Loading

إسلام بلا كلام؟ ابن رشد ونقده الجذري للمتكلّمين

Islam beyond Kalām?

Ibn Rushd’s Radical Critique of Muslim Theologians

Islām bi-lā Kalām?
Ibn Rushd wa-Naqduhu al-Jadhrī li-l-Mutakallimīn

إسلام بلا كلام؟

ابن رشد ونقده الجذري للمتكلمين★

 

 

Fouad Ben Ahmed
Qarawiyyin University, Rabat

 

فؤاد بن أحمد
جامعة القرويين، الرباط

ملخص: إن أي قارئ لأعمال ابن رشد (ت. 595هـ/1198م)، وبخاصة الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، وفصل المقال، وتهافت التهافت، قد يفاجأ بشدةِ نقده لفرق المتكلمين المسلمين. ففيلسوف قرطبة لا يعترف بأصالة علم الكلام ولا بعلميته ولا بنفعه للناس. والمتكلمون في الكتابات المذكورة أعلاه ليسوا من الخواص ولا العلماء، بل يتم تصويرهم على أنهم فرقة ”شاذة“ بالقياس إلى الفئتين السابقتين؛ إذ هم مصدر المنكرات والشرور التي لحقت بالشريعة عبر تاريخها. والمتكلمون في نظر ابن رشد إما مرضى وأمزجتهم غير معتدلة، بخلاف بقية الناس العاديين؛ أو هم أطباء مزيفون، كما أن نظرياتهم وتحليلاتهم أقرب إلى السفسطة منها إلى القول العلمي. والأدهى من كل هذا أنهم التي يحاولون فرض تأويلاتهم المغلطة وشبههم المزيفة على عامة الناس باعتبارها صحيحة وفيها خلاصهم ونجاتهم الأبدية. والنتيجة أن علم الكلام، في نظر قاضي مراكش، عديم الفائدة، بل هو فاسد علميا وضار عمليا.
كل هذا قد يحمل على الظن أن ابن رشد كان يتصور وجود إسلام ومسلمين (فلاسفة وجمهور)، دون كلام ومتكلمين. في هذه الورقة سأتناول تفاصيل موقف ابن رشد العنيف من علم الكلام والمتكلمين وأحاول فهمه في سياقه عن طريق استعراض الطرق التي انتهجها من أجل إسقاط كل أصالة عن هذا العلم وأصحابه. فهل كان هذا الموقف الراديكالي لابن رشد نهائيا؟ وهل تصور حقا إسلاما بلا كلام ومتكلمين؟ هذا ما سأقوم بفحصه في هذه الورقة.

الكلمات المفاتيح: ابن رشد؛ علم الكلام؛ المتكلمون الأشاعرة؛ نقد الكلام الأشعري؛ الشريعة؛ التأويل الديني؛ السفسطة؛ البرهان؛ الفلاسفة والجمهور؛ الإسلام والمتكلمون.

Abstract: Any reader of Ibn Rushd’s works—especially al-Kashf ʿan Manāhij al-Adilla fī ʿAqāʾid al-MillaFaṣl al-Maqāl, and Tahāfut al-Tahāfut—is likely to be struck by the severity of his criticism of Muslim theologians. The philosopher of Cordoba grants kalām neither originality, nor scientific status, nor practical benefit for human beings. In these writings, the theologians are not counted among either the intellectual elite or the genuine scholars; rather, they are portrayed as an anomalous group standing outside both categories. They are presented as a source of the corruptions and evils that, over time, have afflicted the revealed Law. In Ibn Rushd’s eyes, theologians are either diseased souls with imbalanced temperaments, unlike ordinary people, or false physicians whose doctrines and arguments belong closer to sophistry than to genuine science. More troubling still, they attempt to impose their erroneous interpretations and spurious doubts upon the common people, presenting them as true and as necessary for salvation. The result is that, for the qāḍī of Marrakesh, kalām is not merely useless; it is scientifically corrupt and practically harmful.
All this may lead one to think that Ibn Rushd envisaged an Islam—and a Muslim community composed of philosophers and the general public—without kalām and without theologians. This paper examines the details of Ibn Rushd’s forceful critique of kalām and its practitioners, and seeks to understand that critique in its proper context by analyzing the strategies through which he deprives this discipline and its representatives of any claim to originality or legitimacy. Was Ibn Rushd’s radical stance final and uncompromising? Did he truly imagine an Islam without kalām and without theologians? These are the questions this paper sets out to explore.

Keywords: Ibn Rushd; kalām; Ashʿarite theologians; critique of Ashʿarism; revealed Law; religious interpretation; sophistry; demonstration; philosophers and the common people; Islam and theologians.

مقدمة

لا يتردد كثير من الدارسين في اعتبار ابن رشد (ت. 595هـ/1198م) قد خرج عن شروط القول الفلسفي في أعمال من قبيل فصل المقال، والكشف عن مناهج الأدلة، وتهافت التهافت، ليدخل في جدالات لاهوتية كلامية، ويؤلف أعمالا جمهورية موجهة لعامة الناس، فيخرج بالتالي عن وظيفة الفليسوف في عصره. وفعلا، فقد انشغل ابن رشد بأصول الدين تعلما وتعليما وتأليفا، حسب ما يحكيه الإخباريون،[1] فضلا عن إقراره بأن هذه الأعمال السابقة ذات طبيعة جدلية، كما أنه فحص فيها مواضيع تهم الجمهور مثل الشريعة وأحكام التأويل؛[2] وهذا بخلاف أعماله الفلسفية والعلمية التي يتم التمثيل لها عادة بشروحه على أعمال أرسطو (ت. 322 ق. م).  لكن الحقيقة أن الشيء الجامع بين كل تلك الأعمال المذكورة هو أنها قد ألفت ضد علم الكلام، وعلم الكلام الأشعري على وجه التحديد. وهكذا، فالعنوان الكامل لكتاب الكشف، مثلا، هو: الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة وتعريف ما وقع فيها بحسب التأويل من الشبه المزيفة والبدع المضلة. فالعمل إذن كشف وتعريف: كشف عن مناهج الأدلة المستعملة في إثبات العقائد الكلامية وتعريف بالشبه المزيفة والبدع المضلة التي تختفي وراء هذه الأدلة. لهذا نفترض أن ما أنتجه ابن رشد في هذه النصوص، وفي الكشف خاصة، لم يكن خطابا كلاميا أو لاهوتيا بديلا،[3] وإنما هو نقد جذري للخطاب الكلامي، وفك للارتباط بين الشريعة وتأويلات المتكلمين.

وهكذا، فإن سعي ابن رشد إلى إبطال أقوال المتكلمين علميا وعمليا يكفي للقول إنه كان يتصور وجود إسلام لا كلام فيه. لكن هل معنى هذا أن ابن رشد يتصور الإسلام بدون عقيدة أو بدون أصول دين؟ لا. الأمر أبعد من ذلك. لذلك يجب أن نضيف هنا أن الكشف عن مناهج الأدلة يتضمن غرضا آخر غير مصرح به في العنوان: وهو التعريف بالعقائد الواجبة، أي ما يجري مجرى العقائد الواجبة في الشرع التي لا يتم الإيمان إلا بها؛ وقد عرضها ابن رشد متحريا في ذلك كله مقصد الشارع. وهذا ما قدمه ابن رشد بديلا لما ”جعل أصلا في الشرع وعقيدة من عقائده من قبل التأويل الذي ليس بصحيح.“[4] ومن هذه الجهة، فإن ابن رشد يقيم تمييزا حاسما بين أصول الدين أو أصول الشرع وعلم الكلام، ويؤكد أن هذا الأخير ليس من تلك الأصول بحال.[5] وعليه، فليس القصد هو الاحتفاظ بالإسلام بدون عقيدة وإنما حفظه من تشغيبات المتكلمين.

وفي المقابل، ليس سهلا على أي شخص مطلع على هذه المواقف الرشدية الجذرية ضد علماء الكلام الأشاعرة أن يفهم كيف أن أبا الوليد قد حاول في بعض أعماله أن يجد محاور تقارب بين هؤلاء المتكلمين الأشاعرة والفلاسفة المشائين؛ إذ ما الذي قد يكون دعا ابن رشد إلى مثل هذا الموقف التصالحي والحال أن صفحات كتبه المذكورة لا تخلو من النقد الشديد للأشاعرة واتهامهم بتحريف الشريعة والفلسفة معًا، أو حتى الخروج عن الشريعة نفسها؟!

فما هي إذن ملابسات هجوم ابن رشد على علم الكلام؟ وما هو موقفه بالتحديد من المتكلمين؟ وهل لديه بالفعل موقف ”استئصالي“ تجاه علماء الكلام المسلمين؟ وإذا كان هناك شيء من هذا، فهل كان هذا الموقف الجذري هو موقفه النهائي؟ أما إن كانت الإجابة بالنفي، فما الذي دفعه في نصوص أخرى إلى محاولة الجمع بين علم الكلام الأشعري والفلسفة؟ وكيف كان رد فعل الأشعرية على هذا النقد؟ هذه هي الأسئلة التي تهدف هذه الورقة إلى الإجابة عليها من خلال ثلاث نقاط مركزية:

  1. ابن رشد معارضا للكلام الأشعري،
  2. رد فعل الأشعرية على ابن رشد؛
  3. ابن رشد موفقًا بين المشائين والمتكلمين الأشاعرة.

أولا: ابن رشد خصما للأشاعرة

يعتبر كتاب الكشف عن مناهج الأدلة من أهم الكتب التي ألفها ابن رشد، هذا إن لم يكن في الحقيقة هو الأهم بالنظر إلى السياق الديني والفكري العام الذي اشتغل فيه المؤلف. يحمل الكتاب نقدًا لاذعًا ومباشرًا، بل إنه محاولة تدمير شامل للنسق الفكري لعلماء الكلام الأشعري على وجه الخصوص. ومع أنه يرد على المعتزلة في بعض المواضع من أعماله بما فيها الكشف، فإن الحيز الذي يحتله المعتزلة في ردود ابن رشد يظل ضئيلا جدا مقارنة بالحيز الذي تشغله الأشعرية.[6]

ولتحقيق هدفه السابق، تحرك ابن رشد على أربع واجهات على الأقل:

  1. فقد حاول نزع الأصالة عن صورة المتكلم وموقعه ومرتبته في المجتمع؛
  2. وسعى إلى تخسيس القيمة العلمية للمقدمات الكلامية؛
  3. وأظهر خطورة التأويلات الكلامية من الناحية العملية والمدنية؛
  4. وأنجز ما يشبه أن يكون جينيالوجيا السلطة التي حازها المتكلمون في عصره.

1.     نزع الأصالة عن المتكلمين

عندما نقرأ بإمعان أعمال ابن رشد التي تهمنا هنا، نجده لا يتردد في استبعاد المتكلمين من جماعة المسلمين، فهو لا يعترف بوجودهم باعتبارهم طبقة أو فئة اجتماعية طبيعية. وفي المقابل، فإن الفلاسفة وعامة الناس هم في نظره الطبقتان الوحيدتان الطبيعيتان داخل المجتمع المسلم؛ فـ”العلماء والجمهور هم صنفا الناس بالحقيقة.“[7] أما المتكلمون فليسوا من أولئك ولا من هؤلاء. وفي الواقع، فإن أغلب الصور التي رسمها ابن رشد للمتكلمين هي صور سيئة تهدف إلى نزع الأصالة الفكرية عنهم، وتصب في تخسيس مكانتهم في أعين الناس والسلطان معا. فالمتكلم رجل مزاجه رديء، أو مزاجه غير معتدل، وبه أمر خارج عن الطبع. والمتكلمون تارة مرضى وتارة أشباه أطباء، وتارة أخرى صنف مذموم شاذ. والشذوذ أو الخروج عن الطبع أمر استثنائي لا يعتد به ولا يجب أن يتخذ معيارا أو مقياسا لفهم الشريعة وتأويلها. لذلك كانت تأويلات المتكلمين أشبه بالسموم، لا تستطيع نفع الناس ولا إفادة الخواص؛ وعقاب من يسقي السموم الناس كعقاب من يفسد في الأرض: ”القَوَد.“[8] وبعبارة ابن رشد:

”فالكلام في هذه الأشياء مع الجمهور هو بمنزلة من يسقي السموم أبدان كثير من الحيوانات التي تلك الأشياء سموم لها. […] فمن سقى السم من هو في حقه سم، فقد استحق القَوَد وإن كان في حق غيره غذاء.“[9]

ويجب أن نضيف أن حكم ابن رشد على المتكلمين يهم خطابهم أيضا؛ فهو يلح على أن القرآن والفلسفة هما الخطابان الوحيدان اللذان يملكان كل الشروط التي تجعل منهما خطابين ناجحين منطقيا ومعرفيا وتداوليا. في مقابلهما، يحمل الخطاب الكلامي كل العناصر التي تجعل منه خطابا زائفا. فالخطاب القرآني يتوجه حسب ابن رشد إلى جميع الناس أو معظمهم من خلال التمثيلات والصور التي يحرَّك بها الناس طلبا للفضيلة وهروبا من الرذيلة من جهة، وفي الآن نفسه يزود العلماء بالتنبيهات التي يلتقطها هؤلاء ويؤولون باعتمادها الشريعة لتوافق ما عندهم من الحقائق؛ وبالتالي فهو خطاب عام لجميع الناس على اختلاف فطرهم. ولهذا السبب فإن الخطاب القرآني مكتفٍ ذاتيًّا ولا يحتاج إلى ملاحق أو خطابات من الدرجة الثانية، وأي محاولة لإنشاء مثل هذه الخطابات ستفسد الشريعة نفسها. والخطاب الوحيد المتكامل والموازي (وليس المقابل) للخطاب القرآني هو الخطاب العلمي أو البرهاني الموجه إلى الخواص، أي خطاب الفلسفة.[10] وهكذا لا يبقى مكان لخطاب المتكلمين.

