الضبط التاريخي، لا سيما مع غياب تحديد الزمان والمكان والفاعلين، ومع عدم الإحالة إلى وثيقة بعينها تُسوِّغ القطع بأن الحنابلة كانوا المسؤولين المباشرين عن اضطهاده. يقول البعزاتي:
”وأتى بمثال سيف الدين الآمدي (وف 631/1233) الذي كان حنبليًا، ثم تحوّل إلى الشافعية، وأقبل على العلوم العقلية، فأدانه الحنابلة واضطهدوه وأباحوا دمه وهرب.“[52]
غير أن هذا التقرير—في صيغته الحالية—يتضمن دعوى مركّبة (الحنبلية الأولى، ثم التحول، ثم إدانة الحنابلة له تحديدًا، ثم ”إباحة الدم“) من دون أن يقرنها بمصدر مُعيِّن يذكر اسم الجماعة أو يصرّح بانتمائها المذهبي. ومع أننا لا ننفي احتمال أن يكون في خصوم الآمدي فقهاء حنابلة، أو أن يكون البعزاتي قد وقف على نصٍّ خاص يعيّنهم ولم يورده، فإن ما نجده عند شمس الدين ابن خلكان (ت. 681هـ/1282م)—وهو قريب زمنًا نسبيًّا إلى الآمدي—لا يذكر الحنابلة، بل يورد توصيفًا عامًّا لخصومه من ”فقهاء البلاد“ دون تحديد، فيقول:
”كان [الآمدي] في أول اشتغاله حنبلي المذهب، وانحدر إلى بغداد وقرأ بها على ابن المني أبي الفتح نصر بن فتيان الحنبلي، وبقي على ذلك مدة ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي، رضي الله عنه. وصحب الشيخ أبا القاسم بن فضلان واشتغل عليه في الخلاف وتميز فيه، وحفظ طريقة الشريف وزوائد طريقة أسعد الميهني […]. ثم انتقل إلى الشام واشتغل بفنون المعقول وحفظ منه الكثير وتمهر فيه وحصل منه شيئاً كثيراً، ولم يكن في زمانه أحفظ منه لهذه العلوم. ثم انتقل إلى الديار المصرية وتولى الإعادة بالمدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي، رضي الله عنه، التي بالقرافة الصغرى، وتصدر بالجامع الظافري بالقاهرة مدة، واشتهر بها فضله واشتغل عليه الناس وانتفعوا به. ثم حسده جماعة من فقهاء البلاد وتعصبوا عليه ونسبوه إلى فساد العقيدة وانحلال الطوية والتعطيل ومذهب الفلاسفة والحكماء، وكتبوا محضرًا يتضمن ذلك، ووضعوا فيه خطوطهم بما يستباح به الدم. وبلغني عن رجل منهم فيه عقل ومعرفة أنه لما رأى تحاملهم عليه وإفراط التعصب كتب في المحضر وقد حمل إليه ليكتب فيه مثل ما كتبوا فكتب:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالقوم أعداءٌ له وخصوم
والله أعلم. وكتب فلان بن فلان. ولما رأى سيف الدين تألبهم عليه وما اعتمدوه في حقه، ترك البلاد وخرج منها مستخفيًّا وتوصل إلى الشام، واستوطن مدينة حماة.“[53]
ومثله ما يُستفاد من شمس الدين الذهبي من غير تعيينٍ مذهبيٍّ صريح.[54]
وإذا كان تلميح ابن تيمية—مع ما له من حساسية خاصة تجاه المنطق والفلسفة—قد يفتح احتمال مشاركة حنابلة في مثل هذه المحاضر، عموما، فإنه لا ينهض دليلًا على تعيينهم وحدهم، بل يوحي بتعدد الجهات المشاركة؛ إذ يذكر أنه رأى فتوى ”للمتأخرين“ عليها خطوط ”جماعة من أعيان زمانهم من أئمة الشافعية والحنفية وغيرهم“ في تحريم المنطق وعقوبة أهله.[55]ومن ثمّ فالإشارة هنا—خصوصًا مع ذكره الشافعية والحنفية و”غيرهم“—تدفع إلى الحذر من نسبة محاضر ”إباحة الدم“ إلى مذهب واحد دون نصٍّ صريح، كما أن ذكر الأحناف قد يفهم في سياق اعتراض بعضهم على طريقة المتأخرين في أصول الفقه. وبناءً عليه، فإن حُجّة البعزاتي لا تكتسب قوتها إلا إذا أُرفقت بتوثيق محدّد يصرّح بأن الموقعين أو المحرِّضين كانوا ”حنابلة“ بالاسم، وإلا فإن أقصى ما تسمح به الشواهد هو القول بوجود تحالف فقهاء من مذاهب متعددة ضد الآمدي، دون أن يكون هناك إجماع في الموضوع ولا أن يكون الحنابلة وحدهم المسؤولون عن إدانته وإهدار دمه.
وبناءً عليه، لا تكتسب حُجّة البعزاتي قوةً إلا إذا أُرفقت بتوثيقٍ محدَّد يصرّح بأن الموقعين أو المحرِّضين كانوا ”حنابلة“ بالاسم. أمّا من دون ذلك، فإن أقصى ما تسمح به الشواهد هو القول بوجود تحالف فقهاء من مذاهب متعددة ضد الآمدي، من غير إجماعٍ في المسألة، ومن غير موجبٍ لنسبة المسؤولية إلى الحنابلة وحدهم في إدانته وإهدار دمه. وبالجملة، إذ يعفي البعزاتي نفسه من إقامة الدليل على هذه النسبة، يبدو كأنه يراهن على ”سمعة“ الحنابلة: فيُستدعى القارئ ليكملَ البرهانَ —ويحمل المسؤولية للحنابلة— بدلَ أن يجدَه.
أكثر من ذلك، يبدو لنا أن البعزاتي نفسه قد تراجع عن موقفه، لكن من غير أن يصرّح بذلك، ولا أن يُطلع القارئ على صيغته السابقة. والدوغمائية—كما هو معلوم—لها ثمنٌ يُدفع أحيانًا: فإذا ضاق الدليل، اتسع التأويل.
فإذا كان البعزاتي يذهب في عمله الفكر العلمي والثقافة الإسلامية إلى أن الحنابلة أدانوا سيف الدين الآمدي واضطهدوه وأباحوا دمه—من دون دليل واضح يذكر—فإنه في معرض رده علينا يعود إلى النقطة نفسها، ولكن على طريقةٍ أخرى؛ فيقول:
”وفعلاً، لا يتردد الحنابلة في الدعوة الصريحة إلى نبذ الأفكار غير المألوفة عندهم وفي ممارسة العنف، حتى مع علماء فقه متمكنين، مثل الطبري وابن عبد السلام. بل هاجم بعض المتزمتين حتى من نظر في أصول الفقه نظرًا عقليًّا، مثل أبي الحسن الآمدي (وف 1233/631) وتلميذه ابن عبد السلام (وف 1262/660).“[56]
هنا تبدأ الحكاية: يفتتح البعزاتي كلامه بتقريرٍ حاسم عن الحنابلة—”لا يترددون،“ ”يدعون صراحة،“ ”يمارسون العنف“—ثم حين يصل إلى المثال الذي يفترض أن يحمل هذا التعميم ويثبته، لا نجد ”الحنابلة“ في المثال، بل نجد اسمًا جديدًا أكثر ليونةً وأقلّ مسؤولية: ”بعض المتزمتين.“ فجأةً، وبهدوءٍ شديد، يتحوّل الفاعل من جماعةٍ محددة إلى ظلٍّ مبهم، إلى شبح. والنتيحة ما عاد الآمدي ”مُهدَر الدم“ على يد الحنابلة، ولا عُدنا نعرف مذهب الذين هاجموه، ولا بأي صفة، ولا على أي وجه. كل ما لدينا الآن: ”بعض المتزمتين.“ وكأن المطلوب أن نقبل أن هذا ”البعض“ يقوم—آليًّا—مقام ”الحنابلة،“ وأن الضباب يصلح حيث لا يصلح الدليل.
والأطرف أن هذا التعديل يقع من غير أدنى إحالة على الصيغة السابقة التي كان يقررها في الكتاب المذكور، ولا على الموضع الذي كنا نناقشه. لا اعتراف بتغيّر العبارة والموقف، ولا بيان لمسوغه، ولا تحديد لمن صاروا هم الفاعلين. مجردُ انتقالٍ سلس: من تعيينٍ صلب إلى تعميةٍ رخوة، ومن نسبةٍ مباشرة إلى وصفٍ مطاط—ثم يُطلب من القارئ أن يواصل التصديق كأن شيئًا لم يحدث.
ثم يزيد الأمر وضوحًا أن البعزاتي يسند كلامه في الهامش إلى ثلاثة مصادر في ترجمة الآمدي: وفيات الأعيان لابن خلكان (وقد ذكرناه أعلاه وبيّنا إفادته)، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (ت. 851هـ/1447م).[57] وهذه المصادر—على تفاوتها من حيث القيمة التاريخية—لا نجد فيها إشارة واحدة تقول إن الحنابلة هم الذين أهدروا دم الآمدي. فالمادة التي استُدعيت للشهادة لا تشهد لما أُريد لها أن تشهد به. فماذا يبقى إذن؟ يبقى ”بعض المتزمتين“: عبارة تصلح لتسكين الانطباع، ولإنشاء التداعيات، ولكن المؤكد أنها لا تصلح لتأسيس دعوى.
والخلاصة أن البعزاتي صنع هنا تركيبًا لا يستقيم حجاجيًّا: تعميمٌ باسم الحنابلة في صدر الكلام، ثم مثالٌ بلا فاعلٍ معيَّن في آخره. فإذا كان الفاعل في المثال مجهولًا، وكان مجهولُه لا يُردّ إلى الحنابلة بدليلٍ من المصادر التي أحال إليها، فإن المثال لا يسند التعميم، بل يفضحه. ومن ثمّ فقولُه إن ”الحنابلة لا يترددون“ لا يقوم على برهان، بل على مناورةٍ لغوية: يلوّح باسمٍ كبير حيث تُطلب الإثارة، ثم يُبدله بـ”بعض“ حيث تُطلب المسؤولية. وهذا—في نهاية المطاف—لا يُسقط حجةً لنا بقدر ما يكشف طريقةَ صناعة الحجة عند البعزاتي.
وبعد استعراضنا لهذا التطور ”غير المعلن“ في موقف البعزاتي من الحنابلة ومسؤوليتهم في الهجوم على علوم الأوائل، نعود إلى كتابه المذكور، حيث يقول عن گولدتسيهر:
”ثم أتى بنصوص من عند ابن الجوزي وابن الصلاح وابن تيمية والشاطبي والسيوطي تمنع النظر في العلوم العقلية، أو حتى قراءة كتبها.“[58]
وهذه أمثلة—حتى لو أُريد بها التمثيل لا الحصر— تعكس فعلا موقف الأرثودوكسية الإسلامية من علوم الأوائل، لكنها لا تسعف دعوى ”الأغلبية الحنبلية“ نفسها؛ لأن هذه الأسماء مختلفة المذاهب والاتجاهات، ففيها الحنبلي وفيها الشافعي وفيها المالكي (حنبليان وشافعيان ومالكي)، فضلًا عن أن قائمة گولدتسيهر أوسع بكثير من هذا الانتقاء. وعليه فالأدق أن يقال: إن النص يعرض معارضةً عابرة للمذاهب والبيئات، تتخذ صورًا متعددة (تحريم، وتحذير، وتضييق، واستثناءات…) ولا تنحصر في قالب مذهبي واحد.
ولكي نرسم صورةً أقرب إلى جغرافيا المواقف السلبية—المناوئة والمتحفِّظة والمحذِّرة…—تجاه علوم الأوائل، نقترح الرجوع إلى نصّ گولدتسيهر نفسه؛ إذ يورد قائمةً من الشخصيات (فقهاء، ومتكلمين، ورحّالة، وشعراء، وأدباء، وظرفاء، وأصحاب مناصب…) عبّرت—بحسب عرضِه—عن مواقفها السلبية بوضوح. وسنعرض هذه القائمة بذكر أسماء الأعلام، مع إثبات تصنيف گولدتسيهر لكل واحدٍ منها، سواء صرّح بانتمائه المذهبي أم سكت عنه، معولين في الإحالة على الترجمة العربية للمقالة لسهولة العودة إليها.
- عبد الوهاب الشعراني(ت. 973هـ/1565م)
التصنيف: متصوف
وظيفة الشاهد: موقف معادٍ (كراهية) لعلوم الأوائل (علم الحرف وعلم الرمل والهندسة والسيمياء وغير ذلك من علوم الفلاسفة)
الموضع: ص 124، هـ 1.
- أبو الحسن الماوردي(ت. 450هـ/1058م)
التصنيف: معتزلي
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف السلبية من علوم الأوائل (حصر المقصود من نصوص الحثّ على العلم في العلوم الدينية، لا ”علوم العقل.“)
الموضع: ص 127.
- تقي الدين ابن تيمية(ت. 728هـ/1328م)
التصنيف: ”الحنبلي الكبير“
وظيفة الشاهد: من ألد أعداء العلوم القديمة/موقف سلبي من الفلسفة والمنطق
الموضع: ص 127، 164.
- أبو إسحاق الشاطبي(ت. 790هـ/1388م)
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف السلبية من علوم الأوائل، كما يعبر عنه جمهور المتكلمين الأرثودوكسيين
الموضع: ص 127.
- شهاب الدين عمر السهروردي(ت. 632هـ/1235م)
التصنيف: متصوف
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف السلبية من علوم الأوائل
الموضع: ص 129، 130.
- تاج الدين السبكي(ت. 771هـ/1370م)
التصنيف: ”من شيوخ الشافعية المشهورين“
وظيفة الشاهد: موقف سلبي من الفلسفة وإيجابي من المنطق
الموضع: ص 133.
- شمس الدين الذهبي(ت. 748هـ/1348م)
التصنيف: ”حنبلي متعصب“
وظيفة الشاهد: روايات/مواقف في سياق العداء لعلوم الأوائل والمشتغلين بها
الموضع: ص 128 هـ 1، 133، 135 هـ2.
- ابن المرتضى(ت. 840هـ/1436م)
التصنيف: ”من رجال الزيدية ذو توجه معتزلي“
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف السلبية من علوم الأوائل/الفلسفة
الموضع: ص 133.
- عبد القادر الجيلاني(ت. 561هـ/1165م)
التصنيف: ”المتصوف الكبير“ و”المتصوف الحنبلي الكبير“
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف السلبية من علوم الأوائل
الموضع: ص 135–136.
- ابن يونس (ت. 593هـ/1196م)
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب (الوزير)
وظيفة الشاهد: ضمن سياق محاكمة أحد المشتغلين بعلوم الأوائل
الموضع: ص 136–137.
- ابن الجوزي (ت. 597هـ/1201م)
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب
وظيفة الشاهد: شاهد ضمن سياق محاكمة أحد المشتغلين بعلوم الأوائل
الموضع: ص 136–137.
- المستنجد بالله (ح. 555هـ-566هـ/1160م-1170م)
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب (خليفة)
وظيفة الشاهد: أمر بإحراق كتب الفلاسفة التي كان بحوزة أحد القضاة المتهمين بالفساد.
الموضع: ص 137.
- أبو العباس ابن ثوابة(ت. 277هـ/890م)
التصنيف: لم يصرح بالمذهب ”أحد ظرفاء بغداد“
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف السلبية من المنطق/علوم الأوائل
الموضع: ص 139.
- أبو الحسين ابن فارس(ت. 395هـ/1004م)
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب
وظيفة الشاهد: ”معبر عن الشعور العام في الدوائر السنية عن خطر الهندسة على الدين“
الموضع: ص 139.
- الصاحب بن عباد(ت. 385هـ/995م)
التصنيف: ”الوزير العالم… أحد الأنصار المتعصبين لمذهب المعتزلة“
وظيفة الشاهد: نموذج على موقف المعتزلة السلبية تجاه المنطق
الموضع: ص 139، 149.
- أبو حامد الغزالي(ت. 505هـ/1111م)[59]
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف السلبية من علوم الأوائل
الموضع: ص 140 هـ 1، 141–142، 146–147.
- ابن قتيبة(ت. 276هـ/889م)
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف السلبية من علوم الأوائل
الموضع: ص 140 هـ 2.
- أبو سعيد السيرافي(ت. 368هـ/979م)
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف السلبية من المنطق/علوم الأوائل
الموضع: ص 140 هـ 2.
- محمد بن يونس [يوسف] البحراني من أربيل (ت. 585هـ/1189م)
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب (”متدين ولغوي“)
وظيفة الشاهد: ضمن سياق التراجع عن الاشتغال بعلم الأوائل وذمها، اعتمادا على رواية السيوطي.
الموضع: ص 142.
- أبو الحسن البرذعي(كان حيًّا في القرن الثالث للهجرة/التاسع للميلاد)
التصنيف: ”معتزلي متقدم“
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف السلبية من علوم الأوائل
الموضع: ص 144.
- ابن موسى النوبختي(ت. 310هـ/922م)
التصنيف: ”متكلم معتزلي شيعي“
وظيفة الشاهد: نموذج على موقف المعتزلة المعادي للتنجيم
الموضع: ص 144.
- أبو الحسن الأشعري(ت. 324هـ/936م)
التصنيف: ”مؤسس المذهب الأشعري“ (ورأيه المعتمد في المذهب الأشعري)
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف السلبية للأشعرية من علوم النجوم/علوم الأوائل
الموضع: ص 144.
- محمد بن إدريس الشافعي(ت. 204هـ/820م)
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب (من البديهي أنه مؤسس المذهب الشافعي)
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف السلبية من علم النجوم
الموضع: ص 144.
- الليث بن المظفر (توفي في الربع الأخير من القرن الثاني للهجرة/أواخر القرن الثامن وبداية القرن التاسع للميلاد)
التصنيف: لم يصرح بالمذهب. محرر كتاب العين [في اللغة]
وظيفة الشاهد: رفض تعلم النجوم التزاما بكراهة العلماء له.
الموضع: ص 145.
- فخر الدين الرازي(ت. 606هـ/1210م)
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب
(”مفسر ومتكلم كبير، قريب كل القرب من الفلسفة“)
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف السلبية من الفلك/ علوم الأوائل
الموضع: ص 145–146.
- السلطان خوارزم شاه أبو العباس مأمون الثاني (ح. 399-407هـ/1008-1017م).
التصنيف: لم يصرح بالمذهب. ”السلطان السني“
وظيفة الشاهد: ضمن سياق وصف خبر أحد الرحالة لظاهرة فلكية غير معتادة بأنه إلحاد وقرمطة. إلا أن العالم البيروني (ت. 440هـ/1048م) قد أكد له صدق هذا الخبر.
الموضع: ص 146.
- ابن حجر الهيتمي(ت. 974هـ/1567م)
التصنيف: ”أحد كبار رجال الشافعية“
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف من علوم الأوائل
الموضع: ص 147.
- محمد بن يوسف الكرماني(ت. 786/1384م)
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب.
وظيفة الشاهد: ضمن سياق المواقف السلبية من الفلك/ علوم الأوائل
- الإمام عبد الله [كذا] جعفر الصادق [أبو عبد الله](ت. 148هـ/766م)
التصنيف: أشار إلى وجود موقفه في كتب الشيعة، مع تنبيه إلى صلةٍ بالمعتزلة
وظيفة الشاهد: ضمن سياق موقف المعتزلة المعادي للمنطق/أو سياق قريب منه
الموضع: ص 149–150.
- المنصور بن أبي عامر(ت. 392هـ/1002م)
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب
وظيفة الشاهد: أمر بإحراق كتب علوم الأوائل اعتمادًا على رأي رجال الدين
الموضع: ص 151.
- الجاحظ(ت. 255هـ/868م)
التصنيف: معتزلي
وظيفة الشاهد: مثال لموقف المعتزلة المعادي للطب
الموضع: ص 149، هـ 1.
- ابن جبير(ت. 614هـ/1217م)[60]
التصنيف: مالكي (”الرحالة الكاتب البارع“)
وظيفة الشاهد: مثال لموقف المالكية المعادي للفلسفة
الموضع: ص 153.
- ابن الصلاح(ت. 643هـ/1245م)
التصنيف: ”من أشهر المحدثين… وإمام من أكبر أئمة الحديث؛“ لم يصرّح بالمذهب
وظيفة الشاهد: صياغة تحريمية تقنينية تخص المنطق
الموضع: ص 158–164.
- شهاب الدين ابن مري (كان حيًّا عام 728هـ/ 1328م)
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب (”تلميذ ابن تيمية“)
وظيفة الشاهد: في سياق وصية أتباع ابن تيمية بالعناية برسالته في الرد على عقائد الفلاسفة.
الموضع: ص164.
- جلال الدين السيوطي(ت. 911هـ/1505م)[61]
التصنيف: لم يصرّح بالمذهب
وظيفة الشاهد: ضمن سياق شرح/نقل موقف ابن تيمية من المنطق أو موقف خاص به
الموضع: ص 165–166.
تسمح هذه اللائحة—إذا التزمنا بما صرح به گولدتسيهر نصًّا في خانة ”التصنيف“ وحده—بنقل دعوى ”الأغلبية الحنبلية“ من طور الانطباع إلى طور الإحصاء، ولكن بشرط إعلان معيار الاحتساب. ويُقصَد بالإحصاء هنا: التصنيف المصرَّح به في نص مقالة گولدتسيهر، لا المعلوم من كتب التراجم. فوفق التصنيفات الصريحة داخل الفئات المعتمدة (حنبلي/مالكي/شافعي/حنفي/معتزلي/شيعي/زيدي/صوفي/أشعري)، لا يظهر ”الحنبلي“ صراحةً إلا في ثلاثة أسماء (عبد القادر الجيلاني، وتقي الدين ابن تيمية، وشمس الدين الذهبي [كذا])، مقابل حضورٍ أوفر للتصنيف الاعتزالي (ستة أسماء وفق اللائحة)، وثلاثة في التصنيف الصوفي (ومنها الجيلاني بتصنيف مركّب)، واسمين في التصنيف الشافعي، مع حضور شيعي في اسمين وزيدي في اسم واحد وأشعري في اسم واحد، فضلًا عن تداخل بعض التصنيفات المركبة من قبيل الزيدي/المعتزلي والشيعي/المعتزلي. والأهم—من جهة المنهج—أن عددًا كبيرًا من الأعلام يرد من غير تصريحٍ بانتمائه داخل هذه الفئات أصلًا؛ وهو ما يجعل أي تعبير من قبيل ”أغلب الأمثلة“ متوقفًا على قاعدة مُعلَنة: هل تُحتسب الأسماء التي يسكت النص عن تصنيفها ضمن فئةٍ بعينها اعتمادًا على معرفة خارجية، أم تُستبعد من الإحصاء؟ فإذا لم يُبيَّن هذا المعيار، بقيت ”الأغلبية الحنبلية“ محض توجيهٍ تأويلي لا نتيجةً يفرضها إحصاء مضبوط.
