Loading

ما هو التنوير الإسلامي؟

Was ist die islamische Aufklärung?

Mā huwa al-tanwīr al-islāmī?

ما هو التنوير الإسلامي؟

 

Reinhard Schulze
Universität Bern, Bern

Translated from German into Arabic by

Malika Lachgar
Academy of the Kingdom of Morocco, Rabat

راينهارد شولتز

جامعة بيرن

نقله من الألمانية إلى العربية

مليكة لشگر

أكاديمية المملكة المغربية، الرباط

تصدير المؤلف للترجمة العربية

1. مفارقة الحاضر: الإسلام والتنوير في الخطاب ما بعد العلماني

لعلّ من أظهر مفارقات لحظتنا المعاصرة أنّ الدين يغدو موضوعًا لنقاشٍ أشدّ كثافةً وإلحاحًا في الوقت نفسه الذي ينحسر فيه حضوره المباشر والبديهي في التجربة اليومية. فبقدر ما تفقد الممارسة الدينية المعيشة مرتكزها البدهي في الحياة اليومية، تتحوّل إلى مقولةٍ نظرية في المقام الأول: عالمٍ عائم من الأفكار، منفصلٍ عن المؤسّسات المذهبية التقليدية. وهذه البنية الثقافية–التاريخية تشبه، على نحوٍ لافت، القرنَ الثامن عشر؛ ففي عصر التنوير التاريخي كان الدين حاضرًا على كلّ لسان، ولا سيّما لدى أولئك المفكّرين أنفسهم الذين كانوا يودّون لو أمكنهم الاستغناء عنه كليًّا.

غير أنّنا نلحظ اليوم ظاهرةً مخصوصة: إذ بات لفظا ”الدين“ و”الإسلام“ متلازمين إحصائيًا في الخطاب العمومي الحديث. فالمخيال الجمعي المتعلّق بما يعنيه الدين أصلًا في القرن الحادي والعشرين قد صيغ، إلى حدٍّ حاسم، من خلال تصوّرنا للإسلام. وفي الوعي المعاصر اندمجت مفاهيم الدين والتنوير والإسلام في مصفوفةٍ خطابية واحدة، مشحونة إلى أبعد الحدود.

لقد انكشف منذ أمدٍ بعيد وهمُ التفاؤل التحديثي في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ ذلك التفاؤل الذي كان يتنبّأ، في ثقةٍ واطمئنان، بأنّ التنوير سيفضي حتمًا إلى خصخصة المجال الديني خصخصةً كاملة، أو إلى تجاوزه في نهاية المطاف. ونحن نجد أنفسنا اليوم في وضعٍ سمّاه يورگن هابرماس، تسميةً موفّقة، ”ما بعد العلماني“: إذ أصرّ الدينيّ على الاحتفاظ بموقعه داخل النظام العلماني، معيدًا تشكيل نفسه وتموضعه من داخله. ومع ذلك، فإنّ النقاشات الغربية لا تنفكّ تستعمل إسلامًا يُزعَم أنّه ”مقاومٌ للتنوير“ بوصفه الدليل الأبرز على إخفاق هذه اليوتوبيا العلمانية.

ومنذ تسعينيات القرن العشرين على وجه الخصوص، وبفعل تسارع التشابك الخطابي بين الدين ومسارات الهجرة الأوروبية، جرى تصوير الإسلام بوصفه المثال الأقصى لعلاقةٍ مختلّة بالحداثة. فما إن يُستدعى الإسلام حتى ينعقد، على نحوٍ مفاجئ وحصري، إجماعٌ حول التنوير الأوروبي؛ إذ يُشهَر هذا التنوير، بصورةٍ تلقائية، بوصفه ”تنويرنا نحن: الخيّر والسلمي،“ في مقابل نقيضه المتخيَّل: الإسلام بوصفه ”الأجنبي، والرجعي، والخطِر. “

إنّ صيغة الدعوى الجاهزة القائلة إنّ ”الإسلام لا يعرف تنويرًا“ تؤدّي، في أساسها، وظيفةً سياسية هي تثبيت الذات الغربية وتأكيدها. فالغرب بات، على نحوٍ متزايد، يبني هويته الحضارية من خلال وصل التنوير بالدين، ثم إعادة تأويل هذا الأخير تأويلًا معلمنًا بوصفه ”ثقافة“، أي بوصفه دالًّا على الأصل والهوية. ومنذ التحوّل الجيوسياسي في سنتَي 1989 و1990، أخذ هذا الانتصار الهائل للإطار الثقافوي يحلّ، بصورةٍ منهجية، محلَّ مفهوم ”الحضارة“ التنويري، التقدّمي والمتّجه إلى المستقبل، في التداول العمومي. ويبدو أنّ الأصل الموروث قد صار، بالنسبة إلى الهويات الجمعية، أكثر حيويةً من المستقبل المشترك.

2. تفكيك موضع خطابي: المأزق المنهجي

في ضوء هذه الخلفية، تبرز مسألة ما إذا كان للإسلام تنويرٌ، أو ما إذا كان قد عرف تنويرًا، بوصفها واحدًا من أكثر المواضع الغربية رسوخًا وإلحاحًا، وإن كان في الآن نفسه من أكثرها اختلالًا من الناحية المنهجية. فمنذ منتصف ستينيات القرن العشرين تحجّرت صيغة ”الإسلام لا يعرف تنويرًا“ حتى غدت مسلَّمةً فكرية شائعة؛ غير أنّها لا تعبّر عن نتيجةٍ تاريخية تجريبية، بل تختزل ثلاث استراتيجيات خطابية متداخلة:

  • تشييءٌ ماهويٌّ للإسلام بوصفه ذاتًا جمعية مؤنسَنة (anthropomorphic collective subject).

  • إقصاءٌ منهجيٌّ يُنشئ الإسلام بوصفه النقيض البنيوي للحداثة الغربية.

  • تعريفٌ للذات يثبّت الصورة المعيارية التي يصوغها الغرب عن نفسه عبر إسقاط قلقه على الآخر المهمَّش.

ومن ثمّ، فإنّ القول إنّ الإسلام معادٍ للتنوير بطبيعته ليس حصيلةً تجريبية لبحثٍ مفتوح الأفق في الدراسات الإسلامية؛ بل هو شرطه المعياري المسبق: مقدّمةٌ لم يجرِ قطّ إثباتها بمنهجيةٍ أكاديمية صارمة قائمة على المصادر.

وللخروج من هذا المأزق الفكري، لا بدّ من اعتماد منهجية مقارنة ونقدية. فالغاية من ترجمة مقالتي المنشورة سنة 1996 ليست، على وجه التصريح، أن نتعامل مع مفهوم ”التنوير“ بوصفه ماهيةً أنطولوجية تُستخلص من خلال رد فينومينولوجي  (phenomenological reduction)، ولا أن ننخرط في رحلة بحثٍ متمركزة أوروبيًا عن ”ڤولتير إسلامي“ أو ”كانط إسلامي“. بل يُفهم ”التنوير الإسلامي“ هنا بوصفه أفقًا تأويليًا لتحليل التراث الإسلامي المكتوب في العصر الحديث السابق على الاستعمار. وهو أفقٌ يتيح جعل التاريخ الثقافي الإسلامي مقروءًا خارج الوصمات المستهلكة التي تختزله في ”الانحطاط“ و”التراجع“.

3. العتبة الكونية: ”زمن العالم“ والمنعطف الإبستيمي

يقوم الأساس النظري لهذا المقاربة على مقدّمةٍ مفادها أنّ ”زمنًا عالميًا“ للحداثة (Weltzeit) ما فتئ يتشكّل منذ القرن السادس عشر. ونقصد بـ”أزمنة العالم“ شبكاتٍ تواصلية عابرة للمحلّيات، وتحالفاتٍ اجتماعية بعيدة المدى، تنتقل من خلالها أنماط التفكير والممارسات والأفكار، سواء تعزّزت بالمحاكاة أو بالتخوم المضادّة والتمييز الصراعي. وداخل هذا الزمن العالمي المشترك، نشأت تناظراتٌ بنيوية في سياقاتٍ ثقافية متباينة، الأمر الذي يجعل نشأةَ سيرورات التنوير في العالم الإسلامي، سواء كانت داخلية المنشأ (endogenous) أو مستثارةً من الخارج (exogenous)، أمرًا معقولًا تمامًا.

وفي جوهر الأمر، ليس التنوير إلا الاسم الأوروبي الغربي، ومن ثمّ الاسم المحلي، لسيرورة تحوّلٍ عالمية أعادت، منذ بدايات العصر الحديث، بناءَ المعمار الإبستمولوجي الجمعي للإنسانية بناءً جذريّا. وقد اتّسمت هذه العتبة الحِقبية، الممتدة تقريبًا من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر، بسيرورةٍ عميقة من التمايز. ففي حين كانت الرؤية الوسطوية للعالم خاضعةً لنظامٍ متعالٍ وغير منقسم للحقيقة، انشطر العصر الحديث إلى مجالين متميزين، يحكم كلًّا منهما منطقه الداخلي وادّعاؤه المستقل للحقيقة:

المجال

مفهوم الحقيقة

الإجراء الإبستيمي

علاقة الذات بالموضوع

الدين

حقيقة أنطولوجية

الضمير الباطن / الإيمان

موضوع إيمان

العالم

حقيقة مطابقة / نظرية المطابقة

العقل / البحث التجريبي

موضوع معرفة

 

وفي أعقاب هذا التحوّل، انفصل الفرد عن بيئةٍ عضوية كان مندرجًا فيها، وأعاد تأسيس نفسه بوصفه ذاتًا عارفة مستقلة، قادرةً على مواجهة الدين والعالم معًا من مسافةٍ نقدية.

وفي حين أنّ أوروبا الغربية، مدفوعةً بمحفّزاتٍ بنيوية مخصوصة، من قبيل شبكة مراسلات كثيفة، وثورة الطباعة، والتنافس الإقليمي الحادّ، قد أنشأت مجالًا عموميًا بالغ التركّز والاتساع، فإنّ هذا الانقطاع الإبستيمي وقع في العالم الإسلامي على نحوٍ أقلّ صخبًا واستعراضيةً بكثير، ومن غير اضطراباتٍ ثورية مدوّية.

ومع ذلك، فقد ترك هذا الانتقال آثارًا لا تُمحى. ففي الثقافات العثمانية والعربية والفارسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، يمكن تتبّعُ تقاربٍ بين التقوى، والتصوّف، والتجريبية العقلانية، يشبه على نحوٍ لافت تيارات التنوير الأوروبي، شريطة ألا ننظر إلى هذا الأخير بوصفه كتلةً واحدة صمّاء، بل بوصفه تركيبًا معقّدًا من تقاليد متمايزة إقليميًا. ومنذ هذه المرحلة فصاعدًا، أخذ المسلمون يصوغون الدين، على نحوٍ متزايد، بوصفه مجالًا مستقلًا لإيمانٍ مستبطَن، ويقرّون بالقوانين الملازمة للعالم الطبيعي، ويعيدون ضبط موقع الفرد بوصفه فاعلًا نشطًا.

بل إنّ عودة الإسلام كثيرةَ التداول بين ستينيات القرن العشرين وتسعينياته، وهي عودةٌ أساء المراقبون الغربيون قراءتها على عجل بوصفها ”إعادة أسلمة“ ارتكاسية ودليلًا على نزوعٍ لاهوتي أصيل، قد فهمها كثيرٌ من المعلّقين المسلمين المعاصرين بوصفها إعادة ترتيبٍ جذرية للحياة الدنيوية العلمانية. كان المطلوب أن يندمج الدين والمجتمع في تركيبٍ بنيوي جديد، وهو نمطٌ مألوف تمامًا في التاريخ الثقافي الأوروبي من خلال حركاته التحديثية الپيوريتانية والكالڤينية.

أمّا أنّ هذا التحوّل الأهلي داخل العالم الإسلامي يكاد يغيب غيابًا تامًا عن الذاكرة الجمعية العالمية، فذلك نتيجةٌ مباشرة للهيمنة الخطابية والمادية التي مارستها أوروبا الغربية في القرن التاسع عشر. ففي تلك الحقبة، رُفعت الصيغة الأوروبية لهذا الانكسار الإبستيمي إلى مرتبة المعيار الكوني. وأصبح مصطلح ”التنوير“ الاسمَ الجامعَ المهيمن لهذا التقارب العالمي: أي تأطيرًا مشحونًا بالقيمة، أُرغمت سائر التقاليد الفكرية الكبرى على التكيّف معه تحت ضغوط الحداثة المعولمة، سواء في السياق اليهودي باسم الهسكلاه (Haskalah)، أو في العالم العربي باسم التنوير.

4. تعدّد الأسلاف: نحو نقدٍ جذري للعقل

إنّ مشروع إعادة تأطير مسألة ”التنوير الإسلامي“ لا يسأل، إذن، على نحوٍ ساذج، عمّا إذا كان الإسلام قد عرف تنويرًا يحاكي المراحل التاريخية الأوروبية. بل ينصرف إلى البحث في الكيفية التي نشأت بها تقاليد تنويرية أهلية داخل العالم الإسلامي، وفي الشروط التي أفضت إلى نشأتها، وفي طرائق تلاقحها، ثم في الكيفية التي جرى بها لاحقًا تأكيدها، أو حجبها، أو تشويهها، بفعل اللقاء القسري بالنموذج الأوروبي في سياق الحداثة الاستعمارية في القرن التاسع عشر.

وهذا العمق التاريخي في النظر شرطٌ حيوي لاستعادة ”كثرةٍ من الأسلاف“ إلى حاضرنا العالمي، وتحرير السردية التاريخية من أغلال السردية الكبرى الغربية الخالصة. فعندما نُضفي اليوم، بلا نقد، طابعًا رومانسيًا على التنوير بوصفه وعدًا خلاصيًّا متمركزًا حول أوروبا وحدها، فإننا نحجب عن أنفسنا مفارقاته الملازمة وجدلياته الداخلية. إنّ الوعد الكوني للتنوير يفقد قوّته إذا تجاهلنا الكوارث التاريخية في أنحاء من العالم الإسلامي، وهي كوارث تمثّل بدورها ميراثًا لسيرورات التحديث المتصدّعة، والعنيفة في كثيرٍ من الأحيان. إنّ العقلانية النَفَقِيّة لدى المتطرفين الدينيين المحدثين، ونظريات المؤامرة المعاصرة، ليست بقايا قبل-حديثة؛ بل هي تشوّهات مرضية ولّدتها أسطورة العقل الحديثة نفسها.

وما نحتاج إليه بإلحاح هو نقدٌ محايثٌ وعقلاني للعقل. وفي سياق النقاشات المستقطبة المعاصرة حول الإسلام، يعني ذلك أنّ الدين والتنوير لا يستطيعان الدخول في علاقةٍ منتجة وغير متكلّفة إلا حين يُسهم الدين في تأمّل حدود العقل الإنساني الأخلاقية والوجودية ورسمها، على نحوٍ عقلاني.

وليس هذا الاستفهام ترفًا أكاديميًا باطنيًا أو نخبويًا بحال؛ بل هو مطلبٌ نقدي ملحّ للعلوم الإنسانية والاجتماعية. فما دام مفهوم ”التنوير“ يُوظَّف في الخطاب العمومي بوصفه عتبةً معيارية للانتماء إلى الحداثة، وآليةً إقصائية لضبط الدخول إليها، فإنّ رؤيتنا للواقع العالمي ستظلّ مشوَّهة. إنّ إعادة بناء الآثار المحجوبة لانخراط الإسلام في الاضطرابات الإبستيمية العالمية للحداثة تُثبت أنّ الإسلام ليس الصورةَ المقابلةَ الأبدية للغرب، غير المستنيرة، بل إنّه هو نفسه قد تشكّل تشكّلًا عميقًا بفعل السمات البنيوية للعصر الحديث. وهذه الاستعادة التاريخية هي التي توفّر الأساس الضروري لحوارٍ عالمي حقيقي وعلى قدم المساواة، يتجاوز بكثير الهيمنةَ الأوروبية المركزية والتنويرَ المضادّ الثقافويَّ النسبي.

راينهارد شولتز 28 ماي 2026

تعريب فؤاد بن أحمد

العنوان الأصلي لنص لمقال المترجم أدناه ومصدره:

“Was ist die islamische Aufklärung?” Die Welt des Islams 36 (1996): 276–325.

نص الترجمة

لا تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل تاريخي شامل لمفهوم ”التنوير الإسلامي.“ لذلك، سأتجنب تقديم إجابة مباشرة عن السؤال الوارد في العنوان، مكتفياً بمحاولة إضفاء قدر من المصداقية عليه. ويقتضي ذلك، من جهة، إعادة صياغة المفاهيم النظرية، ومن جهة أخرى، تقديم تعريف أولي دقيق للتيارات التقليدية التي قد تكون أسهمت في عملية التنوير. ومن ثم، يظل موضوع ”التنوير الإسلامي في القرن الثامن عشر“ مجالا مفتوحا لمزيد من الدراسات المستقبلية.

يُعد النقد السلبي للثقافة الإسلامية، كما يتجلى في عبارة ”الإسلام لا يعرف التنوير،“ عنصراً راسخاً بقوة في الوعي العام، حيث يُنظر إليه على أنه خاصية جوهرية للإسلام، ويتم تداوله غالباً في الأدبيات الأكاديمية. وكثيراً ما تمت مناقشة هذا الرأي بشكل نقدي في السنوات الأخيرة.[1] لم يكن الهدف الأساسي في البداية إثبات عكس هذا الادعاء، أي القول بأن ”الإسلام يعرف التنوير،“ بل كان مجرد محاولة لإعادة النظر في كتابة تاريخ الثقافة الإسلامية من خلال تفكيك التصورات التقليدية. غير أن هذه المقاربة النقدية قادت، وربما بشكل متسرع، إلى استنتاج ضرورة إعادة بناء مفهوم ”التنوير الإسلامي.“ لم يكن هدفي إثبات وجود تنوير إسلامي، بل اعتماد منهجية مقارنة تساعد في تحرير التاريخ الحديث للثقافة الإسلامية من الصورة النمطية التي تصفه بـ ”الانحطاط“ و”التراجع.“ لقد كان من المهم بالنسبة لي إظهار التناقض النظري الكامن في الفرضية التي تنفي وجود أي شكل من أشكال التنوير الإسلامي. وقد أدى دحض هذه الفرضية بسرعة كبيرة إلى بروز طرح جديد، مفاده أن هناك تيارا تنويريا خاصا، متوارياً في تاريخ الثقافة الإسلامية في القرن الثامن عشر، قد تم تأكيده وإخفاؤه في آن واحد من خلال تلقي المثقفين المسلمين لـ ”التنوير الأوروبي‘‘ في القرن التاسع عشر. وتدل حقيقة هذا التلقي بالضرورة أن هؤلاء المثقفين كانوا يمتلكون الأسس الفكرية اللازمة التي استمدوها من تاريخهم الخاص.[2]

يُعد بيرند رادتكه أحد أبرز المنتقدين لهذه الفرضية، حيث أدلى بدلوه في مجلة العالم الإسلامي،[3] محاولاً بدوره إثبات أن محاولاتي في تتبع ملامح عملية تنوير أصيلة داخل التقاليد الصوفية الإسلامية، وفي مقدمتها تلقي أفكار ابن عربي، قد باءت بالفشل، نتيجة لما اعتبره سوء فهم مني لجوهر ’’الصوفية‘‘. وقد عبّر عن موقفه بوضوح قائلا:

”من السهل إثبات أن الادعاء بوجود حركة تنوير إسلامية أصيلة لا يعدو كونه انعكاساً لإسقاطات فكرية وتفسيرات لغوية غير دقيقة. بعبارة أخرى، لم يُتناول الموضوع بعمق كافٍ على المستوى الفكري، ولم يخضع لتحليل علمي دقيق […] وبالتالي، فإن محاولة إثبات وجود عملية تنوير أصيلة في التصوف الإسلامي في القرن الثامن عشر تبدو غير ناجحة.“[4]

وقبل التعمق في تحليل نقد رادتكه، أود تسليط الضوء على بعض الجوانب الأساسية لفرضية ”التنوير الإسلامي،“ وإعادة طرح بعض الأفكار التي سبق أن طرحتها، مع إبرازها بشكل أوضح.[5]

§          تحليل نقدي للمعايير الجوهرية

أرغب في تقديم تحليل مختصر لعبارة ”الإسلام لا يعرف التنوير،“ وذلك من خلال تفكيكها إلى ثلاث قضايا أساسية على النحو التالي:

1.         تصوير الإسلام كما يلي

يُقدَّم الإسلام في هذا السياق كما لو كان كيانا مفكرا وتاريخيا، لكنه يفتقر إلى القدرة على التفكير الذاتي، مما يجعله ”غير مستنير،“ بحيث يتم تصنيف المسلمين تحت مصطلح الإسلام، دون أي تمييز اجتماعي أو ثقافي، تماماً كما يُنظر إلى جميع الغربيين على أنهم ينتمون إلى المسيحية دون النظر إلى التنوع داخل مجتمعاتهم. ووفقاً لهذه الصياغة، يصبح الإسلام هو الفاعل،[6] حيث تُنسَب إليه مثل هذه العبارات وكأن له خصائص بشرية: إنه يعرف شيئا أو لا يعرف شيئا. ورغم أن هذا الاستخدام اللغوي شائع، إلا أنه يظل غير مقبولٍ ولو كان في الخطاب الصحفي.

عند تناول موضوع ”الإسلام“، يكون من الصعب التخلي عن إسناد هذه الخصائص البشرية من أجل تقديم تفسير أكثر دقة لمن يوصفون بأنهم ”لا يعرفون التنوير،“ إذ لا يوجد أي إجماع على المقصود بالإسلام هنا.[7] فالإسلام يعني اليوم اصطلاحا إما العلاقة الوجودية للمؤمن بالله، أو الواقع الملموس في المجتمعات الإسلامية، أو النموذج المثالي التاريخي للمجتمع الإسلامي.[8]

ورغم التأكيد المتكرر على عدم إمكانية فصل هذه الأشكال الثلاثة للإسلام مفاهيمياً،[9] إلا أنه لا بد من التساؤل عن مدى إمكانية تطبيق عبارة ”الإسلام لا يعرف التنوير“: هل المقصود (الـ) تنوير (في) العلاقة الوجودية مع الله (الدين)؟ أم (الـ) تنوير (في) الواقع الملموس (المجتمع)؟ أم (الـ) تنوير (في) المثالية التاريخية (السياسة)؟

في النقاش الأوروبي حول التنوير، لم يتم تحقيق هذا المفهوم، برغم ما يحمله من تعقيد متناقض في طبيعته، إلا بعد فصل المجالات الثلاثة: الدين والمجتمع والسياسة.[10] ويشير التحذير الذي وجهه غاردت أساسا إلى ويلفريد كانتويل سميث إلى أن:

“These three meanings in fact remain closely bound together in Muslim thought (sic!), today as in the past, and no study of Islam, no analysis of the Muslim Community or of the world of Islam should separate them.”[11]

 فما دمنا غير قادرين على استيعاب الفصل بين الدين والمجتمع والسياسة، وهو الفصل الذي كان ولا يزال ضروريا لفهم التنوير في سياقنا، بل ونُصِرُّ على أن هذه المجالات غير قابلة للفصل في التاريخ الإسلامي، فإننا بذلك نمتنع عن إسقاط رؤيتنا التنويرية على العالم الإسلامي. وبهذا، نسهم بأنفسنا في إثبات الادعاء القائل بأن الإسلام لا يعرف التنوير.