كل هذا يجعلنا ننتهي إلى أن ابن رشد لم يتصور إمكان وجود جماعة منبثقة من تعاليم الإسلام تسمى المتكلمين، وهذا حسب تصوره هو ما كان عليه الإسلام في أيامه الأولى؛ فقد وجد دون علم الكلام، إذ لم يكن النبي متكلما، لا معتزليا ولا أشعريا.

2.     تخسيس القيمة العلمية للمقدمات الكلامية أو في سوفسطائية القول الكلامي

يبدو أن تفاصيل العداء الفكري الذي أعلنه ابن رشد ضد الأشاعرة قد أفضت به إلى استبعاد طريق هؤلاء المتكلمين من الطرق الصحيحة لمعرفة الله، بل وإخراجهم من الإسلام طرًّا. وقد انتهى ابن رشد، بناءً على فحصه لمناهج علماء الدين، إلى استنتاج مفاده أن المقاربة الأشعرية في الإقرار بوجود الله مقاربة فاسدة من ناحيتين: أولًا، لأن استدلالاتهم لا تفي بالشروط العلمية؛ وثانيًّا، لأن مذهبهم لا يلبي احتياجات عامة الناس من حيث العلم (التصور والتصديق) والعمل. وفي هذا يقول ابن رشد إن طريقة علماء الكلام الأشعري

 ”التي سلكوها في إثبات تأويلاتهم ليسوا فيها، لا مع الجمهور ولا مع الخواص: أما مع الجمهور، فلكونها أغمضُ من الطرق المشتركة للأكثر؛ وأما الخواص، فلكونها إذا تؤملت وجدت ناقصة عن شرائط البرهان […].“[11]

 ويضيف في موضع آخر: ”الطرق المشهورة للأشعرية في السلوك إلى معرفة الله سبحانه ليست طرقا نظرية يقينية ولا طرقا شرعية يقينية.“[12] ويكرر في موضع آخر إن هذه الطرق ليست من ”الطرق اليقينية الخاصة بالعلماء، ولا هي من الطرق العامة المشتركة للجميع، وهي الطرق البسيطة.“[13]

ويمكن أن نأتي بأمثلة عدة لهذا، من الكشف ومن غيره:

المثال الأول هو أن الأشاعرة لم يكونوا في أقوالهم بخصوص الاستدلال على وجود الله على منهج القرآن. يقول ابن رشد:

”قد سلكوا في التصديق بوجود الله تبارك وتعالى طرقا ليست هي الطرق الشرعية التي نبه الله عليها ودعا الناس إلى الإيمان من قبلها.“[14]

والمثال الثاني لهذه النواقص هو أن الأساليب التي استخدمها هؤلاء المتكلمون في مناقشتهم حول حدوث العالم جمعت بين كون: ”الجمهور ليس في طباعهم قبولها ولا هي مع هذا برهانية. فليست تصلح لا للعلماء ولا للجمهور.“[15]

والمثال الثالث هو أن المقدمة الأكثر شهرة في دليل الحدوث عند الأشعرية، وهي إثبات حدوث الجوهر الفرد، ليست برهانية ولا هي مفيدة للجمهور؛ وهكذا، فإن طريقتهم التي

 ”سلكوها [مثلا] في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزأ، وهو الذي يسمونه الجوهر الفرد، طريقة معتاصة تذهب على كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل، فضلا عن الجمهور، ومع ذلك فهي طريقة غير برهانية ولا مفضية بيقين إلى وجود الباري سبحانه.“[16]

وفي هذا الباب، فإن ابن رشد لا يكتفي بنفي البرهانية عن أقوال المتكلمين الأشعرية، وإنما يذهب حد تخسيس القيمة الإبستمولوجية والمنطقية لأقوالهم، من خلال اعتبارها: إما أقوالا من باب المعارف العامة وبادئ الرأي،[17] وإما خطابية ضعيفة في أحسن الأحوال، وإما سوفسطائية مُرائية وهذا هو الغالب. وفي كل الأحوال نادرا ما تكون أقوال المتكلمين جدلية.[18] وإذا كان استعمال معارف غير علمية وأمثلة غير وثيقة موجهة للجمهور هو الذي يجعل من أقوالهم خطابية أو من بادئ الرأي؛ وكان حب الغلبة هو الذي يبعد أقاويلهم عن الجدل بوصفه قائما على التعاون والتمهيد للعلم، فإن الأخطر هو أن يكون الأشعرية يلجؤون إلى أساليب تضع أقوالهم من وجهة نظر علم المنطق في خانة السفسطة. فهم يلجؤون إلى نقل الكلام من مسألة إلى مسألة عجزا وتملصا، والنقل فعل سوفسطائي؛[19] ويلجؤون إلى التمويه والإيهام في ما ليس بحجج على أنه حجج؛ والتمويه فعل سوفسطائي،[20] كما يلجؤون إلى المعارضات السوفسطائية التي غايتها إثبات الشك وتقريره، وهذا أحد أغراض السوفسطائيين.[21]

بل أكثر من ذلك، إن السفسطة في نظر ابن رشد من صميم بنية المذهب الأشعري؛ وبالتالي فإن الأشعرية هي الامتداد التاريخي والصيغة الإسلامية لفرقة السوفسطائية اليونانية. وكما كان من واجب الفلاسفة مواجهة السوفسطائيين قديما، فمن واجبهم مواجهة صيغتها الإسلامية والرد عليها في زمن ابن رشد، وهذا الواجب هو ما سيضطلع به فيلسوف قرطبة بلا هوادة. وذلك أن العديد من المبادئ والأصول التي أسس عليها الأشعرية معارفهم كانت سوفسطائية، حيث ذهبت إلى حد إنكار العديد من الحقائق (الفلسفية) الضرورية. وهذه عبارته: ”كثير من الأصول التي بنت عليها الأشعرية معارفها هي سوفسطائية، فإنها تجحد كثيرا من الضروريات.“[22]

ومن هذه الضروريات التي ينكرها الأشعرية ما يلي:

  • ثبوت الأعراض وبقاؤها،
  • تأثير الأشياء بعضها في بعض،[23]
  • الأمور المعروفة بنفسها والأوائل المعلومة بالطبع للجميع.[24]
  • اختصاص الصفات بموضوع خاص بها.[25]
  • وجود الأسباب الضرورية للمسببات،[26]
  • الصور الجوهرية،
  • الوسائط[27]

وبالجملة، فأقوال الأشعرية ”خارجة“ عن نظر الإنسان بما هو إنسان؛[28] ومقاصدها ”خبيثة“ لأنها تروم إبطال الحكمتين الشرعية والعقلية و”بالجملة العقل.“[29]وفي الواقع، فإن هذه الفقرة من تهافت التهافت تحمل أساس الطلاق الفكري بين ابن رشد والمتكلمين الأشعرية.

3.     في النتائج العملية للتأويلات الكلامية

لا تفتقر تأويلات المتكلمين إلى المشروعية الدينية والقيمة العلمية فحسب، وإنما هي عاجزة تمامًا عن التأثير في أفعال الناس، مقارنة بمفعول ظاهر الشريعة؛ بل أكثر من ذلك، إن هذه التأويلات تشكل خطرا حقيقيا على الشريعة ووحدتها. وبما أن المفعول الحقيقي للشريعة إنما هو في إثبات ظواهرها التي جاءت بها، فإن إبطال هذه الظواهر بخصوص كثير من المسائل النظرية كالجهة والجسمية والتصريح بنفيهما يغدو خطأ جسيما، لأنه يبطل المفعول المفترض الذي تصوره الشارع لتلك الظواهر. يقول:

”فيجب أن لا يصرح بما يَؤُول عندهم [=الجمهور] إلى إبطال هذه الظواهر. فإن تأثيرها في نفوس الجمهور إنما هو في حملها على ظاهرها.“[30]

وفي كل الأحوال فإن

”أكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تؤملت وجدت […] لا تفعل فعل الظاهر في قبول الجمهور لها وعملهم عنها.“[31]

 إن الأمر في الشريعة لا يتعلق باعتقادات نعتقد فيها من أجل ذاتها، وإنما من أجل أن يظهر ذلك على أعمالنا؛ ”فإن المقصود الأول بالعلم في حق الجمهور إنما هو العمل، فما كان أنفع في العمل فهو أجدر.“[32] هذا هو السبب الرئيسي الذي يجعل ابن رشد يدعو إلى عدم تأويل الشريعة عندما يتعلق الأمر بعموم الناس. وإغفال الدارسين هذا العنصر جعلهم يتصورون ابن رشد ”سلفيا“ أو ”حشويا.“[33]

وفي المقابل، فإن إبطال ظاهر الشريعة معناه عند ابن رشد بطلان الشريعة كلها وتمزيقها وتفريقها.[34]

”وأما إذا أولت فإنه يؤول الأمر فيها إلى أحد أمرين: إما أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه في الشريعة، فتتمزق الشريعة كلها وتبطل الحكمة المقصودة منها؛ […]. فهذا كله إبطال للشريعة ومحو لها من النفوس من غير أن يشعر الفاعل بذلك بعظيم ما جناه على الشريعة.“[35]

ولا يتعب ابن رشد أبدًا من تكرار زعمه بأن المسؤولية الرئيسية عن الانقسام داخل الإسلام تكمن في تأويلات المتكلمين الذين يزعمون أن هذه التأويلات هي الدين الأصلي الذي يفترض بجميع الناس أن يتمسكوا به، وأن من ينحرف عنها إما كافر أو زنديق.[36] والحال أن علم الكلام في الحقيقة ليس سوى تاريخ الأخطاء التأويلية التي سلطت على الشريعة، أو بعبارة أخرى إنه تاريخ التأويلات الفاسدة علميا وعمليا.

يقول ابن رشد:

”ومن قبل التأويلات والظن بأنها مما يجب أن يصرح بها في الشرع للجميع نشأت فرق الإسلام حتى كفر بعضهم بعضا وبدع بعضهم بعضا، وبخاصة الفاسدة منها. فأولت المعتزلة آيات كثيرة وأحاديث كثيرة وصرحوا بتأويلهم للجمهور، وكذلك فعلت الأشعرية، وإن كانت أقل تأويلا، فأوقعوا الناس من قبل ذلك في شنآن وتباغض وحروب، ومزقوا الشرع وفرقوا الناس كل التفريق […]. ولقد بلغ تعدي نظارهم في هذا المعنى على المسلمين أن فرقة من الأشعرية كفرت من ليس يعرف وجود الباري سبحانه بالطرق التي وضعوها لمعرفتهم في كتبهم.“[37]

وهذا في تصورنا هو الذي أدى بابن رشد إلى اعتبار الطرق الكلامية

”كلها ليست واحدة منها هي الطريقة الشرعية التي دعا منها جميع الناس، على اختلاف فطرهم، إلى الإقرار بوجود الباري سبحانه.“[38]

 بل إلى القول بأن تلك الطائفة من الأشعرية المعتدية المذكورة أعلاه ”هم الكافرون والضالون بالحقيقة.“[39]

4.     جينيالوجيا سلطة المتكلمين

إذا كانت خطابات المتكلمين لا تستوفي شروط العلم والعمل، بل هي محض أغاليط في غاية الخروج عن ما يعقله الإنسان؛ فمن أين تكتسب قوتها وأتباعها إذن؟ وعلى الرغم من أن هذا السؤال قد شغل بال ابن رشد كثيرا، فإنه غالبا ما حصل تجاهله من قبل الدراسين، مع أنه يظل العامل الأقوى في تفسير دوافع حملة ابن رشد العنيفة على المتكلمين.