وكما يظهر من هذه المعطيات، لا يجيز نصّ اللائحة—وفق معيار ”التصنيف المصرح به“—الحديث عن ”أغلبية“ بالمعنى العددي الصارم لصالح الحنبلية؛ غير أنه يجيز—وبوضوح—القول إن الاعتزال هو الأبرز حضورًا بين التصنيفات المُصرَّح بها، وهو ما يُضعف كل محاولة لنقل مركز التحليل إلى ”الحنبلية“ بوصفها قطبًا مهيمنًا. والمفارقة—الجديرة بالتنبيه—أن الاعتزال، الذي يُقدَّم عادةً بوصفه عنوان ”العقلانية“ في سياقات المسلمين، والعدو اللدود للحنبلية، هو ذاته الأكثر تكرارًا هنا في سياق الشواهد المناوئة لعلوم الأوائل.
وحتى إذا أخذنا بعين الاعتبار توصيفَ مذهبٍ أو مدرسةٍ بأكملها داخل المقالة بوصفها تيارًا معاديًّا لعلوم الأوائل، فإننا نجد أن گولدتسيهر لا يذكر الحنبلية إلا مرةً واحدة بوصفها ”وسطًا“ ضمن أوساط الأرثودوكسية،[62] كما يذكر المالكية صراحةً مرةً واحدة أيضًا.[63] في المقابل، يشير إلى المعتزلة والأشاعرة مرتين على نحوٍ صريح،[64] وثالثةً على نحوٍ غير صريح، فضلًا عن إشارته مرةً واحدة إلى موقفٍ شائعٍ في بعض كتب الشيعة.[65]
وهذا لا يقتضي قلب الصورة رأسًا على عقب بقدر ما يقتضي الحذر من منطق ”الطبائع المذهبية“: فكثافة الإحالات إلى المعتزلة في هذا الباب تكشف أن علاقة الفرق/المذاهب بالعلوم العقلية ليست خطية بسيطة، وأن المادة نفسها لا تسعف في ردّ المواقف إلى قطبٍ واحد—حنبلي أو غيره—بقدر ما تشي بتداخلاتٍ وتوتراتٍ داخل كل تقليد.
أما إذا أجزنا لأنفسنا الانتقال من الإحصاء الداخلي لما صرّح به گولدتسيهر إلى إعادة التصنيف تاريخيًّا على أساس ما استقرّ في كتب التراجم والطبقات، فإن ذلك لا يقوّي دعوى ”الأغلبية الحنبلية“ بل يضعفها؛ لأن أسماءً محوريةً سكت النص عن تصنيفها تُعرَف نسبتُها إلى الشافعية على وجه مشهور (كأبي حامد الغزالي، وفخر الدين الرازي، وابن الصلاح، وجلال الدين السيوطي، فضلًا عن أن محمد بن إدريس الشافعي هو أصل المذهب الشافعي نفسه). وإدخال هذه الأسماء في الحساب يرفع الحضور الشافعي رفعًا معتبرًا، ويُبيّن أن التعامل مع ”غير المصرّح“ بوصفه فراغًا محايدًا قابلا للتعبئة بحسب الحاجة ليس مسلكًا سديدًا: فإمّا أن نلتزم بما هو مصرح به داخل النص فيسقط ادعاء ”الأغلبية“ من أساسه، وإمّا أن نستدعي المعرفة الخارجية فيتغيّر شكل الخريطة المذهبية وتتبدّد مركزية الحنبلية التي أراد البعزاتي تقريرها.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا إذا لوحِظ ما يقع في مثل هذه القراءات من خلطٍ بين الانتماء المذهبي الفقهي وبين الميل العقدي/الأثري؛ وهو خلطٌ كافٍ—من جهة المنهج—لتقويض أي بناءٍ عددي على تصنيفات غير منضبطة، ومثالُ ذلك ما ورد عند گولدتسيهر عندما قدم شمسَ الدين الذهبي بصفة ”الحنبلي“ بل ”الحنبلي المتعصب؛“ إذ إن الذهبي—مع شافعيته الفقهية المشهورة—قد يُقرأ ميلُه الأثري/العقدي عند بعضهم على أنه انتماءٌ فقهي، فينقلب الوصف من بيانِ مذهبٍ إلى إسقاطِ نزعة، وهو عينُ ما يُربك الإحصاء. ومن ثمّ فإن أقصى ما يمكن قوله إن مقالة گولدتسيهر لا تتيح تقرير ”قطب مذهبي“ واحد (حنبلي أو غيره) بوصفه محور الاستدلال؛ لأن معطياتها—كما هي، أو بعد استكمال تصنيف ”غير المصرّح بانتماءاتهم المذهبية“ وتصحيح ما يلزم تصحيحه—تؤول إلى التعدد والتداخل، لا إلى ”أغلبية“ صلبة تُسنِد زعم الهيمنة.
وزيادةً على ذلك، تكشف بنية المقالة—ولا سيما ”ملفّ المنطق“—أن أشد صيغ التقنين التحريمي لا تتسق مع اختزال التشدد في ”حنبلية قديمة“ وحدها؛ إذ يجعل گولدتسيهر ابنَ الصلاح مثالًا للذروة في نقل المنطق إلى دائرة التحريم، ثم يسكت في هذا الموضع الحاسم عن ذكر انتمائه. وهذا السكوت ليس تفصيلًا محايدًا في سياقٍ يقوم جزءٌ من منطقه على إسناد المواقف إلى هويات مذهبية مُعلَنة؛ لأن التصريح بمذهب ابن الصلاح—لو أُدرِج—من شأنه أن يعيد ترتيب صورة ”الأرثودوكسية“ التي قد يوحي بها السياق. والأمر نفسه يصدق على جلال الدين السيوطي، الذي يمثل في النص امتدادًا لمناوءة ابن تيمية للمنطق، مع أن النص يُلحّ على مذهب ابن تيمية الحنبلي، بينما يكتفي بإيراد السيوطي من غير نسبةٍ مذهبية، فينشأ عدمُ توازنٍ دالّ بين مواضع التصريح ومواضع السكوت في بناء الحجة. وبذلك ينتج توزيعٌ غير متكافئ للتصنيفات: يُشدَّد على المذهب حين يخدم ترسيم قطبٍ ”حنبلي،“ ويُسكت عنه حين تكون الذروة التحريمية أو يكون امتدادُ الحجاجِ متعلقا بأعلامٍ من خارج هذا القطب، مما يجعل الاستنتاج ”الحنبلي“ أقرب إلى أثرٍ خطابيّ—سواء أكان ذلك عن قصدٍ أم عن عَرَض— يصنعه نمطُ التصنيف في المقالة منه إلى نتيجة تفرضها مادته.
هكذا نكون قد فصلنا—قدر الوسع—في مضامين مقالة گولدتسيهر، وفحصنا مدى تعلّقها: بموقف أهل السنّة بوجهٍ عام من علوم الأوائل من جهةٍ أولى، وبالأوساط السنّية المتشدّدة من جهةٍ ثانية، وبالحنابلة من جهةٍ ثالثة. وبعد هذا نعود الآن إلى مناقشة تمسّك البعزّاتي بدعوى گولدتسيهر، لا بوصفها فرضيةً قابلةً للاختبار والتفنيد، بل بوصفها تفسيرًا عامًّا يُعاد تدويره على الرغم من الاعتراضات.
5. العضّ بالنواجذ: البعزاتي وأطروحة گولدتسيهر
لا يمكن فهم إصرار البعزاتي على أطروحة گولدتسيهر بمعزل عن سياقها السجالي عنده: فقد سبق أن أشرنا في عملنا إلى أن دراسته عن ”گولدتسيهر والثقافة الإسلامية“ قد كُتبت بوصفها ردًّا دفاعيًّا على انتقاداتٍ طالت منطلقاته ووضوح منهجه، لا بوصفها خاتمةً تأملية محايدة لكتاب عن الفكر العلمي والثقافة الإسلامية.[66] ومن هنا يتبدّى أن ”التشبث“ بالأطروحة قد يكون أثرًا لطبيعة المقام (الردّ على الاعتراض) أكثر منه نتيجةً لبرهنةٍ جديدة ومستقلة.
مقالة گولدتسيهر—على أهميتها—تتخللها نواقص كان الأولى أن تُمحَّص ويُنَبَّه عليها. ولسنا هنا بصدد فحص جميع المواضع المشكلة في المقالة—إذ نُفرد لها دراسةً مستقلة—وإنما سنقف عند مظهرين اثنين، قبل أن ننتقل إلى الحديث عن تمسك البعزاتي بها.
فمن جهةٍ، تتعثّر المقالة في بعض التحديدات التعريفية: فقد سبقت الإشارة إلى تصنيف شمس الدين الذهبي ”حنبليا“ بما لا يستقيم إذا اعتُمد معيار المذهب الفقهي، ثم سكوتها عن بيان مذهب ابن الصلاح والسيوطي حيث تقتضي المقارنةُ حدًّا أدنى من الضبط. ومن جهةٍ ثانية—وهي الأهم—يُسرف گولدتسيهر في الاتكاء على مواد تراثية متأخرة نسبيًّا (من قبيل روايات شمس الدين الذهبي وابن رجب الحنبلي (ت. 795هـ/1393م) وجلال الدين السيوطي). وهذه المصادر لا تنقل الخلافات الفكرية السابقة نقلًا محايدًا، بل تعيد تركيبها وفق تصنيفاتها اللاحقة وتحيزاتها السردية والمذهبية. ويظهر ذلك، مثلًا، في الطريقة التي أعاد بها السيوطي بناءَ موقفٍ سلبيٍّ مُحكَم لمحمد بن إدريس الشافعي من المنطق قياسا على علم الكلام.[67]
ومن أوضح تجليات هذا الانحياز السردي أيضاً ترويج المقالة سردياتٍ جاهزة عن ”توبة النُّظّار“ ورجوعهم إلى ”مذهب أهل الأثر“ في أواخر حياتهم؛ وهي أخبار تتداولها بعض كتب التراجم فتُعيد تصنيع المسار الفكري لأعلام كبار داخل خاتمة وعظية تُقرأ بوصفها ”انتصاراً للأثر على النظر.“ فيُستدعى—على هذا النحو—خبر رجوع أبي المعالي الجويني (ت. 478هـ/1085م) عن علم الكلام،[68] وخبر رجوع محمد بن يوسف البحراني الإربلي عن علوم الأوائل والنظر في المجسطي،[69] بعد أن صُوِّر اشتغالهما بالمعقول (الكلام والتعاليم) طريقاً إلى عاقبة مستقبحة تُترجمها الآلام والمصائب التي لحقت أو قد تلحق بهما. وليس المقصود هنا استبعاد وقوع شيء من ذلك، بل التنبيه على أن التسليم بهذه الأخبار كما هي—من غير تمحيص لمواضعها وسياقاتها ووظائفها الخطابية—ينقل صورة النزاع من التاريخ إلى الموعظة، ويحوّلها إلى إعادة تمثيل لاحقة أقرب إلى بناء الاعتبار منها إلى وصف الممارسة العلمية في زمانها.
ثم إن المقالة لا تخلو—في موضعٍ آخر—من زلّة كاشفة: إذ حوّلت لفظًا شعريًّا لا يدل على شخص بعينه إلى ”شخصية تاريخية.“ فقد وردت كلمة ”كفور“ في بيتٍ على صيغة المبالغة من ”كافر“ (على وزن فعول)، فإذا بها تُقرأ عَلَمًا لإنسانٍ يشتغل بالمنطق ويؤلف كتابًا بعنوان ”الفرقان!“[70]
هذه الهفوات، وغيرها كثير، تكشف أن مقالة گولدتسيهر على أهميتها لم تسلم من أخطاء بعضها غاية في الطرافة، ما يقتضي التعامل معها بنفس نقدي عال. والواقع أن دارسين كثر تنبّهوا إلى حدود دعوى گولدتسيهر، غير أن البعزاتي—بدلًا من الوقوف عند نواقص دعوى مرّ عليها أكثر من قرن—ينتصب للدفاع عنها دفاعَ من يريد تثبيتها لا مساءلتها: لا يشتغل على سياقها ولا على شروط إنتاجها ولا على تضييق مجال انطباقها، بل يسعى إلى تخليصها من كل شوائب النقد وجعلها صامدة مهما ظهر من صعوباتها ونواقصها.
وحين يردّ قائلاً:
”يتحدث [بن أحمد] عن ’تمسك شديد بصواب الدعوى‘ من قبل البعزاتي. ما معنى التمسك الشديد؟ ومقالتي تتحدث عن وجود مستويات من الدغمائية والتشدد، وهي موجودة حتى في أوساط بعض الفلاسفة والعلماء،“[71]
فإنه يحاول نقل النقاش من صلب المنحى الحجاجي إلى قشرة العبارة، كأن الاعتراض متعلق بنبرةٍ أو توصيفٍ انفعالي، لا ببنية الاستدلال نفسها. بينما المقصود بالتمسّك هنا ليس أسلوب الخطاب ولا حدّة اللفظ، بل اتجاه البرهنة: الإصرار على إبقاء دعوى گولدتسيهر قائمة بوصفها تفسيرًا عامًّا، ثم تدعيمها بشواهد تُخرِجها من مستوى الوصف الجزئي إلى بناء سردية تفسيرية واسعة توحي بانتظام المعارضة وحدّتها وتحوّلها إلى قاعدة دالّة، لا إلى حالات تاريخية متفاوتة تحتاج إلى تفكيك وتحقيب وتمييز.
والدليل على ذلك أن البعزّاتي—مع وعيه بجملةٍ معتبرة من الانتقادات التي وجّهها الدارسون إلى مقالة گولدتسيهر—لا يتعامل معها بوصفها مداخل لإعادة التحقيب أو لتقييد نطاق الدعوى، بل يقدّم دفاعًا صريحًا عنها، ويعيد تثبيت لبّها كلما بدا أنه اهتزّ تحت وطأة الاعتراض.[72] ولن نعود هنا إلى جميع صور المقاومة التي أبداها البعزاتي في مواجهة نقد الدارسين لأطروحة گولدتسيهر، وإنما سنقتصر—لأجل مزيد من الضبط—على الوقوف بشيء من التفصيل عند دراستين مفصليتين: دراسة عبد الحميد صبره،[73] ودراسة خالد الرويهب.
1) الانتصار لدعوى گولدتسيهر: البعزاتي وتحييد نقد عبد الحميد صبره
على الرغم من اعتراض عبد الحميد صبره على ”دعوى الهامشية“ وإبراز الاستمرارية التاريخية بين الإرث العلمي القديم والعلوم العقلية عند المسلمين،فإن الرجل في تقدير البعزاتي لا يفنّد لبّ أطروحة گُولدتسيهر ولا يناقشها بعمق؛[74] بل يكتفي في نظره بتخفيف حدّتها عبر التنبيه إلى سوء فهمٍ ناتج عن تعميمٍ لم يقصده گُولدتسيهر على ”الإسلام عموماً.“
فعلى سبيل المثال، بعد أن عرَض البعزاتي محاولةَ عبد الحميد صبره تخفيفَ التوتر بين الفاعلين الفكريين في مجتمعات المسلمين عن طريق إيراد أمثلة تظهر تسامحَ بعض الحكام مع ممارسي العلوم العقلية، يحسم بعبارة قاطعة:
”گلدتسيهر مُصيب في دعواه العامة: أن الأرثودوكسية لم تكن تعارض الدراسة العقلية كثيرًا فحسب، بل كانت معارضتُها في الغالب عنيفةً ومنتظمة.“[75]
تتأسس هذه العبارة على تعميمٍ فوق تعميم: فهي لا تكتفي بإثبات ”معارضة“ على جهة الغلبة، بل تُصعِّدها إلى معارضةٍ ”عنيفة،“ ثم تزيدها توكيدًا بوصفها ”منتظمة.“ وهكذا تنتقل الجملة في سطر واحد من توصيفٍ عامّ إلى حكمٍ تقويميّ شديد، ثم إلى دعوى بنيوية/منهجية، من غير أن تبيّن ما الذي يجعل المعارضة ”عنيفة“ وما الذي يجعلها ”منتظمة،“ ولا ما معيار ”الغالب“ الذي يُبنى عليه هذا التعميم.
يحاول البعزاتي أن يعضد أحكامه باستثمار مثال الفيلسوف ابن رشد (ت. 595هـ/1198م): ففي مقابل ما يدّعيه صبره من أن أبا الوليد واصل اشتغاله الفلسفي ”غير متأذٍّ بإدانات المالكية“ بفضل حماية السلطان الموحدي أبي يعقوب يوسف (حكم 558هـ-580هـ/1163م-1184م)، يقرر البعزّاتي أن ”المالكية المتشدّدين أدانوه […] فامتحن أشهرًا عديدة؛ وأُتلفت كتبه؛ وصودرت أصوات تلامذته وألزموا الصمت.“[76] وهكذا لا يكتفي بإقرار الأطروحة، لكنه يقوّيها بصور قمعٍ تُظهر أن المعارضة—في تصوّره—ليست سجالًا نظريًّا فحسب، بل هي إجراءات تمسّ الأشخاص والكتب.
غير أن صياغة البعزّاتي في قضية محنة ابن رشد قابلة للاعتراض من ثلاثة وجوه تاريخية وعلمية مترابطة. أولها منهجيّ توثيقيّ: إذ يقدّم تقريرًا شبهَ حاسم عن أن ”المالكية المتشدّدين“ كانوا وراء الإدانة وما أعقبها من إجراءات (إتلاف الكتب وإسكات التلامذة)، من غير أن يُقيم—في الموضع المعروض—سندًا تاريخيًّا محددًا، نصًّا كان أو وثيقة، يبيّن آلية الإدانة والتحريض ومسار تحوّله إلى قرارٍ نافذ. وثانيها تفسيريّ سببيّ: إذ تُلقى المسؤولية عمليًّا على الفقهاء المالكية المتشددين وحدهم ويُهمَّش دور السلطان الموحّدي ومحيطه، مع أن النفي والمنع والإحراق—بوصفها أفعالًا تنفيذيةً قسرية—لا تُمارَس إلا بقرارٍ سياسي وأجهزة إكراه، مما يجعل السلطة السياسية شريكًا حاسمًا في الفعل والمسؤولية، حتى عند التسليم بوجود ضغطٍ فقهي أو منسوب ”لعلماء الدين.“ وليس النزاع في إمكان تأثير الفقهاء، بل في جعل هذا التأثير سببًا كافيا يمحو دور الفاعل السياسي وآليات اتخاذ القرار داخل الدولة، فينتهي إلى سردية تُبرّئ السياسة وتُجرّم الفقه وحده. ومتى اختلّ التفسير السببي على هذا النحو، كان الأولى أن تُراجع الرواية في تفاصيلها. وثالثها تحيينيّ: إذ يعيد البعزاتي سنة 2007 تدوير السردية العتيقة بخصوص الإتلاف والحرق وقمع التلامذة بوصفها وقائع محسومة، مع أن هذا الباب كان قد شهد قبل ذلك (1999) عملًا توثيقيًّا جيدا لمحمد بن شريفة: ابن رشد الحفيد: سيرة وثائقية نبّه إلى ما شاب رواية الإحراق والتلامذة من مبالغات غير تاريخية؛[77] وكان مقتضى التحقيق العلمي أن يُراجع تقريره في ضوء هذا المعطى، أو على الأقل أن يُحاوره.
وينهي البعزاتي دفاعه عن أطروحة گولدتسيهر بقوله: ”إذًا مناقشة صبره لا تفند دعوى گلدتسيهر؛ وكيف يمكن إنكار نصوص بينة.“[78] غير أن هذه الصياغة تقوم على خطوتين مألوفتين: نقلٌ غير منصف لمحلّ النزاع، ثم مصادرةٌ تُغلق باب الفحص. فهو يصوّر الاعتراض كأنه إنكارٌ لوجود ”نصوص“ أصلًا، ثم يستنتج—بلمح البصر—أن مجرد وجودها يجعل التفنيد مستحيلًا. كأن ”وجود النص“ صار، من تلقاء نفسه، شهادةً نهائيةً على صحّة الاستنتاج.
والحال أن مناقشة صبره لا تستهدف ”محو النصوص،“ بل تستهدف طريقة توظيفها: هل تُقرأ هذه الشواهد بوصفها دلائل جزئية على مواقف متباينة وموزعة على أزمنة وفاعلين وسياقات، أم تُحوَّل إلى دعوى كلية عن ”الأرثودوكسية“ أو ”أهل السنة“ أو ”المالكية“ بوصفهم فاعلًا واحدًا متجانسًا؟ ثم: هل النصوص التي يُستشهد بها صريحة في موضوعها ومجالها وزمنها وفاعلها، أم أنها روايات متأخرة وتراجم وعظية تُعيد بناء الوقائع وفق تحيزات لاحقة، فتحتاج—قبل الاستنتاج—إلى وزنٍ نقديّ لمستواها ووظيفتها؟
لهذا فوجود نصوص ”بينة“ لا يعفي من السؤال الأول الذي يتفاداه البعزاتي: على ماذا تدل هذه النصوص؟ وإلى أي حدّ؟ فالبيِّن ليس ما وُجد، بل ما دلّ دلالةً منضبطة؛ وبين القضية: ”النص موجود“ والقضية: ”النص يثبت دعوى كلية“ مسافةٌ كاملة اسمها النقد.