2.        الإسلام ليس كذلك

في هذا السياق، يُقدَّم الإسلام بصورة سلبية، حيث يُقال إنه ’’لا يعرف التنوير.‘‘[12] وتبدو مثل هذه التعريفات السلبية مألوفة عند تناول التاريخ الإسلامي؛ فنجد عبارات من قبيل: ”الإسلام لا يعرف الفصل بين الدين والدولة،“ أو ”الإسلام لا يعرف الإصلاح،“ أو ”الإسلام يفتقر إلى مفهوم الفردية.“ هذه التعبيرات تهدف أساساً إلى استبعاد الأفراد الذين يشتركون في خصائص معينة. نحن إذن أمام عملية إقصاء، والتي، إذا ما تم إضفاء الطابع المؤسسي عليها من خلال العلم والسياسة، باتت جزءاً لا يتجزأ من حوار أوسع نطاقاً.[13] وعند تحليل ما يتم استبعاده من ”الإسلام،“ نجد أنه يتضمن تلك التقاليد الثقافية التي تُعتبر جوهر الحداثة الغربية المعاصرة. وتظهر الحداثة في هذا السياق كمفهوم شامل يُستخدم لتحديد هوية ثقافية تمثل، وفقا لفهم تطور الثقافات، أقصى مراحل التطور.

إن القول بأن ”الإسلام لا يعرف التنوير“ ليس سوى جزء من خطاب راسخ يضع الإسلام خارج إطار الحداثة، وينظر إلى كلا المفهومين على أنهما يمثلان طرفين متقابلين في نظام ثنائي متناقض. وبالتالي، يتم تصوير الإسلام على أنه نقيض للحداثة. غير أننا عند تحليل عبارة ”الإسلام لا يعرف التنوير،“ وفقا للبنية الثلاثية لسميث، سنجد أنها تتضمن الجوانب التالية:

  • العلاقة الوجودية بين المؤمن والله في الإسلام لا تشمل مفهوم التنوير. وهذه مسألة لاهوتية معقدة تتطلب دراسة معمقة، لن نخوض في تفاصيلها هنا.
  • لم يظهر التنوير في الواقع الملموس للعالم الإسلامي. وهذا الطرح يفترض أن العالم   الإسلامي لم يشهد أي تنوير حتى الوقت الحاضر.
  • لا يوجد تصور واضح للتنوير ضمن الرؤية المثالية التاريخية للمجتمع الإسلامي. وتشير هذه النقطة إلى غياب مفهوم فكرة التنوير في الثقافة الإسلامية.

3.        الإسلام لا يعرف التنوير

في محاولة تسويغ فصل الإسلام عن ”التنوير الأوروبي،“ يتم استحضار تصور نمطي قديم للتنوير، على الرغم من أن الأبحاث العلمية والمعارف الحديثة قد تجاوزت هذا التصور منذ زمن بعيد. وعند طرح السؤال: ما هو التنوير؟ نجد أن الإجابة المبسطة هي: التنوير يشمل كل شيء، باستثناء الإسلام.  وبالتالي، يسهم الفهم الجوهري للإسلام بشكل غير مباشر في تعزيز تصور ثابت ومحدود للتنوير، ويعممه على العالم الإسلامي بأسره.

وفي هذا السياق، يُوظَّف الإسلام، بوصفه شيئا مستبعدا، كتعريف سلبي لحالة تُعتبر إيجابية في إطار ’’عملية التطور.‘‘ ومن المفارقات البارزة للنقاش الحالي، تلك النظرة اللاتاريخية (Anachronismus) التي يتبناها ”الغرب“ تجاه ”الإسلام“. فعند تناول مسألة التنوير في العالم الإسلامي، يظهر مجددا ذلك المفهوم القديم للتنوير الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، والذي ترك تأثيره بدءا من برونو باور وصولا إلى فيرنر كراوس، بحيث اتسم هذا المفهوم بطابعه الحماسي وميله إلى التبرير. ويبدو أن بيرند رادتكه، الذي يدعي أنه يسعى إلى ”منع حدوث ضرر أكبر […]،“[14] يكتفي بذكر عبارتين محوريتين شهيرتين لإيمانويل كانط لتفسير معنى التنوير. الأولى هي: ”التنوير هو خروج الإنسان من حالة القصور الذاتي التي تسبب بها لنفسه،“ والثانية: ”تحلَّ بالشجاعة لاستخدام عقلك الخاص.“ بحسب رادتكه، يتجسد التنوير في محورين أساسيين: استقلالية الذات الواعية عن العالم، وإنكار أي بعد أسطوري-لاهوتي للكون.[15] لكن هذا التبسيط يُعدّ مُفرطاً وغير مُبرر. فقد يكون من المقبول في بعض السياقات استخدام مثل هذه التعميمات، إلا أنها غير كافية عند تناول مفهوم جوهري مثل ”التنوير“، حيث يتطلب ذلك من النقاد الإلمام بأحدث المستجدات البحثية والتطورات الفكرية حوله. وإن لم يكن ذلك بالإشارة المباشرة إليها، فعلى الأقل بإظهار وعيهم بها أو أخذها بعين الاعتبار.

إن هذا الاختزال المبرر يثير الاستغراب؛ إذ يبدو أن رادتكه يسعى أيضا إلى تعريف ”الصوفية“ الإسلامية بمعزل عن العقلانية، معتبراً أنها تمثل ”ثقافة ذات أبعاد روحية مختلفة عن تلك التي تقوم عليها العقلانية.“[16]  في هذه الحالة، تكمن المفارقة التاريخية لهذا النقد في الفصل المصطنع بين العقلانية (بوصفها رمزا للتنوير) والثقافة الصوفية. بيد أن الدراسات الحديثة حول التنوير أكدت أن اختزال التنوير في إطار ثقافة العقلانية هو تصور تبريري خاطئ، وأنه يُعد مجرد امتداد للتصور الذاتي للقرن الثامن عشر.[17] وعندما يتعلق الأمر بالعالم الإسلامي، فإن مثل هذه الأحكام القطعية، المشابهة للمبادئ الكانطية، كانت كافية لإجهاض أي محاولة لإحياء التقاليد التنويرية الأصيلة. لكن حتى في السياق الأوروبي[18] نفسه، وكما يعلم كل دارس للفلسفة، فإن حصر التنوير في المبادئ الكانطية يعد أمرا عبثيا. لقد أصبح من المسلم به اليوم أن التنوير لم يكن نتاج فكر فيلسوف واحد أو مجموعة محدودة من المفكرين، بل إنه يضم تحت مسمّاه مزيجاً متنوعاً من التقاليد الاجتماعية والثقافية والفكرية المتعارضة أحياناً، والتي أسهمت معا، من خلال حوار نقدي مستمر، في تشكيل ما يُعرف بـ ”الحركة التحررية.“ ويعكس التنوير، على سبيل الذكر، تداخل تقاليد متنوعة، كتلك المرتبطة بالحركة التَّقَوية والتصوف والعقلانية والتجريبية والبراغماتية والفكر الديني، بحيث لم تعد منفصلة اجتماعياً، بل اندمجت وتفاعلت ببعضها البعض، رغم التناقضات والتأثيرات المحلية السائدة، مما أدى إلى نشوء رؤى جديدة لدى النخب الفكرية.[19] وقد أسهمت هذه الحركة في تأسيس مفاهيم الهوية الوطنية، كما أسهمت في بناء هويات ذات أبعاد عالمية. وبذلك، يتجلى ارتباط مفاهيم التنوير ببعدها الإقليمي بشكل واضح، مما يتيح التمييز بين أنماطه المختلفة، مثل ”التنوير اللاهوتي في ألمانيا،“ و”التنوير السياسي في فرنسا،“ و”التنوير الفلسفي في إنجلترا،“ و”التنوير الصوفي في أوكرانيا“.

§          الاستبعاد الخطابي

إن القول بأن الإسلام لا يعرف التنوير يعتمد على تداخل ثلاث استراتيجيات خطابية تعكس أسلوب التعامل الحالي مع الثقافات الإسلامية: الأسس الجوهرية (الماهوية)، وإقصاء الآخر، والتعريف السلبي للتأكيد الإيجابي على الذات. وما يلفت الانتباه هو قدرة هذه التشكيلة على البقاء والتكيف عبر الزمن. فرغم أنها تعود إلى عصر التاريخ الكلاسيكي، إلا أنها استطاعت تجاوز التحولات الفكرية الكبرى مثل التحول التأويلي في العشرينات، وتأسيس العقلانية النقدية والنزعة الوضعية في العلوم الاجتماعية في الستينات. لقد أصبحت حركة التنوير خطا فاصلاً وثابتا بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، حيث يبدو بوضوح أن الباحثين الغربيين يتخلون عن تصوراتهم الخاصة للتنوير عند الحدود (الجغرافية أو الثقافية) مع العالم الإسلامي. إلا أن نيتشه كان قد أدرك هذا الواقع بالفعل قائلاً: ”الشرق والغرب مجرد خطوط بيضاء نرسمها لأنفسنا لنخدع خوفنا.“[20] لكن ما هي الدوافع الكامنة وراء تجنب ظهور تيار تنويري إسلامي؟ هل يعود ذلك إلى الخوف من فقدان مكانة بارزة في ”التاريخ العالمي،“ كما أشار فيرنر كراوس عام 1955، حيث قال:

”بفضل قدرتها على تحديد مصيرها التاريخي، اكتسبت حركة التنوير صفة فريدة تميزها عن جميع الفترات التاريخية التي سبقتها، وأصبح كل ما حدث قبلها مجرد تمهيد لهذا التاريخ الجديد.“[21]

هل يكمن الدافع إذن في الخوف من مشاركة هذا الحصن الفكري، ألا وهو التنوير، مع ثقافات أخرى؟ أم أن هناك قلقاً من أن تطوير مفهوم جديد للتنوير، يأخذ في اعتباره الثقافات الأخرى بشكل متساوٍ، قد يؤدي إلى تهديد الغرب بفقدان خصوصيته الفريدة؟ أليس هذا ما يثير الشك في أن استبعاد الثقافات الأخرى من مفهوم التنوير يؤدي إلى خلق خطاب حديث متطرف؟ ألا يشير ذلك إلى أن فكرة التنوير، كما رأى الفيلسوفان هوركهايمر وأدورنو، قد فشلت في الوفاء بوعودها بعد الأحداث المأساوية التي شهدها القرن العشرون؟[22] ورغم ذلك، لم تتمكن الانتقادات المعاصرة للحداثة ولا إعادة إحياء نقاش التنوير من تغيير الفكرة الراسخة بأن الإسلام لا يعرف التنوير. وبالتالي، حتى في الوقت الحاضر، حيث يُعاد طرح مسألة قيمة التنوير في الثقافة الحديثة المعاصرة،[23] لا تزال التجربة الإسلامية مستبعدة من هذه النقاشات. وعليه، نجد هنا، وخاصة عند فوكو، حججا كافية لدحض فرضية وجود تنوير إسلامي. أليس هناك خطر حقيقي في أن تؤدي محاولة إعادة بناء التنوير الإسلامي إلى تلك النظرة الشمولية للتاريخ العالمي التي انتقدها فوكو بشدة في كتابه حفريات المعرفة Archéologie du savoir؟ ألم يقدم فوكو وصفاً دقيقاً للتاريخ العالمي باعتباره

”سعياً لاستعادة الشكل الشامل للثقافة، والمبدأ المادي أو الروحي الذي يشكل المجتمع، والمعنى المشترك الذي يربط بين ظواهر حقبة معينة، والقانون الذي يفسر تماسكها، أو ما يُسمى مجازاً ’هوية‘ العصر“؟[24]

 في الواقع، يبدو من هذه النظرة النقدية أن محاولة إعادة بناء ”تنوير إسلامي“ تنطوي على مفارقة تاريخية. فقد حُذّر من إعادة تفسير الحقب التاريخية بشكل جديد. فهل من المنطقي أن نسعى لاكتشاف حقبة تنوير في التاريخ الثقافي الإسلامي في الوقت نفسه التي تم فيه تفكيك مفهوم التنوير في السياق الأوروبي وأصبح مهدداً بالزوال؟[25]

في سياقنا الحالي، تكتسب متابعة النقاش الراهن حول التنوير أهمية بالغة، إذ يمكن من خلاله تجنب العودة إلى تعريفات التنوير التي تفتقر إلى الانسجام التاريخي، وبالتالي الحيلولة دون البحث وراء ”حقائق“ و”أصول“ قد تكون جدواها موضع تشكيك عميق. من هذا المنظور، فإن السعي للعثور على ذات ميتافيزيقية على نمط كانط في إطار إسلامي لا يُعد أمرا مُجدياً، بل ينبغي بدلاً من ذلك فهم التنوير باعتباره ”تعددا لطبقات نظم غير متوافقة زمنياً.“[26] وبناءً عليه، يجب أن يأخذ منهج دراسة العمليات التنويرية في السياق التاريخي الإسلامي بعين الاعتبار الطبيعة الطارئة والمتغيرة لهذه العمليات، وأن يتسع ليشمل العناصر المتناقضة ظاهريا، مع تجاوز النقد السلبي التقليدي القائم على النفي (”لا يوجد…“) والتركيز على البحث عن قواعد الحوار التي تميز كل سياق. إن التنوير الإسلامي ليس مجرد اكتشاف أو تكرار لنماذج مثل ڤولتير أو كانط في السياق الإسلامي، بل يجب أن يُفهم جوهره من خلال إعادة بناء التاريخ الثقافي. وبهذا الشكل، تصبح فرضية التنوير أداة نقدية لاستكشاف ”الجذور“ المتعددة للخطابات التاريخية التي تشكل الحداثة.

إن الإقصاء الشعبي الشائع للثقافات الإسلامية من نطاق ”مجتمع المسؤولية المشتركة للتنوير“ يثير ردود فعل قوية لدى المثقفين المسلمين. فالكثير منهم، حتى أولئك الذين لا يتبنون خطابا إسلاميا صريحاً، يعتبرون أنفسهم جزءاً لا يتجزأ من هذا المجتمع، دون الخوض في الجدل حول من يمتلك الحق في تحديد معايير التنوير. وعند مشاركتهم في نقاش حول الحداثة والإسلام، غالبا ما يُخاطبهم الآخرون على أنهم مسلمون، سواء أبدوا رغبتهم في التصريح عن انتماء شخصي أو إظهار التزامهم العلني بالإسلام. وبمجرد أن تُحدد هويتهم من خلال ”إسلاميتهم“، يصطدمون بتصريحات مثل: ”الإسلام لا يعرف التنوير،“ دون أن تحظى إسهاماتهم في النقاشات النقدية التنويرية بأي اهتمام يُذكر. إذ يتم تفسير ”التنوير الفعلي،“ ”للمثقفين الشرقيين“ المشاركين في الحوار التنويري من خلال منظور استعماري تقليدي على أنها ”هبة من الغرب إلى العالم الإسلامي.“ ألم يكن متوقعا إذن أن يفسر بعض المثقفين من العالم الإسلامي فكرة التنوير على أنها هدية تحمل في طياتها خداعاً؟ ويتفقون بذلك وبشكل غير متوقع مع النقاد الغربيين، مؤكدين بدورهم أنه لا يوجد تاريخ مستقل للتنوير في الثقافة الإسلامي. في المقابل، كان العالم الغربي بحاجة إلى نوع خاص من التنوير لتوجيه النقد للمعتقدات الدينية، باعتبار أن ديانته (أو دياناته) غير مكتملة، وأن النقد التنويري يقتصر فقط على معالجة هذه النقائص. وعلى عكس الغرب، لم يكن المسلمون بحاجة إلى حركة تنويرية مستقلة، لأن الإسلام يشمل كل ما تسعى أفكار التنوير إلى تحقيقه. وهكذا، فإن القول بأن ”الإسلام لا يحتاج إلى تنوير“ وبأنه ”هو نفسه تنوير“ يبدو متناقضا.[27]

§          رسم الحدود الثقافية عبر التنوير

ذهب الفيلسوفان هوركهايمر وأدورنو إلى أبعد من ذلك، حيث اعتبرا أن التنوير ليس محصوراً في القرن الثامن عشر، بل هو صراع مستمر ضد الأساطير بدأ منذ عصر أوديسيوس. إلا أن هذا الصراع تحول في النهاية ليصبح أسطورة جديدة بحد ذاته. وبذلك، أصبح التنوير إمكانية دائمة للتجربة الإنسانية. وإذا صحّ ما ذهب إليه هوركهايمر وأدورنو، فمن الطبيعي أن نسأل: لماذا يُقال إن المسلمين قد امتنعوا عن خوض هذه التجربة الوجودية؟[28] إن إزالة الصبغة التاريخية عن التنوير، كما ورد في كتابات هوركهايمر وأدورنو، فتحت آفاقا جديدة أمام العالم الإسلامي للانفتاح على قيم التنوير. وقد ظهرت محاولات تدريجية لإعادة تقييم الإنجازات الثقافية العظيمة للحضارة الإسلامية في العصور الوسطى، بدءا من وصفها بأنها إنسانية وصولاً إلى وصفها بأنها تنويرية. ولكن هذه المحاولات التفسيرية لم تحقق نجاحاً يُذكر حتى الآن. فبالمقارنة مع عظماء التنوير الأوروبي، أمثال مونتسكيو وروسو وكانط، بدت أعمال المفكرين المسلمين في القرنين الحادي عشر والثاني عشر للميلاد وكأنها إسهامات فكرية ضئيلة.[29] ورغم كل الجهود المبذولة، لم تكن كتابات التوحيدي والماوردي ومسكويه وابن رشد كافية لتأسيس تيار فكري يمكن مقارنته بالتنوير الأوروبي. وحتى الادعاء بأن الإسلام أسهم في وضع الأسس الفلسفية التي مهدت للتنوير الأوروبي، يبدو، في ضوء النقاشات الراهنة، وكأنه محاولة لإرضاء الذات بحجج غير مقنعة. فالنزعة الأبوية الغربية التي تم التطرق إليها هنا تفرض هيمنتها، مانعة أي حوار متكافئ حول أهمية الحداثة. مما يثير التساؤل عما إذا كان من حق شعوب العالم الإسلامي أن تشارك بفاعلية في النقاشات الحالية، استناداً إلى تراثهم الثقافي الغني، وقدرتهم على فهم وإعادة تشكيل مفهوم الحداثة. السؤال المطروح هنا هو: هل توجد في العالم الإسلامي تقاليد ثقافية موازية لتلك التي شكلت هوية الحداثة في الغرب، والتي ساعدت في ترسيخ الصورة الذاتية للحداثة؟ بعبارة أخرى، هل كانت هناك حركة تنويرية إسلامية ضمن سياق الحداثة الإسلامية؟[30]

لا يوجد نور خالص، فكل نور يحتوي على جزء من الظلام، ولا يمكن للتنوير أن يتحقق بمعزل عن الجهل. من هذا المنطلق، يمكن القول إن التنوير هو في جوهره عملية ”ترسيم للحدود،“ حيث أن غياب هذه الحدود يمنع تحقق الوعي التنويري الفعلي. في القرن الثامن عشر، امتدت هذه الحدود الفاصلة في أعماق المجتمعات الأوروبية، حيث كان هناك حكام وملوك منفتحون على التنوير، بينما استمر النظام القديم في التمسك بالفكر الظلامي. وقد ظهر هذا التناقض بوضوح حتى في داخل المجتمعات نفسها، إذ كان هناك مؤيدون للأفكار الجديدة وآخرون يعارضونها بشدة. وفي القرن التاسع عشر، توسعت مفاهيم الحدود بشكل ملحوظ، حيث بدأت كحدود اجتماعية ثم تطورت لتصبح جغرافية، لتتحول في نهاية المطاف إلى حدود حضارية. في القرن العشرين، رسخ التنوير مكانته بوصفه ظاهرة أوروبية نموذجية،[31] ولم يُعترف بإسهام اليهود في حركة التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر، إلا بعد الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها، بحيث كانوا يصنفون على أنهم خارج نطاق الفكر التنويري.[32]

سادت أفكار التنوير فجأة في كافة أرجاء القارة الأوروبية، بينما غرق العالم الإسلامي في ظلام متزايد.[33] وعلى الرغم من هذا التباين الواضح، ظهرت بلا شك مناطق حدودية جديدة بين أوروبا المستنيرة والعالم الإسلامي المظلم، شهدت تداخلا ثقافيا. ولتتناسب هذه الرؤية مع التصور القاري لأوروبا اليوم، كان لا بد من البحث عن بوادر للتنوير في رومانيا واليونان، رغم أنهما كانتا جزءا من الإمبراطورية العثمانية في القرن الثامن عشر. بل إن علماء روس اكتشفوا حركة تنويرية في تتارستان، سعياً منهم لتأكيد انتماء هذه المنطقة إلى العالم الأوروبي وليس الإسلامي. وهكذا، شهد العالم الإسلامي اختراقا تنويريا عميقا، بحيث لم تعد الحدود بين التنوير والظلامية تقتصر على الاعتبارات السياسية، بل أصبحت تستند إلى أسس ثقافية، مما أسفر عن تمييز واضح بين التنوير والإسلام.

ولتفسير سبب تأخر العالم الإسلامي عن تحقيق التنوير، اعتمد المفكرون التنويريون على مفهوم تاريخي قديم يعود إلى عصر التنوير للتمييز بين عصرهم والعصور السابقة. ويُعرف هذا المفهوم بـ ”الانهيار“، الذي تمت ترجمته إلى العربية في القرن التاسع عشر بمصطلح ”انحطاط“. وما زال هذا المصطلح حتى اليوم يُعتبر نقطة انطلاق لفهم الثقافة الإسلامية المعاصرة، بحيث يستخدم لتفسير سبب غياب أي ”تقدم“، على الرغم من غنى التراث الإسلامي، الذي لا يمكن إنكاره فيما يسمى بالعصر الإسلامي الوسيط. في القرن التاسع عشر، كان مجرد الإشارة إلى ”الانهيار“، الذي يرتبط دائما بالحكم العثماني، كافيا لتقديم تفسير مقبول، إذ لم تكن هناك حاجة لإظهار دليل ملموس على هذا الانهيار.[34] كان من المفترض أن يتم هذا الأمر في إطار نقاشات التحديث في خمسينات القرن التاسع عشر، حيث بدأت جهود البحث عن حجج تؤكد هذا الانحطاط المزعوم.[35] ونتيجة لذلك، تم ترسيخ حواجز معرفية ثابتة أعاقت دراسة التاريخ الثقافي الإسلامي في العصر الحديث قبل الاستعمار.