 تكتسب خطابات المتكلمين قوتها بفعل نظام التعليم والتنشئة التربوية. ففي نظر ابن رشد، ”لولا النشء على أقاويل المتكلمين وعلى التعظيم للقائلين بها، لما أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع، ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة.“[40] وقد جاء تعليق ابن رشد هذا مباشرة بعد كشفه عن وجوه المغالطة في أقوال أبي المعالي الجويني (ت. 478هـ/1085م) بخصوص رؤية الله يوم القيامة؛ وذلك أنه أخذ ما يدرك ثانيا وهو الموجود على أنه المدرك بذاته وهو الملون.[41] والتأكيد على التنشئة إشارة من ابن رشد إلى دخول الكلام الأشعري ضمن برامج التعليم والتربية في المغرب والأندلس. وفي الحقيقة، يوجد الكثير من الشواهد النصية لابن رشد التي تفيد استهدافه بالنقد علم الكلام الأشعري، وإرشاد الجويني تحديدا، بوصفه جزءا من البرنامج الدراسي. ويكاد يفصح عن ذلك في الكشف، حيث نجده يتحدث عن النشء على الأقاويل الأشعرية، والمهارة بطريقتهم والارتياض بها منذ الصبا. لهذا فإن الإقناع الذي تحققه الأقاويل الكلامية لا يصدر من اتساقها أو قوتها الداخلية وإنما من مصدر خارجي، هو التعليم. فخلال مسار هذا التعليم، تكتسب هذه الأقاويل قوة ورسوخا، وخلاله أيضا يصبح المتكلمون سلطا علمية يتعصب لها الناس. وإلا فإن هذه الأقوال لا تملك من القوة الاستدلالية ما يحمل شخصا سليم الفطرة على أن يصدق بها. يقول في الموضع نفسه عن السبب في سلطة المقالة الأشعرية:

”وسبب ذلك العصبية والمحبة. وقد يكون الاعتياد لأمثال هذه الأقاويل سببا للانخداع عن المعقولات، كما نرى يعرض للذين مهروا بطريق الأشعرية وارتاضوا بها منذ الصبا. فهؤلاء لاشك محجوبون بحجاب العادة والمنشأ.“[42]

وفي الواقع، تبدو فكرة الانشغال بهيمنة الكلام الأشعري على التعليم العام تخترق مجموع كتابات ابن رشد، بل يمكن القول إنها قد شغلت باله خلال مجموع مساره الفكري. فهي تحضر في كتاباته المبكرة جدا، كما نجدها بوضوح في آخر مؤلفاته. وإذا صح أن مختصراته المنطقية هي من أول ما ألف، وصح أن يكون تاريخ تأليفها هو 552هـ/1157م،[43] وصح، إلى ذلك، التاريخ المثبت في آخر ”مقالته على السابعة والثامنة من السماع الطبيعي،“ والذي هو 592هـ/1196م،[44] ولم يصلنا خبر عن أي عمل يمكن أن يكون قد ألفه ابن رشد بعد هذا التاريخ الذي يتزامن مع فترة محنته،[45] فإنه يمكن أن نفترض أن هذا الأخير قد ظل أربعين سنة كاملة مسكونا بهاجس المتكلمين. وخلال كل هذه المدة لم يكن يتردد في التلويح حينا والتصريح حينا آخر بضرورة إصلاح التعليم الديني وتخليصه من علم الكلام الأشعري.

من هنا، فإن حصر انشغال ابن رشد بالمقالة الكلامية في الثلاثية أو الرباعية إنما هو من باب الاختزال لهذا الهمّ الذي ظل مصاحبا له طوال نشاطه. صحيح أن التهافت والفصل، وبخاصة الكشف، تظهر تفرغًا لنقد المقالة الكلامية، لكن الواقع أن أعمالا أخرى تظهر انشغاله بنقدها، كما أن هذه الأعمال المفردة نفسها تظهر وكأنها تطوير لما سبق أن أورده من إشارات وأفكار في أعماله المبكرة أو عاد فذكره وطوره في أعماله المتأخرة. ويمكن أن نقدم هنا بعض العينات من هذا النقد الموجه للكلام الأشعري بوصفه جزءا من البرنامج التعليمي للصبيان، والذي ظل ابن رشد مسكونا به من كتابات تعود إلى مراحل مختلفة من مسيرته.

إذا تصفحنا جوامع الخطابة لابن رشد، وهو من الكتابات الشارحة التي ألفها ابن رشد مبكرا، كما أوردنا أعلاه، نجد أعمال أبي المعالي الجويني حاضرة، وبخاصة الإرشاد إلى قواطع الأدلة والعقيدة النظامية، سواء تصريحا أو تلميحا.[46] والأهم من هذا أننا نجد إشارة إلى المضمون الكلامي الأشعري للتعليم الديني الذي خضع له ابن رشد في صباه. ففي سياق شرحه مقدمات الصناعة الخطابية، ذكر ابن رشد أن من خصوصيات هذه الصناعة أنها ”قد تأخذ الضروري على أنه ممكن بحسب بادئ الرأي وكذلك الممكن على أنه ضروري.“[47] وهنا كان عليه يمثل لقوله هذا، فيقول: ”أما أخذ الضروري على أنه ممكن، فمثل من يتوهم أن السماء ممكن أن تكون بشكل آخر، وأنه ممكن أن يتكون كل شيء من أي شيء اتفق.“[48] وإشارة ابن رشد واضحة هنا إلى دعوى الجويني في قسم العقيدة من الرسالة النظامية بخصوص الجواز؛[49] وهو ما سيناقشه بتفصيل سنوات بعد ذلك في الكشف عن مناهج الأدلة.[50] أما القسم الثاني من الدعوى فيقول عنه ابن رشد:

”وأما أن يتخيل أنه ممتنع وهو ممكن، فأشياء كثيرة ليس يعسر وجودها عند تأمل اعتقادات الجمهور فيها.“[51]

وهنا يستدرك ابن رشد مغيّرا أسلوب خطابه ليستعمل أسلوبا شخصيا يحيل على جزء من سيرته وتكوينه المتعلق بالتعليم الذي تلقاه، فيقول:

وإن كان النحو الذي ملنا إليه منذ الصباء هو أن الأشياء كلها ممكنة، وأنه لا شيء ههنا ممتنع، حتى إنه يلزم من قال ذلك ألا يكون قوله هذا ضروريا، كما قيل في مناقضة أفراطغوروش، حيث قال له أفراطغوروش: ولا شيء ما مدرك، فقال له أفلاطون: فشيء ما مدرك، يعني حكمه بهذا الحكم.“[52]

 هاهنا نجد إشارة واضحة من ابن رشد إلى أن التعليم الديني في زمنه كان يقوم على فكرة الجواز (=الأشياء كلها ممكنة)، وأنه لا شيء ضروري. وليست إحالة ابن رشد على معاندة أفراطغوروش (پروتاگوراس 420 ق.م Protagoras) بخصوص نفي إمكان المعرفة، وهو زعيم السوفسطائيين بالحركة العفوية هنا، وكذلك الأمر بالنسبة لإشارته إلى إبطال أفلاطون (ت. 347 ق.م) لتلك المعاندة عن طريق إثبات الحكم بذلك النفي.

إذا انتقلنا إلى تفسير ما بعد الطبيعة، فإننا نجد ابن رشد يضع علم الكلام الأشعري بوصفه أحد الأمور العائقة عن الوقوف على الحق في المعارف الإنسانية. ويقف ابن رشد عند عائقين اثنين على الأقل، وهما التنشئة المذهبية، والطباع.

لقد صار علم الكلام عائقا معرفيا بسبب من ”المنشأ منذ الصبا على رأي من الآراء، بل هو أملك الأشياء بصرف الفطر الذكية عن معرفة حقائق الأشياء.“[53] ففي سياق تمييز ابن رشد بين الالتزام بالفضائل والالتزام بمعرفة حقيقة الأشياء يعرج على التعليم الديني في زمنه. فإذا كان الالتزام الأول يعم الجميع، فإن الالتزام الثاني ليس كذلك، إذ لا يصلُحُ الجميع لأن يلتزم بمعرفة حقيقة الأشياء. يقول:

”وليس يوجد هذا [التمييز] في الآراء الشرعية، بل وفيما سبق للإنسان من العلوم في أول تعلمه؛ كما نرى قد عرض لكثير من الفتيان الذين سبق لهم في أول تعلمهم العلم المسمى عندنا علم الكلام. فإنه لما كان هذا العلم يقصد به نصرة آراء قد اعتقد فيها أنها صحاح، عرض لهم أن ينصروها بأي نوع من أنواع الأقاويل اتفق، سوفسطائية كانت جاحدة للمبادئ الأول أو جدلية أو خطبية أو شعرية؛ وصارت هذه الأقاويل عند من نشأ على سماعها من الأمور المعروفة بأنفسها.“[54]

وليست هذه الصلة بين المضمون العقدي والحجج المستعملة في الدفاع عنه خاصة بابن رشد وحده. فهو يستأنف هنا، فيما يبدو، تحليلًا فارابيًّا سابقًا لصنف من المتكلمين لا يطلبون الحجة لذاتها، ولا يقدّرونها بحسب منزلتها البرهانية، وإنما بحسب نفعها في نصرة الملة ودفع الخصوم. فقد لاحظ أبو نصر الفارابي (ت. 339هـ/950م)، في إحصاء العلوم، أن من المتكلمين من يجعل همه نصرة ملته وتزيينها وإزالة الشبه عنها ومغالبة مخالفيها ”بأي شيء اتفق،“ ولو اقتضى ذلك استعمال ”الكذب والمغالطة والبهت والمكابرة.“ ويعلل الفارابي هذا المسلك بأن المخالف يُنظر إليه عند هؤلاء إما بوصفه عدوًّا تجوز مخادعته كما يُخادَع العدو في الحرب، وإما بوصفه ضعيف العقل والتمييز، فيجوز أن يُقاد إلى ما يُظن أنه مصلحته كما يُقاد الصبيان.[55] ومعنى ذلك أن الحجة، عند هذا الصنف من المتكلمين، لا تُختار لكونها كاشفة عن الحق، بل لكونها نافعة في نصرة المذهب ودفع الخصم.

ومن هذه الجهة، يمكن أن نقرأ نقد ابن رشد للكلام الأشعري بوصفه تشديدًا لهذا التشخيص الفارابي: فالكلام يصير سفسطةً متى أخضع طلب الحقيقة للدفاع عن آراء مقررة سلفًا، ومتى استُعملت الحجة لا بحسب قيمتها البرهانية، بل بحسب قدرتها على الغلبة والتغليط. ولذلك لم يعد علم الكلام، في نظر ابن رشد، مجرد علم ناقص أو غير برهاني، بل صار عائقًا تربويًّا ومعرفيًّا؛ إذ إن التنشئة على أقاويل المتكلمين هي من ”أعظم العوائق“ التي تحول دون معرفة حقائق الأشياء، لأنها ”قد تعوق الفطر المعدة للعلوم.“[56] فابن رشد هنا يتهم، صراحةً، التعليم الكلامي في زمنه بإفساد العقول والفطر المعدّة للفلسفة.

العائق الثاني الذي يقف عنده ابن رشد هو الذي يحصل بسبب طباع الناس. وهو ما يقول عنه:

 ”وذلك أن كثيرا من الناس ليس يقدرون أن يتجاوزوا بفطرهم الأقاويل الجدلية إلى الأقاويل البرهانية؛ وهؤلاء إذا اعترفوا بالمعقولات فإنما يعترفون بها من جهة ما هي مشهورة؛ فيعرض لهم أن ينكروا كثيرا منها متى عرض أن كانت أضدادها مشهورة، مثل ما عرض لمن اعتاد النوع من الكلام المسمى في زماننا علم الأشعرية أن ينكروا امتناع أن يتكون الموجود من لا شيء، أعني من العدم، مع كونها قضية أجمع عليها الأوائل أنه ممتنع أن يكون عظم من لا عظم.“[57]

وهكذا فالاعتياد على آراء الأشعرية يجعل الناس ينظرون إلى المعقولات من منظور المشهور. فهم لا يعترفون بالمعقولات إلا من حيث هي مشهورة؛ لذلك تجدهم لا يترددون في إنكار المعقولات عندما تكون أضدادها مشهورة. وهنا يأتي ابن رشد بمثال من علم الكلام الأشعري. إذا كان وجود شيء من لا شيء أمرا ممتنعا عند الفلاسفة، فإن ضد هذه القضية، وهو أنه يمكن أن يوجد شيء من لا شيء، قد صار قضية مشهورة بفعل التعليم والاعتياد، الأمر الذي جعل المتعلمين، تبعا للمتكلمين، يجحدون القضية الأولى على وضوحها وإجماع الفلاسفة عليها.

وفي تقديرنا، لم يقم ابن رشد في هذا الموضع من تفسير ما بعد الطبيعة سوى بإعادة صوغ ما سبق أن عبر عنه في الكشف عند حديثه عن أن الاعتياد على الأقاويل الكلامية سبب للانخلاع عن المعقولات، كما حصل للذين مهروا بطريق الأشعرية وارتاضوا بها منذ الصبا. وقد ذكرنا ذلك أعلاه. غير أن الفرق بين الكتابين هو أن القارئ يشعر بأن ابن رشد في التفسير يستعمل المتكلمين مثالا معاصرا لبسط أقوال أرسطو؛ أما في الكشف فيشعر بأن المتكلمين هم القصد الأول من حديثه. هكذا يكون ابن رشد قد جعل من المتكلمين امتدادا تاريخيا للسوفسطائية في زمنه، ليغدو من واجب الفيلسوف الرد عليهم كما فعل أرسطو وأفلاطون من قبل.

ثانيا: رد الفعل الأشعري

كانت هذه، بإيجاز، لمحة عامة عن الخصومة التي أعلنها ابن رشد، في أعماله المختلفة، ضد علم الكلام عمومًا، والكلام الأشعري خصوصًا. وقد وضعت هذه الخصومة صاحبها في مواجهة مباشرة مع أحد أقوى الفاعلين في المشهد التعليمي والديني في المغرب والأندلس في عصره. وبالنظر إلى شهرة ابن رشد، وإلى تأثير المتكلمين الأشاعرة في زمن الموحدين وهيمنتهم على الشق العقدي من البرنامج التعليمي، يصعب افتراض أن نقده مرّ من غير أن يثير الانتباه. غير أن دارسي هذا الملف ما زالوا محرومين، بسبب ظروف لا نعرفها على وجه الدقة، من الأدلة الكافية لإعادة بناء تطورات الخلاف بين ابن رشد والأشاعرة في الفترة القريبة من زمنه.