ثم إن سؤال: ”كيف يمكن إنكار نصوص بينة؟“ كما ورد عند البعزاتي ليس حجةً بقدر ما هو حاجزٌ خطابي: سؤال إنكاري يُستعمل لإيقاف النقاش لا لتقدّمه. لأنه يخلط عمدًا بين مستويين مختلفين: (1) الإقرار بوجود نصوص، و(2) قبول الاستنتاج العام الذي تُساق إليه تلك النصوص. والجواب المنهجي عليه بسيط: لا أحد ينكر النصوص؛ إنما يُنكر تعميمها بغير ضابط، أو انتقاءها، أو الخلط بين المواقف وبين آليات الإدانة والتنفيذ، أو القفز من التحذير إلى التحريم، ومن التحريم إلى العنف.
فالتفنيد لا يقع بإنكار النص، بل بتعيين حدود دلالته ومجاله، وببيان أن الاستنتاج الذي يُساق له أوسع من أن تحمله الشواهد المذكورة—وأن ما يصلح شاهدًا على ”توترٍ“ أو ”تحفّظ“ أو ”سجال“ لا يصح أن يُنقل، بلا درجات ولا ”تمييز،“ إلى ”عداءٍ مزمن“ أو ”عنفٍ منتظم“ أو ”فاعلٍ واحد“ ثابت عبر القرون.
وفي تقديرنا، فإن البعزّاتي لم يكتف فقط بالتمسك بدعوى گولدتسيهر بل قد أعاد قولبتها على نحوٍ يُضعف دقتها في نقطتين على الأقل. الأولى: اختزال معنى ”الأرثودوكسية القديمة“ إلى تعريفٍ شبه ماهوي؛ إذ يقول إن ”الأرثودوكسية القديمة“ عند گولدتسيهر ”ليست سوى السنيّ المتعصّب (المتشدد) الذي قاوم التجديد ووقف حتى ضد دراسة العلوم العقلية.“[79] فهنا يُحوِّل مفهومًا تاريخيًّا—كان يفترض فيه التدرج وتعدد المواقع داخل الدائرة السنية—إلى هوية واحدة ثابتة الصفات. والثانية: توسيع محور الأطروحة من موقفٍ تاريخي تجاه علوم بعينها إلى موقف شامل من ”العقل النقدي؛“ إذ يقرر—على سبيل الجزم—أن ”لا ريب أن الأرثودوكسية واصلت محاربة الاستعمال النقدي للعقل.“[80] ويضيف، ردّا على عبد الحميد صبره، أن الحديث عن ”توطين“ أو ”تطبيع“ كامل للعلوم العقلية ”غير تاريخي“ بسبب ”السيطرة الواسعة والدائمة للأرثودوكسية على النشاط الفكري.“[81] وبهذا تتحول دعوى مخصوصة بجدل ”المسلمين الأوائل وعلوم الأوائل“ إلى دعوى أوسع عن ”محاربة العقل النقدي“ وامتداداتها المؤسسية، وهو انتقال مفهومي يحتاج إلى ضبط وتعريف حتى لا يذيب الفروق بين النقد داخل العلوم الشرعية وبين النزاع حول علوم وافدة مخصوصة.
وتنطوي مقاربة البعزّاتي—بناءً على هذه النقلة—على ماهوية وتعميمية ظاهرة؛ لأنها تُسنِد خصائص ثابتة إلى فاعل واحد عبر الزمن. ففضلاً عن تصويره ”الأرثودوكسية“ بوصفها مسيطرة على نحو واسع ودائم على النشاط الفكري، وتكرار الجزم بمواصلتها محاربة ”الاستعمال النقدي للعقل،“ يبلغ الطابع الماهوي ذروته حين يقرر أن
”الفقهاء المحافظين كانوا يرون دائمًا أن الحقيقة الوحيدة هي ما تُعطيه النصوص الدينية؛ ولذلك لم يشعروا قطّ بحاجة إلى الاستقصاء.“[82]
فهذه صياغة تُقارب تقرير جوهرٍ ثابت للفقهاء، بدل أن تقدم تحليلًا تاريخيًّا مُقيَّدًا بسياقات وفترات ومؤسسات وحقول معرفية بعينها، وبدرجات متفاوتة من الانفتاح والتشدد داخل الدائرة الفقهية نفسها.
ويزيد الأمر وضوحًا حين يزعم البعزّاتي أن
”أولئك الأفراد النادرون الذين حاولوا وصلَ الفقه بالعلم الوضعي لم يفعلوا ذلك—فيما يظهر—عن قناعةٍ مخصوصة بإمكان التلاؤم بين الأرثودوكسية والعلم، وإنما دفعتهم ضروراتٌ يومية ملموسة.“[83]
ويمكن الاعتراض على هذا الحكم من جهتين متصلتين بميزان التفسير التاريخي. فمن جهة أولى، لا يستقيم هذا الحكم على إطلاقه؛ لأن تاريخ العلوم الشرعية يُظهر طيفًا أوسع من ”المزاوجة“: يراوح بين توظيفٍ نفعي محدود لبعض المعارف (كالحساب والميقات والفرائض وضبط القبلة ورؤية الهلال) يمكن فهمه بوصفه استجابة عملية، وبين إدماجٍ منهجي واعٍ لأدوات المنطق ومباحث فلسفية داخل أصول الفقه وعلم الكلام باعتبارها آليات معيارية لضبط الاستدلال، وهو ما يفترض—على الأقل في مستوى المنهج—إمكان التعايش بين الانتماء الديني والاشتغال بالعقليات. وهذا وحده يكفي لإبطال صياغة ”الضرورة اليومية“ بوصفها تفسيرًا جامعًا؛ لأنها قد تصح في بعض صور التوظيف النفعي، لكنها لا تفسر إدماج أدوات المنطق والمعيارية البرهانية إدماجًا مؤسسيًّا في الأصول والكلام بل حتى في التصوف والنحو والبلاغة. ومن جهة ثانية، فإن صياغات البعزاتي العامة تميل إلى تحويل هذا التدرج إلى صورة أحادية تُرجع المزاوجة إلى الاضطرار وتُهمِّش دوافعها النظرية والمؤسسية، وبذلك تصبح أقرب إلى سردية كلية عن ”الأرثودوكسية“ من جهةِ ما هي معيقة للعقليات، بدل أن تكون وصفًا تاريخيًّا مفككًا لدرجات التبني والرفض باختلاف الحقول والسياقات.
وبالجملة، فإن مواطن الإشكال التاريخي في معالجة البعزّاتي تتجلى في ميله إلى تعميمات عريضة تُجاوز ما تقتضيه كتابة تاريخ الأفكار والعلوم من ضبطٍ زمانيّ ومكانيّ وتفكيكٍ للسياقات. فهو يبني صورةً لـ”أرثودوكسية سنية“ متجانسة ممتدة السيطرة، ثم يستخرج منها أحكامًا كلية عن تعذّر توطين العلوم العقلية داخل الثقافة الإسلامية، من غير إبانة كافية لاختلاف الشروط السياسية والمؤسسية والتعليمية بين العصور والأقاليم. كما تُرفَع الشواهد الجزئية إلى قاعدة تفسيرية عامة عن انتظام العنف وتكراره، وتُبسَّط وقائع سلطانية مركبة إلى سببيات حاسمة لا تحتملها تعقيدات القرار السياسي. ثم تتسع الأطروحة من نقدٍ تاريخي انتقائي لفروع معرفية بعينها إلى دعوى شاملة عن محاربة ”التفكير النقدي“ بإطلاق، من غير تحريرٍ مفهومي يميز بين أنماط النقد ومجالاته وحدوده. ويُعضد هذا كله نزعةٌ نمطية في توصيف الفقهاء المحافظين تُسند إليهم موقفًا ثابتًا من المعرفة، فتُضعف إبراز التعدد الداخلي وتدرّجاته، وتُحوّل الصورة من تركيبٍ تاريخي حساس للفروق إلى بناءٍ مثاليّ متماسك.
2) إعادة تدوير دعوى گولدتسيهر: البعزاتي إزاء الرويهب
الحق أن التأويل التعميمي المطلق الذي وقفنا عنده أعلاه هو بعينه ما يُعاد إنتاجه عند مناقشة دراسة خالد الرويهب التي انتقد فيها گولدتسيهر. فتعاملُ البعزاتي—في معرض رده علينا—مع نقد الرويهب دعوى گولدتسيهر يقدم نموذجًا آخر لانتصاره إلى تهذيب الدعوى وتضييقها حتى تُعرض في صورةٍ لا تكاد تقبل النقض؛ كأن مهمته ردّ كل شاهدٍ جديد إلى قالبٍ قديم. كان الرويهب قد نبه في دراسته إلى مأخذٍ خطير في مقالة گولدتسيهر: أنه يُخرِج الموقف الرافض لعلوم الأوائل—كما عبّر عنه ابن الصلاح—في هيئة موقفٍ عام ”كان يهمين على الأرثودوكسية في مناطقَ واسعةٍ من العالمِ الإسلامي،“[84] من غير مساءلةٍ لمدى تمثيل المعارضين للعلوم العقلية قياسًا بالمشتغلين بها، ولا لمدى تمثيل هؤلاء أصلًا لما يُسمّى ”أهل السنة“ أو ”الأرثودوكسية.“[85] وهذا الاعتراض بعينه هو ما يتجاوزه البعزاتي؛ فبدل أن يواجه مأخذ الرويهب، يجعل النقد مناسبةً لإعادة إنتاج التعميم نفسه، ويُطلب من القارئ أن يسلّم بأن ”المأخذ الخطير“ تفصيلٌ عابر وأن التعميم هو الأصل.
وهكذا، فبدلًا من مواجهة لبّ النقد، يصرف البعزاتي النقاش بتمييزٍ لغوي/مفهومي غير سديد، حين يذكّر القارئ بأن مقالة الرويهب ”عن السُّنّة،“ بينما مقالة گولدتسيهر ”عن السُّنّة الدغمائية.“[86] ويظهر لنا أن هذا التمييز مجانبٌ للصواب من وجوه:
أولها، أن موضوع الرويهب في مقالته ليس ”السنّة“ بوصفها موضوعًا مستقلًّا، وإنما هو مناقشةُ دعوى گولدتسيهر نفسها؛ فالاختلاف بينهما ليس اختلاف ”سُنّة“ في مقابل ”سُنّة دغمائية،“ وإنما اختلافٌ في طريقة اختبار الدعوى: موادُّ أوسع، وبؤرٌ زمنية مختلفة، ومجالاتٌ جغرافية لا تتّسع لها عيّنة گولدتسيهر أصلًا.
وثانيها، أن گولدتسيهر—في المقالة التي نعالجها—لا ينعت ”السنّة“ عموما بالدوغمائية بوصفها حكمًا قيميًّا صريحًا (مرادفًا للانغلاق أو التشدد)؛ بل هذه زيادةٌ أقحمها البعزاتي على النص لتسويغ نتيجةٍ مسبقة، لا لتفسير عبارةٍ قائمة. ثم إن استعمال گولدتسيهر لألفاظٍ من جنس Dogmatik ومشتقاتها في مقالته لا يعني—بحسب ما استقرّ بعد الفحص—”سُنّة دغمائية،“ وإنما يدور غالبًا على معنى ”العقائد/الكلام/المتكلمون“: أي توصيفٌ لمجالٍ علمي، وليس حكما أخلاقيًّا غير تاريخي. أمّا إن كان البعزاتي يريد بـ”السُنّة الدغمائية،“ ما عبر عنه من قبل بـ”السُّنّة المتشدّدين،“ فقد أظهرنا أعلاه تهافت هذا الفهم؛ لأن دراسة گولدتسيهر ليست منحصرةً في المتشدّدين من أهل السُّنّة. فلا يبقى من ”السُنّة الدغمائية“ إلا تسميةٌ تُلقى لتشتغل بدل الدليل.
وأبعد من ذلك، فإن قول البعزاتي بخصوص دعوى گولدتسيهر: ”الرويهب […] يعترض على بعض ملامحها، لكنه لا يرفضها رفضًا تامًّا“[87] كلامٌ غير دقيق، وتدفعه صياغة الرويهب نفسُها في ملخص مقاله. فهو يقرر أنه يناقش دعوى گولدتسيهر القائلة بتصاعد عداء علماء أهل السنة للعلوم العقلية—مثل المنطق—منذ القرنين الثالث عشر والرابع عشر، ثم يحكم عليها صراحةً بأنها ”خطأ فاحش في أصلها (radically mistaken).“ ثم يضيف أن علماء التيار الغالب في المغرب ومصر وتركيا العثمانية لم يروا المنطق مباحًا فحسب، بل محمودًا مستحسنًا، وقد يبلغ رتبة فرض الكفاية.[88] وهذه عبارات لا تُحمل على ”عدم رفضٍ تام،“ وإنما على نقضٍ مباشر لمركز الدعوى، في جانبها المتعلق بمآلات الموقف السنّي من المنطق في العصور المتأخرة.
ثم إن البعزاتي—كي يتملّص من انتقادنا تمسّكه بدعوى گولدتسيهر—يحاول أن يردّ علينا بإيهامٍ آخر، فيزعم أننا نقدّم مقالة خالد الرويهب ”باعتبارها قولًا فصلًا.“[89] وهذا غير صحيح، ولا شاهد عليه في الموضع الذي يحيل إليه. فلم نقدّم الرويهب بوصفه صاحب حكم نهائي ولا صاحبَ ”قولٍ فصل،“ وإنما أشرنا في الهامش إلى مقالته بوصفها ”دراسة نقدية هامة.“[90]واعترافنا بأهمية مقالة الرويهب—وقد أظهرنا وجه ذلك في فقرة أعلاه— لا ينشئ سلطةً معصومة تُستدعى لإسكات الخصم، بل يُحيل إلى عملٍ نقدي يستحق الالتفات. ثم إننا—ابتداءً—لا نتصور أن دارسًا يمكنه في موضوعٍ تاريخي مركّب كهذا أن يأتي بـ”قول فصل“ تمامًا؛ والدليل أن مقالة الرويهب نفسها أثارت نقاشًا بعد صدورها،[91] مما يؤكد طبيعة هذا الحقل بوصفه سجالًا يتراكم فيه التصويب ولا ينتهي إلى حكمٍ نهائي بقرارٍ فردي.
وأما استثمار البعزّاتي لعبارة من قبيل أن الرويهب يسمي گولدتسيهر ”مستشرقًا كبيرًا،“ فلا أثر له في محل النزاع. فالاعتراف بمكانة گولدتسيهر وسعة اطلاعه لا يساوي التسليم بصواب كل دعوى جزئية صاغها عام 1915، ولا يجعل أطروحته ”مقاومة لكل الاعتراضات.“ بل إن من أعراف النقد العلمي أن يُشاد بقدر صاحبه ثم يُعقّب عليه حيث يلزم، وقد فعل ذلك غير واحد ممن انتقدوا دعوى گولدتسيهر مع الإقرار بفضله.[92] وعليه فإن تحويل عبارات التوقير إلى سندٍ ضمني لصواب الدعوى ليس حجة، وإنما هو مصادرة على المطلوب.
غير أن البعزّاتي لا يلبث—بعد هذا—أن يستند إلى مقالة الرويهب ليُفهم القارئ، على نحوٍ يفضي إلى أن نقد هذا الأخير لگولدتسيهر غير متوجّه؛ بحجة أنهما يدرسان حقبتين مختلفتين، وبأنه لا تعارض بينهما في المجمل. يقول البعزّاتي:
”إن مقالة الرويهب تصرّح بوجود معارضة المنطق من قِبل أقلّية من الفقهاء وتتحدث عن القرون السادس عشر إلى الثامن عشر، في حين تتعلّق مقالة گُلْدْتْسيهر بصورة أساسية بالأرتودكسية الإسلامية القديمة. وبعد القرن الرابع عشر، يسجل گُلْدْتْسيهر كون المنطق أصبح جزءاً من التكوين الإسلامي. وتظل مسألة الأغلبية والأقلية مرهونة بعدد النصوص.“[93]
غير أن هذا القول يستدعي خمس ملاحظاتٍ مركزية:
أولًا: بعد أن حاول البعزاتي—عبثًا كما بيّنا أعلاه—الفصل بين دراستي الرويهب وگولدتسيهر من جهة ”الموضوع“ (سُنّة/سُنّة دوغمائية)، يعود هنا إلى محاولة فصلٍ جديدة من جهة ”الزمن“: الرويهب (القرنان 10–12هـ/16–18م) في مقابل ”الأرتودكسية الإسلامية القديمة.“ غير أن هذا الفصل لا يستقيم حتى على مستوى عرض گولدتسيهر نفسه؛ إذ إن مقالته لا تقف عند القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد، بل تمتد بأمثلتها إلى أواخر القرن العاشر للهجرة/السادس عشر للميلاد، وتستحضر أسماءً مثل السيوطي وابن حجر الهيتمي وعبد الوهاب الشعراني—وهي عينُ الدائرة الزمنية التي يُحال إليها بحجة الرويهب. فلا معنى إذن لإخراج الرويهب من ”الموضوع“ بحجة الزمن، ما دام نص گولدتسيهر نفسه يتعدّى الحدّ الذي يُراد تثبيته له. وعليه فالإشكال ليس في اختلاف الحقب، بل في جعل الحدّ الزمني ذريعةً لردّ نقدٍ لا يدعمه نصّ گولدتسيهر نفسه.
ثانيًّا: خطاب البعزّاتي غير مستقر في توصيف موضوع مقالة گولدتسيهر؛ فهو يقرر هنا—ولأول مرة—أنها ”تتعلق بصورة أساسية بالأرتودكسية الإسلامية القديمة،“ بينما كان قد صاغها في موضع سابق على نحوٍ مختلف إذ قال نصًّا: ”الدعوى تتعلق بأهل السنة المتشددين، والعالم الهنغاري يركز على الحنابلة.“ وهذا ليس تبديلًا لفظيًّا بريئًا، بل تنقّل بين مفاتيح تفسيرية متغايرة (أرثودوكسية قديمة/سُنّة متشددة/حنبلية) تُستعمل بالتبادل بحسب مقتضى الجدل، من غير ضبط لحدود كل مفتاح، ولا بيانٍ لمعنى ”التركيز،“ ولا تعريفٍ لماهية ”الأغلبية“ في نصّ لا يوفّر أصلًا أدوات الإحصاء. وقد فصلنا هذا أعلاه. وحين تتغير المفاتيح، تتغير الدعوى ذاتها، ويصبح المستهدف، في أغلب الحالات، هو النقد لا النص.
ثالثًا: مشكلة البعزاتي هنا أنه يتعامل مع ”الأرثودوكسية الإسلامية القديمة،“ وكأنها مصطلح محكم الدلالة، مع أنها—كما أظهرنا هنا وأظهر غيرنا من قبل—ملتبسة الحدود: أيّ ”أرثودوكسية“ نعني؟ وبأي معيار تُضبط؟ أهي طورٌ تاريخي؟ أم اتجاه مذهبي؟ هل هي الحنابلة أم الأشعرية؟ أم مظلةٌ فضفاضة لكل ما عُدّ ”سنّيا“ في نظر المؤرخ؟ هذه ليست أسئلة اصطلاحية للتزيين، بل هي شروط لفهم العبارة قبل تحويلها إلى قانون تاريخي.
رابعًا: يبرز هذا الخلل أكثر حين يربط البعزّاتي مقالة گولدتسيهر بـ”الأرثودوكسية الإسلامية القديمة،“ ثم يستشهد منها بما يفيد أن المنطق ”أصبح جزءًا من التكوين الإسلامي“ بعد القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد. هنا يتولد توتر كان يجدر بالبعزاتي أن يحرره: إلى أي نوع من ”الأرثودوكسية“ تنتمي هذه الظاهرة التعليمية والمؤسساتية؟ فإن قيل: ليست من ”القديمة،“ لزم بيان معيار الانتقال. وإن قيل: هي امتدادٌ لها، سقط الفصل البسيط بين ”قديم“ و”لاحق،“ وتبيّن أن العبارة عنوان واسع لا يميّز شيئًا إلا بقدر ما يُحرَّر ويُفصَّل. ثم إن المفارقة التي يُشير إليها نص گولدتسيهر نفسه—اشتداد خطاب التحريم في القرون من السابع إلى العاشر للهجرة/الثالث عشر إلى السادس عشر للميلاد، واتساع تشغيل المنطق في الأصول والكلام في القرون نفسها—لا يجوز تسويتها بجملة مطمئنة مثل ”صار جزءًا من التكوين الإسلامي،“ لأن هذه الجملة تُخفي الصراع بدل أن تفسّره: فانتشار المنطق في الشام ومصر منذ القرن السابع للهجرة/الثالث عشر للميلاد يدلّ، على الأقل، على محدودية أثر المنع وعجزه عن كبح توظيف المنطق داخل المنظومات التعليمية.
خامسا: إن هذه الحقبة بعد الغزالي—التي يضع فيها گولدتسيهر ذروة الاعتراض ”الديني“ على المنطق عبر أسماء كابن الصلاح وابن تيمية والسيوطي—هي نفسها الحقبة التي شهدت اتساع الاشتغال بالمنطق حتى غدا أداةً لازمة في أصول الفقه وأصول الدين، وهو ما يقرّ به گولدتسيهر نفسه حين يذكر مقدمات الرازي الكلامية ذات البنية الفلسفية والبرهانية، وحين يلمّح إلى صيغ تعليمية لاحقة كعقائد السنوسي التي استثمرت منهجًا فلسفيًّا.[94] بل إن گولدتسيهر نفسه يتحدث عن محدودية الأثر العملي لهجوم ابن الصلاح، وهو ما يكشف أن ”الهجوم“ لم يكن معيارًا كافيا لوصف البنية التعليمية الواقعية؛ وأن السيوطي لم يهاجم المنطق إلا لأنه شهد انتشاره واتساع اشتراطه في مسالك الاجتهاد داخل العلوم الشرعية، بحيث يصعب—حينئذ—ردّ الظاهرة إلى ”أقلية“ أو ”أغلبية“ بالإنشاء الخطابي دون اختبار.