إن هذه الدراسة الاستقصائية تفتح المجال لتساؤل جوهري حول إمكانية وصف وفهم التاريخ الثقافي الإسلامي في العصر الحديث بمعزل عن هذه المعايير القيمية. إلا أننا نواجه عائقاً بالغ الصعوبة عندما نحاول الوصول إلى منظور محايد. ذلك أننا نجد فجوة كبيرة في كتابات المؤرخين المسلمين الذين أسهموا في تفسير وتقييم هذه الأفكار. في المقابل، عند مراجعة كتابات التاريخ الثقافي الأوروبي، نجد أن التاريخانية لعبت دوراً في تحديد العصور التاريخية وصنعت منها حقبا بارزة مثل عصر النهضة[36] وعصر التنوير، مما أكسبها هوية خاصة وجعلها متداولة ومألوفة في حياتنا اليومية. لا شك أن كانط هو من صاغ مفهوم ”التنوير“ بشكل منهجي، عندما طرحت مجلة ’’برلين الشهرية‘‘Berlinische” Monatsschrift“ سؤالها في عام 1784/1785 ”ما هو التنوير؟“. ومع ذلك، لم يكن هذا المفهوم حينها مصطلحا تاريخيا، بل كان مجرد شعار لحركة فكرية أو فلسفة معينة.[37] ولم تكتسب حركة التنوير أهميتها، متجاوزة حدود الفلسفة، إلا بفضل جهود المؤرخين في القرن التاسع عشر.

على الرغم من وجود بعض المقاربات التاريخية في الكتابات التأريخية باللغات الشرقية في القرن التاسع عشر، إلا أن غالبية التفسيرات التاريخية للعصر الحديث كانت تركز بشكل أساسي على العالم الأوروبي. فعند الحديث عن ”التنوير“، كان الكتاب العثمانيون أو العرب في القرن التاسع عشر يقصدون به دائما عصر مفكري أوروبا مثل مونتسكيو وڤولتير وروسو.[38] ولم يتم ربط التقاليد الثقافية ”الخاصة“ بهذه المفاهيم التاريخية إلا في أواخر القرن التاسع عشر، ولن نتطرق إلى تفاصيل أسباب ذلك هنا.[39]

الحقيقة أننا نفتقر إلى معرفة دقيقة بتاريخ تلقي الثقافة الإسلامية في العصر الحديث، مما يجعل البحث في هذا المجال في غاية الصعوبة. فلا يمكننا الاعتماد على المفاهيم التقليدية التي استخدمتها الدراسات التاريخية عبر العصور، والتي دارت حولها النقاشات العلمية. وهذا يؤدي بدوره إلى وضع معقد، إذ نجد أنفسنا مضطرين، في كل دراسة تاريخية تتعلق بالثقافة الإسلامية في العصر الحديث ما قبل الاستعمار، إلى الانطلاق من تصورات ومفاهيم أوروبية، وذلك ببساطة لأنه لا توجد تقاليد تاريخية محلية معترف بها تتناول هذا الموضوع.

§          الميثودولوجيا والفيلولوجيا

يبرز بيرند رادتكه، في ملاحظته النقدية، أهمية ”الفيلولوجيا التقليدية“[40] باعتبارها ”الركيزة الأساسية“ لتفسير النصوص.[41] ومع ذلك، يشير إلى أنه رغم أهميتها في إعادة بناء تقاليد المعرفة، إلا أنها ليست الوسيلة الوحيدة لفهم النصوص وتفسيرها.[42] كما يلفت رادتكه الانتباه إلى أن الجدل حول التنوير الإسلامي يتجاوز مجرد الاختلاف في تفسير تاريخ الثقافة الإسلامية، بل يعكس بوضوح تجديداً للخلاف التقليدي بين الفيلولوجيا والعلوم التاريخية النظرية، ويطرح تساؤلا هامّا حول الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الفيلولوجيا في مجال الدراسات الإسلامية.[43]

من الواضح أن دراسات الإسلام تتأخر مرة أخرى عن النقاشات العلمية العامة، ولكن من غير الممكن الخوض في تفاصيل هذا الخلاف وتحديد مواقفه. يمكننا القول باختصار، على الرغم من التبسيط اللازم: الفيلولوجيا، كما يرى بيرند رادتكه، وهو محق في ذلك، ليست سوى وسيلة أو علم مساعد، وليست قادرة على الإجابة عن الأسئلة التاريخية والاجتماعية أو معالجة النظريات المرتبطة بها. صحيح أن الفيلولوجيا تستطيع إعادة بناء النص الأصلي لأفكار المفكرين المسلمين، إلا أنها تخفق في تفسير هذه الأفكار ضمن سياقاتها.[44] وقد أشار نيلس إريك إنكفيست، في عام 1965، إلى أن الفيلولوجيا أصبحت تمثل عنصراً من بين ثلاثة عناصر تساعد في تفسير النصوص، إلى جانب النقد الأدبي الذي يدرس السياقات الجمالية والتاريخية والاجتماعية، واللغويات الوصفية. وتم تخصيص النقد النصي والأسلوبي للفيلولوجيا بوصفه مهمة محددة.[45] وهذا يشير إلى أن النزعة التجريبية الصارمة، وما صاحبها من حرص تجاه القضايا النظرية، التي تميز بها علماء الفيلولوجيا الكبار مثل ايرنست روبيرت كورتيوس وإريك أورباخ، قد وجدت مكاناً لها في منهجية العلوم. ولم يلقَ دفاع إنكفيست عن الفيلولوجيا استحسانا كبيرا، خاصة في فرنسا والمناطق الأنجلوساكسونية، حيث كان يُنظر إلى الفيلولوجيا على أنها إشكالية خاصة بالألمان، كما أشار بول زومتور.

يمكننا الآن أن نتفق مع التعريف المعتدل الذي قدمه إنكفيست حول الفيلولوجيا؛ إذ من الصحيح بلا شك تخصيص مجال علمي خاص للنقد النصي والأسلوبي. يتطلب الأمر قراءة دقيقة وتحليلاً معمقاً للنصوص الإسلامية في القرن الثامن عشر من المنظور الفيلولوجي. ومع ذلك، فإن هذه الدراسة لن تؤدي إلى إثبات أو دحض فرضية التنوير، لأن التنوير، كما هو معروف، ليس مسألة لغوية بحتة بل مسألة تاريخية ثقافية، ولا يمكن فهمه إلا في سياقه الثقافي الخاص. كل محاولة لإعادة بناء فكري أو نصي استناداً إلى الأسس الفيلولوجية (دراسة النصوص واللغة)، إذا كانت مستقلة، ستظل محصورة في وصف كيفية اعتماد المفكر أو المؤلف على الآخرين. ونجد، على سبيل المثال، أن أحمد بن إدريس،[46] الذي يتم انتقاده غالبا باعتباره صوفياً معاصراً، كان ”متأثرا“ في تفكيره بالموروثات الصوفية التقليدية. إن الكشف عن ”التأثيرات“ من خلال تحديد ”المصادر“ و”الأصول“ هو بلا شك أحد الأهداف الرئيسة للعمل الفيلولوجي. يميل علم الفيلولوجيا إلى النظر إلى موضوعاته من منظور تاريخي زمني متسلسل، وربما لا يحقق غايته إلا عند الوصول إلى أقدم المصادر التي يرى أنها قطعية وغير قابلة للتشكيك أو التفسير الإضافي. في المقابل، فإن الاتجاه البحثي الذي يركز على العودة إلى الماضي قد يتصادم مع منهج آخر يسعى لتوسيع التفسيرات من خلال التركيز على الأحداث في سياقها الحالي وربطها بالظروف المحيطة بها.[47] ومن يدري، ربما يؤدي التحليل الفيلولوجي ”التقليدي“ لأعمال ڤولتير، وروسو وغيرهم من ”مفكري عصر التنوير“ إلى إعادة تقييم التنوير الأوروبي.

ينتقد رادتكه في مقاله منهجا آخر يُطلق عليه ”الإسقاط“، معترفا بصعوبة تحديد معالم هذا المفهوم.[48] عندما صاغ سيگموند فرويد هذا المصطلح سنة 1895، كان يقصد به آلية دفاعية نفسية محددة للغاية، يتم من خلالها ―دون وعي― إسناد ”الأخطاء“ والرغبات وغيرها من الصفات الشخصية غير المرغوبة إلى أشخاص آخرين أو مواقف أو أشياء، وذلك بهدف تقليل الشعور بالخوف.[49] ومع ذلك، لسنا هنا بصدد مناقشة مدى جدوى هذا المفهوم النفسي لسياقنا الحالي. فقد أدى الاستخدام المفرط لهذا المصطلح إلى إضعاف دلالته بشكل ملحوظ، مما يجعلني أستبعد أن يكون رادتكه قد قصد توجيه الاتهام لي بهذه الآلية الدفاعية.

يسعى رادتكه من خلال مصطلح ”الإسقاط“ إلى تفادي المقارنات التي تتجاهل السياق التاريخي. وهذا الاعتراض له ما يبرره، إذ توجد بالفعل العديد من الأمثلة التي أخفقت فيها التفسيرات بسبب إسقاطات لا تراعي البعد التاريخي. يكفي أن نذكر، على سبيل المثال، التأويلات المتعلقة بالتاريخ الإسلامي المبكر، حيث أفضت هذه الإسقاطات إلى استنتاجات متسرعة وغير دقيقة. ولكن في سياق العصر الحديث ما قبل الاستعمار، يمكننا التساؤل عما إذا كانت المقارنات القائمة على تشابهات بنيوية لا تزال تُصنَّف ضمن الإسقاطات. فوفقاً لأحدث الدراسات حول التاريخ الحديث المبكر، يمكننا، مع توخي الحذر اللازم، الحديث عن ”عولمة التاريخ“ والنظر إلى العصر الحديث باعتباره ”زمانا مكانيا،“ تتداخل فيه التواريخ الإقليمية والمحلية ضمن إطار موحد. ومن ثم فإن التوسع الأوروبي كان من الممكن أن يؤدي أيضا إلى توسيع نطاق التاريخ، مما جعل المجتمعات المتأثرة به تحمل سمات هذا التاريخ المعولم.[50] ولا يمكن فهم هذه المقارنة إلا في ضوء هذه الفرضية، إذ أسهم هذا التوسع التاريخي في خلق أبعاد تاريخية جديدة، تم تنظيمها وفق الهيكل الاجتماعي الجديد الناتج عن التحولات العميقة في المجتمعات. إضافة إلى ذلك، ظلت الفضاءات التاريخية الإقليمية والمحلية أشبه بجزر معزولة إلى حد ما ضمن سياق العولمة التاريخية. وعلى الرغم من استمرار تواصل المجتمعات التي شهدت العولمة في تاريخها الحديث مع هذه الفضاءات، إلا أنها لم تعد تمثل المحور الأساسي. وهذا يوضح أن العصر الحديث لا يمكن اختزاله في كونه حقبة زمنية فحسب، بل يتحدد من خلال التاريخ ذاته. لم يكن تاريخ العالم الإسلامي بمنأى عن التحولات الجذرية التي شهدها العصر الحديث ما قبل الاستعمار، وهو ما ندركه بشكل بديهي عند الحديث عن الثقافات الإسلامية في تلك الفترة.

أما فيما يتعلق بالإسقاطات، وفقاً لرؤية رادتكه، فهي تثير إشكالية خاصة عندما تتجاوز نقاط القطيعة الزمنية، لكنها قد تحمل دلالة منطقية إذا التزمت بسياق تاريخي وزمني محدد. ورغم ذلك، لا ينبغي فهم هذه الإسقاطات على أنها مجرد إسقاط مباشر لمفهوم حديث على الماضي، بل يجب النظر إليها باعتبارها تشبيهات مدروسة بعناية، تتطلب تبريراً دقيقاً لكل حالة على حدة.[51]

تستند نظرية ”التنوير الإسلامي“ إلى فرضية أن التاريخ (أو الأحداث التاريخية) قد شهد عولمة منذ القرن السادس عشر، مما أدى إلى بروز تشابهات هيكلية تتيح نقل المفاهيم وترجمتها في سياقات محددة وواضحة.

§          التقاليد الإسلامية في العصر الحديث

بناءً على الحجج التي تم تقديمها حتى الآن، يبدو منطقيا طرح فرضيات حول وجود تنوير إسلامي. وهذا يشير إلى أن فكرة ”التنوير الإسلامي“ المقترحة لا تعدو أن تكون إطاراً لتفسير وتحليل الكتابات العربية أو الفارسية أو العثمانية في العصر الحديث ما قبل الاستعمار من منظور سياقي. يُعتبر مفهوم ”التنوير الإسلامي“ اختصاراً لمفهوم أوسع، حيث من غير الممكن في الوقت الحالي تحديده على أنه ”إسلامي“، نظرا للتنوع الكبير في الثقافات الإسلامية الذي يمنع ذلك. وبالتالي، لا يمكن مقارنة ”التنوير الإسلامي“ بـ ”التنوير اليهودي“ من حيث المعنى. ومن المحتمل جدا أن تكشف الأبحاث المستقبلية أن تقاليد التنوير في العالم الإسلامي قد أسهمت في توحيد مفهوم الإسلام بشكل عابر للحدود، مما أدى في القرن التاسع عشر إلى ما وَصَفَهُ سميث بـ” تشيئ الإسلام.“ وبهذا، يمكننا القول إننا أمام تنوير إسلامي، كان له تأثير عالمي وإقليمي في الوقت نفسه، ولكن من السابق لأوانه الحكم على ذلك بشكل قاطع. ومن هنا، يجب أن نفهم ”التنوير الإسلامي“ في هذه المرحلة على أنه ”تنوير في الثقافات الإسلامية في العصر الحديث ما قبل الاستعمار،“  مما يتيح لنا البدء في البحث أولاً عن تقاليد تنويرية إقليمية، مثل التنوير في الدولة العثمانية، وبلاد فارس، والهند، وسوريا، ومصر، وغيرها. إن محاولة عولمة هذه التقاليد لتصبح تنويراً إسلامياً شاملاً سيكون بلا شك متناقضا، شأنه في ذلك شأن مفهوم التنوير الأوروبي.

تواجه دراسة هذه التقاليد التنويرية تحديات كبيرة، نظراً لانقطاع سبل تلقيها بالفعل في القرن التاسع عشر، كما ذُكر سابقا. ونتيجة لذلك، لا نمتلك أي منظومة مفاهيمية تقليدية أو ”محلية أصيلة“ يمكن من خلالها استيعاب هذا النوع من التنوير. وبذلك لا يسعنا سوى الاعتماد على منطقية النقد، والتعامل بحذر مع المفاهيم التي أتاحها لنا تلقي التنوير الأوروبي. إن إضفاء الطابع المنطقي على مفهوم التنوير الإسلامي في القرن السابع عشر، ولا سيما في القرن الثامن عشر، يرتكز على تقنية تفسير دقيقة للغاية، تتجسد في أسلوبين رئيسيين: إجراء المقارنات لإثبات النشأة الداخلية، والتعميم لإثبات النشأة الخارجية للتنوير. أود أن أستعرض بعض الأمثلة لهاتين الطريقتين، إذ تتيحان لنا إمكانية تتبع مسارات التقليد التي أدت، من خلال تشكيلها واندماجها في الخطاب، إلى ما يُعرف اصطلاحا بالتنوير. حتى الآن، لا يوجد أي دليل تاريخي كافٍ يُثبت وجود حركة تنويرية في العالم الإسلامي، ولن يتحقق ذلك إلا عبر دراسة بحثية معمقة في مجال الدراسات الإسلامية. فإحياء حركة التنوير الإسلامي يتطلب قراءة فيلولوجية دقيقة، تتضمن فرزاً شاملاً لمجموعة كبيرة من النصوص وتحليلها بشكل معمق، مع إعادة بناء سياقاتها المتعددة والمتداخلة وربطها بالأحداث الاجتماعية التاريخية. وهذا لا يعني أنني أعتبر التنوير الإسلامي مجرد فكرة غير واقعية.

§          النشأة الداخلية

تفترض النشأة الداخلية للتنوير الإسلامي وجود نقد تنويري جوهري من قبل المفكرين المسلمين لبنية الثقافات الإسلامية. إلا أنه يصعب العثور على هذا النقد وفقا للمنهجيات البحثية التقليدية، حيث نميل غالباً إلى دحض مشروعيته استناداً إلى المراجع التاريخية (مثل: ”يزعم فلان بن فلان في العصور الوسطى.“) وهذا ما حدث بالضبط عندما حاولت ―ربما بتسرعٍ― أن أبحث عن فكرة تنويرية[52] في كتاب أحمد الدردير تحفة الإخوان.

لتحقيق إعادة بناء صحيحة للسياق النقدي، يجب قراءة أعمال مؤلفين مثل الدردير في إطار العصر الذي عاشوا فيه، بدلا من اعتبارها أعمالا مستقلة. مع ذلك، يبقى هذا السياق، في ظل الوضع البحثي الحالي، خاضعا للتكهنات فقط. ذلك لأننا نفتقر إلى دراسات بيوگرافية وافية عن المفكرين المسلمين، والتي قد تساعد في توضيح هذه المسألة، مما يجعلنا أمام عقبة يصعب تجاوزها. قد يؤدي ذلك إلى بناء روابط متزامنة بشكل متسرع قد يتبين لاحقا أنها غير دقيقة. وعلى الرغم من ذلك، يجب أن لا يدفعنا هذا الإشكال إلى تجريد النصوص من خصوصيتها الزمنية، والنظر إلى أصحابها على أنهم مجرد ”ناقلين“ لتقاليد بالية.[53]

يدعو البعض إلى دراسة نشأة ”التنوير الإسلامي“ المفترض من خلال مقارنة بنيته بحركات تنويرية أخرى. وبالنظر إلى آراء بعض مفكري عصر التنوير حول الثقافة الإسلامية، نجد أنهم لم يركزوا كثيراً على فكرة تفوق الغرب أو عزلة الشرق. وقد تم تناول هذا الموضوع بشكل واسع، ولا حاجة لإعادة شرح الأسباب التي دفعت مفكري تلك العصور إلى الاهتمام بالثقافة الشرقية.[54]

وتجدر الإشارة مجدداً إلى أن تلقي الثقافات الشرقية كان يهدف دائماً إلى خلق مرآة يعكس بها المجتمع الغربي نفسه، مما يسمح له بانتقاد أوضاعه وتقييمها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل اكتشف مفكرو عصر التنوير خلال القرن الثامن عشر أفكاراً تنويرية في الثقافة الإسلامية أو في تقاليد إسلامية معينة؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فهذا يعني أنه حتى في عصر التنوير، كانت هناك قناعة بأن الوعي بالتنوير لم يتوقف عند الحدود الثقافية، وأن ”التنوير“ يمكن أن يتواصل بفعالية مع التقاليد الإسلامية.

توجد مجموعة متنوعة من الكتابات التنويرية التي تناولت الإسلام بشكل صريح، وغالباً ما تتسم هذه الكتابات بطابع عام للغاية، حيث لا تحدد ما إذا كانت هناك تقاليد إسلامية معينة تتوافق مع القيم الأساسية للتنوير. لكن عملا واحدا برز بشكل لافت، نُشر في عام 1790 في مكان يُدعى راتيوبوليس تحت اسم مؤلف مجهول، وحمل عنواناً طويلاً:

هل الدين المحمدي في حد ذاته سيئ ومدان؟ هل له أوجه تشابه مع الدين المسيحي؟ هل يستحق أن يحتل المرتبة الأولى بعد المسيحية؟

كما كان شائعا في الكتابات التنويرية، استُخدمت المسميات الدينية لتحديد المواقف الفكرية. فعندما يتحدث المؤلف المجهول هنا عن المسيحية، فإنه يقصد ما سيُطلق عليه الفلاسفة لاحقا التنوير (اللاهوتي). هذا النص، الذي نُشر على الأرجح في جنيف، يعترف بتقاليد إسلامية معينة على أنها مساوية تماما للأفكار التنويرية المسيحية. ويتعلق الأمر تحديدا بتلك التقاليد الإسلامية الصوفية التَّقوية[55] التي أسس لها الواعظ والفقيه العثماني محمد بن بير علي البركوي (ت. 981هـ/1573م)، والتي استمرت حتى القرن التاسع عشر لتشكل الثقافة الدينية السائدة بين النخب في الدولة العثمانية.

ألف البركوي مجموعة من الكتابات التي تمزج بين التقاليد الأخلاقية، والعقلانية، والروحية، وتعد الطريقة المحمدية من أبرز وأشهر هذه الأعمال. أما مؤلفنا المجهول، فقد اختار نسخة مختصرة باللغة التركية من كتابات البركوي، وهي رسالة البركوي.[56] وتحتوي هذه الرسالة على مجموعة من الأقوال العقائدية للعلامة نجم الدين عمر النسفي، الذي استند في آرائه إلى كل من أبي حنيفة، ومحمد أبي منصور الماتريدي، والأشعري. استشهد المؤلف المجهول بالشرح الشهير لكتاب النسفي للعلامة سعد الدين التفتازاني، الذي أضاف إلى عقائد النسفي إشارات من السنة النبوية والقرآن الكريم. قام البركوي بإعادة جمع وتنظيم هذه الأقوال، مما جعل الرسالة بمثابة تلخيص لتقليد لاهوتي معقد إلى حد كبير. وقد وجد المؤلف المجهول متعة خاصة في مدخل البركوي للعلوم، حيث اعتمد على ”العقل والحقيقة والنزاهة“ بوصفها منهجا أساسيا في هذا الكتاب، مستشهدا بالبركوي الذي قال: ”إن نور العقل هو قوة في النفس، به يتمكن الإنسان من إدراك العلاقات وجوهر الأشياء.“[57] وبتأكيده على ضرورة مكافحة تحريف التقاليد القديمة، يشير المؤلف المجهول إلى قول البركوي بأن ”التقاليد المتواترة أو الصحيحة“ (بعد دراسة سلسلة الرواة) ”موثوقة بنفس القدر“ مثلما يقره العقل.

هنا يحدد المؤلف المجهول النقطة المحورية التي شكلت منطلقاً لفكره التنويري: ”نور العقل في مواجهة ظلام التقليد.“ كما يورد المؤلف المجهول اقتباسا عن البركوي يفيد بأن العقل والتقاليد الإنسانية يؤديان إلى حقيقة طبيعية، بينما تقود التعاليم النبوية إلى ”حقيقة دينية خالصة أو سماوية.“[58] يبدو أن كتابات البركوي قد أكدت البرنامج الشعبوي للتنوير اللاهوتي السائد في البلدان الناطقة باللغة الألمانية. وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار الخلفية الكالفينية لكتابات المؤلف المجهول، الذي يرى في هجوم البركوي على المسيحية ما يعادل في شدته انتقادات الكالفينية لــ ”عبادة التماثيل، وتقديس القديسين، والانحطاط الأخلاقي“.