ويجدر التنبيه إلى أن واحدًا من الردود المتأخرة التي عُرفت مؤخرًا هو الرد الذي ضمنه علي بن ثابت التلمساني (ت. 829هـ/1426م)، وهو متكلم لا نعرف عنه إلا القليل، في شرحه على التنبيه والإرشاد في علم الاعتقاد لأبي الحجاج يوسف الضرير (ت. 520هـ/1126م). فقد تتبع ابن ثابت آراء ابن رشد في الكشف والفصل وردّ عليها،[58] ودافع بوضوح عن مشروعية علم الكلام الأشعري. فهو يرى أن عدم اشتغال ابن رشد بعلم الكلام وعدم إحكامه له هو ما جعله لا يدرك قيمته، في حين أن اشتغاله بالفلسفة جعله ينظر إلى أدلة المتكلمين على أنها عسيرة أو مضطربة.[59] كما يؤكد أن نقد ابن رشد يظل نقدًا خارجيًّا، لأنه استعمل طرائق الفلاسفة ومعجمهم في الرد على علم الكلام، لا الأدلة المعتمدة عند المتكلمين أنفسهم؛ ولذلك لا يكون نقده ملزمًا لهم.[60] وفي الوقت الذي لا يكفّ فيه ابن رشد عن الطعن في القيمة الإبستمولوجية للحجة الكلامية، معتبرًا أنها لا تتجاوز مرتبة الخطابة، بل متهمًا إياها بالسفسطة والتغليط، كما رأينا، فإن ابن ثابت لا يتردد في الدفاع عن برهانية المقالة الأشعرية وقطعيتها، ولا سيما طريقة الجويني في الرسالة النظامية.[61] ومع أهمية النقول التي أوردها يوسف احنانة من هذا الشرح، وهي نقولٌ لا تكفي لتكوين فكرة واضحة عن طبيعة هذا الرد وقيمته، فإنها لا تغني، في كل الأحوال، عن الحاجة إلى إخراج النص إخراجًا نقديًّا.

وبصرف النظر عن بعض التلميحات والإشارات المتفرقة إلى هذا الكتاب أو ذاك من كتب ابن رشد،[62] يظل شرح علي بن ثابت التلمساني، في حدود ما نعلم، العمل الشامل والمنهجي الوحيد لمتكلم أشعري من الغرب الإسلامي في الرد على الكشف والفصل. غير أن هذا الرد المتأخر لا يكشف لنا، إلا بصورة محدودة جدًّا، عن ردود الفعل التي ربما أثارها الكشف في المرحلة القريبة من زمن ابن رشد. ومع ذلك، فإن انبراء ابن ثابت للرد على ابن رشد بعد مرور زمن طويل على تأليف أعماله إنما يدل، بجهة ما، على أن أعمال هذا الأخير قد ظلت مقروءة ومؤثرة في الغرب الإسلامي، خلافًا لما يذهب إليه احنانة.[63]

وبالنظر إلى العدد المعتبر من المتكلمين الأشاعرة الذين عاصروا ابن رشد أو الذين جاؤوا بعده ونفترض أنهم قد عرفوه أو وصلتهم أعماله،[64] فإن غياب الردود الأشعرية المبكرة على الكشف يطرح سؤالًا تاريخيًّا مهمًّا: لماذا لم يناقش الأشاعرة المتأخرون ابن رشد ويردوا عليه بصورة مباشرة؟ لا يكفي، فيما يبدو، أن نفسر هذا الغياب بضياع الردود وحده. فهناك احتمال آخر لم ينل ما يستحقه من الانتباه. فمن المعروف أن الكلام الأشعري عرف تحولًا كبيرًا تحت تأثير ابن سينا، بدأ مع الغزالي، وربما مع الجويني نفسه، وبلغ وضوحه الكامل في أعمال فخر الدين الرازي (ت. 606هـ/1210م). وقد مسّ هذا التحول البنية المركزية للحجاج الأشعري المعروف بطريقة المتقدمين. فقد فكّ الرازي الارتباط الصارم بين الدليل والمدلول، وفتح بذلك الباب أمام الاستعانة بمقدمات جديدة والتخلي عن مقدمات قديمة. وقد وجد الرازي، ومن جاء بعده من الأشاعرة، هذه المقدمات الجديدة في الفلسفة السينوية، التي صارت في الوقت نفسه سلطة علمية كبرى وموضوعًا للنقد والاعتراض.

ولا نملك دليلًا تاريخيًّا على أن ابن رشد قرأ كتب الرازي، وإن كان يبدو أنه أدرك حصول تحول ما داخل المذهب الأشعري بسبب تخلّي بعض الأشاعرة عن بعض أصوله. ومن هذه الجهة، فإن النسخة الأشعرية التي انتقدها في الكشف عن مناهج الأدلة تنتمي، في أغلبها، إلى ما يعرف بمنهج المتقدمين، ولا سيما كما يظهر عند أبي المعالي الجويني في الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد. ولهذا يمكن أن نفترض أن المتكلمين الأشاعرة الذين جاؤوا بعد ابن رشد، وقد أدركهم التحول الرازي والسينوي، لم يجدوا كبير فائدة في الدفاع عن نسق كان، جزئيًّا على الأقل، في طريقه إلى التحول أو التجاوز. فالرد على ابن رشد كان سيبدو، في هذه الحال، دفاعًا عن صورة متقادمة من المذهب الأشعري، لا عن صيغته اللاحقة كما أعاد الرازي ومن بعده بناءها.

وفي كل الأحوال سيظل هذا الملف مفتوحا.

ثالثًا: من الخلاف العقدي إلى الاختلاف في التسمية

لا أحد يستطيع أن ينكر أن ابن رشد كان من أشد المعارضين لكلام الأشاعرة. لكن لا أحد أيضا يستطيع أن ينكر أن ابن رشد حاول تقريب هؤلاء الأشاعرة من عقيدة المشائين على الأقل في اثنين من أعماله. وفي كلا هذين العملين يجد المرء السؤال أو كل الأسئلة التي كانت وراء فتوى الغزالي في كفر الفلاسفة: طبيعة العالم، والعلم الإلهي، والمعاد. وسنكتفي هنا بالإشارة إلى المشكلة الأولى.

تعتبر مسألة العالم (قدمه وحدوثه) من أخطر الأسئلة في تاريخ الفلسفة وعلم الكلام في سياقات المسلمين. واجهها ابن رشد لا فقط في كتاباته الفلسفية والعلمية، ولكن أيضًا في حياته الفكرية باعتباره أحد العلماء المقربين من السلطة الموحدية. وإن صح أن ذلك اللقاء بينه وبين أبي يعقوب يوسف (حكم بين 558هـ/1163م و580هـ/1184م) قد حدث فعلا كما جاء في الرواية التي انفرد بها عبد الواحد المراكشي (ت. 647هـ/1250م)، فإن سؤال العالم (أو السماء) بين الفلاسفة والمتكلمين يظل أهم سؤال رسمي يوجه إليه.

نقرأ عند عبد الواحد المراكشي ما يلي:

”أخبرني تلميذه [=ابن رشد] الفقيه الأستاذ أبوبكر بندود بن يحيى القرطبي قال: لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب، وجدته هو وأبو بكر ابن طفيل ليس معهما غيرهما؛ فأخذ أبو بكر يثني علي ويذكر بيتي وسلفي، ويضم بفضله إلى ذلك أشياء لا يبلغها قدري؛ فكان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين بعد أن سألني عن اسمي واسم أبي ونسبي أن قال لي:‏ ’ما رأيهميعني الفلاسفةفي السماء، أقديمة هي أم حادثة؟ فأدركني الحياء والخوف؛ فأخذت أتعلل وأنكر اشتغالي بعلم الفلسفة؛ ولم أكن أدري ما قرر معه ابن طفيل؛ ففهم أمير المؤمنين مني الروع والحياء، فالتفت إلى ابن طفيل وجعل يتكلم على المسألة التي سألني عنها، ويذكر ما قاله أرسطوطاليس وأفلاطون وجميع الفلاسفة، ويورد مع ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم؛ فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنها في أحد من المشتغلين بهذا الشأن المتفرغين له؛ ولم يزل يبسطني حتى تكلمت، فعرف ما عندي من ذلك.“[65]

ولا نعرف مضمون رد فعل ابن رشد على السؤال الذي طرحه الخليفة في هذا اللقاء. ولكن لعل ابن رشد، تفاعلًا مع هذا السؤال، عاد إلى معالجة المسألة في مناسبتين اثنتين على الأقل، مركزًا على بيان أن الخلاف بين المتكلمين والمشائين في قِدَم العالم وحدوثه لا يبلغ درجة التقابل العقدي الحاد الذي افترضه خصوم الفلاسفة، وإنما يرجع، في جانب مهم منه، إلى دلالات الأسماء. وكأن ابن رشد، في هذا الموضع، يحرر كتابةً جوابًا كان قد سبق أن أدلى به مشافهةً في حضرة الأمير.

المناسبة الأولى هي الموضع المعروف من فصل المقال، حيث يستحضر ابن رشد المسائل الثلاث التي كفّر الغزالي الفلاسفة بسببها، ليبيّن أن مواقفهم من مسألة العالم أقرب إلى مواقف المتكلمين مما يوحي به ظاهر الخصومة. وفي هذا السياق ينقل ابن رشد المسألة من مستوى الاتهام العقدي إلى مستوى تحليل معنى القدم والحدوث. يقول:

”وأما مسألة قدم العالم أو حدوثه، فإن الاختلاف فيها عندي بين المتكلمين من الأشعرية وبين الحكماء المتقدمين يكاد أن يكون راجعا للاختلاف في التسمية، وبخاصة عند بعض القدماء.[66]

ثم يوضح ابن رشد وجه هذا الحكم بقوله إن الفريقين اتفقا على أن الموجودات ثلاثة أصناف: ”طرفان وواسطة بين الطرفين.“ فالطرف الأول هو الموجود الحادث حقيقةً، أي ما وجد عن مادة وفي زمان، وهذا ”اتفق الجميع من القدماء والأشعريين على تسميتها محدثة.“ والطرف الثاني هو الموجود القديم حقيقةً، أي الله تعالى، الذي ”لم يكن من شيء، ولا عن شيء، ولا تقدمه زمان،“ وهذا أيضًا ”اتفق الجميع من الفرقتين على تسميته قديمًا.“ أما الواسطة فهي العالم بأسره؛ فهو ”موجود لم يكن من شيء، ولا تقدمه زمان، ولكنه موجود عن شيء؛ أعني عن فاعل.“ ومن هذه الواسطة نشأ الخلاف في التسمية: غلّب المتكلمون شبه العالم بالمحدث، وغلّب الفلاسفة شبهه بالقديم. غير أن ابن رشد يضيف تحديدًا مهمًّا حين يربط قول المتكلمين بتناهي الزمان الماضي بمذهب أفلاطون وشيعته، في مقابل مذهب أرسطو وفرقته القائل بعدم تناهيه. ولذلك يخلص ابن رشد إلى أن ”المذاهب في العالم ليست تتباعد كل التباعد حتى يكفر بعضها ولا يكفر،“، لأن التقابل الذي افترضه المتكلمون بين القدم والحدوث في العالم بأسره لا يصيب حقيقة المسألة: ”وقد تبين من قولنا أن الأمر ليس كذلك.“[67]

وبهذا المعنى، يتحول تاريخ طويل من سوء الفهم وتبادل الاتهام بين الفلاسفة والمتكلمين، في هذا الموضع من فصل المقال، إلى خلاف في التسمية بقدر ما هو خلاف في المذهب. فالعالم، في تحليل ابن رشد، موجود متوسط: لا يسبقه زمان ولا مادة، ومع ذلك فهو صادر عن فاعل. ومن هنا صار الخلاف متعلقًا بالاسم الأليق بهذا الموجود المتوسط: هل يسمى قديمًا بالنظر إلى أنه لا يسبقه زمان، أم محدثًا بالنظر إلى أنه موجود عن فاعل؟

غير أن دلالة هذا التحليل لا تقف عند تخفيف حدة الخلاف بين الفلاسفة والمتكلمين، بل تتجاوز ذلك إلى نزع الامتياز التأويلي الذي يدّعيه المتكلمون لأنفسهم. فهم، في نظر ابن رشد، ليسوا على ظاهر الشرع، بل هم متأولون؛ ومن ثم فليس لهم أن يجعلوا تأويلهم معيارًا للحكم على الفلاسفة أو لتكفيرهم. ثم إن قولهم في العالم لا يظهر، في عرضه، بوصفه القول الشرعي الخالص في مقابل القول الفلسفي، بل بوصفه قولًا ذا نسب فلسفي. وهكذا ينقلب الخلاف، في عمقه، من خصومة بين الشريعة والفلسفة إلى خلاف داخل الأفق الفلسفي نفسه. وبذلك يكون ابن رشد قد جرّد المتكلمين من دعواهم المزدوجة: دعوى تمثيل ظاهر الشرع، ودعوى الوقوف خارج الفلسفة في نقد الفلاسفة.