ويزيد البعزّاتي هذا المعنى توكيدًا حين يقرر أن
”الاختلاف […] حول الفترات التي تغلب فيها السماح أو المنع، وحول حِدّة المنع ومدى الإقبال على المنطق ضدّاً على المنع.“[95]
فبهذا يسلّم—ضمنًا—أن القضية ليست حكمًا واحدًا مطّردًا، بل هي تقديرٌ نسبي يتغير باختلاف الأزمنة وباختلاف كثافة الشواهد. ومن هنا نفهم أخطر ما في كلامه: أنه ينتهي إلى ما كان يتفادى لوازمه حين يقول: ”تظل مسألة الأغلبية والأقلية مرهونة بعدد النصوص.“[96] وهذه جملة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها—في السياق—اعتراف بأن الحكم يتوقف على مادة الشواهد واستقراء النصوص، لا على تقريرات عامة تُلقى ثم تُستثمر. فإذا صار الميزان ”مرهونًا بعدد النصوص،“ فقد انتقل من منطق الحسم إلى منطق الترجيح، ومن إطلاق الدعوى إلى تعليقها على الاستقراء. والنتيجة أن إرسال الأحكام في هذه القضية قبل استيفاء الشواهد ليس تحقيقًا تاريخيًّا، بل هو استعجال في القطع.
ومما يؤكد هذا المنزع في ”تسوية الدعوى“ أن البعزّاتي، كلما اشتدّ عليه الاعتراض، انتقل من مناقشة العبارات الثقيلة عند گولدتسيهر إلى إعادة صياغتها في صورة تقريرٍ عام عن ”تدرّج المواقف.“ ومن هنا يمكن فهم قوله الآتي:
”واضح أنه بعد ابن حزم والجويني والغزالي، أقبل بعض الفقهاء على المنطق […] واعترض بعض الفقهاء […] والمواقف درجات […] ولم أقل غير هذا، ولا فعَل گُلْدْتْسيهِر ولا الرويهب.“ [97]
وهذه الصياغة تُوهم أن گولدتسيهر لم يتجاوز مجرد تقرير وجود اتجاهين متقابلين، وأن أقصى ما في الأمر تدرّجٌ في المواقف بين إقبال واعتراض. والحال أن گولدتسيهر يتجاوز هذا الوصف ”المحايد“ إلى حكمٍ أثقل دلالة وأشد حمولة: فهو يقرر أن المعارضة ”لم تبرز على نحو حاسم إلا في العصر اللاحق للغزالي،“[98] ثم يجعلها—ابتداءً من القرن السابع للهجرة/الثالث عشر للميلاد—مقترنةً باسم ابن الصلاح، ويصرّح بأن فتواه صياغة محكمة لاتجاه كان يهيمن في عصره على الأرثودوكسية في أقاليم واسعة من العالم الإسلامي،[99] وأنها صارت ”وثيقة يعتمد عليها أعداء المنطق.“[100] ثم يذهب أبعد من ذلك حين يقرر: ”ومنذ ذلك الحين، وبدرجاتٍ متفاوتة من الحسم، أُدرِج الاشتغال بالمنطق—في نظر أهل الاستقامة في الاعتقاد—ضمن زمرة المحرمات.“[101] فأين هذا من عبارة: ”بعضٌ أقبل وبعضٌ اعترض والمواقف درجات؟“
إن الفارق هنا ليس في إثبات وجود الاعتراض من عدمه، وإنما في تحديد وزنه وموقعه ووظيفة استحضاره: أهو اعتراضٌ محدود داخل طيفٍ واسع، أم هو اتجاهٌ ”مهيمن“ داخل الأرثودوكسية—كما يقرره گولدتسيهر—وهو ما ينقضه الرويهب؟ والنتيجة أن عبارة البعزاتي لا تُحرّر دعوى گولدتسيهر ولا تواجهها كما صيغت، بل تُسوّيها وتُهذّب حوافّها، ثم تُسند إليها هذه النسخة المُخفَّفة وكأنها هي الأصل؛ وكل ذلك لسببٍ واحد: أن النسخة المهذّبة أقدر على الصمود أمام النقد من الدعوى كما جاءت. وبذلك لا يعود الرد واقعًا على دعوى گولدتسيهر في نصه، بل على صياغةٍ مُهوَّنة صُنعت صنعًا لتغدو موضعَ اتفاقٍ بين المختلفين. وهل يختلف أحدٌ على أن ”المواقف من المنطق درجات“؟ إنما الخلاف مع من يجعل الدرجة سلّمًا إلى ”هيمنة“ مزعومة، ثم يتخذ من هذه ”الهيمنة“ مفتاحًا لقراءة تاريخ الإسلام كله.
6. بين الحنبلية و”الأرثودوكسية“: الخلط في ملفّ علوم الأوائل
يميل البعزّاتي إلى رفع الخلافٍ بيننا في توصيف تمسكه بأطروحة گولدتسيهر إلى مستوى الاتهام الأخلاقي، فيجعل من تفاوت الصياغة ”كذبًا.“ فيقول اعتراضا على قولنا: ”ينسب لي [بن أحمد] الأخذ بـ ’دعوى معارضة العلماء السنة للعلوم العقلية‘؛ وهذا كذب آخر.“[102]
أما العبارة كما وردت في كتابنا فهي:
”بالنسبة إليه [=البعزاتي]، تظل دعوى معارضة العلماء السنة للعلوم العقلية [لگولدتسيهر] متمتعة بنصيب من الصواب عابر للأزمنة ومقاوم لكل الاعتراضات.“[103]
وهذه العبارة كما وردت في كتابنا ليست نسبةً لتعميمٍ مطلق، ولا تقريرًا بأن البعزّاتي يعزو المعارضة إلى”كل العلماء السنة“ بلا استثناء، وإنما هي توصيفٌ لعلاقته بأطروحة گولدتسيهر وتقويمه لها: هل يمنحها—في الجملة—نصيبًا من الصواب رغم الاعتراضات أم لا؟ ومن ثمّ فإن وصفه لها بـ”الكذب“ يقوم على تحويل موضوع الجملة من تقييم الأطروحة إلى توزيعها الداخلي على فئات سنية، وهو تحويل لا ينهض دحضًا للعبارة ولا يسوغ وصمها بـ”الكذب.“
ثم إن البعزاتي حين يعلّل اتهامه لنا بالكذب لا يزيد على إعادة تقريرٍ سابق له بصيغٍ نسبية من قبيل: ”هذه المعارضة للفقهاء المتزمتين، وهم جلّ الحنبلية، وأغلبية المالكية، وبعض الشافعية وقلة من الحنفية…“[104] مع الإشارة إلى أن ”التزمّت“ قد يطال بعض الشيعة. غير أن هذا الجواب—على أهميته في ذاته—لا يمسّ محلّ عبارتنا؛ لأنه لا يناقش أصل المسألة: ماذا يعني ”التمتّع بنصيب من الصواب،“ وما حدوده؟ بل يقفز إلى نسبٍ داخلية (”جلّ/أغلبية/بعض/قلة“) من غير معيارٍ مُعلن، ولا طريقةِ عدّ، ولا إحالاتٍ تمكّن القارئ من التحقق من استخلاصها من نص گولدتسيهر نفسه، وهو مدار النزاع.
ومثل هذه النسب لا تُقبل بوصفها ”نتائج“ إلا إذا قُدمت معها أدوات التثبّت: هل يحصي البعزاتي الأعلامَ؟ أم يحصي المواقفَ؟ أم يحصي المواضعَ التي صُرّح فيها بالمذهب؟ وأين تقع هذه المواضع في مقالة گولدتسيهر؟ وإلا تحولت النسب إلى أحكامٍ تقريرية تُلقى لتُصدَّق لا لتُفحَص. بل إن اصطدام هذه النسب بما تكشفه قائمة گولدتسيهر نفسها—من تنوع العينات، وكثرة السكوت عن الانتماءات، ووقوع الخلط في نسبة بعض الأعلام— يجعل دعوى ”جلّ الحنبلية“ و”أغلبية المالكية“ أقرب إلى إعادة إنتاج صورة مسبقة عن خريطة ”التشدد“ داخل المذاهب منها إلى وصف مضبوط لما في النص.
والسؤال الذي لا مهرب منه: كم عدد الحنابلة الذين تُساق أسماؤهم أو مواقفهم في المقالة بوصفهم خصومًا لعلوم الأوائل، قياسًا بعدد الشافعية مثلًا؟ وبأي معيارٍ جُعلت المناهضة ”جلًّا“ هناك، و”بعضًا“ هنا؟ ما لم تتم الإجابة عن هذا بآليةٍ قابلة للتحقق، فلا يبقى من هذه النسب إلا وقعُها البلاغي الذي يسحر عقول الكسالى: المالكية متشددون، والمعتزلة عقلانيون، والحنابلة منغلقون…
يشتدّ الغموض حين ينتقل البعزّاتي من مناقشة ما تسمح به مقالة گولدتسيهر إلى كلامٍ أقرب إلى جنس المناقب، فيقول إن المستشرق الهنغاري قرأ ”المئات الكثيرة من النصوص العربية والإسلامية…“[105] ثم يستخلص من ذلك أنه لا ”يختلق“ الوقائع، بل يشير إلى بعضها فقط، ويضيف: ”وأؤكد أن هناك نصوصًا قد لا يكون اطّلع عليها، لكنها تدعم رؤيته.“[106] غير أن هذا المسلك لا يدفع الاعتراض؛ لأن محلّ النزاع ليس في ”نزاهة“ گولدتسيهر ولا في إمكان العثور على شواهد قد تُلائم الصورة العامة، وإنما في سلامة الاستدلال داخل المقالة التي نناقشها: ما هو المنطق الذي اعتُمد في انتقاء الأمثلة وجمعها؟ وبأيّ طريقةٍ أُلصقت بها الأوصاف والانتماءات؟ وإلى أي حدٍّ تسمح المادة المستشهد بها—ضمن النص نفسه—بالانتقال من الجزئي إلى حكمٍ كلي؟
ثم إن الاستناد إلى ”نصوص أخرى“ يُفترض أنها تؤيّد الرؤية ليس توثيقًا بل هو وعدٌ بالتوثيق؛ إذ لا تُذكر وثيقة بعينها، ولا تُقام صلة محددة بين ”النصوص المفترضة“ وبين الدعوى المعينة موضع النقد، وإنما يُنشأ سندٌ احتمالي يُطلب من القارئ قبوله بدل الحجة النصية. وفوق ذلك، حين يجعل البعزّاتي موسوعية گولدتسيهر قرينةً كافية على صواب النتيجة (”قرأ مئات النصوص… ثم يشير إلى بعضها فقط“) فهو يستبدل بحجة التحقيق حجةَ السلطة: فكثرة الاطلاع لا تُغني عن بيان آلية الاشتغال بالمواد—هل الشواهد ممثِّلة أم منتقاة؟ ما معيار الترجيح؟ ما درجة الدلالة؟ وما سقف التعميم؟ وإلا بقي الاستدلال قائمًا على افتراضٍ مضمر مفاده: ”لو قرأنا أكثر لوافقنا،“ و”إذا لم نوافق، فذلك فقط لأننا لم نقرأ أكثر،“ وهو افتراضٌ لا يقوم مقام البرهان.
وفي سياق إظهار أن گولدتسيهر قرأ ”المئات من النصوص،“ يترك البعزّاتي المقالة المعنية عن ”موقف الأرثودوكسية الإسلامية القديمة من علوم الأوائل،“ وينتقل إلى مقالة أخرى للمؤلف نفسه عن ”تاريخ الحركات الحنبلية“ (1908)،[107] ويقتبس منها ”حدثين“ يعدّهما حاسمين: ردّ فعل المتوكّل ضد المعتزلة عبر موقف محافظ يمثله ”الحنابلة النشيطون“ (القرن الثالث للهجرة/القرن التاسع للميلاد)؛ ثم تهيئة المناخ لِتسودَ الأشعرية لاحقًا (القرن الخامس للهجرة/الحادي عشر للميلاد).[108] غير أن هذا الاستدعاء لا يجيب عن محلّ النزاع، لأنه انتقالٌ غير مضبوط الصلة بين ملفّين مختلفين: ملفّ معرفيّ يتعلّق بتمثيل المواقف من ”علوم الأوائل“ داخل نصّ بعينه هو محلّ اعتراضنا ومحلّ برهنتنا، وملفّ اجتماعي-سياسي يتعلّق بتاريخ ”حركات“ عقدية وبالتحولات التي أصابت المكانة العمومية لعلم الكلام والمؤسسات العلمية والرعاية السياسية.
وعليه، لا يكون النص الثاني جوابًا إلا إذا قُدِّمت حجةٌ تُحكم الصلة بين الدليل والمطلوب: كيف يُنقل الاستدلال من ”تاريخ الحركات الحنبلية“ إلى حكمٍ عام على ”علوم الأوائل“ داخل المقالة الأولى، من غير قفزةٍ مفهومية ولا خلطٍ في الموضوع. وبدون هذا الربط المبرهن، لا يكون هذا الانتقال سوى استبدال لمحلّ النزاع بغيره، وتوسيعًا للهوامش على حساب النص الذي ينبغي مساءلته.
غير أن المثالين اللذين يستخرجهما البعزّاتي من مقالة ”تاريخ الحركات الحنبلية“ لا يفيدان—فيما يظهر—إثبات وجود تيار أرثودوكسي ”سائد“ تمثله الحنبلية في تلك المرحلة بقدر ما يفيدان وصف مناخ صراعٍ وتنافسٍ بين تيارات فقهية وكلامية متجاورة، تتقاطع فيه عوامل المذهب والمؤسسة والمدينة والحماية السياسية. بل إن الحديث عن ”غلبة حنبلية“ في الشام يحتاج إلى إحكامٍ أكبر من مجرد إطلاقٍ وصفي، لأن گولدتسيهر نفسه يجعل أثر ”الغلبة“ مشروطًا بتوافر سند الحكم أو تغاضيه: فهو يقرر—صراحة—أن ممارسة ”الإرهاب“ لا تكاد تُتصور دون ”تواطؤ“ من السلطة،[109] ويورد تلخيصًا شديد الدلالة لأحوال دمشق حين ”يُلعَن“ الأشاعرة و”يُضرَبون“ متى لقيهم الحنابلة في موضعٍ ما.[110] وهذا وحده كافٍ لإعادة مركز الثقل من ”جوهرٍ مذهبي“ إلى آليات صراعٍ عمومي: جمهورٌ، وخصومةٌ كلامية، وسلطةٌ تُرجّح وتردع. ولهذا يَرِد في هذه المقالة أيضًا ما يفيد أن رعاية صلاح الدين الأيوبي (حكم 564هـ/1169م-589هـ/1193م) لبعض الوعاظ الحنابلة لا تُقرأ بوصفها ”قانونًا مذهبيًّا“ بقدر ما تُقرأ ضمن سياسة الحاكم في تنظيم الحقل الديني وتوجيهه.[111] بل إن النص يسجل—في موضعٍ آخر—أن ”حواجز“ وُضعت بالفعل لمواجهة نشاط الحنابلة في الشام بعد صلاح الدين، وهو ما ينسف صورة ”الهيمنة الخطية“ ويجعل المشهد أقرب إلى مدٍّ وجزرٍ وتدخلاتٍ سلطانية.[112] ثم يضيف گولدتسيهر تمييزًا جغرافيًّا-مؤسسيًّا مهمًّا: يبالغ في إبراز الشام بوصفها خزّانًا للحنبلية، لكنه يقابلها بمصر المتصلة ثقافيًّا بالشام، حيث تبدو ”الروح الحنبلية“ في العصر الأيوبي ”أقلَّ ظهورًا،“ مع بقاء وجودٍ حنبلي محدود.[113]
فبأي معنى يمكن—بعد هذا كله—أن تُحمَّل المقالة وظيفةَ إثبات ”أغلبية“ عددية تُسعف دعوى ”قطبٍ“ واحد؟
وعلى هذا المستوى بالذات، لا يعود ”الدين“ في كثير من صور هذا الصراع غايةً خالصة ولا منطلقًا معرفيًّا صرفًا، بل يغدو—في جانبٍ معتبر—لغة شرعنة وأداة تشهير: تُستعمل لإكساب الحلفاء مسحةَ تقوى، أو لكسر الخصوم بوصفهم أهلَ بدعة وزندقة، أو لصناعة رأي عام ضد ”أهل الكلام.“ وليس المقصود نفي البواعث العقدية من أصلها، وإنما التنبيه إلى أن حضورها في السجال لا ينفصل عن وظائفها الاجتماعية والسياسية حين يشتد التنافس وتُستدعى العامة وتدخل السلطة على الخط—وهو ما يصوغه گولدتسيهر نفسه حين يصف تجدد ”الترويع“ بوصفه استئنافًا لأساليب ترمي إلى إخافة ”كل نزعةٍ حرّة للفكر/للاشتغال العقلي.“[114]
ثم إن الإطار الزمني الذي تُحيل إليه سردية البعزّاتي وگولدتسيهر—ولا سيما من القرن الثالث/التاسع إلى القرن الخامس/الحادي عشر—هو نفسه زمن ازدهارٍ كثيف للمعارف الطبية والفلسفية والمنطقية والرياضية، وهو معطًى لا يخفى على أي دارسٍ لتاريخ العلوم في سياقات المسلمين،[115] بما يجعل أي تصويرٍ للتشدد بوصفه ”قانونًا“ تاريخيًّا عامًّا بحاجة إلى قرائن أدق. أما الحقبة التي تلت القرن الخامس/الحادي عشر—والتي يراد التركيز عليها في مقالة گولدتسيهر (1916)، ولا سيما في الشام بعد القرن السادس/الثاني عشر—فهي كذلك تأتي ضمن زمنٍ استمر فيه الاشتغال بالطب والمنطق والرياضيات والفلسفة في مؤسسات التعليم والتأليف. ويكفي أن يُستحضر هنا امتدادُ الأفق السينوي وما تلاه من اتساع دوائر الاشتغال الفلسفي والطبي والمنطقي، بما في ذلك تفاعلُ طائفة واسعةٍ من المتكلمين والأصوليين معه، الأمر الذي يصعّب أن تُحمَّل فتاوى مدرسة بعينها—حنبلية كانت أو غيرها—وزنًا تفسيريًّا يفسر وحده حركة الإنتاج العلمي والتداول التعليمي؛ وهو الأمر الذي يقره گولدتسيهر نفسه. والسؤال الذي يظل مطروحًا على البعزاتي: أين الأثر المؤسسي الملموس لهذه ”المعارضة“ في تعطيل المناهج، أو منع التأثير الفلسفي والمنطقي في العلوم الدينية، أو وقف التأليف في العلوم الفلسفية؟ ومن دون إبراز هذا الأثر يبقى الاستدلال معلّقًا بين روايات عن صراعٍ مذهبي وبين تاريخ فعلي للممارسة العلمية.
يقرر البعزّاتي—في معرض رده علينا—أن گولدتسيهر يرى الحنبلية ذات حضور فعّال في الإفتاء ”المانع من التفكير،“ مؤثرًا في ترتيب الحياة اليومية، وأن الصراع بين التوجهات لم يبدأ مع أحمد بن حنبل (ت. 241هـ/855م) وإنما قبله، ثم يستشهد بخبر عبد الرحمن بن مهدي (ت. 198هـ/814م) في سياق محنة ”خلق القرآن،“[116] ليخلص إلى أن گولدتسيهر يجعل الحنبلية ”القوة الفقهية الضاربة التي ترفض الاجتهاد، وترفض حتى الاطلاع على الآراء المخالفة،“[117] وأنها لا تناوئ الاعتزال والتشيع فقط، بل تعادي بعض فقهاء أهل السنة من الحنفية والمالكية والشافعية ”المتفتحين.“[118] وهذا التصوير العام للحنبلية عند گولدتسيهر—من جهة ما هو توصيف لحدة حضورها في سجالات الكلام والبدعة وحدود النظر في الدين—لا ننازع فيه من حيث الأصل؛ لكن سؤالنا أدقّ: ما علاقة هذا بموضوع ”علوم الأوائل“ في المقالة التي نعالجها؟ وأين الدليل النصّي الذي يجيز نقلَ هذا التصور العام عن الحنبلية، المصوغ في سياق محنة الكلام، إلى ملفّ المنطق والفلسفة وسائر العلوم القديمة، ثم بناء نتيجة من قبيل: أن الحنبلية هي ”الممثل الحقيقي/الأساسي للأرثودوكسية القديمة“ في باب علوم الأوائل؟
والظاهر أن البعزّاتي يخلط هنا بين مستويين مختلفين، ثم يتصرف في العلاقة بينهما كأنها بديهية. فثمة مستوى أول هو الصراع الكلامي-الفقهي حول ”العقيدة العقلانية“ وحدود علم الكلام ومفهوم البدعة، وهو المجال الذي تتحرك فيه أخبار محنة خلق القرآن وشدائدها، وتندرج فيه أحكام الرفض والاتهام وملاحقة المخالف. وثمة مستوى ثان هو الموقف من ”علوم الأوائل“ بوصفها علومًا بعينها: منطقًا وفلسفةً ونجومًا وطبًا… والانتقال من الأول إلى الثاني ليس ممتنعًا من حيث الإمكان، لكنه ليس بديهيًّا ولا يُغني فيه الاستشهاد بمقالٍ آخر لگولدتسيهر عن ”الحركات الحنبلية“ أو بإيراد واقعة من محنة خلق القرآن؛ لأن المطلوب—إذا أريد لهذا الانتقال أن يكون حجة—أن يُبيَّن داخل مقالة (1916) نفسها كيف تُصاغ الصلة بين معاداة الكلام وبين معاداة المنطق والفلسفة، وكيف تُستنتج منها ”مركزية حنبلية“ أو ”أغلبية حنبلية“ في الشواهد. وإلا بقي الكلام دورانًا حول صورة الحنبلية في تاريخ السجال العقدي، لا حول تمثيلها داخل ملفّ العلوم القديمة.