إذا ما اعتبر أحد معاصري عصر التنوير أن البركوي شخصية تنويرية مكافئة، فمن الجدير التساؤل عن كيفية إقامة علاقة مشتركة بين تيار إسلامي محدد (كما وصفه الكاتب المجهول بالإسلام) وتيار تنويري معين (كما وصفه الكاتب المجهول بالمسيحية)، وكيفية التواصل بينهما. هل يمكن القول إن هناك تشابهاً في أهداف النقد بين هذين التيارين؟

من الجدير بالذكر أن هناك قلة في الكتابات المتاحة في مجال الدراسات الإسلامية حول البركوي، رغم كونه من أكثر الوعاظ والعلماء الأتراك قراءة.[59] يبدو أن البركوي يمثل أحد الاتجاهات البارزة في النقد اللاهوتي، الذي كان من المفترض أن يقود إلى رفض قوي للتقاليد.[60] كما أنه يحظى بأهمية كبيرة بفضل خلفيته الروحية، إذ إن دعوته إلى ”إيمان حي وكمال المؤمنين“ لا تلتزم بخطاب اللاهوت الجدلي، أي الكلام، بل لعلها تستند (كما ستكشف الدراسات المستقبلية حول البركوي) إلى تجربة ذاتية راديكالية، حيث تتصادم الحياة، والروح، والقوة مع التعلم، والوظيفة، والمظاهر. كل هذا يذكر بمؤسس الحركة الصوفية التَّقوية فيليب جاكوب سبينير، وكتابه الذي نُشر سنة 1675 تحت عنوان: Desideria.[61]

إن التصوف الإسلامي المعاصر، الذي يحتاج إلى تحديد أكثر دقة، لا يمثل مجرد امتداد لـ ”تصورات الإصلاح في العصور الوسطى،“ بل قد يشكل مسارا تقليديا هاماً يسهم في بناء وعي تنويري. لقد تمت دراسة العلاقة الوثيقة بين التَّقَوية والتنوير بشكل مستفيض،[62] مع التأكيد على التأثير البارز الذي لعبته البيئة الأسرية التَّقَوية في نشأة كانط وتشكيل فلسفته.

كان من الأجدر تتبع مسار آراء ومعتقدات البركوي حتى القرن التاسع عشر، ودراسة التشكيل الخطابي الذي أسهم في بلورة فكر ”البركوية“. هذا التكوين الخطابي، الذي لا نعرف عنه سوى شذرات، والذي يمكننا أن نطلق عليه فرضية ”التنوير“، لم يكن يستند إلى تيار تقليدي واحد أو مجال علمي محدد، بل كان مبنيا على نظام معقد يضم تقاليد ومؤسسات وقواعد متفاعلة فيما بينها، تتداخل أحياناً وتتناقض أحياناً أخرى. من خلال دراسة حياة البركوي، يتضح لنا مدى ارتباط نظريته اللاهوتية بالتعليم الصوفي.[63]

تمثل العلاقة بين التصوف والتَّقَوية في العصر الإسلامي الحديث ما قبل الاستعمار محوراً بحثياً هاما لإعادة بناء الوعي التنويري في تاريخ الثقافة الإسلامية. ويُعتبر ابن عربي من أبرز أعلام التصوف الذين لاقت أعمالهم انتشاراً واسعاً في تلك الفترة؛[64] وهو ما تثبته وفرة المخطوطات المنسوخة لأعماله بين عامي 1500 و1800، فضلاً عن التعليقات التي تركها القراء على هذه المخطوطات، والشروحات والدراسات التفصيلية التي تناولت كتبه الأساسية. ورغم الأهمية التي يحظى بها ابن عربي، إلا أن معرفتنا بكيفية تلقي أفكاره في القرن الثامن عشر تظل محدودة، لا سيما فيما يتعلق بالسياق والمعنى الذي قُرئت فيه أعماله. من جهة أخرى، يتبين أن أعمال ابن عربي لم تُقرأ في إطار محاولة تأسيس جماعة صوفية جديدة، بل كانت تهدف إلى تأكيد هوية فردية ذاتية بحتة، كما يظهر من خلال تلقي الصوفي الدمشقي عبد الغني النابلسي لأعماله. هذا الأخير الذي حظيت مؤلفاته الأربعة عن الرحلات بقدر من الاهتمام في مجال الدراسات الشرقية، جسّد هذه الذاتية في العديد من القصائد، ونورد هنا اقتباساً من إحداها:

أنا حارت بي الألبـا    

أنا الشامي أنا الهندي   

ب لا يدرون ما أصلي

أنا الرومي أنا الصقـلي[65]

تُظهر هذه النظرة إلى الذات تبايناً ملحوظاً مع الفكرة السائدة في التصوف الكلاسيكي، التي تقلل من قيمة الذات الإنسانية. فمجرد إلقاء نظرة أولية على قصائد النابلسي ومعاصريه، يتبين أنهم تبنوا نوعا من الدفاع عن الذات تجاوز بكثير الإجماع السائد بين ”المتصوفة الكلاسيكيين.“[66] فهل يمكن أن يكون هنا تلميح إلى أصل ”الذات الميتافيزيقية“ التي غالبا ما تُعتبر جوهر عصر التنوير؟ وهل تتعلق هذه الذات بتلك التي تم تشكيلها بالفعل من خلال الرؤية الروحية للحركة التقوية؟ هل يمكن أن تكون ―في هذا السياق تحديدا― ”السر الخفي الذي كان يراد اكتشافه؟“ وهل كان هذا هو السبب وراء الاهتمام الكبير بابن عربي، لأنه أكد فكرة البحث عن الذات؟

يَظهرُ عند النابلسي امتزاجٌ فريد بين التجارب الصوفية الوحدوية، التي تؤمن بوحدة الوجود، وبين الرؤى النقدية العقلانية. ويتجلى هذا التمازج بوضوح في دفاعه الحازم عن الموسيقى، التي خصص لها كتاباً كاملاً. وقد سخر النابلسي من تشدد بعض علماء دمشق، الذين فسروا حديثاً نبوياً شهيراً عن الموسيقى بشكل يتعارض مع العقل والفطرة البشرية.[67] فهو يرى أن الموسيقى جزء لا يتجزأ من طبيعة الإنسان، مثلما يُعد تغريد البلبل جزءاً من طبيعته.[68] وبعد أن انتقد النابلسي الاستدلالات الشرعية المتشددة التي تبناها هؤلاء العلماء، تناول مسألة الموسيقى من منظور منطقي وعقلاني يستند إلى الطبيعة الإنسانية، جامعاً بين التقاليد الفكرية الدينية والفلسفة الطبيعية.

بالرغم من أن النابلسي يظهر هنا بوصفه ناقدا عقلانيا ويدعو بقوة إلى مسؤولية العلماء تجاه المجتمع، إلا أن معظم أعماله كانت تركز على التصوف المبني على وحدة الوجود. كان هدفه المستمر هو تبسيط مفاهيم التصوف ودمجها في الحياة اليومية، كما اعتبر الموسيقى جزءا أصيلا من الطبيعة الإنسانية، ورأى في الحب الصوفي جوهرا أساسيا في الحياة الروحية، وكتب في هذا الصدد:

”وقد كثر الازدراء والاستنقاص والاستخفاف بوصف المحبة للمحبوب على الوصف الذي ذكرناه وغيره مطلقاً كيفما كان من كثير من أهل بلادنا دمشق الشام، حتى صاروا يعدّون ذلك عيبًا وعارًا وقلة حياء وقلة مروءة، جازمين بحرمته بلا شبهة عندهم في ذلك من علمائهم وفقهائهم وصوفيتهم، وعوامهم ويستهزؤون بمن يتصف بذلك مطلقاً كائناً من كان.“[69]

ويتابع النابلسي نقده لهذه العادة السيئة التي تمنع التعبير العلني عن الحب.

يمكن إذن فهم النشوء الداخلي للتنوير الإسلامي من خلال مقارنة بنيوية مدروسة. لا يتعلق الأمر بمصدر الأفكار التنويرية المحتملة لدى المفكرين الإسلاميين، بل بوجود سياق هيكلي مشابه لتلك الأفكار. يمكننا افتراض أن تعاليم البركوي تشبه التقاليد التَّقوية. بهذه الطريقة، يمكننا بناء الأساس اللازم لتشكيل تقاليد التنوير الإسلامي. فإذا اعتبرنا التقاليد التَّقوية بوصفها أحد الاتجاهات التنويرية الهامة في تاريخ الثقافة الأوروبية، فيمكننا محاولة نقل هذه البنية إلى التاريخ الثقافي الإسلامي. وينطبق الأمر نفسه على التصوف والعاطفية في فكر النابلسي.[70] وبالتالي، يصبح من الممكن فهم الوظائف الخاصة للتقاليد الإسلامية. الجدير بالذكر أن غياب الرسم[71] أسهم في تعزيز التركيز على الأدب الشعري، مما سمح باستخدام التشابهات الهيكلية لإجراء مقارنة بين الشعر والرسم.

تثير الدراسات اللغوية الشرقية تساؤلاً جوهريا هو: من أين نشأت التقاليد العريقة؟ من السهل ربط أقوال القرن الثامن عشر بسياقات نصية سابقة، وغالباً ما يتم في الدراسات الشرقية إثبات أن هذه الأقوال أو تلك قد وردت في وقت سابق على لسان شخص آخر، بل وقد قيلت قبل ذلك بفترة طويلة. فعندما قدم النابلسي شروحات مفصلة حول ابن عربي والبركوي، فإن ذلك، إذا كان له تفسير، يُفسَّر على أنه مجرد تقليد، مما يعني أنه لم يكن يسعى إلى إضافة شيء جديد أو أصيل، وهو ما يتعارض بشكل أساسي مع فكرة النشوء الداخلي للتنوير الإسلامي. بدلاً من ذلك، يمكن طرح سؤال حول ما إذا كانت تقاليد التنوير التي تم افتراض وجودها لا بد أن تكون داخلية (أي نشأت من الداخل)، أم أنها مرتبطة بعلاقات معقدة مع تقاليد التنوير الأوروبية.

تفترض نظرية النشوء الخارجي للتنوير الإسلامي أن التنوير يرتبط ارتباطا مباشراً بتبادل الثقافات. ومن الأمثلة على ذلك، التصوف في مدرسة أصفهان، الذي كان متأصلاً بعمق لدرجة أن بعض المفكرين اعتقدوا أن الانقطاع في تبادل الأفكار بين أوروبا والعالم الإسلامي لم يحدث إلا في القرن السابع عشر، وأنه من الممكن تتبع التاريخ الفكري الأوروبي حتى عصر الفيلسوف سبينوزا، حيث نجد أنه يحمل طابعا ”إسلاميا“.

أصبح من الشائع في الدراسات الحديثة مقارنة الفيلسوف الإيراني صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي، المعروف بملا صدرا، بالفيلسوف الألماني يعقوب بوهمه (ت. 1624م).[72] وقد نجح ملا صدرا في الجمع بين الأفلاطونية المحدثة المرتبطة بابن سينا، وبين ما يُعرف بالتصوف الشرقي، مما أدى في النهاية إلى إعادة تشكيل الفكر الفلسفي في إيران. ومن المحتمل تماما أن تكشف المقارنة بين بوهمه Böhme وملا صدرا عن وجود مصادر مشتركة بينهما. وأعتقد أنه من البديهي التساؤل عما إذا كان هناك تأثير لأفكار ونصوص الفيلسوف باراسيلسوس Paracelsus على أعمال ملا صدرا، على غرار تأثيره على بوهمه. ويشير التوافق المذهل بين هذين المتصوفين إلى ذلك. ومن ثم، سيكون من المنطقي البحث عن ترجمات لأعمال باراسيلسوس في الهند، والتي ربما تم تلقيها بشكل غير مباشر[73] في أصفهان ضمن سياق الطراز الهندي السائد في تلك الفترة. وفي الهند ذاتها، شكلت ”الحكمة“ إطاراً لترجمة أعمال كل من وليام هارڤي، جان پيكيه، پيير گاسندي، وديكارت[74] إلى الفارسية. ومن هنا بدأ بعض ”الحكماء“ في الهند بصياغة آرائهم الخاصة، متأثرين بهذه الأفكار الأوروبية. فعلى سبيل المثال، أوجز الإيراني حكيم كامران شيرازي رؤيته الفكرية عام 1640 على النحو التالي:

”أؤمن بالخالق الأعظم، بالحدس المنطقي، بإرشاد العقل، بالسماء مسارا روحيا يوجه الإنسان، وبتحرر الفلاسفة، أما الأديان والمعتقدات الأخرى فأزدريها.“[75]

لم يكن نقد شيرازي للدين ينم عن رفضه له، بل كان يعتبر نفسه مسلماً سنياً. وينبغي فهم هذه التصريحات وغيرها من التصريحات المماثلة على أنها تعبير عن رغبته في فصل العلوم الدينية عن العلوم ”الطبيعية“. لم يتوانَ شيرازي عن التقليل من شأن الكتب المقدسة، بما في ذلك القرآن، إذ كان يرى أنها ليست نصوصا إلهية، وإلا لاحتوت على تنبؤات بالمستقبل. وحسب رأيه، هذه النصوص لا تكتسب صفة الوحي إلا من خلال تفسيرات القراء وتأويلاتهم.[76]

ومن الأمثلة البارزة على ذلك التجريبية العقلانية المعروفة، التي لعبت دورا هاما في تشكيل وعي ذاتي جديد لعصر الحداثة. وقد امتد تأثيرها ليشمل الدولة العثمانية وبلاد المغرب وإيران، مما قد يشير إلى احتمالية أن تكون هذه من بين أولى بوادر فصل العلم عن اللاهوت. وفي ظل السياسة الصارمة التي انتهجتها الدولة العثمانية في أوائل القرن السابع عشر، برز مفكرون انتقدوا علم اللاهوت النظري السائد آنذاك. وكان من أبرز هؤلاء المفكرين الكاتب الشهير كاتب جلبي (ت. 1068هـ/1657م). واستهل معجمه الببليوگرافي الشهير بديباجة جاء فيها:

”العلم طبيعي للبشر، ومحتاج إليه. اعلم أن الإنسان قد شاركه جميع الحيوان في حيوانيته من: الحس، والحركة، والغذاء، وغير ذلك من اللوازم. وإنما يمتاز عنه: بالفكر، وإدراك الكليات […] فهو مفكر في ذلك دائما، لا يفتر عنه.“[77] 

يشكل العلم والأدب دعامتين أساسيتين لا غنى عنهما في بناء الحضارات، ويتناغمان مع جوهر الطبيعة الإنسانية وتحقيقها. ولم يقم كاتب جلبي ―بحسب ما أراه― بتطوير منهجه التجريبي بشكل نظري، وحتى عندما تناول ”النظرية“ (بمعنى علم المعرفة)، ظل متمسكا بالمنهج الاستنباطي. كما أنه، رغم تبنيه للفلسفة الإشراقية، لم يخض في تفاصيلها أو شرحها بشكل مفصل. ويتجلى منهجه التجريبي بشكل أساسي في اهتمامه بمجالات الهندسة والفيزياء والفلك والجغرافيا، فضلاً عن انتقاده اللاذع للعلماء الذين يتسمون بالجمود الفكري.[78] ما يميز كاتب جلبي هو استعداده لدمج المعرفة الأوروبية الحديثة في إطار معرفته الخاصة، التي كان قد استبعد منها سابقا أفكار بطليموس. أما علاقته بسايح محمد الفرنسي، والتي لا تزال غامضة في كثير من جوانب، فتفتح المجال أمام استكشاف أعمق للتبادلات الفكرية بين المثقفين العثمانيين والفرنسيين خلال تلك الفترة.

يبدو أن كاتب جلبي كان حريصا على تحقيق التوازن بين العلم والدين، مما يشير ضمنيا إلى وجود توتر أو صراع بينهما في ذلك الوقت. غير أن المفكر الصوفي إسماعيل حقي (ت. 1137هـ/1725م)، كان له رأي مختلف في هذه المسألة. فقد كان، في الوقت ذاته، من أبرز من تبنوا الفكر التجريبي بشكل منهجي، بل ووصف مكانة العلم وأهميته على النحو التالي:

”العلم والدين مثل الجوع والعطش، فكما لا يمكن إشباع الجوع بالشرب، لا يمكن أيضاً إرواء العطش بالأكل.“[79]

يرى إسماعيل حقي أن هذه العلوم الطبيعية لا تعتمد فقط على البراهين المنطقية كما هو الحال في العلوم اللاهوتية، بل تسعى إلى بلوغ اليقين الموضوعي من خلال الملاحظة والتجربة والخبرة والتفسير.[80] وفي هذا السياق، حاول إعادة صياغة الفارق الذي وضعه البركوي بين الحقيقة ”الطبيعية“ و”اللاهوتية“، مقترحا أن تُترك مسألة الاستنباط المنطقي للاهوت، في حين ينبغي للعلوم أن تتبنى نهجا استقرائيا. وبذلك، لم يقتصر حقّي على الفصل بين العلم والدين من الناحية المفهومية فحسب، بل شمل أيضا الفصل المنهجي. إلا أن هذا الفصل لا يعني بالضرورة التخلي عن التصورات القائمة على وحدة الوجود.

وعلى غرار حقي، استطاع عبد الغني النابلسي أن يميز بوضوح بين العلم والدين. فالعلم، بحسب رأيه، يتناول الأمور اليومية الملموسة، بينما يهتم الدين بجوهر الوجود. وبهذا، اعتبر نفسه مدافعا عن التجريبية في موضوعات مثل التبغ والخمر والموسيقى وغيرها من الملذات. وفي هذا السياق، كتب قائلا:

يا من يظــــن بذي علم وذي عمــــــلٍ

أخطأت فيــــما ظننت الآن فاصغ إلى

ما حـــــــرمته ذوو عــــلم كذاك ولا

وإنما ذكـــــر الــــجهال عندهــــــما

وقيـــــــل عنه فتور في الجســــود به

فافتينا حسب ذاك الوصف واشتهـرت

وفي الحقيقة هم قد أثبوا صــــــــفةٌ

من أمة المصطفى تحريـــم تنباك

قولي فما هو مني قـــــــول أفّاك

ذوو صلاح بـــتجريب وإدراك

إؤافه وحـــكى تقبيـــحه الحاكي

وفي العقول بأضـــرار وإهلاك

فتواهما بين فُــسّاقٍ ونــــساك

وحـرموه بها تدليس عـــلّاك[81]

من هذا المنطلق، يجب تقييم ضرر التبغ استناداً إلى التجربة فقط، وليس عبر استنتاجات منطقية قد تبدو في هذا السياق أشبه بـ ”خرافات“. من الواضح أن التفكير ”التنويري“ لدى إسماعيل حقّي لا يقتصر على العلوم فحسب، بل امتد ليشمل الحياة السياسية اليومية، وهو ما يظهر أيضا إلى حد ما عند النابلسي. فقد دعا حقي إلى تحرير جميع العبيد في غضون تسع سنوات، وإلغاء عقوبة الجلد، وطالب كذلك بمنع الرجل من تطليق زوجته بسبب الشك في عذريتها.

لم يكن كاتب جلبي ولا إسماعيل حقّي من الشخصيات العلمية التي تفتقر إلى التأثير أو التي لا تلعب دورا بارزا في مجتمعاتهم، بل كان لهما تأثير كبير في تشكيل الأسلوب العلمي للقرن الثامن عشر، وأسهما في نشر المنهج التجريبي العقلاني. كما أن حقّي، بالإضافة إلى ذلك، هو من قام بدمج التصوف الوحدوي في تفكيره التجريبي، وأسهم بشكل كبير في إعادة بناء مفهوم الذاتية لدى الفرد المدرك والمفكر.

صاغ الفقيه المقدسي محمد بن بدير (ابن حبيش، المتوفى عام 1805م) رؤيته الصوفية في الدفاع عن المعرفة وأسلوب الحياة الجديد بهذه الكلمات:[82]

”اعلموا يا إخواني أن العلم أشرف حلية يتحلى بها الإنسان وأتحف حلة يلبسها إذا ظهر البرهان وبطل الطغيان ورجع الباطل القهقرى يعثر في أذيال الخذلان. ففضل العلم نار بل نور على علم، يخفي الظلم ويرشد الأمم، ويفتح البصائر وينور السرائر ويطهر الضمائر ويرفع القدر ويشرح الصدر ويوضح الأمر ويزكي النفوس وينمي الغروس […] حائزه منور، ولفظه مجوهر، وعقله محرر […] وضده الخنوس.“

شاعت في القرن الثامن عشر فكرة الاستقلالية الفكرية بين عدد كبير من المفكرين الإسلاميين، حيث اعتبروها وسيلة ”تقدمية“ لاكتشاف الحقيقة من خلال التجربة والعقل. وتميز هؤلاء المفكرون بثقة كبيرة بالنفس مكنتهم من مواجهة هيمنة العلماء التقليديين. وقد عبر عبد الله بن عبد الله بن سلامة عن ذلك في أبيات شعرية قال فيها:

قل لمـــن لا يـرى المعاصــر شيئا

إن ذاك القــــديم كـــان حديثا

ويرى للأوائـــــل التقديمــــا

وسيسمى هذا الحديث قديما[83]

سادت حالة من الشعور بالتشاؤم في أوائل القرن السابع عشر،[84] مما دفع الكثيرين إلى البحث عن يقين مبني على التجربة. وتحت وطأة هذا التشاؤم، تخلى بعض الشعراء عن التمسك بالماضي، معبرين عن ذلك بقولهم: ”لن يعود الماضي إليك، ولن يُكتب المستقبل لمن يتخلف.“[85] ويرى الشاعر أحمد بن محمد الخفاجي (ت. 1069هـ/1659م)

”لما انهدم من الفضل بنيانه وانقضت عمده وأركانه وقوضت خیامه واندرست رسومه وأعلامه وصار أمر الفتوى والقضاء والمناصب العلمية بعد العلامة شيخ الاسلام أسعد ملعبة وشعبذة وسخرية والمدارس مأوى الحمير وقُلّد القضاءُ من ليس في الحير ولا في البعير ظهرت أشراط القيامة ولبس لباس الجهل من النعل الى العمامة وولي الإمارةَ الفجارُ الأشرار.“[86]

ولم تقتصر الانتقادات على علماء الدين فقط، بل شملت أيضاً الأدباء الذين كانت قصائدهم تعكس حالة من الجمود والتقليد، مما جعلها تقارب المستوى المتوسط للأدب الباروكي الألماني. حيث أُلفت أبيات مشهورة مثل: 

كم تمنيت لو أن دمي يروي عطشي!