وأما المناسبة الثانية فقد خصص لها ابن رشد عملًا مستقلًا. فقد ورد في برنامج الفقيه القاضي الإمام الأوحد أبي الوليد ابن رشدعمل بعنوان: مقالة في الجمع بين اعتقاد المشائين والمتكلمين من علماء الإسلام في كيفية وجود العالم من جهة القدم والحدوث؛[68] وورد عند ابن أبي أصيبعة (ت. 668هـ/1270م) بعنوان: ”مقالة في أن ما يعتقده المشاؤون وما يعتقده المتكلمون من أهل ملتنا في كيفية وجود العالم متقارب في المعنى.“[69] ولا نعرف لهذه المقالة، إلى اليوم، أصلًا عربيًّا محفوظًا؛ وإنما وصلت في ترجمة عبرية، نشرها الباحث الألماني موسى وورمس (ت. 1920م) عام 1900م اعتمادًا على ثلاث مخطوطات عبرية ومقتطف مطبوع،[70] ثم ترجمها باري شرمان كوگان إلى الإنجليزية وخصّها بدراسة تحليلية.[71]

وتستعيد هذه المقالة، من أول سطر فيها، الفكرة التي صاغها ابن رشد في فصل المقال. فهو يفتتحها بقوله إن الغرض منها هو بيان ”أن ما يعتقده المشاؤون وما يعتقده المتكلمون من أهل ملتنا في كيفية وجود العالم متقارب في المعنى، وأن أكثر اختلافهم إنما يرجع إلى الاشتراك في معنى ما يسمى قديمًا ومحدثًا.“[72]

وتنتهي المقالة بقول ابن رشد، بحسب ترجمة كوگان: ”ولا يليق أن توضع هذه الأشياء في كتاب، ولا أن يُصرَّح بهذه العلوم التي هي خاصة بالفلاسفة، سيرًا على عادة الحكماء القدماء في موضوعات الظاهر والباطن. والله الموفق لمعرفة الصواب، والهادي إلى ما نريده من معرفة الأشياء الحقيقية، والحمد لله رب العالمين.“[73]

لا يقدم ابن رشد المسألة بوصفها تعارضًا مباشرًا بين إثبات الخلق ونفيه، وإنما بوصفها بحثًا في معنى القدم والحدوث وفي الاسم الملائم للعالم. ولذلك نجده يميز بين الحدوث الحقيقي عند المشائين والحدوث الكلامي. فـ”المحدَث على الحقيقة،“ بحسب عرضه لمذهب المشائين، هو ما ”يكون من شيء،“ ويسبقه عدمه الخاص في الزمان، ويكون في الزمان، وله فاعل يخرجه ”من العدم إلى الوجود“ و”من الإمكان إلى الفعل.“[74] أما المتكلمون، فيجعلون العالم محدثًا من حيث صدوره عن فاعل، من غير أن يكون في زمان سابق عليه أو صادرًا عن مادة سابقة. ومن هذه الجهة يصبح السؤال الحاسم هو: بأي معنى يسمى العالم محدثًا، وبأي معنى يسمى قديمًا؟

وتظهر أهمية المقالة، كما يلاحظ كوگان، في أنها لا تلخص موقفي المشائين والمتكلمين فحسب، بل توضح أيضًا اختلافهما في طبيعة الزمان. فاختيار التشبيه الملائم للزمان يؤثر مباشرة في صلاحية إحدى الحجج الكلامية الكبرى على حدوث العالم، أي حجة استحالة الزمان والتعاقب اللامتناهيين.[75]

وتقوم النقطة الحاسمة في نقد ابن رشد لحجة المتكلمين على أن هذه الحجة تفترض أن مجموع الحوادث الماضية قد انتهى أو اكتمل، وأن ما انتهى لا بد أن تكون له بداية. غير أن الفلاسفة لا يسلمون بهذه المقدمة؛ لأن ما لا بداية له لا يقال عنه إنه انتهى. ولذلك يقول ابن رشد، بحسب ترجمة كوگان، إن المتكلمين بنوا استدلالهم على أن ”ما وقع في الماضي قد انتهى،“ مع أن الفلاسفة ”لا يقبلون أن له نهاية،“ لأن ”ما لا بداية له لا نهاية له.“[76] ومن هنا تكون الحجة الكلامية غير ملزمة للمشائين.

أما في مستوى تصور الزمان، فيعارض ابن رشد تخيله كما لو كان خطًّا مستقيمًا ممتدًّا إلى الماضي. فالزمان ينبغي أن يفهم في علاقته بالحركة الدورية للفلك. ولذلك يقرر أن الزمان، متى تُخيّل ”شيئًا ممتدًّا“ خارج ما هو دائري، فإنما ”يُتخيل تخيلًا باطلًا؛“ أما متى فُهم بوصفه متصلًا دوريًّا، فلا يلزم أن يكون لماضيه تمام أو اكتمال.[77] ومن هنا لا يصح، عنده، أن يوصف العالم بأنه موجود في زمان متناه أو غير متناه، لأن الزمان يقوم مع العالم وحركته، لا قبله.

بهذا المعنى، تكشف مقالة في الجمع بين اعتقاد المشائين والمتكلمين عن مقصد مزدوج: تفكيك الحجة الكلامية على الحدوث الزماني، وتخفيف حدة النزاع بين الفلاسفة والمتكلمين بإرجاع جزء كبير منه إلى الاشتراك اللفظي وسوء تصور الزمان. فالقول الفلسفي بالقدم، في هذا السياق، لا يعني نفي اعتماد العالم على الله، وإنما يرفض فهم الحدوث بوصفه وقوعًا للعالم داخل زمان سابق عليه. ولذلك ينبغي، فيما نرى، قراءة هذه المقالة مقرونة بالموضع المذكور من فصل المقال؛ فهما يرميان إلى غاية قريبة، هي تخفيف حدة الخلاف بين الفلاسفة والمتكلمين في مسألة العالم، وربما يتوجهان، في حدود ما تسمح به القرائن، إلى مخاطب قريب، أو واحد. وهذا يميزهما عن الكشف عن مناهج الأدلة وتهافت التهافت، حيث يختلف المقصد والمخاطب: فالأول أقرب إلى نقد طرائق المتكلمين في عرض العقائد وتقويم الاعتقاد العام، والثاني موجّه أساسًا إلى الرد على الغزالي في ساحة الجدل الفلسفي والكلامي.

وتؤدي المقالة، بهذا الاعتبار، وظيفة قريبة من وظيفة ذلك الموضع من فصل المقال، وإن اختلفت طريقة العرض. فهي لا تصرح، كما يفعل فصل المقال، بأن المتكلمين ليسوا على ظاهر الشرع، ولا تردّ موقفهم إلى مذهب أفلاطون وشيعته. لكنها تسحب منهم، مع ذلك، امتياز تقديم قولهم في العالم بوصفه القول الديني الخالص في مواجهة الفلسفة؛ إذ تعيد بناء الخلاف بينهم وبين المشائين بوصفه خلافًا في معنى القديم والمحدث، وفي التصور الملائم للزمان. ومن ثم فإن النزاع لا يظهر بوصفه خصومة بين الشريعة والفلسفة، بل بوصفه خلافًا نظريًّا داخل ميدان النظر نفسه. وهذا ما يفسر قول كوگان إن الخلاف، في نهاية التحليل، يؤول إلى خلاف في التسمية، وهو الموضوع نفسه الذي يظهر في فصل المقال.[78]

وقد يسهل على المرء أن يدرك أن سعي ابن رشد في فصل المقال إلى تقليص الخلاف بين الفلاسفة المشائين والمتكلمين الأشاعرة إنما القصد منه إظهار أن فتوى الغزالي في تهافت الفلاسفة وكفرهم غير ذات موضوع. فمن جهة يَعتبرُ ابن رشد تكفيرَ الغزالي الفلاسفةَ ”ليس قطعًا؛“[79] ومن جهة ثانية، إن ”أبا حامد الغزالي قد غلط على الحكماء في ما نسب إليهم،“[80] بخصوص العلم الإلهي والعالم والبعث. وإذا اكتفينا بمسألة العالم المشار إليها أعلاه، انتهينا بعد التحليل الدلالي لأسماء الحدوث والقدم إلى أن ”المذاهب في العالم ليست تتباعد كل التباعد حتى يكفر بعضها ولا يكفر.“[81] وإلى ذلك، فإن هذه الآراء في العالم ليست على ظاهر الشرع؛ أي أن المتكلمين ليسوا في قولهم في العالم على ظاهر الشرع بل هم متأوّلون.[82] لذلك، فإن الأمر في المذهب الفلسفي ومذهب المتكلمين يتعلق بتأويلين متنافسين، وليس بتقابل بين شرع وفلسفة أو بفلاسفة خارجين عن إجماع المسلمين، كما يحاول الغزالي أن يفهمنا في تهافت الفلاسفة.

غير أنه على الرغم من وجاهة هذا الداعي وقوته، فإننا نتصور أن هناك داعيًا آخر لا يظهر بالوضوح نفسه في فصل المقال، لكن يمكن استنباطه من الجمع بين النص الذي أورده عبد الواحد المراكشي ونص المقالة في الجمع بين اعتقاد المشائين والمتكلمين. ومع أنه لا وجود لذكر صريح للغزالي في هذه المقالة، فإن الإشارة إلى اعتراضاته على الفلاسفة بخصوص العالم واضحة جدا بل يظهر وكأن المقالة في الجمع قد كتبت جوابا على تلك الاعتراضات. لكن يبدو أن القصد بهذا الجواب كان هو السلطان، محاولةً منه ردمَ الهوة بين تصورين للعالم أحدهما كلامي والآخر فلسفي، وتقليلًا من شأن الخلاف بين الطرفين ومن شأن انعكاسات ذلك الخلاف على وحدة الأمة العقدية.

خاتمة

يظهر لنا أن هناك ثلاثة أغراض رئيسية وراء هذا الفحص المنهجي الذي أجراه ابن رشد في الكشف: الهدف الأول من هذا العمل هو إظهار وهن استدلالات المتكلمين من وجهة نظر علمية؛ ومن هذه الزاوية، فإن علم الكلام لا يفي بمعايير العلماء ولا يتعدى عتبة الأقوال السوفسطائية أحيانا والأقوال الخطابية أحيانا أخرى (وإن شئت الاختصار قلت هي شبه مزيفة، وليست حججا مصححة). والغرض الثاني هو بطلان منفعة المضامين العقائدية للكلام بالنسبة لعامة الناس، حتى لا يتبنوه؛ وذلك لصالح المعنى الظاهر للشريعة لأن تاريخ التأويلات في الإسلام ما هو إلا تاريخ أخطاء واقعة فيه (وإن شئت قلت هي بدع مضلة).[83] والهدف الثالث من هذا الفحص، وهو غير مصرح به، هو إقناع الخليفة الموحدي، أمير المؤمنين، بحظر كتب الكلام، لأن المتكلمين يفسدون إيمان عامة الناس، وبالتالي يهددون الشريعة: مصدر الأمن الروحي لجماعة المؤمنين.

ولعل استحضار هذا الأمن الروحي للأمة هو الذي دفع ابن رشد إلى إخفاء الاختلافات الكبيرة بين مذهبه ومذهب المتكلمين. ومن هنا نفهم أن خصومة ابن رشد للمذهب الأشعري لم تكن ذات بعد واحد، والدليل هو حملته الشديدة عليه في موضع، ومحاولته في موضع آخر اختزال اختلافات الفلاسفة والأشاعرة أنفسهم بخصوص العالم، والخلوص إلى أن آراء هؤلاء بعد ردّها إلى أصولها ليست تتباعد كل التباعد، تخسيسًا لمقالة الأشاعرة واحتجاجاتهم وإظهارًا لوحدة الشريعة أمام السلطان.

لكن ابن رشد وهو يرد على المتكلمين في الكشف وفي الفصل وفي التهافت، لم يكن يقوم بإنتاج كلام جديد مناسب لدولة الموحدين، وإنما كان يقوم بما يمكن اعتباره فكا للارتباط بين الإسلام والكلام؛ لذلك انتقد علم الكلام الأشعري من جهة وحاول إبراز أصول الدين الإسلامي من جهة ثانية. وقد أظهرنا أن هذا المسعى يخترق مجموع كتابات ابن رشد من أولها إلى آخرها. وما كان لابن رشد أن يسكت على مناقضة المتكلمين الأشعرية خاصة، وهو مدرك لهيمنتهم على نظام التعليم في زمنه، لذلك عمد إلى الكشف عن أصول السلطة التي اكتسبوها مع مرور الوقت بفعل هيمنتهم تلك على نظام التعليم زمن الموحدين. لهذا كله، جاز أن نقول إن ابن رشد قد خلف صفحات هامة في تصحيح العقيدة؛ وأهم أبواب التصحيح عنده: تخليص الإسلام من علم الكلام.

بيبليوگرافيا

ابن أبي أصيبعة، موفق الدين أبو العباس. كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء. تحقيق وتعليق أملي سڤج-سميث وسايمن سوين وخيرت يان خلدر، الجزء 2-2. ليدن-بوسطن: بريل، 2024.

ابن الأبار، محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي. التكملة لكتاب الصلة. تحقيق بشار عواد معروف. الجزء الثاني. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2011.

ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. درء تعارض العقل والنقل. تحقيق محمد رشاد سالم. ط. 2. عشرة مجلدات. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1411هـ/1991م.

ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. كتاب الفتوى الحموية الكبرى. تحقيق حمد بن عبد المحسن التويجري. الرياض: دار الصميعي، 2004.

ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة، تحقيق عبد السلام الشدادي. الجزء الثالث. الدار البيضاء: بيت الفنون والعلوم والآداب، 2005.