ثم إن وصف المعتزلة بأنهم أصحاب ”العقيدة العقلانية“ عند گولدتسيهر والبعزّاتي لا يساوي تلقائيًّا ترخيصًا للفلسفة والمنطق ولا يبرهن بذاته على ثنائية ”حنابلة ضد عقلانيين“ في باب علوم الأوائل. فالتوتر بين العقل الكلامي وبين الفلسفة، وبين بعض فروع العلوم القديمة—ولا سيما ما اتصل بالنجوم والتنجيم والمنطق…—حاضر في غير بيئة واحدة، وگولدتسيهر نفسه في المقالة التي نعالجها يورد نماذج متعدّدة تُظهر أن المواقف من علوم الأوائل لا تنحصر في اسم واحد ولا تختزل في معسكرين ثابتين، بل يذكر متكلمين معتزلة مناهضين لعلوم الأوائل. ومن هنا فالأرثودوكسية—إذا أريد بها توصيف أوساط ”أهل السنة“ أو الأوساط الدينية عمومًا—تظل مفهومًا فضفاضًا، لا ينهض حصره في الحنبلية وحدها إلا ببرهانٍ من نص المقالة نفسها، لا بتعميمات تُستجلب من سياقات أخرى.
وخلاصة الأمر أن البعزّاتي—بدل أن يناقش الاعتراضات داخل حدود المقالة التي يشتغل عليها (علوم الأوائل)—ينقل مركز الاستدلال إلى ملفّ آخر يتصل بتاريخ الحركات الحنبلية وصراعها مع التيارات الأخرى من جهة، وبكيفية تعامل السلطة السياسية معها من جهة ثانية. وهذا انتقال يضعف الحجاج ولا يقوّيه، لأنه يطلب من القارئ أن يرى في كل خلافٍ بين تيارات إسلامية، أو بين بعضها والسلطة، تجسيدًا تلقائيًّا لجدلٍ بين ”الأرثودوكسية الإسلامية القديمة“ وعلوم الأوائل، من غير أن يحرّر وجه الصلة بين الملفّين أو يبيّن شروط انتقال الدلالة من صراعٍ اجتماعي-سياسي إلى دعوى معرفية مخصوصة.
وعودةً إلى الصورة القاتمة للحنبلية التي ينقلها البعزاتي عن گولدتسيهر، نسجل أن هذه ليست ملاحظة جزئية عن لحظةٍ تاريخية، بل هو حكمٌ كليّ يُلقى في صورة تعاريف: ”الحنبلية معروفة بحضورها الفعال ونشاطها في الإفتاء المانع من التفكير،“[119] و”الحنبلية ترفض الاطلاع على الآراء المخالفة“[120] ”لا يتردد الحنابلة في ممارسة العنف في الفضاء العمومي…“[121] و”إذن لا تناوئ الحنبلية الاعتزال والتشيع فقط، بل تعادي حتى الفقهاء السنة […] المتفتحين.“[122] ومثل هذا الحكم لا يُناقش بالانطباع، بل بميزانٍ بسيط: هل تصمد هذه الكلية أمام النصوص المؤسسة في التقليد الحنبلي نفسه، أم تنهار عند أول اختبار؟
يكفي في هذا الباب شاهدان من داخل الحنبلية لا من خارجها. فموسوعة ابن قدامة المقدسي (ت. 620هـ/1223م)، المغني، ليست سردًا للمذهب الحنبلي وحسب، بل هي بناءٌ مقارنٌ يتعمد عرض مذاهب الأئمة الآخرين، وتعريف القارئ بمآخذهم وأدلتهم، والتمييز بين صحيح الأخبار ومعلولها—وهو ما يصرّح به ابن قدامة في مقدمته تصريحًا لا يكاد يحتمل التأويل.[123]ثم تأتي موسوعة أبي الحسن المرداوي (ت. 855هـ/1480م)، التحبير شرح التحرير، فتعلن منذ افتتاحها أنها ستعرض مذهب أحمد وأصحابه، ثم مذاهب الأئمة الثلاثة وأتباعهم، وتزيد مذاهب ”الأئمة المشهورين“ و”طريقة المتكلمين“ وطرائق فخر الدين الرازي وسيف الدين الآمدي،[124] بل تُفهرس عشرات الكتب التي اعتمدتها من مختلف المذاهب والاتجاهات.[125] فأي رفضٍ للاطلاع يبقى بعد هذا؟ وأي معنى يبقى لعبارة ”ترفض حتى الاطلاع على الآراء المخالفة“ إذا كانت أعمدة التأليف الحنبلي نفسها قائمةً على الاطلاع، والمقارنة، والإحالة، والتعليل؟
وفي موضعٍ آخر يحاول البعزاتي أن يُظهر شيئًا من ”المرونة“ في حكمه على الحنابلة، فيقول:
”ومنذ بداية القرن الخامس الهجري بدأت قلّة من الحنابلة تُقبل على الجدل، حيث جالس بعضهم فقهاء معتزلة أو قرأوا بعض كتاباتهم، لكن تعسّف عليهم إخوانهم في المذهب.“[126]
وهذا—في ما يبدو—كل ما يتفضل به البعزاتي على المدرسة الحنبلية حين يتعلّق الأمر بانفتاحها على النظر العقلي. غير أن تاريخ الحنبلية أوسع بكثير من هذا السقف الضيق؛ فقد شهد، مع مرور الوقت، حيويةً معرفية لا تُختزل في ”قلّة“ عابرة أو في ”استثناءات“ مثل ابن عقيل الحنبلي (ت. 513هـ/1119م). بل عُرف داخلها—كغيرها من المذاهب السنية—نظارٌ اشتغلوا بعلوم الأوائل أو انفتحوا عليها، من قبيل: صدقة البغدادي (ت. 573هـ/1177م)، وابن المارستانية (ت. 599هـ/1203م)، وابن يونس، وغلام ابن المني، وعبد السلام الجيلي، وابن المعمار البغدادي (ت. 642هـ/1244م)، وابن الفوطي (ت. 723هـ/1323م)، فضلًا عمّا تقدّم ذكره—وقد أشار گولدتسيهر نفسه إلى بعض هذه الأسماء. ويكفي أن يُذكر ”الحنبلي الكبير“ تقيّ الدين ابن تيمية: فعلى شدّة خصومته لهذه الميادين، درس بعنايةٍ أهم ما تداوله نظّار الكلام والفلسفة والمنطق إلى عصره، وتأثر بأبي البركات البغدادي (ت. 560هـ/1165م) وأبي الوليد ابن رشد، حتى جرّ عليه ذلك ملاحظاتٍ وانتقاداتٍ من بعض تلامذته، كالذهبي الشافعي وابن رجب الحنبلي.[127]
ولا تعني هذه الإشارات نفي وجود تيارات متشددة، ولا إنكار توترات داخل الحنبلية، ولا تجاهل لحظات من الصراع المذهبي. لكنه يعني شيئًا واحدًا: أن تحويل هذه الوقائع إلى تعريفٍ ثابت للمدرسة بأسرها ليس تحليلًا تاريخيًّا، بل هو تسطيحٌ (وكسلٌ) يتوسل الكلية كي يتجنب التفصيل. وإذا كان گولدتسيهر قد رسم هذه الصورة قبل أكثر من قرن في سيَّاقٍ معرفيّ مخصوص، فإن إعادة تدويرها اليوم من غير نفسٍ نقدي—بعد ما نُشر من نصوص حنبلية وما استقر من دراسات—ليست قراءةً، بل هي تكرارٌ لوصفة قديمة. ومن هنا فالمشكلة ليست أن الحنبلية ”ملاكٌ“ أو ”شيطان،“ وإنما هي أن البعزاتي يصرّ على محو الفروق داخلها، ثم يطلب من القارئ أن يسلّم بأن ”المدرسة“ ترفض حتى ما يفيض به تراثها من المقارنة والاطلاع. بعد هذا كله يصبح ترديد العبارة: ”ترفض حتى الاطلاع على الآراء المخالفة“ لا شاهد له إلا تكراره—والتكرار لا يصنع تاريخًا. ومرة أخرى، ليس المقصود تبرئة الحنبلية من كل توترٍ أو تضييق أو تشدد، بل الاعتراض على تحويل لحظاتٍ وصراعاتٍ إلى تعريفٍ جامد للمذهب.
7. الإسلام والعلم عند البعزاتي
نصل الآن إلى موضوع ذي حساسية خاصة في عدد من كتابات البعزاتي، وهو وإن كان متصلا بملفّ گولدتسيهر لأنه يحمل واضح أثره، لكنه يتعلق أساسا بتاريخ الإسلام، كما يقرأه بناصر البعزاتي، في مرحلة أولى، وبالإسلام نفسه كمعتقد في مرحلة ثانية.
كنا قد سجلنا في كتابنا ما يلي:
”فعلى الرغم من كل المرونة التي يبديها البعزاتي في أعماله إجمالا، فإنه بمجرد الاقتراب من تاريخ الإسلام حتى يسارع إلى إظهاره في صورة المناخ المعادي للممارسة العلمية. وبدل أن يضفي على الصراعات بين المنتمين إلى الحقول المعرفية المختلفة طابعا دنيويًّا من خلال التركيز على عامل التنافس والتدافع الذي عرفه المجتمع الإسلامي بكل أطرافه، فإنه يجعل من كل خلاف بين عالمين صراعا بين الدين والمنتمين إليه من جهة، والعلوم العقلية من جهة أخرى.“[128]
يحتجّ البعزاتي على قولنا بأننا ننسب إليه تعميما ”غير وارد“ عنده،[129] فيقتبس عبارتنا على نحوٍ يوهم بأننا نزعم وجود نفور ذاتي لديه ”لمجرد سماع تاريخ الإسلام.“ غير أن هذا الاحتجاج يقوم أولًا على اقتطاعٍ مُوجِّه: إذ يسقط صدر العبارة الذي يحدّد مقصدها ويمنع إطلاقها، وهو قولنا: ”فعلى الرغم من كل المرونة التي يبديها البعزاتي في أعماله إجمالًا.“ نحن لم ننفِ عنه المرونة، بل جعلناها جزءًا من الحكم، ثم قلنا إن المشكلة تظهر حين يقترب من تاريخ الإسلام وعلاقته بالمعارف العلمية؛ أي إن الاعتراض عندنا ليس ”حكمًا على شخص“ بل هو توصيفٌ لآلية تفسير تتكرر في مواضع بعينها. ثم إن عبارة ”من كل خلاف“ عندنا لا يُراد به إحصاءٌ عدديّ (”كل خلاف في التاريخ“)، بل تعميمٌ تفسيري: ميلٌ منهجي إلى جعل الخلافات التي تقع بين فقيهٍ ومشتغلٍ بالمعقول ”صراعًا بين الدين والعلوم العقلية،“ بدل تفسيرها تفسيرًا دنيويًّا يراعي التنافس على المكانة، وتدافع المذاهب والمؤسسات، وتنازع الشرعية، واستثمار الخطاب الديني في الصراع على الموقع الاجتماعي. هذا هو محلّ النزاع الذي يتجاوزه البعزاتي حين يحوّل اعتراضنا إلى اتهامٍ مبالغ فيه ثم يعلن أنه ”غير وارد.“
ولهذا لا تصلح أمثلته التي ساقها لنقض دعوانا؛ لأن أكثرها غير داخلٍ في نوع الخلاف الذي نتحدث عنه أصلًا. فمثال أبي سعيد السيرافي، وهو معتزلي حنفي، وأبي بشر متّى (ت. 328هـ/940م)، وهو نصراني نسطوري بغدادي، ليس صراع ”دين/عقل،“ ولا أحدَ منهما يتكلم باسم ”دين“ ما ضد ”العلوم العقلية،“ بل هو جدلٌ حول العربية والمنطق. ومثال ابن سينا والبيروني، أو نقد البعزاتي للفارابي (ت. 339هـ/950م) وابن رشد، لا شأن له هو الآخر بمحلّ دعوانا؛ لأننا لم نزعم أن البعزاتي ”لا ينتقد الفلاسفة“ أو أنه ”ينحاز دائمًا للفلاسفة،“ بل قلنا إنه—حين يعالج التوتر بين فقيهٍ ومشتغلٍ بالمعقول—يميل إلى تخريجه تخريجًا دينيًّا. وحتى المثال الذي أراد أن يجعله من هذا الباب: ابن حزم والباجي (ت. 474هـ/1082م) يزداد التباسًا حين يصنف ابن حزم بأنه ”فيلسوف منطقي،“ مع أن الرجل فقيهٌ ظاهري ومتكلّم مستقلّ و”مقرب للمنطق“ في مواجهة متكلم أشعري وفقيه مالكي و”خصيم للمنطق،“[130] ثم إن البعزاتي لا يحرر لنا موضوعات النزاع التي تجعلهما نموذجًا لصدام ”دين/عقل“ بالمعنى الذي يريد. واللافت أنه—مع كل هذا—لم يقدّم مثالًا واحدًا مضادًا من النوع الذي نطالبه به: حالةٍ يُظهر فيها أن نزاعًا بين مشتغلٍ بالمعقول ومشتغلٍ بالشرع أصلُه دنيوي (موقع/مؤسسة/وظيفة/شرعية) واستُثمر فيه الخطاب الديني من الطرفين. وخير ما يبرز هذا النوع—مما أهمله البعزاتي—نماذجُ من قبيل الآمدي وابن الصلاح الذي أصدر فتوى في حقه:
فالفتوى هنا ليست ”جوهر النزاع،“ بل هي أداةُ صراعٍ على الشرعية داخل مجالٍ مؤسسي. ثم إن الآمدي نفسه لم يكن خارج العلوم الشرعية ومؤسساته؛ وإنما كان من أعيانها ورأسًا في تدريسها. وهذا هو الذي قصدناه: ليس إنكارَ دور الدين، وإنما ردّ النزاعات إلى بنيتها الاجتماعية والمؤسسية بدل اختزالها في ثنائيةٍ جاهزة من قبيل ”العلم في مقابل الدين.“
وفي اتصالٍ دائم بملفّ تاريخ الإسلام، لكن هذه المرة بالإسلام نفسه بوصفه معتقدًا، يمكن القول إن قراءة بعض منشورات البعزّاتي تجعل القارئ ينتهي إلى خلاصةٍ مفادها أنه يقدّم الإسلام—من حيث هو عقيدة—بوصفه عديم الأثر العلمي، إن لم يكن مُثبِّطًا له. وهذا ما سننظر فيه في الفقرات الآتية. يلاحظ البعزّاتي في مقدمة كتابه الفكر العلمي والثقافة الإسلامية وجود ازدهار في السيرورة الحضارية في البيئة الإسلامية، فيطرح سؤالًا يهمنا التقاطه هنا؛ إذ يقول: ”ما علاقة الدين الإسلامي بهذا التقدم العلمي؟“[131] وليس هذا بالسؤال السهل. لذلك—ومحاولةً منه اقتراح ”تقديم تصور يحاول الاقتراب من التاريخ الفعلي للأفكار العلمية أفضل مما فعلته الآراء الأخرى“[132]—يقدّم جوابًا صريحًا لا يستعمل لغةً ملتبسة، فيقول:
”لم يساهم الإسلام، من حيث هو معتقد ديني، في تطور النظر العلمي بأي قسط يذكر؛ إذ كان العلم قبل الإسلام يخطو خطوات سريعة أو بطيئة بحسب تغير الظرفيات؛ واستمر كذلك في نفس المناطق التي وقعت تحت النفوذ الإسلامي، بمبادرة من مفكرين اختاروا النظر النقدي بدل الاتباع.“[133]
غير أن المشكل ليس في وضوح اللغة وعدم التوائها، وإنما في قطعية المقاربة. في هذه القولة ينزع البعزّاتي من البداية إلى حكمٍ تقويميٍّ قطعيّ حين يقرر أن ”الإسلام من حيث هو معتقد ديني“ لم يسهم في تطور النظر العلمي ”بأي قسط يُذكر.“ فموضوع الحكم هنا ليس سياساتٍ أو مؤسساتٍ أو نخبًا في ظرفٍ بعينه، بل ”الدين“ بوصفه تفسيرًا كليًّا عامًّا، وهو ما ينقل النقاش من التاريخ إلى الماهية. ثم تأتي الصياغة التصفيرية لتغلق إمكان التدرّج والتفريق بين العصور والأقاليم وفروع المعرفة، فتُقدَّم النتيجة بوصفها محسومة قبل عرض مسالك البرهنة.
ويتعزز هذا المنحى عبر ثنائيةٍ موجَّهة تقابل بين ”النظر النقدي“ و”الاتباع،“ وتربط استمرار العلم بمن ”اختاروا النظر النقدي بدل الاتباع.“ بهذا التركيب يصبح ”النقد“ شرط العلم، و”الاتباع“ قرينًا ضمنيًّا للتدين، فيُفهم أن التقدم لا يتحقق إلا بالانفصال عن ما يُلمّح إليه بوصفه دينيًّا. لذلك فالقولة، وإن لم تقل حرفيًّا إن الإسلام ”يعادي العلم،“ ترسم صورةً تجعل الإسلام—بوصفه عقيدة—عديم الأثر العلمي أو مُثبطًا له، وتحوّل تفسيرًا تاريخيًّا مركبًا إلى سردية أخلاقية مبسّطة عن ”مفكرين“ تقدّموا بقدر ما تحرروا من الاتباع؛ وكأن الذين اختاروا اتباع الدين الإسلامي ما كان بوسعهم المشاركة في التطور العلمي لافتقارهم إلى شرط النظر النقدي.
الإشكال المنهجي في هذا المسلك هو طريقة التفسير لا مادة الشواهد: فهو لا يميّز بين مستويات الفعل التاريخي، بل يقفز من ”الإسلام بوصفه معتقدًا“ إلى حكمٍ شامل على مسار العلم، ويجعل ثنائية ”النقد/الاتباع“ علةً كافية لتفسير التقدم والتأخر. والقضايا من هذا النوع لا تُفسَّر بعللٍ كلية ولا بثنائيات معيارية، وإنما بتفكيك شروط إنتاج المعرفة في كل سياق: بنية المؤسسات التعليمية، وأنماط الرعاية السياسية والاقتصادية، ووظائف العلوم داخل المجتمع، وشبكات التعلم، ولغات التداول، وتحول المناهج بين الحقول. وعند هذا التفكيك فقط يصبح ممكنًا بحث أثر تصورات دينية بعينها في مجالات محددة (كالمنطق أو الهيئة أو الطب أو الكلام) ضمن أزمنة وأمكنة معلومة. أمّا الصيغة التي تصفّر إسهام ”الإسلام-العقيدة“ وتردّ استمرار العلم إلى ”اختيار النقد“ فتميل إلى بناء سردية تقويمية مسبقة، لا إلى تفسير تاريخي مضبوط يمكن اختباره ومراجعته.
وبالجملة، فإن هذه القولة تنطوي على نزعة تعميمية تقويمية لأنها تُحوّل ”الإسلام-العقيدة“ إلى علّة مانعة، وتربط ازدهار العلم بمن ”اختاروا النقد“ الذي يفهم من السياق أنه الانفصال عن الدين، في مقابل ”الاتباع“ الذي يُفهم من السياق نفسه أنه صفة التدين. وبذلك يُصوَّر الإسلام ضمنيًّا وكأنه عائق أمام تقدم العلوم، لا بسبب وقائع مؤسسية مخصوصة، بل بسبب كونه دينًا يُؤطَّر في خانة الاتباع. وهذا بالذات ما قصدناه عند حديثنا عن إظهار البعزّاتي تاريخ الإسلام في صورة المناخ غير المواتي للممارسة العلمية، رغم المرونة التي يبديها في أعماله النظرية الأخرى.
نقول هذا دون أن تكون لنا نيّةٌ ولا دعوى في الحكم على أقوال البعزاتي من الناحية الدينية، ولا في اتخاذها موضوعَ فتوى؛ فنحن لسنا أهلًا لذلك، ولا نبتغيه له ولا لأنفسنا. إنما ننظر إلى هذه الأقوال من زاويةٍ تاريخية ومنهجية. ومن هذه الجهة، ثمّة هوّةٌ لا تُردم بين تقويمٍ نريد أن يكون علميًّا لما يكتبه البعزاتي، وبين اتهامه بـ”معاداة تاريخ الإسلام،“ فضلًا عن استدعائه ”العبثي“ لخطاب الفتوى و”إحراق الكتب.“[134] فكتاباته لا تحتاج إلى فتوى بقدر ما تحتاج إلى مراجعة—وهو ما نحاول أن نقوم به، متى كفّ البعزاتي عن التهويل، وتوقّف عن إخراج النقد مخرجَ خصومةٍ تُشنّ على العلم بدل أن تُدار في العلم.
وليس من اللازم أن نفتّش عن النيات؛ يكفي أن نلاحظ الوظيفة الخطابية لاستدعاء شبح ”الإفتاء بإحراق الكتب“: إنه ينقل النقاش من ميدان الدليل والنظر إلى ميدان الاستثارة والتهييج، ويحوّل النقد العلمي إلى تهمةٍ أخلاقية تُرهب القارئ وتضغط على الناقد. وبذلك يصبح المطلوب عمليًّا—سواء قُصد أم لم يُقصد—تعطيل النقاش لا إغناؤه، وإيقاف المراجعة لا فتحها.