ولو أن روحي تفنى في لحظة اختناق!

أتمنى لو أن سهماً مسموماً يخترق قلبي!

ولو أن سيفاً يقطع رأسي!

ومثل:

في الربيع..

تتلألأ المروج بأزهارها

ويغدو الحقل يانعاً بالأخضر

وتشرق الدنيا بابتسامتها

ويجني البستاني ثمار جهده وتعبه[87]

ساد هذا النمط من القصائد في الأدب العربي أيضا، مما جعله موضوعاً لنقد عميق. إلا أن المعايير الشعرية الجديدة، التي انفصلت عن هذه التقاليد الباروكية، لم تترسخ إلا بعد عام 1750. كما طال النقد كذلك حالة الكتابة التاريخية، التي شهدت بدورها إعادة صياغة في القرن الثامن عشر. إن تحليل هذا النقد ودراسة كيفية ترجمته إلى أفكار شعرية جديدة يعكسان مدى تأثيره على البنية الثقافية للمجتمعات العثمانية العربية، وتحديداً بين النخب، ومدى انتشاره. فالشعر كان ولا يزال الأداة الأدبية الأمثل لتكثيف التقاليد الفكرية التاريخية في النصوص. لذا، أصبحت القصيدة، بما تحمله من جماليات، هي السياق الأساسي لدراسة الأفكار ”التنويرية“.

§          العلوم الطبيعية وعصر التنوير

لقد ترسخ في وعينا ارتباط وثيق بين العلوم الطبيعية والتنوير. فقد أسهم التحليل الفكري للاكتشافات الكبرى للقرنين السادس عشر والسابع عشر، التي لا تزال تحمل بعض ملامح ’’العصور الوسطى“، في تعزيز الفكر التنويري خلال القرن الثامن عشر. ويشير سفات سوسيك، استناداً إلى برنارد لويس، إلى أن المعرفة بالإنجازات العلمية قد انتشرت في مختلف أنحاء أوروبا، وقد حفزتها المنافسة المتواصلة[88] على التطور والتحرر من ”الرؤية التقليدية للعالم في العصور الوسطى.“

في المقابل، لم يشهد العالم الإسلامي، ولا سيما الدولة العثمانية، مشاركة فعالة في هذه المنافسة الفكرية، بل سعى إلى عرقلة تطورها منذ عام 1580 على الأقل. لذلك، يرى البعض أنه لا يمكن اعتبار الأفكار التنويرية قد ترسخت في العالم الإسلامي.[89] ورغم أن هذا الرأي قد لاقى قبولاً واسعاً، إلا أنه لا يمكن إنكار أن الاهتمام بالعلوم الطبيعية كان محدوداً في الأوساط العلمية الإسلامية حتى القرن الثامن عشر. ولكن، هل يعني ذلك أنه لم يكن هناك أي شكل من أشكال ”لتنوير الإسلامي“ على الإطلاق؟

تتميز حجة سوسيك بثلاث نقاط أساسية، أولها الإفراط في التعميمات. فيدعي مثلاً: ”أن الدولة العثمانية جسّدت المثالَ الأعلى لكيانٍ سياسي إسلامي ثيوقراطي، تحكمه شريعةٌ مقرَّرة في القرآن.“[90] ”وأن المسلمين امتنع عن السفر إلى أوروبا والاتجار فيها.“[91] ”البيروقراطية العثمانية هي بيروقراطيةً علمائية أو عسكرية.“[92]”وأن الاقتصاد العثماني ونمط الإنتاج فيه بقيا يعملان وفق الطريقة الوسيطة الراسخة، ولم تكن ثمّة أسبابٌ ظاهرة تدعو إلى تغيير ذلك.“[93]

بحيث تتناقض هذه التعميمات، التي غالباً ما تُذكر في هوامش الكتب، مع وجود ”شخصيات استثنائية“، مثل كاتب جلبي، وأوليا جلبي، وأبو بهرام الدمشقي، وهزار فن الذين يمثلون

 ”نماذج فريدة لا تتوافق مع الصورة النمطية للسياسة الرسمية أو النخبة السائدة، كما يعكسها على سبيل المثال المؤرخ مصطفى نعيمة في كتاباته التاريخية.“[94]

 ولإبراز أهمية الاعتراف بالتقاليد الفكرية المميزة لهؤلاء المفكرين، يتم مقارنتهم بفترة تاريخية أخرى، وهي عصر النهضة الفلورنسية في القرن الخامس عشر. ثانياً، يشير سوسيك إلى أن:

 ”تهميش هؤلاء الرواد في النهضة العثمانية يظهر بوضوح من خلال استمرار حظر الطباعة الذي طال جيلا آخر بعدهم.“[95]

ولن نتوسع هنا في مناقشة هذا التهميش.

ثالثاً، ”من المفيد أخيرا النظر إلى مصطفى نعيمة من زاوية أخرى، من خلال مقارنته بمعاصره الأكبر جون لوك.“ لكن لماذا تتم هذه المقارنة؟ يتم تعميم هذه المقارنة بناءً على التصور الذي يُعتبر فيه جون لوك ”رائدا لعصر التنوير“ ومصطفى نعيمة ”متحدثا باسم النخبة الليبرالية في مجتمعه.“[96] من نفس المنطلق، يمكن مقارنة مؤرخ بلاط هابسبورگ في القرن السابع عشر مع لوك، واستنتاج عدم وجود حركة تنويرية في النمسا والمجر.

من هنا يتبين أن سوسيك يعتمد في تحليله على نموذج تقليدي، يتأثر بشكل واضح بكل من برنارد لويس وخليل إينالجك، حيث تُصنف الثقافة العثمانية ضمن إطار ”العصور الوسطى،“ ويتم تجاهل أي تفسير يخالف هذا التصور. علاوة على ذلك، يسود اعتقاد بأن الأسرة الحاكمة العثمانية كان ينبغي عليها أن تتبنى موقفا إيجابيا تجاه التنوير لحدوث أي عملية تنوير. هذا الأمر يبدو غريبا، خاصة وأن حركة التنوير، منذ نشأتها، كانت تُعتبر رفضاً للنظام القديم، كما يتضح من التنوير السياسي في فرنسا، الذي كان يستهدف السلطة الحاكمة بشكل مباشر.

إذا كان حظر الطباعة في الدولة العثمانية يهدف عمدا إلى تكميم أفواه المنتقدين، فإن ذلك يشير بشكل قاطع إلى انتشار أوسع لحركات المعارضة والتمرد.[97]

ومع ذلك، فإن النتائج التي توصل إليها سوسيك تمثل بلا شك نقطة محورية في النقاش حول ”التنوير الإسلامي.“ ومن غير المحتمل أن تظهر فجأة مصادر جديدة مهمة تتعلق بتاريخ العلوم العثمانية، مما يتيح لنا التأكيد على أن العلوم الطبيعية لم يكن لها تأثير كبير على العمليات التنويرية في الدولة العثمانية. يبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كان هذا ينطبق أيضاً على مناطق أخرى كالمناطق العربية والفارسية والهندية. ومع ذلك، فإن هذا الاستنتاج يسمح لنا بالقول بأن التنوير في الدولة العثمانية لم يعتمد على استيعاب الإنجازات العلمية الطبيعية. وهذا يقربنا أكثر من فهم طبيعة العمليات التنويرية في الإمبراطورية العثمانية، مما يجعلنا نفترض بأن ”التنوير العثماني“ يشبه إلى حد كبير ”التنوير الروسي.“

§          استنتاج

لا يمكن اعتبار هذا دليلاً على وجود تقاليد للتنوير الإسلامي. كما لا ينبغي أن يُفهم من كلامي أن ”التنوير الإسلامي“ هو مفهوم ثابت نظريا وتاريخيا، لأن مجرد الإشارة إلى بعض الاقتباسات القوية لا تقدم إثباتا كافياً. إن التكرار المفرط لهذه الاقتباسات لا يضيف قيمة حقيقية للنص، كما أن وصف محمد مرتضى الزبيدي بأنه ”ديدرو إسلامي“ يفتقر إلى أي أساس موضوعي. بدلاً من ذلك، يجب توضيح أن مفهوم ”التنوير“ في سياق الدراسات الإسلامية يقتصر على تقديم قراءات جديدة لتفسير بعض الأدبيات الشرقية في العصر الحديث ما قبل الاستعمار.

ما يمكن استخلاصه حتى الآن هو أن هناك معالم أساسية لتقاليد فكرية كبرى، أسهم تداخلها الفكري (والاجتماعي أيضاً) في تشكيل ثقافة نخبوية يمكن وصفها بأنها ”تنويرية“. وقد وضعت هذه التقاليد الأساس لــ ”تنوير إسلامي“، يُرجَّح أنه قد بلغ أوجه في منتصف القرن الثامن عشر. بالإضافة إلى ذلك، يمكننا افتراض أن ”التنوير الإسلامي“ لم يكن عملية متجانسة أو متزامنة في جميع الأوساط الثقافية في العالم الإسلامي.

وينبغي أن نتوقع وجود شبكة تواصل بالغة التعقيد، يتم من خلالها نقل ”الأفكار التنويرية“ وتكييفها لتتناسب مع الثقافات الإقليمية والمحلية المختلفة. وفي كل الأحوال، كان ”التنوير الإسلامي“ بمثابة تعبير عن ثقافات حضرية، لكن هذا يبقى مجرد افتراض في الوقت الراهن.

إحدى أبرز النقاط النقدية في نظرية التنوير تتعلق بمسألة الجمهور. فكما نعلم، لعبت تشكيلات النقاش العامة دوراً محورياً في ”التنوير الأوروبي“، وأسهمت الطباعة في ذلك بشكل كبير. ففي شبكة التواصل المرتبطة بـ ”التنوير الأوروبي“، تم ”نشر“ الأفكار، بحيث تمكن الجمهور، الذي غالباً ما كان غير محدد، من التفاعل معها. أما بالنسبة للنخب الثقافية الإسلامية، لا نعرف على وجه التحديد كيف تم تشكيل ”رأي عام“ في القرن الثامن عشر، وما هي خصائصه الأساسية. ورغم المحاولات المحدودة لاستخدام الطباعة في الهند والإمبراطورية العثمانية خلال القرن الثامن عشر[98] قد تعكس إدراكاً متزايدا لدورها في ”التنوير الإسلامي،“ إلا أن ضعف تأثير هذه المحاولات يشير إلى أن ”الرأي العام التنويري“ المحتمل في أوساط النخب الثقافية الإسلامية خلال العصر الحديث ما قبل الاستعمار قد تم تشكيله بطرق مختلفة.[99]

ربما يكون هذا العرض الموجز قد سلط الضوء على ثلاثة تقاليد رئيسية للفكر التنويري، والتي كانت تشهد حضوراً بارزاً في الثقافات الإسلامية خلال العصر الحديث ما قبل الاستعمار. لم تكن هذه التقاليد منفصلة عن بعضها البعض، بل تداخلت وتكاملت ضمن دور المفكر المستقل عن النموذج التقليدي للعالِم الكلاسيكي. إن أعمال هؤلاء المفكرين الجدد، الذين أطلقوا على أنفسهم ”أولو الفكر“ منذ حوالي عام 1740، والتي لم تحظَ بالاهتمام الكافي في عصرهم، قد تفتح لنا اليوم المجال لإعادة طرح تساؤلات حول تقاليد التنوير في العالم الإسلامي.[100]

إن دراسة أي تقليد بمعزل عن غيره يتناقض مع الحقائق التاريخية ولا يتوافق مع مبادئ البحث في السياق التاريخي. بناءً على ذلك، كان برنارد رادتكه محقّاً في رفضه اعتبار تقاليد التصوف في القرن الثامن عشر جزءاً من التقاليد التنويرية. يمكن مقارنة هذا الموقف بمقولة أن الفلفل هو المكون الوحيد الذي يميز الطبق. تم الحكم على الطعم بناء على الفلفل فقط، ستتمكن من تحديد خصائصه، لكنك ستفقد إدراك الطعم الكلي للطبق. ومع ذلك، لا يمكن للطبق أن يكون لذيذا دون الفلفل، تماماً كما لا يتحقق التنوير دون التصوف.

في ظل التداخل بين التقاليد الثقافية التي تجسدت اجتماعيا في ظهور نخبة فكرية جديدة، أصبح التصوف، والتَّقَوية، والتجريبية مزيجا متناقضا لتجربة العالم. ورغم أن هذا المزيج لم ينتشر ليصبح نموذجاً عاماً يُمارسه الجميع في العصر الحديث، إلا أنه أصبح رمزاً لثقافة نخبوية حضرية جديدة ذات طابع عالمي. وينطبق ذلك أيضا على الدول الإسلامية. وعليه، فإن قول رادتكه بأن ”العالم الإسلامي لم يواكب في البداية طريق المعرفة الطبيعية العقلانية“[101] يُعد غير منطقي، إذ يستحيل أن يسلك عالم يتسم بالتنوع الاجتماعي والثقافي مساراً واحداً. وينطبق الأمر نفسه على العالم الأوروبي، حيث لم تكن تقاليد التفكير التنويرية نتاج عالم واحد، بل كانت نتاج نخبة جديدة في طور التشكُّل.

يمكن القول، إن حركة التنوير، في جوهرها، لم تكن أكثر من أنها تحرر لطبقةٍ بورجوازية كانت محرومة من حقوقها آنذاك، طبقة متجذرة في نطاق إقليمي محدد، لكنها تتطلع في الوقت ذاته إلى العالمية. وبناءً على ذلك، اتسمت الثقافات التنويرية بخصوصية إقليمية وعالمية في آن واحد.

يكمن الإشكال لدينا في معضلتين رئيسيتين، نقص حاد في المعرفة من جهة، ومواجهة سؤال معقد يستلزم التعامل مع كم هائل من النصوص من جهة أخرى. ونظراً لغياب أيّ تقاليد بحثية ملموسة في دراسة الأدب الإسلامي خلال العصر الحديث ما قبل الاستعمار، وبالأخص في القرن الثامن عشر، نجد أنفسنا أمام مهمة صعبة للغاية. فتحديد تقاليد التنوير يمكن أن يساعد في ”تنظيم الأفكار“ وفهم التشكيل الخطابي لما يُسمى بـ ”التنوير الإسلامي“ في بداياته، إلا أن ترسيخ هذا المفهوم يتطلب جهودا مضنية على المستويين المعرفي والاجتماعي التاريخي. ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار المهمة المرتبطة بإعادة بناء ”التنوير الإسلامي“، فإن هذا الجهد سيكون مجدياً. قد يتضح عندئذ أن التنوير كان ممكنا أيضا في سياقات ثقافية أخرى غير أوروبية، متجاوزاً بذلك التصور السائد عن كونه مجرد ”خط فاصل بين الشرق والغرب“.

§          إضافة

بعد وقت قصير من نشر هذا المقال، قدم تيلمان ناگل إسهاما بعنوان ”الجذور الأصلية للحداثة الإسلامية: ملاحظات حول أعمال الدمشقي ابن عابدين،“[102] حيث خصص هامشا مطولا لمناقشة استخدامي لمصطلح ”الزمان العالمي“ في كتابي ”تاريخ العالم الإسلامي في القرن العشرين،“[103] واصفاً إياه بأنه ”مثال مقلق.“ ويرى ناگل أن هذا المفهوم يندرج ضمن ”المفاهيم الإيديولوجية السطحية“ التي تُوظف لأغراض تفسيرية ”بدلا من المعرفة الموثوقة المستمدة من المصادر ذات الصلة.“[104]

يبدو أن ناگل ينطلق من افتراض مفاده أن ”الحداثة الإسلامية“ تقوم على ”رؤية خاصة بالفكر الإسلامي تجاه العالم وطبيعته“، ألا وهي إعلان المعرفة الكاملة للعالم ”عبر أقوال النبي“ و”إرجاع كل الفهم والتفسير إلى ما ورد عنه.“[105] ويرى أن هذه ”الركيزة الإسلامية“، التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى تجاوز مفاهيم التاريخ،[106] تتجلى في أعمال عدة، من بينها أعمال طه حسين.[107] 

استناداً إلى ملاحظة نقدية لألبرت حوراني،[108] يشدد ناگل على أهمية التعمق في فهم هذه ”الركيزة الإسلامية الأساسية“ باعتبارها جوهر ”العالم الفكري الإسلامي“ في الماضي القريب والحاضر.[109] وقد وجه إلي ناگل انتقادا لعدم فهمي الكافي لهذا الأساس.

في الواقع، يختلف تحليل ناگل لـ ”التفكير الإسلامي“ بشكل جذري عن محاولتي لتوسيع آفاق تفسير تاريخ الثقافة الإسلامية في العصر الحديث. إن تمسكه بتاريخ الأفكار التقليدي،[110] الذي يعتمد على مصطلحات ثابتة ومحددة، هو شأن خاص به؛ لكن ما يثير القلق، بل ويمكن اعتباره ”مزعجا“ حقا، هو استشهاده بالمؤرخ المثير للجدل إرنست نولت[111] وجعله مرجعاً له، مما يبرز بوضوح الفجوة الفكرية بيننا.

يبدي ناگل في البداية انزعاجه من ”اعتمادي على تصور مبهم لـ ’الزمان العالمي‘.“ وبالفعل، لم أتناول هذا المفهوم بالقدر الكافي من الشرح في كتابي، لذلك استعنت بطرح وولفرام إيبرهارد، المتخصص في الحضارة الصينية. ووفقا لناگل، فإن إيبرهارد ربما تبنى أيضا فهماً غير دقيق للزمان العالمي، لكنه لم يصرّح بذلك بشكل واضح، بل اكتفى بالإشارة إليه ضمنيا. ثم يضيف قائلاً:

 ”كان ينبغي عليَّ أن أفهم الزمان العالمي بوصفه حالة تتكرر عبر فترات تاريخية معينة، حيث تُطرح مجموعة من موضوعات متشابهة في مختلف الفضاءات الثقافية، مما يخلق تناغما خفيا لا يدركه إلا المطلعون، كما حدث في القرن الثامن عشر بين أوروبا والعالم الإسلامي.“[112]

غير أنني لم أستخدم مصطلح ”الفضاءات الثقافية“ في أي موضع من كتابي، ولم أزعم قط أن ”الزمان العالمي“ في ”فترة معينة“ يتناول ”مجموعة محددة من الموضوعات المتشابهة.“ فمفهوم ”الفضاءات الثقافية“ يتماشى أكثر مع رؤية ناگل، لكنه لا يتوافق مع تفسيري. أما فكرته حول التناغم السيمفوني الذي لا يدركه إلا المطلعون، فهي حجة لطيفة، لكنها لا تضيف شيئا جديداً: إذ إن ”الزمان العالمي“ لم يعد مفهوماً غامضا إذا اطلعنا على أعمال هانس بلومنبيرگ  التي تناقش هوسرل أو هايدگر، على سبيل المثال.[113]

عندما يستشهد ناگل بنولت، فمن المؤكد أنه كان على دراية بأن نولت كان تلميذا لمارتن هايدگر (أو كان يرغب في أن يكون كذلك) وكان مرتبطا به بعلاقة من طرف واحد. ومن المرجح أن ناگل قد تعرف على مفهوم ”الزمان العالمي“ من هايدگر عبر نولت. فـ”الزمان العالمي“ ليس على الإطلاق ”عنصرا إيديولوجيا سطحيا“، بل هو جزء من المفاهيم ”المعقدة“ في الفينومينولوجيا (حسب بلومنبيرگ)، إلى جانب المفهوم الموازي لهوسرل ”عالم العيش.“ وأود أن أذكر هنا تفسير هايدگر الذي يتسم بصعوبة الفهم:

”إنّ الزمان المعلن، بوصفه زمانًا-لـ…، ذو طابعٍ عالمي في ماهيته. ولذلك نسمّي الزمانَ الذي يتعمّم/يُعلن في تزمّن الزمانية: زمنَ العالم.“[114]

حتى في النهج الذي أشار إليه ناگل بشكل غير مباشر، يوجد مفهوم لـما يسمى ”الزمان العالمي،“ لكنه يختلف بشكل كبير عن مفهوم الزمان العالمي عند إيبرهارد. كما أنه لا يرتبط بالزمان العالمي الفيزيائي (كما عند نيوتن)، الذي لا يزال مُعتَمَداً اليوم في شكل التوقيت العالمي الموحّد (توقيت گرينتش). أما بالنسبة لإيبرهارد، فهو من خلال تركيزه على السياق الزمني، الذي يطلق عليه ”الزمان العالمي“، يسعى، ضمن أهداف عدة، إلى تجنب المقارنات التاريخية العشوائية وغير المتزامنة، أو بالأحرى غير التاريخية، بين سياقين اجتماعيين مختلفين (مثل اليابان عام 1960 وإنگلترا عام 1860). كما يهدف إلى إلغاء المعيارية الجوهرانية التي تكرس تقليدا ”ثابتا“ وحداثة ”مرتبطة بالزمان“.[115] وقد حاولت تبني هذا التصور وتطويره باستخدام مفهوم ”الزمان العالمي.“

لم يتناول المؤرخون هايدگر بشكل موسع (باستثناء نولت)، وليس لدي أي نية للانخراط في هذا المسعى، فضلاً عن أن فائدة المراجعة النقدية لمفهومه للزمان في تطوير البحث التاريخي تظل محل جدل.[116] في سياق حديثنا، لسنا بحاجة إلى تحليل الظواهر، بل الأهم هو تقديم وصف لمفهوم ”الزمان العالمي“ باعتباره ”إطارا زمنيا يُحدِّد معالم كل عصر“. بما أن التاريخ يمكن أن يُفهم أيضاً على أنه فصل بين عالم الحياة وزمان الحياة والزمان العالمي،[117] فإن ”الزمان العالمي“ لا يُمثِّل تاريخا بحد ذاته، كما يعتقد ناگل. لقد تناولتُ الحداثة بوعي كامل باعتبارها شكلاً من أشكال ”الزمان العالمي،“ وأوضحتُ أن تاريخ العالم الإسلامي في القرن العشرين يندمج ضمن هذا ”الزمان العالمي.“ إن الفصل الجذري بين الزمان العالمي وعالم الحياة، والذي يُعتبر سمة من سمات الحداثة، يشكل عملية تاريخية يمكن إثباتها اجتماعيا وتاريخيا في العديد من الثقافات الأخرى، ولا تقتصر فقط على أوروبا.

عندما يدعي ناگل أنّني أرى

”تاريخ العالم الإسلامي الحديث ―دون اعتبار لماضيه الخاص― مُختزلاً إياه إلى مجرد مجموعة من التغيّرات الاقتصادية والاجتماعية، يُحدِّدها أولاً وقبل كل شيء ’السياق الزمني للحداثة،‘ فإنّه بذلك يخطئ تماما في نقده.“

 فلو أمعن القارئ فيما أكتبه، لوجد أنّني لم أتحدث عن تاريخ العالم الإسلامي بشكل عام، بل عن مفهوم الحداثة نفسه، باعتباره مجموعة من التغيّرات الاقتصادية والاجتماعية. وإذا كان ناگل يراه بمثابة خُطوة تكتيكية، فعليه أن يعيد صياغة قواعد فهم الفكرة بشكل أدق وأكثر موضوعية.