ابن رشد، محمد بن أحمد. الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة. تحقيق مصطفى حنفي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998.

ابن رشد، محمد بن أحمد. تفسير ما بعد الطبيعة. تحقيق موريس بويج. بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1938.

ابن رشد، محمد بن أحمد. تلخيص السفسطة. تحقيق محمد سليم سالم. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 1972.

ابن رشد، محمد بن أحمد. تهافت التهافت. تحقيق موريس بويج. بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1930.

ابن رشد، محمد بن أحمد. جوامع [=مختصر] الخطابة. تحقيق وترجمة تشارلز بتروورث. ضمن

Averroës’ Three Short Commentaries on Aristotle’s “Topics,” “Rhetoric,” and “Poetics”. Edited and translated by Charles Butterworth. Albany: State University of New York Press, 1977.

ابن رشد، محمد بن أحمد. شرح السماء والعالم للحكيم أرسطو طاليس. تحقيق أسعد جمعة. الجزء الأول. تونس: مركز النشر الجامعي، 2002.

ابن رشد، محمد بن أحمد. فصل المقال في تقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال. تحقيق محمد عبد الواحد العسري. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997.

 ابن سعيد المغربي، نور الدين أبو الحسن علي بن موسى العنسي. المُغرب في حلى المغرب. حققه وعلق عليه شوقي ضيف. الجزء الأول. ط. 4. القاهرة: دار المعارف، 1993.

احنانة، يوسف. ردود أشاعرة الغرب الإسلامي على الفلسفة: صدمة الاختلاف. تطوان: مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية، 2025.

برنامج الفقيه القاضي الإمام الأوحد أبي الوليد ابن رشد رضي الله عنه، مخطوط مدريد، مكتبة دير الأسكوريال، رقم 884، ورقة 83و.

بن أحمد، فؤاد. ”في مراجعة علاقة ابن رشد بالمذهب الأشعري وبالعقيدة الموحدية.“ ضمن الفكر الأشعري بالأندلس: تاريخ وإشكالات، أعمال الملتقى الثاني للفكر الأشعري بالمغرب الذي نظمه مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية، تنسيق جمال البختي، 477–539. الرباط: منشورات الرابطة المحمدية للعلماء-مركز أبي الحسن الأشعري، 2020.

بن شريفة، محمد. ابن رشد الحفيد: سيرة وثائقية. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1999.

الجويني، أبو المعالي عبد الملك. العقيدة النظامية. [قسم العقيدة الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية]. تحقيق محمد الزبيدي. بيروت: دار سبيل الرشاد–دار النفائس، 2003.

السبتي، ابن خمير. مقدمات المراشد إلى علم العقائد. تقديم وتحقيق جمال علال البختي. تطوان: مطبعة الخليج العربي، 2004.

الصغير، عبد المجيد. ”ملاحظات حول إشكالية المصطلح اللغوي في الخلاف الكلامي.“ المناظرة: مجلة فصلية تعنى بالمفاهيم والمناهج الفلسفية 1 (1989): 97–111.

الصغير، عبد المجيد. ”مواقف رشدية لابن تيمية.“ ضمن دراسات مغربية مهداة إلى المفكر المغربي محمد عزيز الحبابي، طبعة مزيدة ومنقحة، 164–182. الرباط-الدار البيضاء: جمعية البحث في الآداب والعلوم الإنسانية-المركز الثقافي العربي، 1987.

العلوي، جمال الدين. المتن الرشدي: مدخل لقراءة جديدة. الدار البيضاء: توبقال، 1986.

الفارابي، أبو نصر. إحصاء العلوم. تحقيق عثمان أمين. ط. 2. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1968.

المراكشي، عبد الواحد بن علي. المعجِب في تلخيص أخبار المغرب. تحقيق محمد سعيد العريان. القاهرة: لجنة إحياء التراث الإسلامي، 1963.

Geoffroy, Marc. “L’almohadisme théologique d’Averroès.” Archives d’histoire doctrinale et littéraire du Moyen Âge 66 (1999): 9–47.

Harvey, Steven. “Averroes’s Use of Examples in His Middle Commentary on the Prior Analytics, and Some Remarks on His Role as Commentator.” Arabic Sciences and Philosophy, vol. 7 (1997): 91–113.

Kogan, Barry. “Eternity and Origination: Averroes’ Discourse on the Manner of the World’s Existence,” in Islamic Theology and Philosophy: Studies in Honor of George F. Hourani, edited by Michael E. Marmura, 203–235. Albany: State University of New York Press, 1984.

Schwarb, Gregor. “Muʿtazilism in the Age of Averroes.” In In the Age of Averroes, edited by Peter Adamson, 251–282. Warburg: Warburg Institute Colloquia-Nino Aragno Editore, 2011.

Urvoy, Dominique. “La pensée almohade dans l’œuvre d’Ibn Rushd.” In Multiple Averroès, édité par Jean Jolivet, 45–53. Paris : Les Belles Lettres, 1978.

Worms, Moses. Die Lehre von der Anfangslosigkeit der Welt bei den mittelalterlichen arabischen Philosophen des Orients und ihre Bekämpfung durch die arabischen Theologen (Mutakallimûn). Münster, 1900.

للتوثيق

بن أحمد، فؤاد. ”إسلام بلا كلام؟ ابن رشد ونقده الجذري للمتكلّمين.“ فيلوسموس: ضمن موقع الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية، (غشت 2026). الرابط <https://philosmus.org/archives/4603>

فؤاد بن أحمد

يشتغل فؤاد بن أحمد أستاذًا لمادتي الفلسفة ومناهج البحث بجامعة القرويين - دار الحديث الحسنية، الرباط. وحاليا أستاذ زائر بجامعة هارفارد. وهو مستشار بمكتب الجمعية الدولية لدراسة الفلسفة الوسيطة بلوڤن، ومنسق قسم الفلسفة الإسلامية بها؛ وهو عضو مكتب الجمعية الدولية لتاريخ العلوم والفلسفة العربية والإسلامية، باريز، منذ 2003. عمل أستاذا زائرا بجامعة فوجيا إيطاليا، وباحثًا زائرًا بمعهد الدراسات المتقدمة التابع لجامعة إكس مرساي، مرسيليا، عام 2019، وبجامعة كولورادو بولدر عام 2016، وبمعهد طوما الأكويني التابع لجامعة كولونيا، عام 2012. نشر العديد من المقالات والدراسات باللغتين العربية والإنجليزية؛ ومن بين أحدث منشوراته، المدخل الخاص بابن رشد لموسوعة استانفورد للفلسفة (رُفقة رُبِرت پاسناو)؛ والمختصر في المنطق لابن طملوس. ليدن: بريل، 2020. ويعمل حاليًّا على إعداد نشرة نقدية للكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة لابن رشد.

عُرضت صيغة أولى من هذا المقال في المؤتمر الدولي: مسائل فلسفية وكلامية عند ابن رشد وابن ميمون، بتنسيق نادين عباس، مركز لويس بوزيه لدراسة الحضارات القديمة والوسيطة، معهد الآداب الشرقية، جامعة القديس يوسف في بيروت، 22–23 أيار/مايو 2024. وبهذه المناسبة، أتقدم بالشكر إلى نادين عباس لدعوتها الكريمة، وإلى عبد الإلاه بوديب لملاحظاته القيمة، كما أشكر المحكّمين المجهولين لقراءتهم وملاحظاتهم.

[1] يقول ابن الأبار القضاعي (ت. 658هـ/1260م) عن ابن رشد: ”درس الفقه والأصول وعلم الكلام.“ التكملة لكتاب الصلة، تحقيق بشار عواد معروف، أربعة مجلدات (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2011)، ج. 2: 248. ويقول ابن سعيد المغربي (ت. 685هـ/1286 م): ”ولأبي الوليد الأصغر تصانيف كثيرة في الفروع والأصول والنحو والفلسفة وغير ذلك.“ المُغرب في حلى المغرب، حققه وعلق عليه شوقي ضيف، ط. 4 (القاهرة: دار المعارف، 1993)، ج. 1: 105. وعن تلامذة ابن رشد في العلوم الدينية، انظر: محمد بن شريفة، ابن رشد الحفيد: سيرة وثائقية (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1999)، 237–243.

[2] Steven Harvey, “Averroes’s Use of Examples in His Middle Commentary on the Prior Analytics, And Some Remarks on His Role As Commentator,” Arabic Sciences and Philosophy. 7 (1997), 107.

[3] يتصور بعض الدارسين أن الكشف بمثابة بيان لاهوتي للموحدين. وبالنسبة لدومنيك أورفوا، كل الانتقادات التي وجهها ابن رشد في كتاب الكشف لعلم الكلام الأشعري تحديدا تَصب في اتجاه فتح الطريق أمام العقيدة الْمُوحدية. وهكذا، فإن دلالة هذا الكتاب تكمن في أنه اقترح على السلطة الموحدية عقيدة بديلة لعقيدة المتكلمين من الأشاعرة. فلعل أورفوا كان أول من أظهر أن الدعاوى الكلامية التي دافع عنها ابن رشد في كتاب الكشف كانت في أغلبها مطابقة لآراء محمد ابن تومرت، مهدي الموحدين  (ت. 524هـ/1130م) التي صاغها في رسالته العقيدة المرشدة. انظر:

Dominique Urvoy, “La pensée almohade dans l’oeuvre d’Ibn Rushd,” in Multiple Averroès, éd. Jean Jolivet (Paris : Les Belles Lettres, 1978), 45–53. وقد ساير دارسون كثر هذا التصور، ومنهم مارك جوفروا في مقالته

Marc Geoffroy, “L’almohadisme théologique d’Averroès,” Archives d’histoire doctrinale et littéraire du Moyen Âge 66 (1999): 9–47.

[4] أبو الوليد ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، تحقيق مصطفى حنفي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، 100.

[5] وتجدر الإشارة إلى أن تقي الدين ابن تيمية الحراني (ت. 728هـ/1328م) أعاد، في نقده للمتكلمين، التأكيد على تمييز قريب بين أصول الدين بالمعنى الشرعي وبين ما أدخله المتكلمون في هذا الاسم من مسائل ودلائل حادثة. فهو يقرر، على خطى ابن رشد، أن ”في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل التي تستحق أن تكون أصول الدين،“ أما ما يدخله بعض المتكلمين في هذا الاسم من ”المسائل والدلائل الفاسدة،“ مثل نفي الصفات، والاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض، فليس من أصول الدين في الحقيقة. ولهذا يؤكد أن الطريقة الكلامية المبنية على الأعراض والأكوان وامتناع خلو الجسم عنها ”مما يعلم بالاضطرار أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه،“ وأنها ”ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها،“ بل هي عند المحققين ”طريقة باطلة.“ ومن ثم يخلص إلى أن ما سماه المتكلمون أصول الدين ”ليست في الحقيقة من أصول الدين الذي شرعه الله لعباده،“ وأن أصول الدين، عند الله ورسوله وعباده المؤمنين، هي ما كان ”موروثًا عن الرسول.“ انظر: ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم، ط. 2، 10 مجلدات (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1411هـ/1991م)، ج. 1: 38–42. ويقرب عندي أن ابن تيمية كان يعني بالمحققين ابنَ رشد.

[6] ابن رشد والمعتزلة واحد من الموضوعات التي شغلت بعض الدارسين. يقول ابن رشد في سياق تبريره تخصيص كتاب الكشف للرد على المتكلمين الأشاعرة دون المعتزلة ”وأما المعتزلة فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف منه على طرقهم التي سلكوها في هذا المعنى. ويشبه أن تكون طرقهم من جنس طرق الأشعرية.“ ابن رشد، الكشف، 118. ولكنه يناقشهم في مواضع عدة من الكشف ومن الفصل ومن التهافت، وكذا في أعماله الأخرى. انظر بخصوص المعتزلة زمن ابن رشد:

Gregor Schwarb, “Muʿtazilism in the Age of Averroes,” in In the Age of Averroes, ed. Peter Adamson (Warburg: Warburg Institute Colloquia-Nino Aragno Editore, 2011), 251–282.

ومع ذلك، فإننا نميل إلى الاعتقاد بإن السبب الأول الذي جعل ابن رشد يجعل من الأشعرية المخاطب الأول ليس لأنه اطلع على أعمالهم فحسب، بل لأن كتبهم كانت مؤثرة في برامج التعليم، كما سنظهر في عمل منفرد.

[7] ابن رشد، الكشف، 148. استثمر ابن رشد على ما يبدو نظرة شائعة بين نظار المسلمين، وهي تقسيم المجتمع إلى علماء وعوام، مع التحذير من خطورة الفئات الوسيطية. ومن الأقوال المأثورة في ذلك قولهم: ”أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان.“ انظر: تقي الدين ابن تيمية، كتاب الفتوى الحموية الكبرى، تحقيق حمد بن عبد المحسن التويجري (الرياض: دار الصميعي، 2004)، 554.

[8] أبو الوليد ابن رشد، تهافت التهافت، تحقيق موريس بويج (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1930)، 357–358. والقود هو عقوبة القتل بسبب ارتكاب جريمة قتل الغير.

[9] ابن رشد، تهافت، 357–358.