خاتمة
بهذا نكون قد انتهينا من الجزء الأول من نقاشنا مع البعزاتي بخصوص علاقته بدعوى گولدتسيهر. وخلاصته أننا لم نكن مجانبين للصواب حين قدّمنا —في عملنا موضوع النقد: بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي: جدل الانحطاط الفكري بتونس القرن الثامن للهجرة/ الرابع عشر للميلاد— دعوى گولدتسيهر بوصفها متعلقة بموقف أهل السنّة من علوم الأوائل. وإلى هذا انتهى نظرنا. كما أظهرنا أن البعزاتي لم يكن دقيقًا في توصيفِ أطروحة گولدتسيهر بأنها تتعلق بـ”موقف أهل السنة المتشددين،“ أو أنها ”تركّز على الحنابلة،“ أو أن غالبية أمثلتها مستقاَة من الحنابلة. فالعنوان نفسه يتناول ما يسميه گولدتسيهر ”الأرثودوكسية الإسلامية القديمة“ بإزاء علوم الأوائل، ومادة المقالة تُظهر طيفًا من المواقف داخل أوساط يغلب عليها الطابع السنّي (الفقهاء والأثريون، ومعهم المتكلمون الأشاعرة)، مع شواهدٍ موازية من المتكلمين المعتزلة، ومع أمثلة متناثرة من المذاهب السنّية (الحنابلة والشافعية والمالكية)، دون أن تنقلب العينة إلى ”حنبلية“ أو ”متشددة“ بوصفها محورًا مهيمنًا أو مفتاحًا وحيدًا لتفسير بنية الموقف. بل إن مركز المقالة الذي قام عليه تحريم المنطق ليس حنبليًّا أصلًا، وإنما هو شافعي ممثّل في شخص ابن الصلاح—واللافت أن گولدتسيهر يسكت عن مذهبه. مع أن مذهبه هنا جزء من الحجة وليس تفصيلًا هامشيًّا.
وأخيرًا، فإن البعزاتي لا يعرض أطروحة گولدتسيهر على ميزان النقد التاريخي، بل يتشبث بها تشبثًا ظاهرًا، ويجعلها خاتمة حكمه لا مجرد مادة نقاش. فهو يقرر أن ”دعوى گولدتسيهر متمتعة بنصيب مهم من الصواب،“ ثم يقطع الطريق على كل محاولة لتفكيكها عبر التهذيب السوسيولوجي أو التخفيف الخطابي؛ لأن التفسير التاريخي عنده لا يُبطل الواقعة ولكن يشرح شروطها. والنصوص المحرِّضة على منع علوم الأوائل وإحراق كتبها ليست وهماً ولا ”أسطورة“ ولا نتاج سوء ترجمة، وإنما شواهد متراكمة يصرّ على أنها ”واضحة لا غبار عليها،“ وأنها ”كافية لدعم الدعوى،“ لأن عددها—في زعمه—”لن يتناقص بل قد يتزايد.“
وحتى اعتراضات عبد الحميد صبره وخالد الرويهب (وجورج مقدسي وديمتري گوتاس وصونيا برنتيس) لا تُنتج عنده إلا نتيجة واحدة: أنها—إما—لا تنفذ إلى صلب المسألة، أو لا تنكر مادتها الأصلية، أو لا تعترض عليها إلا جزئيًّا؛ لأن وجود الإبداع العلمي، في منطقه، لا يمحو وجود خطاب فقهي متشدّد يقاومه. باختصار: لا يُنقّح البعزاتي الدعوى بل يُحصّنها؛ لا يختبرها بل يعلنها باقية صامدة؛ ثم يطلب من الشواهد أن تُطيع الحكم لا أن تُراجعه.
يتبع
تذييل
شاب ردَّ البعزاتي عددٌ من النواقص التحريرية واللغوية التي يصعب تفسيرها في نصٍّ يُفترض أنه خضع لتدقيقٍ لغوي ومراجعةٍ نهائية—من صاحبه أو من الجهة الناشرة. ولن نشير هنا إلا إلى بعض مظاهر ذلك.
فمن جهة التحرير والشكل، يبرز التكرار في أكثر من موضع. وإلى جانب تكرار عبارات القذف والاتهام والتشهير في عدد كبير من صفحات الردّ—كما تقدّم—تتكرر في الصفحة نفسها عبارة ”أن تأتي الطعون“ في ص 298 (س 1)، ثم تُعاد حرفيًّا في الهامش (1). بل يتجاوز الأمر أحيانًا إلى تكرار فقرة كاملة أو إعادة المعنى نفسه بعبارات مختلفة. فمن ذلك قوله:
”أما الكتاب الذي يعطيه فؤاد بن أحمد [Revealed Sciences. The Natural Sciences in Islam…] فيبدو من العنوان أنه لم يطلع عليه بل اطلع على تقرير كتبته قارئة هي السيدة كتارينا روبرتس في مجلة إسلام. والقراءة التي تقدمها السيدة أن الكتاب يتعلق بأبحاث حول الشعوذة والتطبيب الشعبي والخبرات العامة… وليس فيه نظر في العلوم العقلية والطب العلمي والمنطق والفلسفة. […] والرسالة في الكتاب هي أن الأمر لا يتعلق بتأخر حضاري أو بانحطاط، بل الأمر من قبيل اختلاف في المعارف فحسب.“[135]
فقرة واحدة بعد هذا، يعيد البعزاتي الفكرة نفسها، قائلا:
”أما كتاب ستيرنز عن ’العلوم الطبيعية‘ في المغرب خلال القرن السابع عشر، فلديّ حوله ملاحظات: (1) أن فؤاد بن أحمد لم يقرأ الكتاب، (2) وأن الكتاب غير ذي صلة بالعلوم ’العقلية‘ والمنطق والفلسفة، بل هو في السحر والشعوذة والطب الشعبي والبيطري والتنجيم والطلسمات. ويسعى المؤلف أن يبطل فكرة التراجع عبر التأكيد بأن هذه معارف مختلفة…“[136]
ويُضاف إلى التكرار اضطرابٌ في تمام الجمل أو بترُها. فمن ذلك ما كتبه في المتن:
”أما العيب فهو أن لا يقر الدارس بقوة الأدلة والقرائن التي يأتي بها منتقده أما أن تأتي الطعون بناء على قراءة غير نزيهة، خاصة إذا امتزج الهوى بانتقائية مبتذلة.“[137]
ويكتب في الهامش المتصل بالقول السابق:
”لكن، أن تأتي الطعون ضداً على الأمانة العلمية، فلا يمكن تجاهل الأمر والبحث أمانة.“[138]
وأما من جهة اللغة والأسلوب، فتُلاحظ ركاكةٌ في السبك في غير موضع، فضلًا عن تراكيب غير معيارية تتكرر بكثرة؛ مثل استعمال ”إذ أن“ بدل ”إذ إنّ،“ واستعمال ”يقول أن“ في مواضع يقتضي فيها السياق ”يقول إنّ؛“ واستعمال ”يشْهر بأسماء“ بدل ”يشهر أسماء.“…
ومجموع هذه المظاهر يقدّم قرائن واضحة على غياب المراجعة النهائية، ويعضد ما أشرنا إليه من سمات الاستعجال في كتابة الردّ. فهذه ليست هفواتٍ عرضية متباعدة، بل هي اختلالاتٌ متوالدة تُضعف النص في بنيته، وتجعله أبعد ما يكون عن مادةٍ صالحة للنشر، فضلًا عن أن يُقدَّم بوصفه حاملًا لـ”ملاحظات دقيقة.“
بيبليوگرافيا
ابن تغري بردي، أبو المحاسن جمال الدين يوسف. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. تحقيق القسم الأدبي لدار الكتب المصرية. الجزء الخامس. القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية، 1929.
أبطوي، محمد. ”مقدمة.“ ضمن العلوم في المجتمعات الإسلامية: مقاربات تاريخية وآفاق مستقبلية، إشراف محمد أبطوي، 7–14. الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، 2007.
ابن تيمية، تقي الدين. مجموع الفتاوى: المنطق. نشرة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. الجزء التاسع. المدينة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2004.
ابن خلكان، شمس الدين. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. تحقيق إحسان عباس. الجزء الثالث. بيروت: دار صادر، 1994.
ابن قدامة المقدسي. المغني. تحقيق عبد الله التركي وعبد الفتاح لحلو. الجزء الأول. الرياض: دار عالم الكتب للطباعة والنشر، 1981.
ابن قدامة المقدسي. روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد. المجلد الأول. تحقيق عبد الكريم النملة. الرياض: مكتبة الرشاد، 1993.
الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف. ”وصية القاضي أبي الوليد الباجي لولديه.“ تحقيق جودة عبد الرحمن هلال، مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد 3، المجلد 1 (1955): 17–46.
الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف. إحكام الفصول في أحكام الأصول. تحقيق عمران علي أحمد العريمي. الجزء الثاني. بيروت: دار ابن حزم، 2009.
الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف. المنهاج في ترتيب الحجاج. تحقيق عبد المجيد التركي. ط. 3. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2001.
البعزاتي، بناصر. ”التجديد والمقاومة.“ ضمن الفكر العلمي والثقافة الإسلامية، 331–350. الرباط: دار الأمان، 2015.
البعزاتي، بناصر. ”قراءة في كتاب ’بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي‘.“ مجلة تمييز 2 (دجنبر 2025): 297–352. يمكن تنزيلها من الرابط:
https://www.academia.edu/163383081/قراءة_في_كتاب_بين_ابن_عرفة_الورغمي_وابن_خلدون_الحضرمي
البعزاتي، بناصر. ”گلدتسيهر والعلوم العقلية في الثقافة الإسلامية.“ ضمن الفكر العلمي والثقافة الإسلامية، 359–362. الرباط: دار الأمان، 2015.
البعزاتي، بناصر. الفكر العلمي والثقافة الإسلامية. الرباط: دار الأمان، 2015.
بن أحمد، فؤاد، وعبد الإلاه بوديب. بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي: جدل الانحطاط الفكري بتونس القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد. الرباط: دار الأمان، 2025.
بن أحمد، فؤاد. ”إعادة كتابة تاريخ الفلسفة في السياقات الإسلامية السنية: ابن تيمية وأثر ابن رشد.“ هسبريس-تمودا LV (1) (2020): 303–354.
بن شريفة، محمد. ابن رشد الحفيد سيرة وثائقية. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1999.
جولدتسيهر، إجنتس. ”موقف أهل السنة القدماء بإزاء علوم الأوائل،“ ضمن التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية: دراسات لكبار المستشرقين. ترجمها وأعدها للنشر عبد الرحمن بدوي، 123–172. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1940.
الذهبي، شمس الدين. العبر في خبر من غبر. تحقيق أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول. الجزء الثالث. بيروت: دار الكتب العلمية، 1985.
الذهبي، شمس الدين. سير أعلام النبلاء. تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1996.
السُّبكي، تاج الدين. طبقات الشافعية الكبرى. تحقيق محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو. القاهرة: مطبعة عيسى البابى الحلبى وشركاه، 1976.
السيوطي، جلال الدين. بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1964.
السيوطي، جلال الدين. صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام. تحقيق سامي النشار وسعاد عبد الرازق. الجزء الأول. ط. 2. القاهرة: مجمع البحوث الإسلامية، 1970.
المرداوي، أبو الحسن علي. التحبير شرح التحرير في أصول الفقه. تحقيق عبد الرحمن الجبرين وعوض القرني وأحمد السراح. الجزء الأول. الرياض: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، 2000.
Abattouy, Mohammed. “Introduction.” In Les sciences dans les sociétés islamiques: approches historiques et perspectives d’avenir, sous la direction de Mohammed Abattouy, 7–14. Casablanca: Fondation du Roi Abdul-Aziz pour les Etudes Islamiques et les Sciences Humaines, 2007.
Ali, Mufti. “Statistical Portrait of the Resistance to Logic by Sunni Muslim Scholars Based on the Works of Jalāl al-Dīn al-Suyūṭī (849–909/1448–1505).” Islamic Law and Society 15 (2008): 250–267.
Brentjes, Sonja. “Orthodoxy,” in Ancient Sciences, Power, and the Madrasa (“College”) in Ayyubid and Early Mamluk Damascus. Berlin: Max-Planck-Institut für Wissenschaftsgeschichte, 1997.
El-Bouazzati, Bennacer. “The Formation of the Scientific Tradition within Islamic Culture.” In Les sciences dans les sociétés islamiques, édité par Mohamed Abattouy, 141–170. Casablanca: Fondation du Roi Abdul-Aziz Al Saoud pour les Études Islamiques et les Sciences Humaines, 2007.
El-Rouayheb, Khaled. “Sunni Muslim Scholars on the Status of Logic, 1500–1800.” Islamic Law and Society 11, no. 2 (2004): 213–232.
Goldziher, Ignaz (Ignác). “Stellung der alten islamischen Orthodoxie zu den antiken Wissenschaften.” Abhandlungen der Königlich Preußischen Akademie der Wissenschaften. Philosophisch-historische Klasse. Jahrgang 1915, no. 8. Berlin: Verlag der Königl. Akademie der Wissenschaften, 1916.
Goldziher, Ignaz. “The Attitude of Orthodox Islam toward the Ancient Sciences.” In Studies on Islam, translated and edited by Merlin L. Swartz, 185–215. New York: Oxford University Press, 1981.
Goldziher, Ignaz. “Zur Geschichte der ḥanbalitischen Bewegungen.” Zeitschrift der Deutschen Morgenländischen Gesellschaft 62 (1908): 1–28.
Goldziher, Ignaz. Introduction to Islamic Theology and Law. Translated by Andras and Ruth Hamori. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1981.
Goldziher, Ignaz. Tagebuch. Herausgegeben von Alexander Scheiber. Leiden: E. J. Brill, 1978.
Gutas, Dimitri. Greek Thought, Arabic Culture: The Graeco-Arabic Translation Movement in Baghdad and Early ‘Abbāsid Society (2nd–4th/8th–10th Centuries). London: Routledge, 1998.
Makdisi, George. “Hanbalite Islam.” In Studies on Islam, translated and edited by Merlin L. Swartz, 216–274. Oxford: Oxford University Press, 1981.
Makdisi, George. “L’Islam hanbalisant (suite et fin).” Revue des études islamiques 43 (1975): 45–76.
Sabra, Abdelhamid I. “The Appropriation and Subsequent Naturalization of Greek Science in Medieval Islam: A Preliminary Statement.” History of Science 25 (1987): 223–243.
Spevack, Aaron. “Apples and Oranges: The Logic of the Early and Later Arabic Logicians.” Islamic Law and Society 17 (2010): 159–184.
Turán, Tamás. Ignaz Goldziher as a Jewish Orientalist. Traditional Learning, Critical Scholarship, and Personal Piety. Berlin-Boston: Walter de Gruyter GmbH, 2023.
Wilson, M. Brett. “The Failure of Nomenclature: The Concept of Orthodoxy in the Study of Islam.” Comparative Islamic Studies 3, (2007) [pub. 2009]: 169–194.
للتوثيق
بن أحمد، فؤاد وعبد الإلاه بوديب. ”الماهوية والدوغمائية في قراءة التاريخ الفكري للمسلمين: نقاشٌ مع بناصر البعزاتي— الجزء الأول: عن الانتصار لگولدْتْسيهر.“ فيلوسموس: ضمن موقع الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية، (فبراير 2026). الرابط <https://philosmus.org/archives/4447>
عبد الإلاه بوديب
فؤاد بن أحمد
[1] انظر: بناصر البعزاتي، ”قراءة في كتاب ’بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي‘،“ مجلة تمييز 2 (دجنبر 2025): 257–352 (كذا، والصواب: 297–352). وأرقام الصفحات التي نحيل عليها في هذا النقاش هي أرقام صفحات الصيغة الأصلية للمقالة التي نشرت بتاريخ 31/12/2025. ويمكن تنزيلها من صفحة فؤاد بن أحمد على أكاديميا:
https://www.academia.edu/163383081/قراءة_في_كتاب_بين_ابن_عرفة_الورغمي_وابن_خلدون_الحضرمي
[2] البعزاتي، ”قراءة،“ 300. والتشديد منا.
[3] نخشى أن يُفهم من استبعاد البعزاتي عبدَ الإلاه بوديب من توجيه الردّ إليه أنه يكرّس—عن قصدٍ أو عن غير قصد—ثقافة الاستعلاء والتجاهل التي عُرفت بها بعض الأوساط الجامعية المغربية زمنًا، ونرجو أن تكون هذه الممارسات قد انحسرت وصارت من الماضي. فقد عانى الجسم الجامعي والثقافي، في غير موضع، من صورٍ من هذا القبيل: يُحتكَر حقّ المناقشة أحيانًا لمن يُنظَر إليهم بوصفهم ”كبارًا،“ ويُتعمَّد تهميش الباحث حديث العهد بالتأليف وبالمنصب، أو يُحال الرد عليه إلى تلميذٍ أو مريدٍ، لا لبيان الحجة وإنما لترويض الناقد على ألا ”يتجرأ“ على نقد ”الأساتيذ الكبار“ مرة أخرى. ولا يعنينا هنا تقديرُ حسن النية أو سوئها في استبعاد البعزاتي بوديب من المخاطبة؛ إذ يكفينا معيارٌ إجرائيّ واضح: أن الأصل في نقد العمل المشترك أن يُوجَّه الخطاب إلى شريكي التأليف معًا، لا أن يُنتقى أحدهما ويُقصى الآخر بلا مسوّغ غير التحكم والتشهي.
[4] انظر أدناه الفقرة التي تحمل عنوان: ”تذييل.“
[5] انظر:
Ignaz Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie zu den antiken Wissenschaften,” Abhandlungen der Königlich Preußischen Akademie der Wissenschaften, Philosophisch-historische Klasse, Jahrgang 1915, no. 8 (Berlin: Verlag der Königl. Akademie der Wissenschaften, 1916), 3–46.
[6] انظر عينة من الانتقادات في:
George Makdisi, “Hanbalite Islam,” in Studies on Islam, trans. Merlin L. Swartz (Oxford: Oxford University Press, 1981), 219–220, 223–226, 243–245, 254–264; Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture: The Graeco-Arabic Translation Movement in Baghdad and Early ‘Abbāsid Society (2nd–4th/8th–10th Centuries) (London: Routledge, 1998), 166–175; Sonja Brentjes, “Orthodoxy,” in Ancient Sciences, Power, and the Madrasa (“College”) in Ayyubid and Early Mamluk Damascus (Berlin: Max-Planck-Institut für Wissenschaftsgeschichte, 1997), 3, 19, 47; Khaled El-Rouayheb, “Sunni Muslim Scholars on the Status of Logic, 1500–1800,” Islamic Law and Society 11, no. 2 (2004): 213–232.
وكان الراحل عبد الحميد صبره (ت. 2013م) قد وجّه إلى مقالة گولدتسيهر ملاحظاتٍ نقديةً قبل مدة، كما وصفها بأنها ”ما تزال دراسةً لا مثيل لها.“ انظر:
Abdelhamid I. Sabra, “The Appropriation and Subsequent Naturalization of Greek Science in Medieval Islam: A Preliminary Statement,” History of Science 25 (1987), 243, n. 10.
ولكن لا بد من الإشارة إلى أن ثمة عيّنةً أخرى من الدراسات الحديثة التي ظلّت متمسكةً بدعوى گولدتسيهر، ومن ذلك—على سبيل المثال—الدراسة الآتية:Mufti Ali, “Statistical Portrait of the Resistance to Logic by Sunni Muslim Scholars Based on the Works of Jalāl al-Dīn al-Suyūṭī (849-909/1448-1505),” Islamic Law and Society 15 (2008): 250, 267. . وضمن هذه العينة من الدراسات يمكن أن نصنف بعض مقالات بناصر البعزاتي.
[7] البعزاتي، ”قراءة،“ 300–301.
[8] فؤاد بن أحمد وعبد الإلاه بوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي: جدل الانحطاط الفكري بتونس القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد (الرباط: دار الأمان، 2025)، 61.
[9] انظر: البعزاتي، ”گلدتسيهر والعلوم العقلية في الثقافة الإسلامية،“ ضمن الفكر العلمي والثقافة الإسلامية (الرباط: دار الأمان، 2015)، 359–362. والدراسات التي واجهها البعزاتي في هذه ”الصفحات الأربع“ هي للراحلين جورج مقدسي (ت. 2002م)، وعبد الحميد صبره، ودمتري گوتاس، وسونيا برنتيس. وقد ذكرناها أعلاه.
[10] إجنتس جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء بإزاء علوم الأوائل،“ ضمن التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية: دراسات لكبار المستشرقين، ألف بينها وترجمها عبد الرحمن بدوي (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1940)، 123–172.
[11] يرجع مصطلح Orthodoxie (وكذلك orthodoxy) إلى أصلٍ يوناني مركّب: ὀρθός (orthos)، بمعنى ”المستقيم/القويم/الصحيح،“ وδόξα(doxa) التي تدل في اليونانية على ”الرأي/الاعتقاد.“ ويكتسب أيضًا معنى ”ترانيم المجد/التمجيد“ في الاستعمال الديني الكنسي؛ ومن ثمّ فإن (ὀρθοδοξία (orthodoxia تفيد حرفيًّا ”استقامة الاعتقاد.“ وقد تُستعمل في السياق الكنسي اليوناني—لتداخل معنى doxa بين ”الاعتقاد“ و”التمجيد“—بإيحاءٍ قريب من ”صواب العبادة والتمجيد.“ وفي المسيحية المبكرة استحال اللفظ إلى مصطلح تقني يدل على ”العقيدة القويمة“ المعترف بها داخل الكنيسة في مقابل hairesis/hérésie (الهرطقة)، وأحيانًا في مقابل heterodoxy (الخروج عن العقيدة المعترف بها)، ثم استقر له—في الاستعمالات اللاحقة—وظيفتان متداخلتان: وظيفة معيارية تقويمية تحمل حكمًا قيميًّا (”الصحيح أو القويم“)، ووظيفة وصفية-سوسيولوجية تشير إلى ”التيار أو الإجماع المهيمن“ داخل جماعة دينية، حتى حين يُراد استعماله وصفًا لا تزكية. أمّا في اليهودية، فالأمر مختلف من زاوية التاريخ الاجتماعي للمصطلح: إذ لم يكن ”الأرثودوكس“ اسمًا تراثيًّا بقدر ما صار وسمًا حديثًا ظهر في أوروبا في سياق الاستنارة اليهودية وصعود التيار الإصلاحي؛ ويُذكر أن من أقدم استعمالاته: ”اليهود الأرثودكس“ في مجلة Berlinische Monatsschrift سنة 1795م بوصفه تصنيفا لليهود المعارضين لحركة التنوير والإصلاح، قبل أن يستقرّ في القرن التاسع عشر ليستعملَ أداةً للتصنيف الطائفي الاجتماعي بين ”التقليديين“ والحركات الليبرالية الناشئة—مع احتفاظه، بحكم أصله التاريخي، بازدواج المعياري والوصفي.