الانتقاد الحقيقي الذي أتعرض له هنا، هو أن بعض النقاد يرون أن تصويري للأصولية الإسلامية على أنها نتاج للتدخل الاستعماري الأوروبي في العالم الإسلامي، ليس سوى مسايرة للرأي السياسي السائد. لكنني لم أتعامل مع الأمر بهذه السطحية. فلو أن ناگل قرأ الكتاب بتمعن أكبر، لكان أدرك أنني أعتبر ”الوضع الاستعماري“ (وليس الاستعمار بحد ذاته) تفاعلا ثقافيا معقدا ومتشابكا بين مختلف الثقافات. وقد تناول چورج بالاندير هذا الموضوع بإسهاب، ولا أرغب في تكرار ما ذكره. وإذا فهمت ناگل بشكل صحيح، فهو يريد أن يوضح أن ”الاستعمار“ ليس مسؤولاً عن التوجه الإيديولوجي الحالي للرأي العام السياسي الإسلامي، بل المسؤول هو ”الموقف الخاص الذي يتخذه الفكر الإسلامي تجاه العالم وحقائقه“. أليس في هذا تلميح إلى نوع من الأصولية الثقافية؟

ثم يتناول ناگل بشكل مقتضب القرن الثامن عشر، ويذكر أنني زعمت أن ”الثقافة الأوروبية والإسلامية كانتا مدمجتين في نفس ’الزمان العالمي‘ في ذلك القرن.“ ويعبِّر عن استيائه من أن تفسيراتي تستند جزئيا إلى تفسيرات لغوية غير مقبولة، بل ويرى أنها خاطئة بشكل واضح. ومع ذلك، فإنه للأسف لم يقدم أي أمثلة تدعم هذا الادعاء. في الواقع، لم أتحدث أبداً عن أن ”الثقافة الأوروبية والإسلامية“ كانتا مرتبطتين في نفس ”الزمان العالمي“ في القرن الثامن عشر، إذ إن مثل هذه التعميمات تتعارض مع نهجي وتُعد غير مقبولة من الأساس. وآمل أن ناگل لا يعتمد الأسلوب الاختزالي نفسه في قراءة مصادره الأولية. ما أود الاستفسار عنه هو ما إذا كانت هناك تقاليد في الثقافات الإسلامية في القرن الثامن عشر يمكن ربطها بما يمكن تسميته أنماطا تاريخية ثقافية عالمية. كما أتساءل عن إمكانية وضع هذه التقاليد ضمن سياق تاريخي اجتماعي، أي ما إذا كانت تعكس وجهة نظر عالمية خاصة بمجموعة اجتماعية معينة.

إن افتراضه غير المبرر، بأنني أزعمُ، من خلال تعميم متسرع لرؤيتي الشخصية، أن التاريخ يعني ”التحرر الذاتي للإنسان“،[118] يُظهر بوضوح أن ناگل يعتقد أن معارضيه ينتمون إلى ”التيار الهيگيلي.“ ولا يتردد في اللجوء إلى تفسيرات خاطئة لتأكيد وجهة نظره.[119] والحقيقة أنني لم أقدم بأي حال من الأحوال ”رؤيتي الخاصة للعالم“، بل ما كتبته هو:

”نظراً لأن كل تاريخ يتناول موضوع التحرر الذاتي للإنسان كان يُعتبر نتيجة للهوية الأوروبية، لم يكن أمام المفكرين المسلمين خيار سوى الرجوع إلى الماضي التاريخي لشرح الوضع الفعلي للتحرر الذاتي الذي عاشوه بأنفسه.“[120]

 المقصود هنا بـ ”التاريخ“ هو بالطبع ذلك التأريخ المرتبط بالمثالية الألمانية، والذي ينطلق من فرضية مفادها أن التاريخ يجب أن يُبنى وفقا لمبادئ التنوير، وأنه بطبيعته يتجه نحو غاية محددة تؤدي في النهاية إلى ”التحرر الذاتي للإنسان.“ وعليه، لستُ أنا من يفرض هذه الفكرة، بل إن التأريخ التقليدي هو الذي صاغ هذا المفهوم، مميزاً نفسه عن ”صور ما قبل التاريخ“ وعن ”التاريخ غير الأوروبي“ من خلال هدفه المتمثل في تحقيق ”التحديد الذاتي التاريخي“ كما يوضح كراوس.[121]

يختلف الأمر تماما عند قراءة تحليل أولريش هارمان لهذا الموضوع.[122] فهو يتوخى الحذر، ويعيد فحص المواد، ويقارنها بالاكتشافات الجديدة، كما يحدد الأطراف المتنازعة ويعبر عن موقفه بتأنٍّ شديد. صحيح أنه يشير إلى أن ”المصطلح الذي استخدمته: ’التنوير‘ – […] لم يتم اختياره بشكل مناسب“. ويضيف أيضاً:

”لا تقتصر المسألة على التوظيف المجازي للنور فقط، بل إن الخلفية التاريخية للأفكار والمجتمع ككل متجذرة بعمق في أوروبا الغربية ولا يمكن تعميمها على السياقات غير الأوروبية.“[123]

 بناءً على ذلك، يرفض هارمان، كما فعل رودولف پيترز قبله، تفسير التصورات الصوفية للعالم بوصفها جزءًا من تقاليد الفكر التنويري. ومع ذلك، فإن هذا التوجه يحدد بشكل جلي معالم النقاشات المستقبلية. ولا ريب أن هذا النقد البناء يسهم في تقدم الحوار العلمي بشكل ملحوظ، بعيدا عن ردود الفعل الجدلية السطحية.

نظراً للجدل الذي أثاره مصطلح ”الزمان العالمي،“ أود فيما يلي أن أوضح باختصار ما أعنيه به، من خلال متابعة أعمال وولفرام إيبرهارد وبالرجوع إلى هانس بلومنبيرگ وفرناند بروديل. وأنا أدرك تماما أن ”الزمان العالمي“ هو في الأساس مفهوم نظري تمت صياغته لأغراض تفسيرية.

الزمان العالمي هو زمان يتم تحديده وتأسيسه مكانيا من خلال الخطاب الذي تعتمده مجموعات اجتماعية محددة في مجتمعات معينة. عبارات مثل ”هو ليس من هذا العالم“ أو ”لقد توقف الزمان هناك“ تظهر أن الزمان العالمي يُفهم في المقام الأول من خلال عملية الاستبعاد. لهذا، فإن هذا الزمان ليس عالميا (أي لا يشمل جميع الثقافات والمجتمعات)، بل يمتلك صلاحيته فقط في الأماكن التي يتم فيها تبني هذا الخطاب. لكن هذا الخطاب يُفهم على أنه عالمي (لأنه يرتبط بـ ”العالم“) ويمثل إجراءً للتعامل مع السلع والقيم والمواقف والقواعد والمؤسسات وغيرها، ويحدد انتماء الأفراد إلى عالم مشترك. بناءً على ذلك، فهو مفهوم ثقافي غير محدود، ويجب أن يُفهم على غرار مفاهيم مثل الدين العالمي، السوق العالمي، أو الاقتصاد العالمي. وكما هو الحال مع هذه المفاهيم، قد تتواجد أزمان عالمية متعددة في آن واحد، حيث يعكس كل زمان عالمي دائما الإدراك الذاتي لما يُفهم على أنه عالم الحياة العالمي. ومن هذا المنظور، يصبح عالميا بالفعل.

يضفي مفهوم ”الزمان العالمي“ بعداً زمانيا للعالم، وبعدا مكانيا للزمان، مع الأخذ بعين الاعتبار فكرة ”تسارع الزمان في التاريخ“ التي طرحها بروديل. لذلك، لا يُنظر إلى التاريخ باعتباره مجرد فترة زمنية، بل يُفهم أيضا بوصفه ”زمكانا“، حيث تظهر الأحداث التاريخية، من منظور خارجي، على أنها متجانسة نسبياً وقابلة للفهم من خلال العديد من الأنماط الهيكلية والتشابهات الشكلية. ولهذا السبب تحديداً، نستخدم مصطلحي ”التاريخ الأوروبي“ أو ”التاريخ الإسلامي“، اللذين لا يعكسان تقييما للتاريخ، بل تصنيفا وتخصيصاً لوجهة نظر تاريخية مرتبطة بـ ”زمكان“ معين.

”الأزمنة العالمية“ لا تقتصر على ثقافة واحدة، بل الطريقة التي يُصاغ بها الخطاب هي التي تعكس خصوصية الثقافة. على سبيل المثال، يُعتبر مفهوم ”دار الإسلام“ في الفقه الإسلامي-العربي أحد هذه التعبيرات اللغوية المحمَّلة بالقيم، تماماً كما هو الحال مع مصطلحي ”الغرب“ أو ”العالم الغربي،“ حيث تتجلى بوضوح العلاقة بين الزمان والمكان (غروب الشمس). قد تتميز هذه الخطابات بالتناظر والتشابه في بنيتها، وكلما زادت درجة هذا التناظر، تعمق التداخل بين ”الأزمنة العالمية.“ ويُعدُّ ”العصر الحديث“ مثالاً نموذجياً لهذا التداخل بين الأزمنة.

يمكن أيضا استخدام مصطلح ”العصور الوسطى“ بطريقة مشابهة، إلا أن الدراسات تشير إلى أن أوجه التشابه البنيوية والتطابقات الشكلية بين الثقافتين الإسلامية والأوروبية كانت محدودة للغاية، مما يجعل من غير الممكن الحديث عن عصور وسطى مشتركة بين المسيحية والإسلام. من هذا المنطلق، كان ”الزمان العالمي“ المسيحي الغربي المعروف بالعصور الوسطى قبل القرن الخامس عشر، ولفترة طويلة، منفصلاً بوضوح عن ”الزمان العالمي الإسلامي“ (الذي لم يكن له اسم محدد في تلك الحقبة). وبناءً على ذلك، أعتقد أنه من غير المنطقي الحديث عن ”العصور الوسطى الإسلامية“ ما لم تتمكن الأبحاث من إثبات وجود تشابهات بنيوية واضحة.

تفترض النظرية المتعلقة بـ ”التنوير الإسلامي“ أن ”العصر الحديث“ قد تعولم باعتباره ”زمانا عالميا“ مهيمناً على الأزمنة المحلية. ويصعب تحديد بداية هذه العولمة، تماما كما يصعب تحديد أصول النظام الاقتصادي الرأسمالي. حتى القرن السادس عشر، كانت هناك أزمنة عالمية متعددة، تتداخل جزئيا مع بعضها البعض، مع وجود قدر من التسامح المبدئي بينها. إلا أنه مع بداية القرن السادس عشر، بدأت تتصاعد المنافسة بين هذه الأزمنة نتيجة لتحولات تاريخية واقتصادية واجتماعية كبرى. وبالتالي، توسعت الأزمنة العالمية الإقليمية، هذا إن كنا نفترض أصلا وجود ”زمان عالمي“ قبل القرن السادس عشر.

تمثل الأزمنة العالمية تركيبات تاريخية تتيح التواصل بين الثقافات المختلفة. على سبيل المثال، كان تاجر رقيق من لندن في القرن السابع عشر يتسوق في سوق الجزائر، مما ربطه بهذه المنطقة ضمن الإطار الزمني العالمي نفسه. ورغم اختلافه الثقافي والديني واللغوي عن أهل الجزائر، فإن التجارة كانت تشكل الإطار الحواري الذي ينظم هذه العلاقات محددة الآلية التي يتم من خلالها تحديد الانتماء إلى هذا الزمان العالمي أو الاستبعاد منه. بهذا الشكل، لم تكن العلاقة بين الطرفين مقتصرة على خصوصيتهما فحسب، بل جمعت بينهما أيضا اهتماماتهما المشتركة بتجارة الرقيق، مما أفضى إلى تحديد زمنهما المشترك. ولضمان نجاح هذه التجارة، كان لكل منهما كفاءة مماثلة في التعامل مع ثقافات مختلفة، وهي كفاءة كانت تخضع لأساليب وممارسات ومعايير تتجاوز الحدود الثقافية. هذه الخصائص هي التي أسهمت في تشكيل الزمان العالمي، والذي يتميز بوجود معايير وأساليب ثقافية عابرة للحدود، محافظة على ثبات نسبي، وتُعد هي أساس نجاح العلاقات بين الثقافات في مجال التجارة. وبما أن التجارة تلعب دوراً حاسماً في تحديد العلاقة المكانية في هذه الحالة، فإن أي زمان عالمي يقابله بالضرورة زمان مكاني محدد. من هذا المنظور، يمكن اعتبار مفهوم ”الزمان العالمي“ بمثابة تجسيد لمفهوم ”الاقتصاد العالمي“ الذي طرحه المؤرخ الفرنسي الشهير فرناند بروديل، ولكنه يُطبق هنا على المستوى الثقافي.

بناءً على ذلك، تتشكل الأزمنة العالمية من خلال تفاعلات على المستويين الأفقي والعمودي. فهناك حدود تفصل بين هذه الأزمنة، سواء من الناحية الجغرافية أو الاجتماعية. إذ لا تنخرط جميع الثقافات ضمن إطار زمان عالمي موحد، كما لا يشترك جميع أفراد الثقافة الواحدة في ذات الزمان العالمي. وقد تزامنت نشأة الأزمنة العالمية الجديدة مع تفكيك الأنظمة المكانية والمعيشية التي كانت سائدة في العصور الوسطى، وهو ما أوضحه هانس بلومنبيرغ بشكل جلي.[124]

مع مطلع القرن السادس عشر، بدأ نمط زماني عالمي معين في التوسع بوتيرة متسارعة، امتد تأثيره عبر المستويين الأفقي والعمودي. ومع ذلك، لم يستطع أي نمط زماني عالمي، حتى يومنا هذا، أن يتوغل بشكل كامل ليشمل جميع المستويات الاجتماعية والجغرافية. وعليه، فإن تصنيفاتنا للحقب التاريخية لا تعدو كونها تسميات لأزمنة عالمية محددة. فعلى سبيل المثال، يمكن للجغرافيا التاريخية أن توضح، من خلال الخرائط، مدى انتشار فن الباروك. إلا أن تسمية ”الباروك“، كحقبة تاريخية، ليست سوى اصطلاح، تمت إعادة تشكيله وصياغته من قبل الباحثين ―وغالبيتهم من مؤرخي القرن التاسع عشر― لتفسير تجليات نمط زماني عالمي ضمن إطار إقليمي معين. 

نظراً لاعتيادنا على استخدام مثل هذه التسميات لوصف الأزمنة بطريقة ذات دلالة، فإنها تتمتع بميزة كبيرة مقارنة بالمفاهيم المجردة، مثل ”الزمان العالمي في أواخر القرن السابع عشر.“ وغالبا ما يتم تناول مفهوم الزمان العالمي بشكل ضمني، كما يظهر عند الإشارة إلى ”الباروك الأوروبي.“ وفي معظم الأحيان، يتم إسناد أسلوب تاريخي ثقافي إلى نطاق جغرافي معين. ومع ذلك، فبقدر ما يُمثِّل مفهوم ”الباروك“ إشكاليةً في حصر ”الزمان العالمي“ ضمن اتجاهات أسلوبية محدد، فإن التسمية المكانية باستخدام مُلحقات مثل ”أوروبي“ تُعيقُ الفهم لشامل للزمان العالمي.

للتوثيق

شولتز، راينهارد. ”ما هو التنوير الإسلامي؟“، نقله من الألمانية إلى العربية مليكة لشگر. فيلوسموس: ضمن موقع الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية، (يونيو 2026). الرابط <https://philosmus.org/archives/4506>

راينهارد شولتز

عمل راينهارد شولتز Reinhard Schulze باحثًا وأستاذًا في عدد من الجامعات الألمانية، منها هامبورغ وبون وبوخوم وبامبرغ، قبل أن ينتقل إلى جامعة برن، حيث شغل بين عامي 1995 و2018 منصب أستاذ كرسي الدراسات الإسلامية وفقه اللغة الشرقية الحديث، ومدير معهد الدراسات الإسلامية وفقه اللغة الشرقية الحديث. كما تولّى مناصب إدارية أكاديمية في كلية الفلسفة والتاريخ بجامعة برن، منها منصبا نائب العميد والعميد. وبين عامي 2018 و2023 تولّى إدارة منتدى الإسلام والشرق الأوسط في جامعة برن. تركّز أبحاثه على التاريخ الاجتماعي والثقافي للعالم الإسلامي في العصرين الحديث والمعاصر، والثقافات السياسية الإسلامية المعاصرة، وتاريخ الاستشراق والدراسات الإسلامية. وله منشورات عديدة باللغتين الألمانية والإنكليزية تناولت قضايا الإسلام المعاصر، والمعرفة والسلطة، والوهابية العابرة للحدود، والعلمانية، والعنف الديني، وتاريخ الدراسات الإسلامية. وللاطلاع على قائمة منشوراته الكاملة، يُرجى الضغط هنا: قائمة منشورات راينهارد شولتز.

[1] Pnina Werbner, “Allegories of Sacred Imperfection: Magic, Hermeneutics, and the Passion in The Satanic Verses,” Current Anthropology 37, no. 1 (February 1996): 55‒69, at 57: “Against this view it may be argued that to identify the values of the Enlightenment exclusively with the West is to deny many non-Western cultures their ethical autonomy.”

[2] على سبيل المثال، حاولت إثبات ذلك من خلال مثال مفهوم ”المسرح“ في مقالتي: ”تمثيل أم تقليد؟ حول مفهوم المسرح عند كتاب الرحلات العرب في القرن التاسع عشر“

“Schauspiel oder Nachahmung? Zum Theaterbegriff arabischer Reiseschriftsteller im 19. Jahrhundert,” Die Welt des Islams 34 (1994): 67‒84.

[3] Bernd Radtke, “Erleuchtung und Aufklärung. Islamische Mystik und europäischer Rationalismus,” Die Welt des Islams 34 (1994): 48‒66.

[4] Radtke, “Erleuchtung,” 56‒60.

إن الاتهام بـ ”عدم كفاية الفهم اللغوي“ و”الإسقاط“ هو موضوع متكرر في انتقادات رادتكه المتعددة. ويمكنني بدوري أن أسأل عما إذا كان رادتكه قد فهم نظرية التنوير ”فهما نظريا دقيقا“. ورغم شكّي في ذلك، إلا أنني لن أدخل في جدال عقيم هنا. ومع ذلك، كنت أتوقع من ناقد مثل رادتكه أن يقرأ مقالتي: ”القرن الثامن عشر الإسلامي“

Das islamische 18. Jahrhundert”“ قراءة أعمق، وألا يقتصر على اقتباس مقطعين (في ”“Erleuchtung، الهامش 7 و8). ويشير هذان المقطعان إلى مسألة رؤية الذات، وهي مسألة مثيرة للجدل بالتأكيد. وهنا بالذات، فإن خبرة متخصص في التصوف الإسلامي أمر مرغوب فيه، وأعترف بأن تحديد الذات التنويرية برؤية محمد في سياق التصوف أمر مثير للشك. وسأناقش هذا الأمر بمزيد من التفصيل في الصفحة 18 وما بعدها.

[5] Reinhard Schulze, “Das islamische 18. Jahrhundert: Versuch einer historiographischen Kritik,” Die Welt des Islams 30 (1990): 140‒159; “Inquiries into Islamic Modernity prior to the 18th Century: The Reception of the Heliocentric World among Muslim Scholars,” in Contacts between Cultures: West Asia and North Africa, ed. A. Harrak (Lampeter, 1992), 423‒428. (33rd International Congress of Asian and North African Studies, Toronto 1990, Selected Papers, Vol. 1.); “Säkularismus und Religion in westlichen und islamischen Gesellschaften,” in Die Wahrnehmung des Islam in Europa und Nordamerika, ed. Institut für internationale Politik (Berlin, 1993), Working Paper no. 019; “Zur Geschichte der islamischen Moderne: Probleme und Perspektiven der Forschung,” in Changing Identities: The Transformation of Asian and African societies under colonialism, ed. Joachim Heidrich (Berlin, 1984), 25‒40.

لن أتطرق إلى المصادر التي تم ذكرها في أعمال Schulze بعنوان: ”القرن الثامن عشر“ Jahrhundert” 18.“ و ”الحداثة“ ”“Moderne بشكل منفصل في هذا الجزء.

[6] كان نزع الطابع التاريخي عن مفهوم الإسلام مصدر قلق كبير بالنسبة لـ لويلفريد كانتويل سميث؛ راجع كتابه:

 The Meaning and End of Religion (New York, 1964), 75­‒108.

 أشار فيه إلى ”إعادة تشييء الإسلام“ ”Reification of Islam“ في القرن التاسع عشر، أي تجسيد الإسلام إلى كيان جوهري وثابت. ومن هذا المنظور، فإن استخدامنا اللغوي، مثل: ”الإسلام هو، الإسلام يفعل، الإسلام يعرف، إلخ“ ليس إلا شكلاً متطرفا من أشكال هذا ”التجسيد“.

[7]  إضافة إلى ذلك، غالباً ما تُصاغ الجملة في الزمن الحاضر، مما يفتح بابا لنقاش مختلف تماما إذا كانت الجملة التي وردت كما يلي: ”الإسلام لم يعرف التنوير“. مثل هذا القول يعتبر غير منطقي لأنه يتعارض مع قصد المتحدث، ويؤدي إلى تأريخ الإسلام بشكل مبالغ فيه (إلغاء جوهره)، مما يجعل من المنطقي وجود أشكال متعددة من الإسلام مرتبة زمنيا، وأن ”الإسلام“ في مرحلة معينة ربما كان قد عرف التنوير، أو أن الإسلام، بعد عدم معرفته بالتنوير، ربما لم يعد كما كان في السابق. إلا أن صياغة الجملة في الزمن الحاضر تخلق عقيدة ثابتة، قد تكون ذات أهمية في علم اللاهوت، لكنها تفتقر إلى الأهمية في دراسات الإسلام، إلا إذا كان من المفترض إعادة تقييم هذه العقيدة ضمن سياقها التاريخي.

[8] Smith, Meaning, 107.

[9] L. Gardet, “Islam,” in Encyclopaedia of Islam, new ed. (El2), 4, 174.

[10]  تعكس هذه المقاربة بوضوح التقاليد المختلفة للتنوير في إنجلترا-اسكتلندا، فرنسا وألمانيا. إذ يتم إعادة تجميعها وتقديمها بصورة مثالية، ليُطلق عليها اسم ”التنوير الأوروبي“.

[11] Gardet, “Islam,” 174.