[10] عالجنا هذا بتفصيل في دراستين مستقلتين: انظر: فؤاد بن أحمد، منزلة التمثيل عند ابن رشد (بيروت-الرباط-الجزائر: منشورات ضفاف-دار الأمان-منشورات الاختلاف، 2014)؛ وللمؤلف نفسه، تمثيلات واستعارات ابن رشد: من منطق البرهان إلى منطق الخطابة (بيروت-الرباط-الجزائر: منشورات ضفاف-دار الأمان-منشورات الاختلاف، 2012).

[11] أبو الوليد ابن رشد، فصل المقال في تقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، تحقيق محمد عبد الواحد العسري (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997)، 122.

[12] ابن رشد، الكشف، 116.

[13] ابن رشد، الكشف، 161.

[14] ابن رشد، الكشف، 103.

[15] ابن رشد، الكشف، 105.

[16] ابن رشد، الكشف، 103. ويقول في موضع آخر: ”لا يفضي دليل الأشعرية وهو أن كل حادث له محدث إلى أول قديم ليس بمركب وإنما إلى أول ليس بحادث.“ ابن رشد، تهافت، 314.

[17] بخصوص العقل، يقول ابن رشد: ”لا معنى للكلام في هذه المعاني ببادئ الرأي وبالمعارف العامة التي ليست بخاصة ولا مناسبة وإذا تكلم الإنسان في هذه المعاني قبل أن يعلم طبيعة العقل كان كلامه فيها أشبه شيء بمن يهذي. ولذلك صارت الأشعرية إذا حكت آراء الفلاسفة أتت في غاية الشناعة والبعد من النظر الأول الذي للإنسان في الموجودات.“ ابن رشد، تهافت، 205.

[18] انظر: ابن رشد، تهافت، 26. هذا بخلاف ما يظنه عدد من الدارسين أن الخطاب الكلامي عند ابن رشد هو خطاب جدلي. ولعلهم لا يميزون بين الخطاب الكلامي والخطاب الجدلي والخطاب السوفسطائي الذي هو السمة الغالبة على تدليلات المتكلمين في نظر ابن رشد، كما سنظهر.

[19] انظر: ابن رشد، تهافت، 37؛ وبخصوص أبي حامد الغزالي (ت. 505هـ/1111م) يقول: هذه ”معاندة من مواضع الإبدال المغلطة.“ ابن رشد، تهافت، 76. وبخصوص المواضع المغلطة من الإبدال، ”أعني إبدال لفظ مكان لفظ،“ أو ”أن يؤخذ بدل الشيء شبيهه أو لاحقه أو المقارن له.“ انظر: أبو الوليد ابن رشد، تلخيص السفسطة، تحقيق محمد سليم سالم (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 1972)، 26، 65–66.

[20] يقول ابن رشد: ”الأشعرية راموا الجمع بين الاعتقاد بنفي الجسمية وبين جواز الرؤية لما ليس بجسم بالحس، فعسر عليهم ذلك ولجأوا في ذلك إلى حجج سوفسطائية مموهة، أعني الحجج التي توهم أنها حجج وهي كاذبة.“ ابن رشد، الكشف، 153.

[21] انظر: ابن رشد، تهافت، 17.

[22] ابن رشد، فصل المقال، 122. ومن الأصول التي بنى عليها الأشاعرة استدلالاتهم: إثبات الجوهر الفرد، والخلاء، والعرض لا يقوم بالعرض، وأنه لا يبقى زمانين. فقد رأى الأشاعرة أن العقائد الإيمانية متوقفة على هذه ”المقدمات العقلية؛“ لذلك يجب الاعتقاد فيها؛ إضافة إلى قاعدة بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول. انظر: ابن خلدون، المقدمة، تحقيق عبد السلام الشدادي (الدار البيضاء: بيت الفنون والعلوم والآداب، 2005)، ج. 3: 34. ويفك الأشعرية الارتباط الضروري بين الحاس والمحسوس. ويقول ابن رشد في هذا: ”على هذا فستكون الأشياء كلها شيئا واحدا، حتى المتضادات. وهذا شيء فيما أحسبه يسلمه المتكلمون من أهل ملتنا أو يلزمهم تسليمه، وهو رأي سوفسطائي لأقوام مشهورين بالسفسطة.“ الكشف، 156. والتشديد منا.

[23] يقول: ”جحدوا الأفعال الصادرة عن الأمور الطبيعية. ونفوا مع ذلك أن يكون للأشياء الحية التي في الشاهد أفعال، وقالوا إن هذه الأفعال تظهر مقترنة بالحي في الشاهد، وإنما فاعلها الحي الذي في الغائب.“ ابن رشد، تهافت، 146.

[24] يقول ابن رشد: ”والرد لهذه الأمور المعروفة بنفسها في الإبصار هو رد للأوائل المعلوم بالطبع للجميع، وإبطال لجميع علوم المناظر والهندسة.“ ابن رشد، الكشف، 154.

[25] يقول: ”بل يجوز في نظرهم وضع كل صفة في كل موصوف. وقائل هذا هو ناف للحد وناف لاختلاف الموضوعات واختصاصها بصفات خاصة هو السبب الأول في اختصاص الموجودات بصفات خاصة. وهذا الوضع هو من أصول الأشعرية التي رامت به إبطال الحكمة الشرعية والعقلية وبالجملة العقل.“ ابن رشد، تهافت، 476.

[26] يقول: ”لو ارتفعت الضرورة عن كميات الأشياء المصنوعة وكيفياتها وموادها كما تتوهمه الأشعرية في المخلوقات مع الخالق لارتفعت الحكمة الموجودة في الصانع وفي المخلوقات؛ وكان يمكن أن يكون كل فاعل صانعا، وكل مؤثر في الموجودات خالقا؛ وهذا كله إبطال للعقل والحكمة.“ ابن رشد، تهافت، 92. ويقول في موضع آخر من الكتاب نفسه: ”وأما الأشعرية فإنهم جحدوا الأسباب المحسوسة، أي لم يقولوا بكون بعضها أسبابا لبعض وجعلوا علة الموجود المحسوس موجودا غير محسوس بنوع من الكون غير مشاهد ولا محسوس وأنكروا الأسباب والمسببات.“ ابن رشد، تهافت، 416–417.

 [27] يقول: ”إلا أن الأشعرية دون المعتزلة اعتقدوا أن هذه الذات [الإلهية] هي الفاعلة لجميع الموجودات بلا واسطة والعالمة لها بعلم غير متناه، إذ كانت الموجودات غير متناهية، ونفوا العلل التي هاهنا.“ ابن رشد، تهافت، 218–219. ويقول: ”فالمتكلمون يقولون إن صورة الإنسان يمكن أن تحل في التراب من غير هذه الوسائط التي تشاهد والفلاسفة يدفعون هذا ويقولون لو كان هذا ممكنا لكانت الحكمة في أن يخلق الإنسان دون هذه الوسائط.“ تهافت، 540. والتشديد منا.

[28] ابن رشد، تهافت، 417.

[29] ابن رشد، تهافت، 476.

[30] ابن رشد، الكشف، 139.

[31] ابن رشد، الكشف، 149.

[32] ابن رشد، الكشف، 149.

[33] انظر مثلا: عبد المجيد الصغير، ”مواقف رشدية لابن تيمية،“ ضمن دراسات مغربية مهداة إلى المفكر المغربي محمد عزيز الحبابي، طبعة مزيدة ومنقحة (الرباط-الدار البيضاء: جمعية البحث في الآداب والعلوم الإنسانية-المركز الثقافي العربي، 1987)، 175–176؛ للمؤلف نفسه، ”ملاحظات حول إشكالية المصطلح اللغوي في الخلاف الكلامي،“ المناظرة: مجلة فصلية تعنى بالمفاهيم والمناهج الفلسفية 1 (1989): 109، هـ11.

[34] يقول: ”متى صُرّح لهم به، أعني للجمهور، بطلت عندهم الشريعة كلها، أو كفّروا المصرحَ لهم بها. فمن خرج عن منهاج الشرع في هذه الأشياء، فقد ضل عن سواء السبيل.“ ابن رشد، الكشف، 158.

[35] ابن رشد، الكشف، 139.

[36] انظر: ابن رشد، الكشف 17.

[37] ابن رشد، فصل المقال، 121–122.

[38] ابن رشد، الكشف، 118.

[39] ابن رشد، فصل المقال، 121–122.

[40] ابن رشد، الكشف، 157.

[41] ابن رشد، الكشف، 157.

[42] ابن رشد، الكشف، 173.

[43] جمال الدين العلوي، المتن الرشدي: مدخل لقراءة جديدة (الدار البيضاء: توبقال، 1986)، 49، 51. وللتذكير فقد اختار العلوي لهذه الأعمال اسم المختصرات بدل اسم الجوامع الذي اعتمده تشارلز بتروورث في نشرته. انظر: Averroës’ Three Short Commentaries on Aristotle’s “Topics,” “Rhetoric,” and “Poetics”, ed. Charles Butterworth (Albany: State University of New York Press, 1977). وانظر دواعي اختيار العلوي وخلافه مع بتروورث في: المتن الرشدي، 50–51.

[44] يقول العلوي: ”أما إذا صح التاريخ الذي ذيلت به فإنها لن تكون فقط آخر ما كتبه في الموضوع، بل ستكون آخر ما كتبه على الإطلاق.“ المتن الرشدي، 119.

[45] بخصوص محنة ابن رشد يمكن العودة إلى: بن شريفة، ابن رشد الحفيد، 60–77.

[46] أبو الوليد ابن رشد، جوامع الخطابة، تحقيق وترجمة تشارلز بتروورث، ضمن Averroës’ Three Short Commentaries on Aristotle’s، 174–175، ف 12؛ 181–182، ف 24؛ 186–187، ف 31.

[47] ابن رشد، جوامع الخطابة، 182، ف 24. والتشديد منّا.

[48] ابن رشد، جوامع الخطابة، 182، ف 24. والتشديد منّا.

[49] تكشف صياغة الجويني للجواز أن هذا المفهوم يؤدي، داخل الكلام الأشعري، وظيفة مقولة عقلية أساسية إلى جانب الوجوب والاستحالة. ففي قسم العقيدة من الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية، يقرر الجويني أن النظر، إذا تم ”على صحته وسداده،“ أفضى إلى العلم بـ”جواز جائز، أو وجوب واجب، أو استحالة مستحيل.“ ثم يميز بين ”الجواز البديهي“ و”الجواز النظري.“ فالجواز البديهي هو ما يعلمه العاقل ”من غير فكر ونظر،“ ومثاله أنه ”إذا رأى بناء“ علم ”جواز حدوثه،“ وأن ”حدوث ذلك البناء من الجائزات،“ وأنه ”كان لا يمتنع في العقل أن لا يبنى،“ كما يجوز أن يكون ”على خلاف ما هو عليه من الهيئات.“ أما الجواز النظري فمثاله ”جواز تداور الأفلاك في جهاتها،“ إذ إن الجهات، في ”قضايا العقول،“ متساوية، فلا ”يستحيل في العقل“ أن ينعكس ما يدور ”من الشرق إلى المغرب“ فيدور ”من المغرب إلى الشرق.“ وهذا يوضح أن ما يرفضه ابن رشد ليس الإمكان من حيث هو إمكان، بل توسيع الأشاعرة للجواز حتى يصير مبدأًً يفصل الممكن عن طبائع الأشياء وقواها السببية ووسائطها المنتظمة. عبد الملك الجويني، العقيدة النظامية [قسم العقيدة من الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية] تحقيق محمد الزبيدي (بيروت: دار سبيل الرشاد–دار النفائس، 2003)، 124–126.

[50] انظر: ابن رشد، الكشف، 111–114.

[51] ابن رشد، جوامع الخطابة، 182، ف 24.

[52] ابن رشد، جوامع الخطابة، 182، ف 24.

[53] ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ج. 1: 43. والتشديد منّا.

[54] ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ج. 1: 43–44.

[55] أبو نصر الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق عثمان أمين، ط. 2 (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1968)، 137–138.

[56] ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ج. 1: 46. والتشديد منّا.

[57] ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ج. 1: 46.

[58]  انظر: يوسف احنانة، ردود أشاعرة الغرب الإسلامي على الفلسفة: صدمة الاختلاف (تطوان: مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية، 2025)، 244–269. ونعدّ هذا القسم من عمل احنانة أهم أقسام الكتاب، بالنظر إلى ما يقدمه من مادة تنشر لأول مرة. غير أن الكتاب، في مجمله، يحتاج إلى مناقشة مستقلة، خاصة من جهة بعض اختياراته المنهجية والنظرية، واعتماده أحيانًا على سردية الانحطاط، وموت فلسفة ابن رشد بموته، وعدم استثماره الكافي لتطور البحث الحديث في علم الكلام بالغرب الإسلامي، ولا سيما ما نُشر عن أبي الحجاج يوسف المكلاتي (ت. 626هـ/1229م). وسنعود إلى ذلك.

[59]  احنانة، ردود أشاعرة الغرب الإسلامي على الفلسفة، 246–247.

[60]  احنانة، ردود أشاعرة الغرب الإسلامي على الفلسفة، 262–263.

[61]  احنانة، ردود أشاعرة الغرب الإسلامي على الفلسفة، 12. يقول ابن ثابت: ”لا يخفى ما فيه [فصل المقال]، ولكن نُنَبه على بعضه ليستدل على باقيه. ولولا خوف الاغترار به لما تعرضنا لذكره.“ شرح منظومة الضرير، لوحة 14. نقلا عن احنانة، ردود أشاعرة الغرب الإسلامي على الفلسفة، 265. والتشديد منا.