[12] Ignaz Goldziher, “The Attitude of Orthodox Islam toward the Ancient Sciences,” in Studies on Islam, transl. and ed. By Merlin L. Swartz (New York: Oxford University Press, 1981), 185–215.
[13] وقد انتبه دراسون مثل عبد الحميد صبره، ودمتري گوتاس، وبناصر البعزاتي إلى هذا الحذف.
[14] وإلى ذلك، نعتبر ترجمةَ عبد الرحمن بدوي لعنوان المقالة (إذ أحل ”أهل السُّنّة“ في الترجمة العربية محل ”الأرثودوكسية“ كما في الأصل الألماني) مقبولةً من جهة المقصد؛ لأن إطار گولدتسيهر التحليلي يتجه ابتداءً إلى الوسط المدرسي السُّنّي بوصفه معيار ”العلم الديني.“ ومع ذلك قد تُوهم إشاراته العارضة إلى مواقف منسوبة لبعض الزيدية والإمامية/الاثني عشرية بشيء من التشويش على هذا التوجيه وعلى لفظ ”السُّنّة“ في العنوان. غير أن السياق يسمح بقراءة هذه الإشارات بوصفها استطرادًا مقارنًا أو توظيفًا لمصادر قصدَ بها الإضاءة على موقفٍ كلاميّ بعينه (إذ يقيّد گولدتسيهر نفسُه ذلك الشاهدَ بربطه بدائرة تميل في العقائد إلى معنى المعتزلة)، وهو ما ينسجم أيضًا مع ندرة المادة المباشرة عن المعتزلة في زمنه. وتزيد وجاهةُ اختيار بدوي من حيث التداولُ العربي؛ إذ إن ”الأرثودوكسية“ مصطلحٌ أوروبي ذو خلفية مسيحية قديمة/يهودية حديثة، قد يورث التباسًا عند نقله حرفيًّا، بينما بدائل مثل ”عقائدية“ أو ”عقيدة قويمة“ أو ”صراطية“ أو ”أصولية“ تبقى مستغلقةً على القارئ العربي (وأحيانًا منفّرة له). عن الخلفية الكاثوليكية للمصطلح عند گولدتسيهر، انظر:
George Makdisi, “L’Islam hanbalisant (suite et fin),” Revue des études islamiques 43 (1975) : 64–66.
وعن الحمولة اليهودية الحديثة للمصطلح عنده، انظر:
Tamás Turán, Ignaz Goldziher as a Jewish Orientalist. Traditional Learning, Critical Scholarship, and Personal Piety(Berlin-Boston: Walter de Gruyter GmbH, 2023), 181.
[15] انظر: Ignaz Goldziher, “Die Entblößung des Hauptes,” Der Islam 6, no. 4 (1915): 301–316.
[16] Ignaz Goldziher, Tagebuch, Hrsg. Alexander Scheiber (Leiden: E. J. Brill, 1978), 285.
وعلى سبيل الاستطراد، لا يسعنا سوى أن نخمن أن گولدتسيهر كان يتوفر على كل المواد والوثائق اللازمة، وهي كثيرة جدا؛ وإلا فإن إعداد مقالة واسعة الاطلاع مثل هذه يندر إنجازها في هذا الوقت الوجيز جدًّا.
[17] Ignaz Goldziher, Introduction to Islamic Theology and Law, trans. Andras and Ruth Hamori (Princeton: Princeton University Press, 1981), 50, 84, 161, 264.
[18] البعزاتي، ”قراءة،“ 301.
[19] سبق للبعزاتي أن قال: ”يسمي گُلدْتْسيهِر هذه الجموع من الفقهاء المناوئين للعلوم العقلية بالأُرْتودُكْسية أو فقهاء السنّة المتشددين.“ البعزاتي، ”گلدتسيهر والعلوم العقلية في الثقافة الإسلامية،“ 351. والتشديد منا.
[20] Goldziher, Tagebuch, 287.
[21] Goldziher, Tagebuch, 291. ويمكن للقارئ، وفق يوميات گولدتسيهر، أن ينتبه إلى أن عنوان هذه المقالة، كما نُشر في مجلة دير إسلام، مختلف عن عنوان المقالة كما أرسله گولدتسيهر إلى هذه المجلة.
[22] ولهذا، نتصور أن منشأ الغموض إنما هو في تاريخ العنوان الألماني نفسه، وليس سببه الترجمة الإنجليزية فقط التي كان صاحبها أقرب إلى العنوان ما قبل النشر، خلاف ما تصوره گوتاس. انظر:Gutas, Greek Thought, Arabic Culture, 168.
[23] Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 11, 12, 15, 23, 24, 26, 39.
انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 133، 134، 138، 145، 146، 150، 162.
[24] Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 21.
انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 144. وترجمها بدوي بـ”الأشاعرة السنيين.“
[25] Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 4.
انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 124. وترجمها بدوي بـ”أهل السنة المتشددين.“
[26] Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 4.
انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 125. وترجمها بدوي بـ”أهل السنة المتشددين.“
[27] Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 22.
انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 145. وترجمها بدوي بـ”المؤمنين من أهل السنة.“
[28] Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 14.
انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 136. وترجمها بدوي بـ”وكان عبد السلام رقيق الدين فاسقا.“
[29] Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 42.
انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 167. وترجمها بدوي بـ”أهل السنة من المسلمين.“
[30] Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 5.
انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 125. وترجمها بدوي بـ”عودة سلطان أهل السنة في عهد المتوكل.“
[31] Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 6.
انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 127. وترجمها بدوي بـ”متوسط المتكلمين السنيين.“
[32] Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 8, 15, 29.
انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 130، 138، 153. ترجمها بدوي على التوالي بـ”وكان حرص أهل السنة،“ ”كراهية أهل السنة،“ و”بيان رجال أهل السنة.“
[33] Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 22.
انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 146. وترجمها بدوي بـ”السلطان السني.“
[34] Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 29.
انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 153. وترجمها بدوي بـ”كان للغزالي المكانة الكبرى بين أهل السنة.“
[35] Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 35.
انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 160. ترجمها بدوي بـ”يبدأ ابن الصلاح فتواه بأن يصف الفلسفة بوصف أهل السنة.“
[36] Goldziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 42.
انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 167. ترجمها بدوي بـ”المدارس السنية في الإسلام.“
[37] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 24–42.
[38] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 24.
ونقرأ في الترجمة العربية: ”كان لأهل السنة موقف خطير تجاه المنطق، أخطر بكثير من موقفهم بإزاء بقية علوم الأوائل.“ جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 147. والتشديد منا.
[39] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 34.
جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 158. وكما سنرى أدناه فإن گولدتسيهر يسكت عن المذهب الشافعي لابن الصلاح وجلال الدين السيوطي (ت. 911هـ/1505م).
[40] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 40.
[41] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 42.
[42] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 40–41.
وانظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 163–165.
[43] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 41–42.
وانظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 166–167.
[44] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 9. جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 131.
[45] Makdisi, “L’Islam hanbalisant (suite et fin),” 66.
[46] Gutas, Greek Thought, Arabic Culture, 167. وقد كان مقدسي، كما يقول گوتاس أيضا، سباقا إلى إظهار النزعات المناهضة للحنبلية عند گولدسيهر.
[47] انظر أدناه.
[48] انتبه گولدتسيهر نفسه إلى صعوبات استعمال الأرثودوكسية، حيث يقول: ”لا يمكنُ قياسُ العقيدةِ في الإسلامِ على نظيرِها من الجزءِ المكوِّنِ للدينِ في أيٍّ من الكنائسِ المسيحية. فليس في الإسلامِ مجامعُ ولا مجالس كنسية تنعقدُ، فتقر—بعدَ جدال شديد—صِيَغًا تُجعَلُ من بعدُ شعارًا للإيمانِ الصحيح. وليس فيه منصب كهنوتي يمثّلُ معيارَ الاستقامةِ على الاعتقاد، ولا فيه تفسيرٌ مُعتمَدٌ على سبيلِ الحصرِ تُخوِّله النصوصُ المقدّسةُ وحدَها، تقومُ عليه عقائد كنيسةٍ ما وطريقة تلقينها. وأمّا الإجماعُ فهو السلطة أعلى في كل مسائلِ النظرِ الدينيِّ والعملِ، غيرَ أنّه سلطةٌ مُبهَمة، يكادُ يتعذّرُ تحديدُ حكمه تحديدًا دقيقًا؛ عسيرُ الضبطِ، متباينُ الحدودِ باختلافِ التعريفات. ولا سيّما في مسائلِ الاعتقاد، فإنّ الاتفاقَ على ما ينبغي أن يُسلَّم له بأنه إجماعٌ لا شبهةَ فيه أمرٌ عسير. فما يحسِبه فريقٌ إجماعًا يردُّه فريقٌ آخرُ ويرفضُه.“ Goldziher, Introduction to Islamic Theology and Law, 162–163. والتشديد منا.
وانظر أيضا نقدا يدعو إلى التخلي عن استعمال اللفظ بالنظر إلى إحراجاته وغموضه وإسقاطاته.
Brett M. Wilson, “The Failure of Nomenclature: The Concept of Orthodoxy in the Study of Islam,” Comparative Islamic Studies 3 (2007) [2009]: 169–194.
[49] Turán, Ignaz Goldziher as a Jewish Orientalist, 180.
[50] البعزاتي، ”گلدتسيهر والعلوم العقلية في الثقافة الإسلامية،“ 356.
[51] البعزاتي، ”گلدتسيهر والعلوم العقلية في الثقافة الإسلامية،“ 356–357. والتشديد منا.
[52] البعزاتي، ”گلدتسيهر والعلوم العقلية في الثقافة الإسلامية،“ 357.
[53] ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس (بيروت: دار صادر، 1994)، ج. 3: 293–294.
[54] شمس الدين الذهبي، العبر في خبر من غبر، تحقيق أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول (بيروت: دار الكتب العلمية، 1985)، ج. 3: 210.
[55] تقي الدين ابن تيمية، مجموع الفتاوى: المنطق، نشرة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (المدينة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2004)، ج. 9: 7.
[56] البعزاتي، ”قراءة،“ 329–330.
[57] انظر: البعزاتي، ”قراءة،“ 330، هـ 91.
[58] البعزاتي، ”گلدتسيهر والعلوم العقلية في الثقافة الإسلامية،“ 357.
[59] يذكره گولدتسيهر مرات عدة في مقالته؛ ويقدمه بوصفه إحدى السلط الأرثودوكسية (ومعبرًا عن ”موقف أهل السنة عامة،“ في النص العربي) ومتحفظا عنيفا من عدد من علوم الأوائل مثل الرياضيات ومحاربا وخصما للفلسفة. لكن گولدتسيهر يفاجئنا حين يصف معارضي رأي الغزالي الإيجابي في المنطق بمن ”يمثلون أهل السنة والجماعة.“ انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء بإزاء علوم الأوائل،“ 153.
[60] انظر: گولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 153. قدّم گولدتسيهر ابنَ جبير بوصفه رحّالةً أندلسيًّا وكاتبًا مجيدًا، لكنه يُدرجه مع ذلك ضمن أمثلة ”العداء“ الذي ينسبه لبعض فقهاء المالكية المتزمتين تجاه الدراسات الفلسفية وعلوم الأوائل. واللافت أنه يُرجِع تشكّل هذا الموقف عند ابن جبير لا إلى مالكيّة الأندلس بقدر ما يربطه بتجربته في المشرق وما رآه هناك من ”بيئات سنّية؛“ ويعضد ذلك بإحالةٍ هامشية إلى خبرٍ عند المقَّري التلمساني (1041هـ/1631م)، مع التنبيه إلى مقدّمة ناشري رحلة ابن جبير (W. WrightوM. J. De Goeje). ثم يُلحق خبرًا آخر—منسوبًا إلى محيي الدين ابن العربي (ت. 638هـ/1240م) في الفتوحات المكيّة —يفيد حضور ابن جبير دفن ابن رشد ”على نحوٍ تعبّدي.“ غير أن هذا الانتقال من ”الواقعة“ إلى استنتاج ”تأثّر شديد“ لابن جبير يظل محلّ نظر؛ إذ إن الخبر المتداول عن صلة ابن جبير بوفاة ابن رشد يمكن قراءته—بحسب صياغاته—على نحوٍ أقرب إلى التشفي منه إلى التأثر، بما يجعل إحالة گولدتسيهر هنا قابلة للمراجعة من جهة الدلالة، لا سيما حين تُستعمل لتفسير موقفٍ فقهيّ/مذهبيّ أوسع. وأبيات ابن جبير في حق ابن رشد تكشف ذلك. انظر: محمد بن شريفة، ابن رشد الحفيد سيرة وثائقية (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1999)، 39، 81–83.
[61] انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 165–166. وأشار إلى مواقفه العدائية مرارا واعتمدَ على عمله بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة بوصفه واحدا من مصادر أخباره عن المناوئين لعلوم الأوائل في الإسلام. انظر، جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 128 هـ 2، 135 هـ 2، 149 هـ 7.
[62] يقول: ”وكان حرص أهل السنة، وخصوصا الحنابلة طبعا، على تعقب الملحدين يتجه إلى الكشف عن هؤلاء الملحدين حتى بين المشتغلين بعلوم الدين.“ جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 130–131.
[63] يقول: ”[…] فقهاء المالكية المتزمتين يحملون على الدراسات الفلسفية في عنف ظاهر وغضب بين.“ جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 153.
[64] يقول: ”المعتزلة والأشاعرة متفقون كل الاتفاق“ على موقف الإنكار من علم التنجيم. ويضيف: ”ومن دوائر المتكلمين سواء المعتزلة منهم والأشاعرة، خرجت كتب عديدة ضد الفلسفة عموما، والمنطق على وجه التخصيص.“ جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 143، 148.
[65] يرد في ”كتب الشيعة“ قول رافض للمنطق منسوب لأحد أئمة الاثني عشرية، مع الإشارة إلى المنحى الاعتزالي لهذا المذهب. انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 149–150.
[66] قبل أن تغدو الدراسة خاتمة كتابٍ كانت في الأصل ردّا سجاليًّا على نقد ”صريح“ ضمنه محمد أبطوي مقدمةَ العمل الجماعي الذي نسّقه والذي ضم مقالةَ البعزاتي “The Formation of the Scientific Tradition,” حيث نقرأ: ”وإذ يتناولُ [البعزاتي] الإشكالَ الدقيقَ المتعلِّقَ بتداخُلِ الاعتباراتِ الإيديولوجيةِ في ممارسةِ النظرِ العقليّ، يُشير إلى ردودِ الفعلِ العدائيةِ التي أثارتها بعضُ فروعِ المعرفة، كالمنطقِ والفلسفةِ الطبيعية. وعلى الجملةِ، فهذه التوتّراتُ أمرٌ طبيعيّ، وتشهدُ لمناخٍ فكريٍّ حيٍّ متحرك؛ غيرَ أنّه يبقى أن يُبرهَنَ على أنّ مثلَ ردود الفعل السلبيةِ هذه قد شكّلت عائقًا أمام تطوّرِ البحثِ في العلومِ بالمعنى الأخص، ولا سيّما في الرياضياتِ والفلكِ والبصرياتِ والميكانيكا. وتقتضي هذه الدِّراسةُ قسطًا عظيمًا من التَّحرُّزِ والتَّثبُّت، نظرًا إلى تعقُّدِ المسائلِ المتناوَلة.“
Mohammed Abattouy, “Introduction,” in Les sciences dans les sociétés islamiques: approches historiques et perspectives d’avenir, dirigé par Mohammed Abattouy (Casablanca: Fondation du Roi Abdul-Aziz pour les Etudes Islamiques et les Sciences Humaines, 2007), 12–13. والتشديد منا.
وترد في المقدمة العربية جملة دالة لا ترد بوضوح في المقدمة الفرنسية. يقول أبطوي: ”إن المقاربة التي تبناها الكاتب [=البعزاتي] تبدو أحيانا أقل وضوحا ودقة في مواطن كانت تتطلب حذرا كبيرا بالنظر إلى الطبيعة المعقدة للقضايا المطروحة.“ محمد أبطوي، ”مقدمة،“ ضمن العلوم في المجتمعات الإسلامية: مقاربات تاريخية وآفاق مستقبلية، إشراف محمد أبطوي (الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، 2007)، 13. والتشديد منا. وهذا النقد هو الذي حفّز البعزاتي حينئذ إلى المسارعة بتأليف مقالته عن گولدتسيهر ونشرها أولًا بالملحق الثقافي لجريدة العلم المغربية (لسان حال حزب الاستقلال)، ثم بمجلة فكر ونقد (ثقافية شهرية، 91 (2007): 65–78) التي كان الراحل محمد عابد الجابري (ت. 2010) يرأس تحريرها، قبل أن يعيد نشرها دون تعديل معتبر خاتمةً لكتاب الفكر العلمي والثقافة الفلسفية (2015). والراجح عندنا، بعد النظر، أن خصائص ”الوضوح“ و”الدقة“ و”التحرز“ و”التثبت“ لا تزال عناصر مفقودة إلى حد كبير في مقاربة البعزاتي للموضوع الذي يهمنا هنا. بل إن انتقال النص من وضعية الرد السجالي المستعجل إلى وضعه خاتمة كتابٍ لم يُنتج مراجعةً منهجيةً تُعيد بناء الحجج أو تُحكم أدواتها، وإنما أضفى على ردٍّ قديم هيئةَ ”نتيجة،“ من غير أن يُضيف إليه ما يجعله صالحًا للاختبار العلمي. ولا يفيد نقد أبطوي هنا بوصفه حكمًا نهائيًّا على النتائج، بل بوصفه تنبيهًا مبكرًا إلى خللٍ في أدوات العرض والتثبّت—وهو الخلل الذي نبيّنه تفصيلًا في هذه الورقات.
[67] انظر: جلال الدين السيوطي، صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام، تحقيق علي سامي النشار وسعاد عبد الرازق، ط. 2 (القاهرة: مجمع البحوث الإسلامية، 1970)، ج. 1: 35–35، 47–48، 52، 64.
[68] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 13, n. 2.يرى گولدتسيهر أن الذهبي يزعم أن أبا المعالي الجويني ندم—وهو على فراش الموت—على اشتغاله بعلم الكلام، وأن المرض الذي أودى بحياته كان عقوبةً على ذلك الاشتغال. غير أن القارئ حين ينتظر إحالةً على أحد أعمال الذهبي لا يجدها، بل يجد في المقابل إحالةً إلى أبي المحاسن جمال الدين يوسف ابن تغري بردي (ت. 874هـ/1470م). انظر: جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 135، هـ1. والخبر الذي يشير إليه گولدتسيهر يورده ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة نقلًا عن سبط ابن الجوزي (ت. 654هـ/1256م) في مرآة الزمان، ونصّه: ”قال صاحب مرآة الزمان: وقال محمد بن عليّ تلميذ أبي المعالي الجويني: دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه وأسنانه تتناثر من فيه ويسقط منها الدود، لا يستطاع شمّ فيه؛ فقال: هذه عقوبة اشتغالي بالكلام فاحذروه!“ ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تحقيق القسم الأدبي لدار الكتب المصرية (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1929)، ج. 5: 121. وللتحقق من نسبة هذا المعنى إلى الذهبي، يمكن الرجوع إلى ترجمة الذهبي للجويني—على الأقل في سير أعلام النبلاء—فنجد أنها تتضمن عدة معطيات مهمة. أولًا: يذكر أن الجويني في أواخر عمره قد ”رجّح مذهب السلف في الصفات وأقرّه،“ ثم يورد نصًّا من الرسالة النظامية للجويني يؤكد هذا الاتجاه. انظر: شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1996)، ج. 18: 472. وثانيًا: يورد الذهبي عددًا من الأخبار التي تفيد ندم الجويني على الاشتغال بعلم الكلام. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج. 18: 473–474. وثالثًا: يذكر الذهبي خبرًا عن الجويني في مرض موته جاء فيه: ”وحكى الفقيه أبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي قال: حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه، قال: دخلت على أبي المعالي في مرضه، فقال: اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور.“ انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج. 18: 474. غير أن مجموع هذه النصوص والأخبار—على ما فيها من تأكيد معنى الرجوع وملامح من النقد لعلم الكلام—لا يثبت بعينه الخبر الذي ساقه ابن تغري بردي عن سبط ابن الجوزي، ولا يتضمن تصويرًا حسّيًّا من قبيل تساقط الأسنان وخروج الدود، ولا يصرّح بربط المرض الذي انتهت إليه حياة الجويني بعلم الكلام على نحو مباشر، فضلًا عن تثبيت عبارة ”هذه عقوبة اشتغالي بالكلام“ في سياق ”فراش الموت“ كما وردت في نص مرآة الزمان. وانظر نقدًا للترجمة عند الذهبي وما قد يداخلها من تحيز في عرض هذه الأخبار في: تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو (القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1976)، ج. 7: 182–207. وانظر أيضًا: السيوطي، صون المنطق والكلام، ج. 1: 236–237.
[69] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 19–20.
يُحيل گولدتسيهر في هذا الموضع صراحةً إلى السيوطي، إذ يذكر بغية الوعاة في هامش دراسته، ثم يورد في المتن اسم العَلَم بصيغةٍ مضطربة في ضبط اسم الأبMuhammed b. Jūnus al-Bahrānī . أمّا في نص السيوطي المطبوع فيرد الاسم: محمد بن يوسف البحراني (جلال الدين السيوطي، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1964، ج 1: 286). وتجدر الإشارة إلى أنّ بدوي نقل الاسم إلى العربية متابعًا—في ما يظهر—صيغة گولدتسيهر دون الرجوع إلى ضبط السيوطي، فخرج عنده: محمد بن يونس البهراني (انظر: جلدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 142)، وهو نقلٌ يحتاج إلى تصحيح من جهتين: (1) ضبط اسم الأب (يوسف لا يونس) بحسب السيوطي، و(2) ضبط النسبة (البحراني لا البهراني) ما لم تثبت قراءةٌ أخرى معتبرة.