[12]  للتوضيح أكثر، يمكننا التساؤل: ألا نسهم نحن أنفسنا في تشكيل مفهوم الإسلام من خلال هذه التعريفات الجوهرية؟ راجع:

Armando Salvatore, Islam and the Political Discourse of Modernity (Reading, 1996).

[13]  وهنا تحديداً تكمن الأهمية الخاصة لمفهوم الخطاب، الذي حظي باهتمام واسع، لكن يتم التقليل من شأنه اليوم. فقد سبق لسميث أن أشار إلى هذا المفهوم بشكل ضمني في سياق دراسته للإسلام.

[14] Radtke, “Erleuchtung,” 48.

[15] Radtke, “Erleuchtung,” 48‒49.

[16] Radtke, “Erleuchtung,” 61.

[17]  للاطلاع على الدراسات الحديثة، والتي ليست متجانسة بأي حال، انظر:

Panajotis Kondylis, Die Aufklärung im Rahmen des neuzeitlichen Rationalismus (Stuttgart, 1986); Bedrich Loewenstein, Der Entwurf der Moderne: Vom Geist der bürgerlichen Gesellschaft und Zivilisation, 2nd ed. (Darmstadt, 1990); Paul Geyer, Das 18. Jahrhundert: Aufklärung (Regensburg, 1995); Dorinda Outram, The Enlightenment (Cambridge, 1995); Anne Goldgar, Impolite Leaming: Conduct and Community in the Republic of Letters, 1680−1750 (New Haven, 1995); Ed. Helmut Reinalter, Aufklärung und Geheimgesellschaft: Zur politischen Funktion und sozialen Struktur der Freimaurerlogen im 18. Jahrhundert (München, 1989); V.A. Tumins, “Enlightenment and mysticism in 18th century Russia,” Studies on Voltaire and the 18th century 58 (1967): 1671−1688.

بالإضافة إلى العديد من الإسهامات في مجلة: Aufklärung 1 (1986): 1.

[18] Ulrich Im Hof, Das Europa der Aufklärung (München, 1993).

[19]  انظر كذلك:

F.A.G. Tholuck, Geschichte des Pietismus und des ersten Stadiums der Aufklärung, vol.1 of Geschichte des Rationalismus (Berlin, 1865).

[20] Friedrich Nietzsche, “Unzeitgemäße Betrachtungen III, Schopenhauer als Erzieher I,” in Die Geburt der Tragödie (…), Kritische Studienausgabe, vol. 1 (München, 1988), 339.

[21] Werner Krauss, preface to Grundposition der französischen Aufklärung, with contributions by Arthur Baumgarten et al. (Berlin, 1955), viii.

[22]  هذا الخوف المشار إليه هنا تم تفسيره أحيانا ―كما حدث مؤخرا مع صموئيل هنتنغتون― على أنه نذير خطر وتم تبريره إلى ”نقص التنوير“. الصحفية لونگ ينگتاي، من تايوان، ردت في مقابلة على سؤال حول ما إذا كانت الكونفوشيوسية تشكل تهديدا للغرب، مؤكدة أن التنوير لا ينبع بالضرورة من الثقافة الأوروبية Tages-Anzeiger, February 8, 1996, 73.

[23]  انظر أيضاً الكتاب الجماعي:

Critique and Power: Recasting the Foucault/Habermas Debate, ed. Michael Kelly (Cambridge, Mass, 1994).

يتناول هذا النقاش التوجه المفاجئ لفوكو نحو كانط، مما فاجأ هابرماس. فكلاهما، هابرماس وفوكو، قد رفض النموذج النقدي لكانط، الذي يستند إلى أُسس نظرية وعملية ذاتية متعالية. انظر في هذا السياق المحاضرتين اللتين ألقاهما فوكو حول كانط في Collège de France عام 1976، والمدرجتين في هذا الكتاب.

[24] Michel Foucault, Archäologie des Wissens (Frankfurt am Main, 1973 ]1995[), 19, ذكره

Jürgen Habermas, Der philosophische Diskurs der Moderne: Zwölf Vorlesungen, (Frankfurt am Main, 1988), 295.

[25]  مع ذلك، لا يستطيع فوكو أن يتجنب الإشارة إلى عصر التنوير، إلا أنه لا يرى التنوير معيارا فكريا أساسيا، بل يراه إطارا للبحث عن بداية ممكنة لتشكّل خطاب معين. ولهذا السبب يمكن فهم قوله: ”إن التنوير الذي اكتشف الحريات، هو نفسه الذي اخترع أنظمة الانضباط.“ انظر:

Michel Foucault, Überwachen und Strafen. Die Geburt des Gefängnisses (Frankfurt am Main, 1976), 284.

للاطلاع على مراجعة فوكو اللاحقة لرؤيته الخاصة بكانط وإعادة اكتشافه للتنوير، انظر:

James Schmidt, Thomas E. Wartenberg, “Foucault’s Enlightenment: Critique, Révolution and the Fashioning of the Self,” in Critique and Power, ed. Kelly, 283‒314.

[26] Habermas, Diskurs, 295.

[27]  انظر أيضاً المواقف الواردة في العدد الخاص: al-wahda (Paris) 81 (Juni 1991).  إن صياغة الإسلام على أنه تنوير واضحة بشكل خاص في أعمال حسن حنفي، راجع مثلا مقالته: ”التنوير وتراث العالم،“ ضمن ندوة التنوير والثقافة، تحرير مراد وهبة ومنى أبو سنة، القاهرة، 1990م، 41–58.

صدرت في عام 1992 موسوعة بعنوان ”عصر التنوير“ بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس دار الهلال للطباعة والنشر في القاهرة، وضمت هذه الموسوعة تقريبا جميع أدباء النهضة العربية، وبعض ممثلي الإصلاح، والكتاب المعاصرين، بالإضافة إلى المتنبي، ابن خلدون وداروين. وكان الهدف أن تقدم دار النشر برنامجها العام باعتباره برنامجا تنويريا.

[28]  في القرن التاسع عشر، كان يتم تبرير ترسيم الحدود في بعض الأحيان بالاستناد إلى التوحيد المطلق في الإسلام؛ إذ اعتُبر الإسلام، لعدم وجود تقليد ”وحدوي“ فيه، عائقا أمام تقدم الثقافة والعلم. انظر:

Ernst von Lasaulx, Neuer Versuch einer allen auf die Wahrheit gegründeten Philosophie der Geschichte (München, 1856), 71.

[29]  لقد استعان رفاعة الطهطاوي بالفعل بالفلسفة العملية لـ ”الإنسانيين“ في العالم الإسلامي (كما وصفهم جورج مقدسي) كالماوردي ومسكويه، لشرح مونتسكيو وفولتير وروسو، انظر كتابه: ”مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية“ الذي ألفه عام 1869. وعموماً، كان يرى في الأدب العربي القديم النموذج النصي الذي يمكن من خلاله وصف التنوير.

[30]  يحذر رودولف بيترز من التسرع في جمع الأفكار المتشابهة ظاهريا، حيث قد يؤدي ذلك إلى تجاهل خصوصية كل فترة تاريخية وأفكارها، ويدفع نحو مثالية عالمية. ومما لا شك فيه أن بيترز محق في هذا التحذير، لأن التشابه الشكلي السطحي لا يكفي لفهم وظائف الأفكار وسياقها الاجتماعي التاريخي. ولكن الهدف الحقيقي هو تحديد هذا السياق، لأنه يسمح لنا بقراءة النصوص بطريقة مختلفة عما هو متعارف عليه في ”الفيلولوجيا التقليدية“. انظر:

“Reinhard Schulze’s quest for an Islamic enlightenment,” Die Welt des Islams 30 (1990): 160‒162.

[31]  لعب كتاب La crise de la conscience européenne  لبول هازارد Rudolph Peters، الصادر في باريس عام 1935 في ثلاث مجلدات، دورا هاما في إضفاء الطابع الأوروبي على عصر التنوير.

[32] طُمس الطابع اليهودي لبعض مفكري عصر التنوير لفترة طويلة لأسباب معروفة، كما يظهر في تصوير لاسينگ سبينوزا في مسرحيته الكوميدية ”اليهود“ “Die Juden”  باعتباره مفكراً مندمجاً، أي لا يختلف عن غيره من مفكري عصره. لمزيد من التفاصيل، انظر الإسهامات في كتاب:

Judentum im Zeitalter der Aufklärung: Gunter Schulz zum 70. Geburtstag, ed. Lessing-Akademie (Heidelberg, 1977).

وترتبط حركة التنوير اليهودي ”هسكلة“ تقليدياً بشخصية موسى مندلسون. وصفت في البداية بـ ”التجديد“، ثم سرعان ما أصبحت تُعرف بـ ”التنوير“. فهل يشير هذا إلى المسار التفسيري المستقبلي لـ ”التجديد الإسلامي“ في القرن الثامن عشر:

Eighteenth Century Renewal and Reform in Islam, ed. Nehemia Levtzion and John O. Voll (Syracuse, N.Y., 1987).

انظر أيضاَ:

Alexander Altmann, Die trostlose Aufklärung: Studien zur Metaphysik und politischen Theorie Moses Mendelsohns (Stuttgart, Bad Cannstatt, 1982); Von der mittelalterlichen zur modernen Aufklärung: Studien zur jüdischen Geistesgeschichte (Tübingen, 1987).

[33]  تناول المؤرخ السويسري يعقوب بوركهارت الإسلام بلهجة نقدية حادة في كتابه:

 Jacob Burckhardt, Weltgeschichtlichen Betrachtungen (Leipzig, 1931) 100.

حيث قال: ”الإسلام، الذي كان دينا قصير الأمد بشكل مروع، قد أثر سلبا أكثر مما أثر إيجاباً بسبب جفافه وبساطته المحدودة، حيث جعل الشعوب غير قادرة على الاندماج في ثقافات أخرى. ورغم أن بساطته ساعدت في انتشاره، إلا أنها ارتبطت بدرجة عالية بانغلاق ثقافي، فرضه التوحيد الديني، وكان القرآن عائقا أمام أي تطور سياسي أو قانوني.“

[34] حتى برنارد لويس لم يقدم أي إضافة في هذا السياق، كما ورد في مقاله:

Bernard Lewis, “Ottoman observers of Ottoman decline,” Islamic Studies 1, no. 1 (1962): 71‒88.

[35]  بخصوص تاريخ البحث، انظر: Schulze, “Islamische Moderne,” passim.

[36]  تم تقديم ذلك بشكل بارز في:

Lucien Febvre, “Comment Jules Michelet inventa la Renaissance,” in Pour une histoire à part entière (Paris, 1962), 717‒729.

[37]  ومع ذلك، أكد فوكو أن التنوير كان ”أول حقبة قامت بتسمية نفسها بنفسها،“ وأن ”التنوير نفسه هو الذي أطلق على نفسه اسم التنوير،“ انظر: Schmidt and Wartenberg, “Enlightenment,” 294.

[38] انظر إلى الملخص المقتضب لحسن حنفي في مقالته ”Voltaire et Rousseau en Egypte“، مركز الدراسات الفرنسية-القاهرة (محرر)، أعمال الندوة La réception de Voltaire et Rousseau en Égypte، بالقاهرة 26‒28 فبراير 1990 (الصفحات: 15‒22). ولم تنشر حتى الآن ―وهذا أمر يلفت الانتباه― أي دراسة حول كيفية تلقي التنوير الفرنسي أو الإنجليزي في العالم العربي.

[39] من المهم أن ندرك أن استجابة المفكرين العرب في القرن التاسع عشر ”للتنوير“ الأوروبي كانت حذرة ومتحفظة، لأن المؤرخين والفلاسفة الإنجليز في نفس الفترة الزمنية كانوا لا يزالون يتجنبون الخوض في أفكار التنوير، خاصة تلك التي ارتبطت بالثورة الفرنسية.

[40] Radtke, “Erleuchtung,” 65.

[41]  لكن الفيلولوجيا تفقد مصداقيتها عندما تركز بشكل مفرط على تصحيحات ترجمة ضيقة ومتشددة. وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن قيمة المعرفة إذا كان من المفترض ترجمة الكلمة العربية ”كرامات“ بـ ”أفعال مقدسة“، بدلا من ’”معجزات إلهية“، و”سائح“ بـ ”مسافر“، بدلاً من ”مرافق الطريق“، انظر: Radtke, “Erleuchtung,” 63, nn. 50, 55, 64.

[42]  انظر:

Heinz Schlaffer, Poesie und Wissen: Die Entstehung des ästhetischen Bewusstseins und der philologischen Erkenntnis (Frankfurt am Main, 1990), introduction.

يبدو أن رادتكه، رغم أنه يتحدث بشكل عام عن ”الفيلولوجيا التقليدية،“ إنما يقصد تحديداً تقليد ”الفيلولوجيا الموضوعية“ التي أسسها أوغست بوك (ت. 1867م)، والتي كانت تتعارض بشكل كبير مع ”فيلولوجيا الكلمات“ التي نادى بها غوتفريد هيرمان (ت. 1848م).

للمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، وخاصة حول محاضرة بوك الشهيرة، انظر:

“Enzyklopädie und Methodologie der philologischen Wissenschaften” (First printed 1877); Axel Horstmann, Antike Theoria und moderne Wissenschaft: August Boeckhs Konzeption der Philologie (Frankfurt am Main, 1992).

[43]  في النقاشات الحديثة، غالبا ما تُفهم الفيلولوجيا على أنها ”تاريخية“، انظر من وجهة نظر الفيلولوجيا:

Wolfgang Pross, “Historische Methodik und philologischer Kommentar,” in Vom Umgang mit Literatur und Literaturgeschichte: Positionen und Perspektiven nach der “Theoriedebatte”, ed. Lutz Danneberg and Friedrich Vollhardt (Stuttgart, 1992), 269‒292; “Die Verspätung der wissenschaftsgeschichtlichen Debatte in der deutschen Literaturwissenschaft,” in Wie international ist die Literatur­wissenschaft, ed. Lutz Danneberg and Friedrich Vollhardt (Stuttgart, 1995), 145‒167.

[44]  بشرط أن نعتبر النصوص الأخرى ذات الصلة سياقا للنص الرئيسي.

[45] Nils Erik Enkvist, John Spencer, and Michael Gregory, Linguistics and style/On defining style (…) (Oxford, 1965; repr., 1978).

[46] أعترف بكل صراحة، أنني عندما كتبت مقدمة كتابي: Islamischer Internationalismus im 2O. Jahrhundert”“،  انجرفت بنفسي إلى استخدام المصطلح التقليدي والضعيف نسبيا ”التصوف المعاصر“، وأطلقت على ابن إدريس وآخرين لقب ”المتصوفين المعاصرين“. لقد تناول Rex Séan O’Fahey وBernd Radtke في مقالتهما “Neo-Sufism reconsidered,” Der Islam 70 (1993): 52‒87. هذه المسألة بكلمات واضحة، وطرحا تحفظات جدية على هذا المصطلح وتتبعا نشأته المشكوك فيها. باختصار، يمكننا الاستغناء عن هذا المصطلح دون التوقف عن مناقشة خصوصية تاريخ الثقافة الإسلامية في القرن الثامن عشر. وفي الواقع، لا توجد ”عقيدة“ للتصوف المعاصر (Radtke, “Mystik,” 61)، كما لا توجد عقيدة محددة للتنوير. غير أن النهج الجدلي لرادتكه في التخلي عن مفهوم ”الحركة“ لا يخدم نقاشنا كثيرا، إذ يظل هذا المصطلح مفهوما راسخا في علم الاجتماع، ويستحق دراسة أعمق لتحديد فائدته في الثقافات الإسلامية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

[47]  محاولة دمج الأساليب المتزامنة في الفيلولوجيا غالبا ما تنتهي بوصف لغوي بحت. حسب تفسير إنكفيست، كانت الفيلولوجيا ستندمج مع اللسانيات.

[48]  انظر مقالته:

“Between Projection and Suppression: Some considerations concerning the Study of Sufism,” in Shi’a Islam, Sects and Sufism, ed. F. de Jong (Utrecht, 1992).

[49]  مثال جيد على استخدام الإسقاط بهذا المعنى نجده في عمل سيغموند فرويد:

“Bruchstücke einer Hysterie-Analyse [1901],” in Hysterie und Angst, (Frankfurt am Main, 1971) [Studienausgabe VI], 83‒186, at 111.

يمكن الاطلاع على نقاش معاصر إضافي، في كتاب:

Projektion: Grenzprobleme zwischen innerer und äußerer Realität. Festschrift Karl-Heinz Stràcker zum 60. Geburtstag, ed. Jürgen Neuser and Reinholde Kriebel (Göttingen, 1992).

[50]  هذا الموضوع محل خلاف كبير وقد تمت دراسته بشكل موسع. انظر المجلد الجماعي:

Reinhart Koselleck, Vergangene Zukunft: zur Semantik geschichtlicher Zeiten, 2nd ed. (Frankfurt am Main, 1995).

[51] يرى رادتكه أن الإسقاط هو تحويل موجه نحو الماضي. يمكننا بطبيعة الحال، وبشكل افتراضي، أن نفسر منهجيته على أنها إسقاط عكسي. عندما يتم تطبيق مفهوم صوفي من ”العصور الوسطى“ على تفسير ”صوفي معاصر“ من القرن التاسع عشر، فإن ذلك يعتبر إسقاطاً زمنيا نحو المستقبل. يبدو أن مسار الزمن الذي يقترحه رادتكه يبدو صحيحا هنا، لأن ”الصوفية المعاصرة“ كان بإمكانها التعامل مع ”المفهوم المرتبط بالعصور الوسطى“. والعكس ليس صحيحا، فصوفي القرن الثالث عشر بالكاد كان قد سمع بالتحليل النفسي. فهل يجوز لنا إذن فهم ”الصوفية في القرون الوسطى“ باستخدام مفاهيم نفسية من القرن العشرين؟

[52] Radtke, “Erleuchtung,” 62.

[53] يمكن مقارنة معرفتنا بموسى مندلسون مع معرفتنا بمحمد مرتضى الزبيدي. فبينما يمثل مندلسون مفكرا يعبر بطريقة إبداعية تتناسب مع مثلنا التنويرية، يظهر الزبيدي كشخصية تقدم لنا مجرد سيرة ذاتية موجزة و”ممثلاً“ لرأي معين. في وعينا، يختفي المفكر الإسلامي خلف الفكر التقليدي الموروث، فلا يُنظر إليه كذات مبدعة، بل مجرد ناقل للأفكار.

[54] حتى بالنسبة لمفكري عصر التنوير، لم يكن الشرق كله واحداً. فبلاد المغرب وبلاد فارس، على سبيل المثال، كانتا تعكسان صورة مختلفة عن الشرق مقارنة بالإمبراطورية العثمانية أو الهند.

[55] يجب فهم ”التَّقوية“ في هذا السياق على أنها مفهوم عام في تاريخ الأديان. يعترض بيرند رادتكه على مصطلح ”المفاهيم العامة“ قائلاً: ”لا أعرف إن كان هذا مصطلحا متخصصا، لكنني أود التعبير عن تحفظاتي الشديدة على اختيار هذه الكلمة“.(“Erleuchtung,” 51, n. 6)  للأسف، لم يوضح رادتكه أسباب تحفظاته، وأنا شخصيا أود معرفة ما يعنيه بـ ”المصطلح المتخصص“ هنا. وأنا أميز بين الحركة التقوية والمذهب البيوريتاني. فالتقوية تشير إلى التجربة الروحية الفردية القائمة على التصوف، والتي تتعارض مع الأرثوذكسية السائدة، بينما البيوريتانية تشير إلى التجربة الجماعية القائمة على التفسير العقلي للعالم (التفسير الحرفي، عقيدة الضمير، القضايا الأخلاقية). كلا المصطلحين هما تعميمات لمفاهيم نشأت في سياقات تاريخية محددة. وتبقى مسألة تصنيف المفكرين والتقاليد الإسلامية ضمن إطار التقوية أو البيوريتانية بحاجة إلى مزيد من الدراسة.

[56] GAL S 2, 656.

[57]  Anonymous, Mohammedanische Religion, 2.

[58]  Anonymous, Mohammedanische Religion, 3.

[59] يقدم قاسم كفريفي في معجمه الشامل .Kasim Kufrevî, “Birgewî,” in Encyclopaedia of Islam, 2nd, i: 1235  ملخصا مختصرا لعطاء الله في كتابه: حدائق الحقائق في تكملة الشقائق (ذيل الشقائق النعمانية)، (القسطنطينية، 1268 [1852])، ج. 1: 179. باربرا فون شليگل Barbara von Schlegel تحضر دراسة عن البركوي. ولسوء الحظ، لم تُنهِ شليگل كتابها بعد. غير أنّه توجد الآن حاشية إنكليزية على طريقة بركوي لبيرجيفي بقلم توسن بيرق الجراحي الخلوتي، بعنوان: The Path of Muhammad (al-Tariqah al-Muhammadiyyah): A Book on Islamic Morals and Ethics and The Last Will and Testament (Vasiyyetname) (Bloomington, Indiana: World Wisdom, 2005). ولا يزال تلقّي بيرجيفي (بركلي) في العربية بحاجة إلى بحث.

[60] وللتنبيه إلى ما قاله بيرند رادتكه، فإن الأمر لا يتعلق بأي حال من الأحوال بمعنى ابن تيمية، والذي يرى رادتكه أن ”محاولاته الإصلاحية“ كما يصفها، ”لا علاقة لها بالتنوير بالمعنى الأوروبي“. ويبدو أن أحدا لم يدع هذا. انظر:

Bernd Radtke, Weltgeschichte und Weltbeschreibung im mittelalterlichen Islam, (Beirut, 1992), 190.

لن أدخل هنا في تفاصيل الهجمات التي شنها رادتكه على باربرا لانجر وأولريش هارمان في هذا السياق؛ ولكن هناك نقطة مهمة أود طرحها: أتساءل لماذا يتحدث رادتكه عن ”الإسلام في العصور الوسطى“؟ أليست هذه العصور نتاجاَ للتنوير والرومانسية؟ ألا يفرض بذلك ”المواقف الفكرية الأوروبية للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر على المجتمع الإسلامي في العصور الوسطى؟“ إذا كانت هناك عصور وسطى إسلامية، فمتى انتهت، وما الذي أدى إلى نهايتها؟ هل انتهت قبل ”العصر الحديث“ أي حوالي عام 1500 كما يكتب رادتكه (نفس المرجع، الصفحة 3)؟ وإذا كان رادتكه يرى ”مثقفين إسلاميين“ في ”العصور الوسطى“، فعليه أن يشرح لنا ما هي هذه الفئة الاجتماعية التي يمكن وصفها بمفهوم مستمد من أواخر القرن التاسع عشر؟ إن سعي رادتكه إلى نقد اللاتاريخية جدير بالثناء، ولكن هذه الأمثلة تظهر صعوبة الالتزام بمعايير النقد الذاتي.