[62] عالجنا هذا الموضوع في مقالة سابقة. انظر: ”في مراجعة علاقة ابن رشد بالمذهب الأشعري وبالعقيدة الموحدية،“ ضمن الفكر الأشعري بالأندلس: تاريخ وإشكالات، أعمال الملتقى الثاني للفكر الأشعري بالمغرب الذي نظمه مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية، تنسيق جمال البختي (الرباط: منشورات الرابطة المحمدية للعلماء-مركز أبي الحسن الأشعري، 2020)، 477–539.

[63] احنانة، ردود أشاعرة الغرب الإسلامي على الفلسفة، 12، 80.

[64] يصعب علينا أن لا نفترض ونحن نقرأ مقدمات المراشد لابن خمير السبتي (ت. 614هـ/1217م) أن ابن رشد كان المستهدف بالكلام في مقدمة العمل. انظر: ابن خمير السبتي، مقدمات المراشد إلى علم العقائد، تقديم وتحقيق جمال علال البختي (تطوان: مطبعة الخليج العربي، 2004)، 96–98.

[65] عبد الواحد المراكشي، المعجِب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق محمد سعيد العريان (القاهرة: لجنة إحياء التراث الإسلامي، 1963)، 314–315.

[66] ابن رشد، فصل المقال، 104.

[67] ابن رشد، فصل المقال، 104–106.

[68] ورد هذا العنوان في برنامج ابن رشد منقسما إلى قسمين: ”مقال في الجمع بين اعتقاد المشائين واعتقاد المتكلمين من علماء الإسلام.“ ”في كيفية وجود العالم من جهة القدم والحدوث.“ انظر: برنامج الفقيه القاضي الإمام الأوحد أبي الوليد ابن رشد رضي الله عنه، مخطوط مدريد، خزانة دير الأسكوريال رقم 884، ورقة 83و. وانظر: العلوي، المتن الرشدي، 37. ويعتقد العلوي أن المقال مفقود في لغته الأصلية؛ لكنه لا يتحدث عن ترجماته الإنجليزية والعبرية، على غرار ما فعل مع نصوص أخرى لابن رشد مفقودة أصولها العربية، لكنها توجد في ترجمات أخرى. ولعله لم يتصل به عمل باري كوگان الذي سنأتي على ذكره بعد حين. ومحمد بن شريفة، هو أيضا، يعتقد أن المقالة مقالتان، وأنهما مفقودتان. انظر: ابن رشد الحفيد، 28–29، هـ 38، 39.

[69] موفق الدين أبو العباس ابن أبي أصيبعة، كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق وتعليق أملي سڤج-سميث وسايمن سوين وخيرت يان خلدر (ليدن-بوسطن: بريل، 2024)، ج. 2-2: 998.

[70] نشر موسى وورمس (Moses Worms, 1864–1920) النص العبري للمقالة ملحقًا بعملهDie Lehre von der Anfangslosigkeit der Welt bei den mittelalterlichen arabischen Philosophen des Orients und ihre Bekämpfung durch die arabischen Theologen (Mutakallimûn) (Münster, 1900) اعتمادًا على ثلاث مخطوطات عبرية ومقتطف مطبوع؛ ثم اعتمد باري كوگان هذه النشرة في ترجمته الإنجليزية وتحليله للمقالة. انظر:

 Barry Kogan, “Eternity and Origination: Averroes’ Discourse on the Manner of the World’s Existence,” in Islamic Theology and Philosophy: Studies in Honor of George F. Hourani, ed. Michael E. Marmura (Albany: State University of New York Press, 1984), 203–235.

[71] Kogan, “Eternity and Origination,” 205.

[72] Ibn Rushd, in Kogan, “Eternity and Origination,” 207.

والظاهر أن ما أورده ابن أبي أصيبعة بوصفه عنوانًا للمقالة إنما هو صدرها أو عبارتها الافتتاحية التي يصرّح فيها ابن رشد بغرضه منها؛ فقد حفظ ابن أبي أصيبعة العنوان بصيغة قريبة جدًّا من افتتاح المقالة نفسها، حيث يقول ابن رشد إن الغرض من قوله هو بيان أن ما يعتقده المشاؤون وما يعتقده المتكلمون من أهل ملتنا في كيفية وجود العالم ”متقارب في المعنى.“ انظر: Kogan, “Eternity and Origination,” 205, 207, 212. 

[73] Ibn Rushd, in Kogan, “Eternity and Origination,” 211

[74] Ibn Rushd, in Kogan, “Eternity and Origination,” 207–208. 

[75] Kogan, “Eternity and Origination,” 206. 

[76] Ibn Rushd, in Kogan, “Eternity and Origination,” 210. 

[77] Ibn Rushd, in Kogan, “Eternity and Origination,” 209–210

[78] ويعلّق جمال الدين العلوي على هذه المقالة بقوله: ”والمعروف أنها من بين النصوص المفقودة في لغتها الأصلية، ولكن هناك من آثار ابن رشد ما قد يعوض افتقادنا لها، وإن كان أمر الجمع بين المشائين والمتكلمين في مسألة وجود العالم يحتاج إلى نظر عند الحديث عن موقف ابن رشد منهما. ونكتفي هاهنا بالإحالة على ما أورده في تهافت التهافت والكشف عن مناهج الأدلة.“ العلوي، المتن الرشدي، 37. غير أن العلوي لا يحدد بدقة الآثار التي يمكن أن تعوض فقدان هذه المقالة، كما أنه لم يشر إلى حفظها في ترجمة عبرية ولا إلى نقلها اللاحق إلى الإنجليزية عند كوگان. ومن ثم فإن إلحاقها مباشرة بـتهافت التهافت والكشف لا يساعد، فيما نرى، على إبراز خصوصية الغرض الذي كُتبت من أجله؛ فالمقالة، شأنها شأن الموضع المذكور من فصل المقال، تتحرك في أفق تقريبي أو توافقي، يرمي إلى بيان أن الخلاف بين المشائين والمتكلمين في مسألة قِدَم العالم وحدوثه راجع، في جانب مهم منه، إلى الاشتراك في الأسماء، لا إلى تقابل عقدي مطلق.

[79] انظر: ابن رشد، فصل المقال، 101.

[80] ابن رشد، فصل المقال، 102.

[81] ابن رشد، فصل المقال، 105.

[82] ابن رشد، فصل المقال، 106.

[83] يقول: ”وأنت فقد وفقت من قولنا على مقدار الخطأ الواقع من قبل التأويل.“ ابن رشد، الكشف، 208.

مقالات ذات صلة

الماهوية والدوغمائية في قراءة التاريخ الفكري للمسلمين: نقاشٌ مع بناصر البعزاتي — الجزء الثاني: في دعوى ”الركود والتراجع“ في الغرب الإسلامي خلال القرن الثامن للهجرة /الرابع عشر للميلاد

الماهوية والدوغمائية في قراءة التاريخ الفكري للمسلمين: نقاشٌ مع بناصر البعزاتي — الجزء الثاني: في دعوى ”الركود والتراجع“ في الغرب الإسلامي خلال القرن الثامن للهجرة /الرابع عشر للميلاد

Essentialism and Dogmatism in Reading Islamic Intellectual History: A Conversation with Bennacer El Bouazzati— Part Two: Reconsidering the Claim of Stagnation and Decline in the Western Islamic World during the 8th/14th Century al-Māhawiyya wa-l-dūghmāʾiyya fī qirāʾat...

الماهوية والدوغمائية في قراءة التاريخ الفكري للمسلمين: نقاشٌ مع بناصر البعزاتي — الجزء الأول:  عن الانتصار لگولدتسيهر

الماهوية والدوغمائية في قراءة التاريخ الفكري للمسلمين: نقاشٌ مع بناصر البعزاتي — الجزء الأول: عن الانتصار لگولدتسيهر

Essentialism and Dogmatism in Reading Islamic Intellectual History: A Conversation with Bennacer El Bouazzati— Part One: In Vindication of Goldziher   al-Māhawiyya wa-l-dūghmāʾiyya fī qirāʾat al-tārīkh al-fikrī li-lmuslimīn: niqāsh maʿa Bannasar...

النهضة المنطقيّة المغربيّة الثانية: أبو عثمان سعيد بن محمد العقبانيّ التلمسانيّ (720-811 هـ/1320-1408م)

النهضة المنطقيّة المغربيّة الثانية: أبو عثمان سعيد بن محمد العقبانيّ التلمسانيّ (720-811 هـ/1320-1408م)

The Second Maghribi Logical Renaissance:Abū ʿUthmān Saʿīd ibn Muḥammad al-ʿUqbānī al-Tilimsānī720-811/1320-1408 Al-Nahḍa al-Manṭiqiyya al-Maghribiyya al-Thāniya: Abū ʿUthmān Saʿīd ibn Muḥammad al-ʿUqbānī al-Tilimsānī720-811/1320-1408 النهضة المنطقية المغربية...

الخطاب المعياري عند الماوردي (ت. 450هـ/1058م) بين الفقه والفلسفة والأدب: من التأطير القانوني إلى قراءة نسقية وتاريخية

الخطاب المعياري عند الماوردي (ت. 450هـ/1058م) بين الفقه والفلسفة والأدب: من التأطير القانوني إلى قراءة نسقية وتاريخية

Al-Māwardī’s (d. 450/1058) Normative Discourse between Islamic Jurisprudence, Philosophy, and Adab: From a Legalistic Framing to a Systematic and Historical-Contextual Reading al-khiṭāb al-miʿyārī ʿinda al-Māwardī (d. 450/1058) bayna al-fiqh wa-l-falsafa wa-l-adab:...

نحو الوحدة الاصطلاحية في ترجمة ”المفصّل في الحجاج“

نحو الوحدة الاصطلاحية في ترجمة ”المفصّل في الحجاج“

Toward Terminological Unity in the Translation of The New Rhetoric Naḥwa al-waḥda al-iṣṭilāḥiyya fī tarjamat al-Mufaṣṣal fī al-ḥijāj نحو الوحدة الاصطلاحية في ترجمة ”المفصّل في الحجاج“ محمد قنديلجامعة ابن طفيل، القنيطرة Mohammed Kandil Ibn Tofail University, Kénitra...

آراء الفيلسوف أبي الحسن العامري (ت.381هـ/922م) في النفس الإنسانية

آراء الفيلسوف أبي الحسن العامري (ت.381هـ/922م) في النفس الإنسانية

Ārāʾ al-faylasūf Abī al-Ḥasan al-ʿĀmirī (d. 381 H/992 M) fī al-nafs al-insānīyah Abū al-Ḥasan al-ʿĀmirī (d. 381/992) on The Human Soul: A Philosophical Inquiry آراء الفيلسوف أبي الحسن العامري (ت.381هـ/ 922م) في النفس الإنسانية[1] بلال مدريرالأكاديمية الجهوية للتربية...

النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)

النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)

The Second Maghribi Logical Revival: Muḥammad al-Sharīf al-Tilmisānī (710–771/1310–1370) al-Nahḍa al-Manṭiqiyya al-Maghribiyya al-Thāniya:Muḥammad al-Sharīf al-Tilimsānī (710–771/1310–1370) النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)...

الإسهام الإصلاحي في الفلك لجابر بن أفلح الإشبيلي: موقع كوكبي الزهرة وعطارد نموذجًا

الإسهام الإصلاحي في الفلك لجابر بن أفلح الإشبيلي: موقع كوكبي الزهرة وعطارد نموذجًا

The Reformist Contribution of Jābir ibn Aflaḥ al-Ishbīlī to Astronomy: Venus and Mercury as a Case Study al-Ishām al-iṣlāḥī fī al-falak li-Jābir b. Aflaḥ al-Ishbīlī: Mawqiʿ kawkabay al-Zuhra wa-ʿUṭārid namūdhajan الإسهام الإصلاحي في الفلك لجابر بن أفلح الإشبيلي:موقع...

مفهوم البراديغم من خلال فلك ابن الهيثم

مفهوم البراديغم من خلال فلك ابن الهيثم

The Concept of Paradigm in Ibn al-Haytham's Astronomy Mafhūm al-Parādīghm min khilāl falak Ibn al-Ḥaytham مفهوم البراديغم من خلال فلك ابن الهيثم   فتاح مكاويFatah Mekkaoui   جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاسSidi Mohamed Ben Abdellah University, Fez  الملخص: يعتبر...

في مشروعية الكلام السني ضدا على إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (ت.505هـ/1111م): قطعة من موسوعة الأسرار والعبر لأبي بكر الطرطوشي (ت.520هـ/1126م)، تعريفٌ وتوصيف

في مشروعية الكلام السني ضدا على إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (ت.505هـ/1111م): قطعة من موسوعة الأسرار والعبر لأبي بكر الطرطوشي (ت.520هـ/1126م)، تعريفٌ وتوصيف

On the Legitimacy of Sunni Theology against Abū Ḥāmid al-Ghazālī’s Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn (d. 505/1111): A Section from Abū Bakr al-Ṭurṭūshī’s al-Asrār wa-l-ʿIbar (d. 520/1126) - Introduction and Description Fī Mashrūʿiyyat al-Kalām al-Sunnī Ḍiddan ʿalā Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn...

مشاركة / Share
error: Content is protected !!