[70] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 41.
يستنتج گولدتسيهر من المراسلات الشعرية بين السيوطي وعبد الكريم المغيلي (ت. 909هـ/1504م) أن رجلًا اسمه ”كفور“ (Kafūr) قد تحدث عن علم المنطق حديثًا إيجابيًّا في مؤلَّفٍ سمّاه الفرقان (al–Furkān)، ثم يصرّح—في الوقت نفسه—بأنه لا يعرف شيئا عن المؤلف ولا عن الكتاب. ويُلفَت إلى أن السيوطي هاجم هذا الاتجاه، وعدّ المنطق ”علم اليهود والنصارى،“ ومن ثم لا يصح تسمية كتابٍ في المنطق بـ”الفرقان،“ لأن هذا لقب يختص بالقرآن. وفي ترجمة عبد الرحمن بدوي، استحال ”كفور“ ”كافورا،“ حيث نقرأ: ”وواضح من هذه الرسائل المتبادلة [بين المغيلي والسيوطي] أن رجلًا اسمه كافور كتب كتابًا عنوانه الفرقان—والكتاب وصاحبه غير معروفين تمامًا—فيه تحدث عن المنطق حديث المستحسن له.“ گولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 165. والتشديد منا. غير أن هذا ”الوضوح“ المزعوم قائمٌ على سوء قراءةٍ أصلي: فاللفظان اللذان أقام عليهما گولدتسيهر ”مُؤلِّفًا“ و”كتابًا“ ليسا عَلمين أصلًا، بل هما عبارتان وردتا في أبيات شعرية: استُعملت ”الفرقان“ وصفًا للمنطق على الإكبار والاستعارة، واستُعمل ”كفور“ (صيغة مبالغة لـ”كافر“) وصفًا لغير المسلمين الذين أنشأوا صناعة المنطق. ومن ثمّ فافتراضُ وجود مؤلفٍ اسمه ”كفور“ وكتابٍ عنوانه ”الفرقان“ ليس نتيجةَ كتابٍ ”مفقود،“ بل هو نتيجةُ انتزاع كلمتين من أبيات شعرية وإلباسهما لبوس الأعلام والكتب. وهكذا لا يعود الإشكال في أن المؤلف ”مجهول“ والكتاب ”مفقود،“ وإنما لأن كليهما مُتوهَّم ابتداءً: شاهدٌ صُنع من مجاز، ثم طُلب منا أن نتعامل معه بوصفه واقعةً تاريخية. وهذه الملاحظة تعني گولدتسيهر بالأساس، لكنها تعني أيضا أولئك الذين يتمسكون بدعواه رافضين إخضاعها للفحص والنقد.
[71] البعزاتي، ”قراءة،“ 301.
[72] أشرنا أعلاه إلى دفاع البعزاتي عن دعوى گولدتسيهر في وجه جماعة من الدارسين. وانظر أيضا: البعزاتي، ”گلدتسيهر والعلوم العقلية في الثقافة الإسلامية،“ 359–362؛El-Bouazzati, “The Formation of the Scientific Tradition within Islamic Culture,” in Les sciences dans les sociétés islamiques, ed. Mohamed Abattouy (Casablanca: Fondation du Roi Abdul-Aziz Al Saoud pour les Études Islamiques et les Sciences Humaines, 2007), 166.
[73] دراسة عبد الحميد صبره المعنية بنقد البعزاتي هنا سبق أن أشرنا إليها في هامش أعلاه.
[74] البعزاتي، ”گلدتسيهر والعلوم العقلية في الثقافة الإسلامية،“ 360.
[75] El-Bouazzati, “The Formation of the Scientific Tradition,” 166.
[76] El-Bouazzati, “The Formation of the Scientific Tradition,” 166.
[77] انظر: بن شريفة، ابن رشد الحفيد، 60–77.
[78] البعزاتي، ”گلدتسيهر والعلوم العقلية في الثقافة الإسلامية،“ 360.
[79] El-Bouazzati, “The Formation of the Scientific Tradition,” 166.
[80] El-Bouazzati, “The Formation of the Scientific Tradition,” 168.
[81] El-Bouazzati, “The Formation of the Scientific Tradition,” 168.
[82] El-Bouazzati, “The Formation of the Scientific Tradition,” 168–169. والتشديد منا.
ويقول أيضا: ”الأرثودوكسية السُّنّية من جهةٍ تُصرُّ على أن الإيمان الإسلامي واللسان العربي لا يحتاجان إلى إغناء، ومن جهةٍ أخرى ترفضُ حقَّ التقاليد الثقافية الأخرى في أن تواصل ازدهارها.“ El-Bouazzati, “The Formation of the Scientific Tradition,” 166.والتشديد منا.
[83] El-Bouazzati, “The Formation of the Scientific Tradition,” 169.
[84] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 39.جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 162.
[85] El-Rouayheb, “Sunni Muslim Scholars on the Status of Logic,” 215–219.
[86] البعزاتي، ”قراءة،“ 303.
[87] البعزاتي، ”قراءة،“ 303.
[88] El-Rouayheb, “Sunni Muslim Scholars on the Status of Logic,” 215.
[89] البعزاتي، ”قراءة،“ 303.
[90] بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 63، هـ97.
[91] Mufti Ali, “Statistical Portrait of the Resistance to Logic by Sunni Muslim Scholars Based on the Works of Jalāl al-Dīn al-Suyūṭī (849-909/1448-1505);” Aaron Spevack, “Apples and Oranges: The Logic of the Early and Later Arabic Logicians,” Islamic Law and Society 17 (2010): 159–184.
[92] انظر مثلا: Gutas, Greek Thought, Arabic Culture, 166.
[93] البعزاتي، ”قراءة،“ 303. والتشديد من البعزاتي.
[94] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 42.جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 166–167.
[95] البعزاتي، ”قراءة،“ 305.
[96] البعزاتي، ”قراءة،“ 303.
[97] البعزاتي، ”قراءة،“ 304.
[98] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 34.
وانظر: گولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 158.
[99] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 39.
وانظر: گولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 162.
[100] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 37.
وانظر: گولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 162.
[101] Godziher, “Stellung der alten islamischen Orthodoxie,” 40.
وتجدر الإشارة إلى أن بدوي قد نقل قيد التدرّج في عبارة گولدتسيهر إلى جملة أخرى تالية، وزاد جملة شارحة من عنده (in mehr oder weniger entschiedener Weise)، فحوّلها من حكمٍ يُثبت أن إدراج المنطق في خانة الحرام تمّ بدرجات متفاوتة من الحسم إلى تقريرٍ مطلق يوحي بتحريم واحدٍ حاسم؛ حيث يترجم كما يلي: ”ومنذ هذا التاريخ اعتبر الاشتغال بالمنطق من بين الأشياء المحرمة على المؤمن الصحيح الإيمان. وكان لهذا التحريم مظاهر شتى. فكان قاسيًّا شديدا حينا، أقل قسوة وشدة في أحيان أخرى.“ جولدتسيهر، ”موقف أهل السنة القدماء،“ 163. والتشديد منا.
[102] البعزاتي، ”قراءة،“ 301.
[103] بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 61.
[104] البعزاتي، ”قراءة،“ 301.
[105] البعزاتي، ”قراءة،“ 302. وقد سبق للبعزاتي أن كتب مقطعًا طويلًا يقدّم فيه گولدتسيهر بوصفه ”سلطة“ أكاديمية لا تُرد، مستندًا إلى مديح عبد الرحمن بدوي له وإلى لغةٍ احتفائية ترفع الرجل إلى مرتبة ”سيّد الباحثين“ و”شمسٍ ساطعة،“ بل وتقرر أنه ”في كل خطوة يخطوها يتّكئ على النصوص […] ويسوق الشواهد العديدة.“ البعزاتي، ”گلدتسيهر والعلوم العقلية في الثقافة الإسلامية،“ 352–353؛ 35 وانظر أيضا: 353، هـ 6. وكما يظهر، فإن البعزاتي لا يناقش هذا المديح من حيث هو مديح، بل يلتمس له المسوغات تلو الأخرى ويستثمره بوصفه قرينةً على الصواب العابر للأزمنة لأحكام گولدتسيهر. غير أن مثل هذا المسلك—مهما طال—لا يقدّم دليلًا عقليًّا داخليًّا على صحة الدعوى؛ إذ لا تنتقل حجية النص من كثرة الثناء إلى صحة الاستنتاج. والجدير بالذكر أن العبارة التلطيفية التي أُلحقَت في آخر المقطع (”قد تكون في أحكام بدوي مبالغات…“) لا تظهر في الصيغة الأولى المنشورة بمجلة فكر ونقد؛ وهو ما يرجّح أنها أضيفت لاحقًا (ربما بإشارة من قارئ ما!) لتخفيف وطأة الإفراط الواضح في لغة بدوي، لا لتأسيس معيارٍ نقدي جديد. وفي جميع الأحوال، فإن الاعتراف بوجود ”مبالغات“—ولو على استحياء—لا يحل المشكلة، بل يفضحها: ما يُطلَب هنا ليس توازنًا في المدح، بل حجةٌ قابلة للفحص تُبين كيف تُشتغل الشواهد داخل نص گولدتسيهر، لا كيف تُشيّد هالةٌ حول اسمه.
[106] البعزاتي، ”قراءة،“ 302.
[107] Ignaz Goldziher, “Zur Geschichte der ḥanbalitischen Bewegungen,” Zeitschrift der Deutschen Morgenländischen Gesellschaft 62 (1908).
[108] يقول البعزاتي: ”أؤكد أن الدّارس گلدتسهر قرأ المئات الكثيرة من النصوص العربية والإسلامية، شعرية وأدبية وفقهية وحديثية وكلامية وأخرى؛… فيشير إلى حدثين: (1) رد فعل حكم الخليفة المتوكل (حكم من ذي الحجة 232هـ إلى شوال 247هـ موافق دسمبر 847م إلى دسمبر (861م) الفعال ضد ’العقيدة العقلانية‘ باستعمال موقف محافظ قديم يتمثل في الحنابلة النشيطين. و(2) وتهيئة المناخ للعقيدة الأشعرية (الأولى) لأن تسود عن طريق تأسيس الوزير السلجوقي نظام الملك (وف (1092/485) لمدارس لذلك الغرض، بدءاً من أول مدرسة عام 459/1066.“ ”قراءة،“ 302.
[109] Goldziher, “Zur Geschichte der ḥanbalitischen Bewegungen,” 25.
[110] Goldziher, “Zur Geschichte der ḥanbalitischen Bewegungen,” 25.
[111] Goldziher, “Zur Geschichte der ḥanbalitischen Bewegungen,” 22.
[112] Goldziher, “Zur Geschichte der ḥanbalitischen Bewegungen,” 24.
[113] Goldziher, “Zur Geschichte der ḥanbalitischen Bewegungen,” 22.
[114] Goldziher, “Zur Geschichte der ḥanbalitischen Bewegungen,” 15.
[115] ولا نحتاج التذكير بالدراسات الكثيرة في هذا الباب.
[116] البعزاتي، ”قراءة،“ 302.
[117] البعزاتي، ”قراءة،“ 302.
[118] البعزاتي، ”قراءة،“ 303.
[119] البعزاتي، ”قراءة،“ 302.
[120] تقدم توثيقه.
[121] البعزاتي، ”قراءة،“ 329.
[122] البعزاتي، ”قراءة،“ 302–303.
[123] انظر: ابن قدامة المقدسي، المغني، تحقيق عبد الله التركي وعبد الفتاح لحلو (الرياض: دار عالم الكتب للطباعة والنشر، 1981)، ج. 1: 5. وفي ميدان أصول الفقه، يمكن الإشارة إلى عمل آخر لابن قدامة نفسه تأثر فيه بأبي حامد الغزالي الشافعي الأشعري، وسار على خطاه حتى في إيراد المقدمة المنطقية. انظر مثلا: ابن قدامة المقدسي، روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد، تحقيق عبد الكريم النملة (الرياض: مكتبة الرشاد، 1993)، ج. 1: 64–143. ولا شك أن صنيع ابن قدامة هذا لن يروق تيارا آخر في المذهب ظل يعتبر التعاطي للمنطق أمرا غير مقبول.
[124] يقول: ”فنذكر فيه ما ذهب إليه أحمد وأصحابه أو بعضهم أولا غالبا، ثم مذاهب الأئمة الثلاثة وأتباعهم إن كانوا مختلفين، ونزيد هنا غالب مذاهب الأئمة المشهورين، والعلماء المعتبرين، وطريقة المتكلمين من المعتزلة وغيرهم من المناظرين، وطريقتي الرازي، والآمدي فإن العمل في هذه الأزمنة وقبلها على طريقتهما. فنذكر أمهات جميلة، ودقائق جليلة، خلت عنها أكثر المطولات، ولم تشتمل عليها جل المصنفات؛ وذلك لأني اطلعت على كتب كثيرة للقوم من المختصرات والمطولات، من المتون والشروح، من كتب أصحابنا وغيرهم من أرباب المذاهب الثلاثة وغيرها، وقد رأيت أن أذكرها بأسمائها هنا؛ ليعلم من أشكل عليه شيء في المتن أو في هذا الشرح، أن يراجع المنقول من الكتاب الذي نقلناه منه؛ لاحتمال سهو أو غيره. وربما ذكرنا بعض مسائل من كتب الفقه وغيرها مما هو متعلق بالمحل فأذكره.“ أبو الحسن علي المرداوي، التحبير شرح التحرير في أصول الفقه، تحقيق عبد الرحمن الجبرين وعوض القرني وأحمد السراح (الرياض: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، 2000)، ج. 1: 3–5. وتحتاج إحالة المرداوي إلى الرازي والآمدي إلى دراسة منفردة عسى أن نفرغ لها قريبا.
[125] انظر: المرداوي، التحبير، ج. 1: 5–30. أما الأعمال التي ذكرها باسمها في ثنايا عمله فقد بلغت 400 مؤلفا بحسب جرد محققي العمل. انظر: ”قسم الدراسة،“ ضمن المرداوي، التحبير، ج. 1: 101.
[126] البعزاتي، ”قراءة،“ 324. والتشديد منا.
[127] انظر: فؤاد بن أحمد، ”إعادة كتابة تاريخ الفلسفة في السياقات الإسلامية السنية: ابن تيمية وأثر ابن رشد،“ هسبريس-تمودا LV (1) (2020)، 319–323.
[128] بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 62. والتشديد منا.
[129] البعزاتي، ”قراءة،“ 342.
[130] يقول أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي: ”قد نشأ أغمار وأحداث جهال: عدلوا عن قراءة الشرائع وأحكام الكتاب والسنن، إلى قراءة الجهالات من المنطق واعتقدوا صحتها، وعولوا على متضمنها.“ أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، إحكام الفصول في أحكام الأصول، تحقيق عمران علي أحمد العريمي (بيروت: دار ابن حزم، 2009)، ج. 2: 759–760؛ ويقول الباجي كذلك في وصيته إلى ولديه: ”وإياكما وقراءة شيء من المنطق وكلام الفلاسفة، فإن ذلك مبني على الكفر والإلحاد والبعد عن الشريعة، وأحذركما من قراءتها ما لم تقرآ من كلام العلماء ما تقويان به على فهم فساده وضعف شبهه وقلة تحقيقه.“ ”وصية القاضي أبي الوليد الباجي لولديه،“ تحقيق جودة عبد الرحمن هلال، مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد 3، المجلد 1 (1955)، 35. والتشديد منا. ونشكر لمحمد قنديل (جامعة ابن طفيل، القنيطرة) إذ نبهنا إلى هذا النص وساعدنا على ضبطه وتوثيقه. وغني عن البيان أن الباجي يعكس هنا موقف الأشاعرة المبكر قبل أن يحصل فيه تحول جذري، فينقلبون إلى الإقبال الشديد عليه، خاصة إثر أبي حامد الغزالي. هذا، ونشير إلى أن للباجي نفسه كتابا في آداب المناظرة أو الجدل على طريقة الفقهاء. انظر: أبو الوليد الباجي، المنهاج في ترتيب الحجاج، تحقيق عبد المجيد التركي، ط. 3 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2001).
[131] البعزاتي، الفكر العلمي والثقافة الإسلامية، 11.
[132] البعزاتي، الفكر العلمي والثقافة الإسلامية، 14.
[133] البعزاتي، ”التجديد والمقاومة،“ ضمن الفكر العلمي والثقافة الإسلامية، 336. والتشديد منا.
[134] يقول البعزاتي: ”يتهمني [بن أحمد] بمعاداة تاريخ الإسلام، ولا يبقى له إلّا الإفتاء بإحراق كتاباتي.“ البعزاتي، ”قراءة،“ 344.
[135] البعزاتي، ”قراءة،“ 350.
[136] البعزاتي، ”قراءة،“ 351.
[137] البعزاتي، ”قراءة،“ 297–298، س 1–2.
[138] البعزاتي، ”قراءة،“ 298، هـ 1.
مقالات ذات صلة
النهضة المنطقيّة المغربيّة الثانية: أبو عثمان سعيد بن محمد العقبانيّ التلمسانيّ (720-811 هـ/1320-1408م)
The Second Maghribi Logical Renaissance:Abū ʿUthmān Saʿīd ibn Muḥammad al-ʿUqbānī al-Tilimsānī720-811/1320-1408 Al-Nahḍa al-Manṭiqiyya al-Maghribiyya al-Thāniya: Abū ʿUthmān Saʿīd ibn Muḥammad al-ʿUqbānī al-Tilimsānī720-811/1320-1408 النهضة المنطقية المغربية...
الخطاب المعياري عند الماوردي (ت. 450هـ/1058م) بين الفقه والفلسفة والأدب: من التأطير القانوني إلى قراءة نسقية وتاريخية
Al-Māwardī’s (d. 450/1058) Normative Discourse between Islamic Jurisprudence, Philosophy, and Adab: From a Legalistic Framing to a Systematic and Historical-Contextual Reading al-khiṭāb al-miʿyārī ʿinda al-Māwardī (d. 450/1058) bayna al-fiqh wa-l-falsafa wa-l-adab:...
نحو الوحدة الاصطلاحية في ترجمة ”المفصّل في الحجاج“
Toward Terminological Unity in the Translation of The New Rhetoric Naḥwa al-waḥda al-iṣṭilāḥiyya fī tarjamat al-Mufaṣṣal fī al-ḥijāj نحو الوحدة الاصطلاحية في ترجمة ”المفصّل في الحجاج“ محمد قنديلجامعة ابن طفيل، القنيطرة Mohammed Kandil Ibn Tofail University, Kénitra...
آراء الفيلسوف أبي الحسن العامري (ت.381هـ/922م) في النفس الإنسانية
Ārāʾ al-faylasūf Abī al-Ḥasan al-ʿĀmirī (d. 381 H/992 M) fī al-nafs al-insānīyah Abū al-Ḥasan al-ʿĀmirī (d. 381/992) on The Human Soul: A Philosophical Inquiry آراء الفيلسوف أبي الحسن العامري (ت.381هـ/ 922م) في النفس الإنسانية[1] بلال مدريرالأكاديمية الجهوية للتربية...
النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)
The Second Maghribi Logical Revival: Muḥammad al-Sharīf al-Tilmisānī (710–771/1310–1370) al-Nahḍa al-Manṭiqiyya al-Maghribiyya al-Thāniya:Muḥammad al-Sharīf al-Tilimsānī (710–771/1310–1370) النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)...
الإسهام الإصلاحي في الفلك لجابر بن أفلح الإشبيلي: موقع كوكبي الزهرة وعطارد نموذجًا
The Reformist Contribution of Jābir ibn Aflaḥ al-Ishbīlī to Astronomy: Venus and Mercury as a Case Study al-Ishām al-iṣlāḥī fī al-falak li-Jābir b. Aflaḥ al-Ishbīlī: Mawqiʿ kawkabay al-Zuhra wa-ʿUṭārid namūdhajan الإسهام الإصلاحي في الفلك لجابر بن أفلح الإشبيلي:موقع...
مفهوم البراديغم من خلال فلك ابن الهيثم
The Concept of Paradigm in Ibn al-Haytham's Astronomy Mafhūm al-Parādīghm min khilāl falak Ibn al-Ḥaytham مفهوم البراديغم من خلال فلك ابن الهيثم فتاح مكاويFatah Mekkaoui جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاسSidi Mohamed Ben Abdellah University, Fez الملخص: يعتبر...
في مشروعية الكلام السني ضدا على إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (ت.505هـ/1111م): قطعة من موسوعة الأسرار والعبر لأبي بكر الطرطوشي (ت.520هـ/1126م)، تعريفٌ وتوصيف
On the Legitimacy of Sunni Theology against Abū Ḥāmid al-Ghazālī’s Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn (d. 505/1111): A Section from Abū Bakr al-Ṭurṭūshī’s al-Asrār wa-l-ʿIbar (d. 520/1126) - Introduction and Description Fī Mashrūʿiyyat al-Kalām al-Sunnī Ḍiddan ʿalā Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn...
منهج الغزالي في التأليف في علم المنطق
Al-Ghazālī’s Methodology in His Writings on Logic Manhaj al-Ghazālī fī al-Taʾlīf fī ʿIlm al-Manṭiq منهج الغزالي في التأليف في علم المنطق محمد رويMohamed Roui جامعة عبد الملك السعديUniversité Abdelmalek Essaadi ملخص: تتناول هذه الدراسة معالم منهج أبي حامد الغزالي...
المنطق في الحضارة الإسلاميّة
المنطق في الحضارة الإسلاميّة خالد الرويهبKhaled El-Rouayheb جامعة هارفارد-كمبريدجHarvard University-Cambridge ملخص: ”المنطق في الحضارة الإسلامية“ لخالد الرويهب (جامعة هارفارد بكمبريدج) هي في الأصل محاضرة بالعربية ألقيت في مؤسسة البحث في الفلسفة العلوم في...