[61]  من بين انتقادات رادتكه المتكررة هي ”عدم ذكر المصادر“، أو ”فهمها بشكل خاطئ“ عند ذكرها. وبالنسبة للبركوي، فإن المصدر الأساسي هو كتابه: الطريقة المحمدية. فإذا قرأت هذه الطريقة كما وصفتها أعلاه، فمن المؤكد أنني سأقع في ”سوء الفهم“ حسب معايير رادتكه. ولكن، من له الحق في تحديد سوء الفهم؟

[62] Paul Wemle, Der schweizerische Protestantismus im XVIII. Jahrhundert, 3 vols. (Tübingen, 1923‒1925).

[63]   يمكن إعادة بناء السيرة الذاتية من خلال المصادر التالية:

عطائي، المرجع السابق؛ علي بن بالي، العقد المنظوم، حواشٍ على ابن خلكان، القاهرة، 1310هـ [1892–1893م]، ج. 2: 430؛ بروسالي طاهر، المؤلفون العثمانيون، إسطنبول، 1333هـ [1915م]، ج. 1: 430–433؛ كاتب چلبي، ميزان الحق في اختيار الأحق، القسطنطينية، 1286هـ [1869–1870م]، 115.

[64]  في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى العمل الذي اقتبسه رادتكه أيضا، والذي يتناول بشكل خاص بلاد المغرب والقرن التاسع عشر:

Michel Chodkiewicz, “The Diffusion of Ibn ‘Arabî’s Doctrine,” Journal of the Muhyiddin Ibn cArabî Society 9 (1991): 36‒57.

[65] عبد الغني النابلسي، ديوان الدواوين، بولاق، 1270هـ [1853–1854م]، ج. 2: 23.

[66] Radtke, “Erleuchtung,” 5.

في الوقت الحالي، لا يمكنني إلا الافتراض بذلك، وحدها البحوث المستقبلية حول الثقافات والتقاليد الصوفية في القرن الثامن عشر فقط ستكشف لنا ما إذا كانت هناك إعادة تقييم لـ ”الذات الميتافيزيقية،“ بحيث تميزها عن التقاليد الصوفية التقليدية. إن إثبات وجود ذات ميتافيزيقية يشكل مفتاحاً هاماً لفهم نظرية التنوير.

[67]  عبد الغني النابلسي، إيضاح الدلالات في سماع الآلات، تحقيق أحمد راتب حموش (دمشق: دار الفكر، 1981).

[68] عبد الغني النابلسي، برج بابل وشدو البلابل، تحقيق أحمد الجندي (دمشق: دار المعرفة، 1988).

[69] ينقل المؤلف هذا الاقتباس للنابلسي من العمل الجامعي الآتي:

Alladin Bakri,Abdalghanî an-Nâbulusî (1143/1731): Oeuvre, vie et doctrine” (PhD diss., University of Paris, 1985), 2, 94. ومن المؤكد أن النابلسي هنا يعيد استخدام المعنى المزدوج لكلمة الحب.

 وبدلا من تعريب ترجمته اعتمدنا النص العربي الأصلي الوارد في عمله غاية المطلوب في محبة المحبوب، تحقيق صمويلا پگاني (روما: باردي إيديتوي، 1995)، 127. (المحرر)

[70]  انظر:

Werner Buch, Das sentimentale Bild: Die Krise der Kunst im 18. Jahrhundert und die Geburt der Moderne (München, 1993). أنا أستخدم مصطلح التصوف بدون دلالته السلبية.

[71] باستثناء الرسم الفارسي والهندي والعثماني.

[72] Henry Corbin, En Islam iranien : Aspects spirituels et philosophiques (Paris, 1972), 4, 56.

[73]  أي أنه لم يتم تحديدها بوضوح.

[74]  من وجهة نظري، يجب إيلاء اهتمام أكبر لهذه الترجمات.

[75] Saiyid Athar Abbas Rizvî, Shâh Walî-Allâh and his Times (Canberra, 1980), 70.

[76] Rizvî, Shâh Walî-Allâh,71.

 المصدر الذي استند إليه Rizvî هو الكتاب الشهير دبستان مذاهب الذي تم تأليفه بين عامي 1645 و1658. انظر: 

 The Dabistan or the School of manners, trans. David Shea and Anthony Troyer (Paris, 1843).

 وهو بمثابة دليل للطائفة الزرادشتية الزائفة المعروفة باسم ”آذر كيفان“. يُنسب هذا العمل غالبا إلى ذو الفقار الأردستاني (المعروف أيضا باسم موبد شاه، المتوفى عام 1670).

[77]    كاتب چلبي، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (إسطنبول، 1941–1943م)، ج. 1: 24.

[78]  انظر التوضيح الدقيق لعبد الحق عدنان:

Abdulhak Adnan Adivar, La science chez les turcs ottomans (Paris, 1939), 106.

[79] إسماعيل حقي، روح المثنوي (بالتركية). مقتبس من:

Mehemmed-Âli Aïnî, Ismail Hakki: philosophe mystique, 1653­‒1725 (Paris, 1933), 47.

[80]  كان للدفاع عن المنطق تقاليد طويلة، كما يتضح من الأبيات التالية: ”إنك بحاجة إلى علم المنطق الجليل، الذي به يرتقي الإنسان ويضع على الفكر تاجا مزخرفا.“

محمد الخليل المرادي، سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، المجلدات 1–3: إسطنبول؛ المجلد 4: بولاق، 1291–1301هـ [1874–1875م، 1883–1884م]، ج. 4: 64، ترجمة محمد الصالحي.

[81] النابلسي، برج بابل، 264.

[82] تم نشر رؤيته في كتاب:

وثائق مقدسية تاريخية، تحقيق كامل جميل العسلي، ثلاثة مجلدات (عمان: مؤسسة عبد الحميد شومان، 1983-1989)، مج. 2: 309-318، 311.

[83] محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس في جواهر القاموس، القاهرة، ج. 1: 39.

قال الزبيدي: إن القديم والحديث ليس لهما قيمة بذاتهما، لأن كل زمان يحمل سماته الخاصة. وفي هذا السياق، استشهد بهذه الأبيات لعالم اللغة المغربي الشهير ابن رشيق:

أولــع الناس بامتــداح القـديم

ليس إلا لأنهم حسدوا الحـي

وبذم الجديد غـير الذمـيم

 ورقوا على العظام الرميم

[84]  لا شك في أن الشعور بالتشاؤم قد تأثر بالصراعات الاجتماعية التي شهدتها إسطنبول وسوريا ومصر بين عامي 1620 و1640. وقد تجسّد هذا الصراع في رموز مثل القهوة والتبغ. في بداية الثلاثينات من القرن السابع عشر، أمر السلطان العثماني مراد الرابع (حكم من 1623 إلى 1640) بإغلاق جميع المقاهي الجديدة وحظر استهلاك التبغ (منذ 1605) والقهوة (منذ 1555) لأسباب سياسية، مما أدى إلى مقاومة التجار الذين كانوا يعتمدون بشكل كبير على تجارة البن. انظر:

Ibrâhîm-i Pecuyî, JdnÀ, 1 (Istanbul, 1281 [1864‒1865]), 363.

[85] إبراهيم بن أبي بكر الصالحي العوفي الحنبلي، تراجم الصواعق في واقعة الصناجق، تحقيق عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم (القاهرة: 1986)، 115.

[86] يصف أحمد بن محمد الخفاجي في كتابه: ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا (القاهرة: مطبعة الوهبية، 1294هـ/1877م)، 258، هذه الواقعة بأوصاف تقليدية، كثيراً ما تتكرر في العديد من قصائد القرن السابع عشر. والمهم هنا ليس التصنيف الفيلولوجي الزمني لهذه المواضيع، بل فهم المعنى في سياق القصيدة.

[87] Egon Friedell, Kulturgeschichte der Neuzeit (München, 1993), 1, 435.

[88] غالبا ما وصفت المنافسة بأنها سمة من سمات ديناميكية العصر الحديث في الغرب، كما هو الحال مثلاً في مجال التكنولوجيا العسكرية، كما أشار بول كينيدي في كتابه:

Paul Kennedy, The Rise and Fall of the Great Powers (New York, 1987).

[89] Svat Soucek, “Piri Reis and Ottoman Discovery of the Great Discoveries,” Studia Islamica 79 (1994): 121‒142.

[90] Soucek, “Piri Reis,” 127.

[91] Soucek, “Piri Reis,” 126.

[92] Soucek, “Piri Reis,” 128.

[93] Soucek, “Piri Reis,” 137..

[94] Soucek, “Piri Reis,” 129, n. 14.

[95] Soucek, “Piri Reis,” 130, n. 14.

ما العلاقة بين تهميشهم واختراع الطباعة؟ هل الطباعة وحدها قادرة على خلق رأي عام؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن ابن عربي وابن تيمية كانا مهمشين أيضاً.

[96] Soucek, “Piri Reis,” 133.

في وصف مصطفى نعيمة، استشهد سوسيك ب:

Lewis V. Thomas, A study of Naima, ed. N. Itzkowitz (New York, 1972), 121‒122. Thomas schreibt: “… World history is [for Naima] simply the history of Islam (…) Muslim history is the entire frame of reference”.

بالطبع، فماذا كان من الممكن أن يكون الإطار المرجعي في القرن السابع عشر؟ ألم تكن المسيحية هي الإطار المرجعي لمؤرخي التاريخ في ألمانيا آنذاك؟ أم كانوا يعتمدون على العالم الإسلامي بنفس القدر كإطار مرجعي؟ قد يكون هناك شك في أن هذا الإطار المرجعي قد تم التخلي عنه تماما في ضوء التمثيل المحدود للثقافات غير الغربية في التاريخ الحديث.

[97]  أشك مع ذلك في أن ”الحظر“ ―إذا وُجد فعلاً― قد تم فرضه لهذا السبب.

[98] Reinhard Schulze, “The Birth of Tradition and Modernity in 18th and 19th Century Islamic Culture: The Case of Printing,” History and Cul­ture 16 (1997), 29‒71.

[99]  من خلال الدراسات الفيلولوجية والأعمال النقدية للنصوص، بات معروفا لنا كيف انتشرت بعض النصوص بشكل فردي. ولكن هذا لا يكفي لفهم ”بنية الرأي العام“ التي كانت سائدة آنذاك. ربما يكون من المفيد استخدام منهجية الشبكات، التي اعتمدها ستيفان رايخموث وغيره، لدراسة هذه المسألة.

[100]  فيما يتعلق بالطابع الثقافي التاريخي للكلاسيكية، التي ميّزت هؤلاء المثقفين، يمكن الرجوع إلى دراسة رينهارد شولتز بعنوان ”أسس الكلاسيكية الإسلامية في القرن الثامن عشر.“ انظر:

Reinhard Schulze, “Weltbilder der Aufklärung. Zur Globalgeschichte neuzeitlicher Wissenskulturen,” in Vom Weltgeist beseelt: Globalgeschichte 1700–1815, ed. Margarete Grandner, Dietmar Rothermund, and Wolfgang Schwentker (Vienna: Promedia, 2004), 161–179.

[101] Radtke, “Erleuchtung,” 51.

[102] ZDMG 146, no. 1 (1996): 92‒111.

[103] Reinhard Schulze, Geschichte der islamischen Welt im 20. Jahrhundert (München, 1994), 14.

[104] Tilman Nagel, “Autochthone Wurzeln,” 94, n. 4.

[105] Nagel, “Autochthone Wurzeln,” 111.

[106] Nagel, “Autochthone Wurzeln,” 108; “Ibn al-͑Arabî und das Asch’aritentum,” in Gottes ist der Orient. Gottes ist der Okzident: Festschrift(…) Falaturi, edited by Udo Tworuschka (Köln, 1991), 207‒245, at 245.

في مساهمته يربط ناگل مفهوم ”نزع الطابع التاريخي للعالم“ بالأشعرية.

[107] Tilman Nagel, “Abkehr von Europa. Der ägyptische Literat Tâhâ Husain (1889‒1973) und die Umformung des Islams in eine Ideologie,” ZDMG 143, no. 2 (1993): 383‒398.

[108] كان ينبغي لناگل أن يناقش هذا الموضوع بشكل أفضل، مستندا إلى مقال ألبرت حوراني:

Albert Hourani, “How should we write the history of the Middle East,” IJMES 23 (1991): 125‒136.

حيث يؤكد حوراني على أهمية التعمق في دراسة التقاليد التاريخية ضمن سياق تاريخي واضح.

[109]  يتم فهم ”الركيزة الأساسية“ بشكل عام من منظور تاريخ المؤسسات. على سبيل المثال، يؤكد توبي هوف على أن ”الهيئات الدينية في الإسلام“ أبقت الفلاسفة والأطباء وعلماء الطبيعة تحت السيطرة، ومنعت أي تكوين اجتماعي للتفكير العلمي الحر. ووفقا لهذا المفهوم، فقد انفصلت ”حضارات الإسلام والصين والغرب“ في أوائل العصر الحديث بسبب التقاليد التاريخية الثقافية، حيث لم ينجح سوى ”الغرب“ وحده في إضفاء الطابع المؤسسي على التفكير العلمي الحر. واستنادا إلى ويليام دي باري William de Bary، يكرر هوف الرأي التقليدي الذي يرى أن افتقار الصين إلى النزعة الفردية كان العامل الحاسم في هذا السياق. المرجع:

Toby E. Huff, The Rise of Early Modern Science: Islam, China, and the West (Cambridge, 1993), 360.

[110] يميل ناگل إلى استخدام مصطلحات مثل ”الحضارة ذات الجذور المختلفة“، انظر:

Tilman Nagel, Geschichte der islamischen Theologie (München, 1994), 241.

[111] Nagel, “Abkehr,” 397. Cf: Die faschistischen Bewegungen: die Krise des liberalen Systems und die Entwicklung der Faschisme, (München, 1966). من المحتمل أن يكون ناگل يقصد هنا إرنست نولت.

[112] Nagel, “Autochthone Wurzeln,” 94, n. 4.

[113] Hans Blumenberg, Lebenszeit und Weltzeit (Frankfurt am Main, 1986).

[114] Martin Heidegger, Sein und Zeit (Tübingen, 16th ed. 1986), 414.

وفي الترجمة العربية : ”الزمان المعمم، من حيث هو وقت-لكذا…، إنما له في ماهيته طابع العالم. لأجل هذا نحن نسمي الزمان الذي يتعمم في تزمن الزمانية: زمان العالم.“ مارتن هايدگر، الكينونية والزمان، ترجمة فتحي المسكيني (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012)، 707.

[115] Wolfram Eberhard, Conquerors and Rulers: Social Forces in Médiéval China, 2nd ed. (Leiden, 1970), 13‒17.

[116]  ومع ذلك، يظهر المنهج الفينومينولوجي لبلومنبيرغ (خاصة في أوائل العصر الحديث) كيف يمكن أن تكون المناقشة النقدية لمفاهيم هايدگر مثمرة، انظر:

Blumenberg, Lebenszeit, 99.

[117] على عكس ناگل، الذي يتبع أسلوب هيردر، فيقول: ”إذا كان مصطلح ’التاريخ‘ يعني عملية تطور وتنمية القدرات والإمكانيات المعرفية الكامنة في الإنسان، (…)“ Autochthone Wurzeln,” 108 “، لقد آثرتُ عن قصد عدم استخدام مفهوم ”روح العصر“ الذي صاغه Dilthey، رغم أن إجراء نقاش نقدي لهذا المفهوم كان واردا؛ انظر:

Rudolf A. Makkreel, Dilthey: Philosoph der Geisteswissenschaften (Frankfurt am Main, 1991), 447.

[118] Nagel, “Autochthone Wurzeln,” 108, n. 34.

[119]  ربما يكون ناگل قد امتنع عن الاستشهاد بعمل Baber Johansen حول الفقيه ابن عابدين، انظر على سبيل المثال:

Baber Johansen, “Urban Structures and the View of Muslim Jurists: The Case of Damascus in the Early 19th Century,” REMMM 55‒56 (1990): 94‒100.

[120] Schulze, Geschichte, 15.

[121]  للاطلاع على الموضوع بشكل عام، انظر أيضا:

Wolfgang Bialas, “Geschichte in weltbürgerlicher Absicht. Vom Nutzen und Nachteil der Geschichtsphilosophie für die Historie,” in Geschichtsdiskurs, vol. 2, Anfänge modernen historischen Denkens, ed. Wolfgang Küttler, Jörn Rüsen, Ernst Schulin (Frankfurt am Main, 1994), 2, 267‒281.

[122] Ulrich Haarman, “ ‘Ein Missgriff des Geschicks’: Muslimische und westliche Standpunkte zur Geschichte der islamischen Welt im 18. Jahrhundert,” in Geschichtsdiskurs, vol 2, Anfänge modernen historischen Denkens, ed. Wolfgang Küttler, Jörn Rüsen, Ernst Schulin (Frankfurt am Main, 1994), 2, 184‒201.

[123] Haarman, “Ein Missgriff des Geschicks,” 198.

[124]  يشمل ذلك بشكل أساسي عملية إلغاء تحديد هوية التقليد.

مقالات ذات صلة

الآبلي شيخُ ابن خلدون

الآبلي شيخُ ابن خلدون

الآبلي شيخُ ابن خلدون ناصيف نصار[1] ترجمة وتقديم فؤاد بن أحمد   تقديم نُشر مقال ناصيف نصار الذي نترجمه هنا بالمجلة الآتية: Studia Islamica, 1964, No. 20 (1964): 103-114. والمقال من الدراسات القليلة والباكرة التي تعرضت لهذا الموضوع الملغز، أعني علاقة الفيلسوف والرياضي...

في الأصول الشرقية للفيزياء الحديثة

في الأصول الشرقية للفيزياء الحديثة

في الأصول الشرقية للفيزياء الحديثة[1] وليام رو-بيرا William Rowe-Pirra ترجمة وتقديم محمد أبركان*جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس تقديم المترجم صاحب المقال الذي نترجمه هنا هو وليام رو-بيرا William Rowe-Pirra، الكاتب الفرنسي المتخصص في الصحافة العلمية. وعلى الرغم من أن...

اعتبارات الماهية: الإبداع السينوي، وابتكار المدرّس الزنوزي

اعتبارات الماهية: الإبداع السينوي، وابتكار المدرّس الزنوزي

Iʿtibārāt al-Māhiyah:al-Ibdāʿ al-Sīnawī, wa Ibtikār al-Mudarris al-Zanūzī اعتبارات الماهيّة: الإبداع السينوي، وابتكار المدرّس الزنوزي   رامين عزيزي وجهنكير مسعودي جامعة فردوسي، مشهد  ترجمها عن الفارسية الهواري بن بوزيان جامعة المصطفى العالمية، قم...

القياس الشعري والتخييل عند الفارابي

القياس الشعري والتخييل عند الفارابي

القياس الشعري والتخييل عند الفارابي لويسْ خَابْيِيرْلُوبيثْ فارْخَاتْجامعة بَانْأمريكَانَا-مكسيكو سيتي ترجمة محمد الولي[1]جامعة سيدي محمد بن عبد الله-فاس كثيرة هي الدراسات التي أنجزت في العالم العربي حول دمج كتابي الخطابة والشعر لأرسطو ضمن الأورغانون. وإذا تم الاتفاق...

العلم العربي والثقافة الإسيدورية (92-206هـ/711-821م)

العلم العربي والثقافة الإسيدورية (92-206هـ/711-821م)

العلم العربي والثقافة الإسيدورية (92-206هـ/711-821م) خوليو سامسو نقله من الإسبانية إلى العربية مصطفى بنسباعجامعة عبد المالك السعدي-تطوان تقديم رغم أن كتاب علوم الأوائل في الأندلسLas ciencias de los antiguos en al-Andalus للأستاذ خوليو سامسو Julio Samsó قد صدر سنة...

بأي معنى ولأي غرض ندرس تاريخ الفلسفة الإسلامية؟ تاريخ تقليد مهمل

بأي معنى ولأي غرض ندرس تاريخ الفلسفة الإسلامية؟ تاريخ تقليد مهمل

بأي معنى ولأي غرض ندرس تاريخ الفلسفة الإسلامية؟ تاريخ تقليد مهمل* هانس ديبرترجمة وتقديم فؤاد بن أحمد تقديم الترجمة هانز دايبر مستشرق ألماني من مواليد عام 1942. حصل على الدكتوراه عام 1968. واشتغل أستاذًا للغة العربية والإسلام في الجامعة الحرة بأمستردام من عام 1977 إلى...

تقليد عثمانيّ في شرح كتاب الغزالي ’تهافت الفلاسفة‘: ملاحظات أوليّة

تقليد عثمانيّ في شرح كتاب الغزالي ’تهافت الفلاسفة‘: ملاحظات أوليّة

تقليد عثمانيّ في شرح كتاب الغزالي ’تهافت الفلاسفة‘ملاحظات أوليّة[1] تأليف: ل. فان ليتجامعة يال-نيو هيفن ترجمة وتقديم: سعيد البوسكلاويجامعة محمّد الأوّل-وجدة/جامعة زايد-أبو ظبي     تقديم المترجم ننقل إلى القارئ العربيّ دراسة قيّمة ترصد تقليدا فكريّا كاملا في شرح كتاب...

قصة عمر الأرض

قصة عمر الأرض

  قصة عمر الأرض ترجمة وتقديم محمد أبركان جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس    تقديم المترجم  المقال الذي نترجمه هنا هو للفيزيائي هوبير كريبين Hubert Krivine؛ وقد سبق لهذا العالِم أن اشتغل باحثا ضمن بنية البحث بمختبر الفيزياء النظرية والنماذج الإحصائية بجامعة...

بيبليوگرافيا وصفية للفلسفة الإشراقية

بيبليوگرافيا وصفية للفلسفة الإشراقية

   بيبليوگرافيا وصفية للفلسفة الإشراقية[1]    تأليف: محسن كَدِيوَر[2]    ترجمها عن الفارسية يونس أجعون[3]جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس (1)المقدمة 1. مكانة الفلسفة الإشراقية ضمن الفلسفة الإسلامية تُعدُّ الفلسفةُ الإشراقية أحدَ مدارس الفلسفة الإسلامية الثلاث، وقد...

جانبٌ من المنعطف السِّينوي في علم الكلام السُّنِّي

جانبٌ من المنعطف السِّينوي في علم الكلام السُّنِّي

جانبٌ من الـمُنعطف السّينويّ في علم الكلام السُّنّي[1] روبرت ويسنوڤسكي[2]جامعة ماكگيل، مونتريال ترجمة هشام بوهدي[3]جامعة القرويين، الرباط   تقديم الترجمة ما أنوي كتابته في هذه الفقرة المختصرة ليس تقديماً لمضمون المقالة ولا لصاحبها؛ لأنّ المقالة قد أصبحت من كلاسيكيّات...

مشاركة / Share
error: Content is protected !!