Loading

آراء الفيلسوف أبي الحسن العامري (ت.381هـ/922م) في النفس الإنسانية


Ārāʾ al-faylasūf Abī al-Ḥasan al-ʿĀmirī (d. 381 H/992 M) fī al-nafs al-insānīyah

Abū al-Ḥasan al-ʿĀmirī (d. 381/992) on The Human Soul: A Philosophical Inquiry

آراء الفيلسوف أبي الحسن العامري (ت.381هـ/ 922م) في النفس الإنسانية[1]

بلال مدرير
الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، الرباط-سلا-القنيطرة

Bilal Modarrir
Regional Academy of Education and Training of Rabat-Salé-Kénitra

Abstract: This article explores the key ideas of the philosopher Abū al-Ḥasan al-ʿĀmirī concerning the human soul—a theme that occupies a central place in both his writings and the broader tradition of Islamic philosophy. By focusing on this subject, the study aims to contribute to the growing scholarly interest in this relatively neglected thinker. Employing an analytical approach, the article examines al-ʿĀmirī’s arguments and conceptual framework in order to shed light on the nature of the soul, understood through its defining properties, rather than through an exhaustive account of its essence. The study concludes that al-ʿĀmirī affirms the soul’s existence, immortality, and immateriality, and it reconstructs the reasoning he offers in support of these claims. It further outlines his tripartite classification of the soul’s faculties, emphasizing that the rational soul is the most noble among them. For al-ʿĀmirī, true virtue and genuine happiness lie in subordinating the lower faculties to the rational one. Finally, the study notes that while the soul is eternal in its survival, it is temporally originated and thus subject to time with respect to its coming into being.
Keywords: Abū al-Ḥasan al-ʿĀmirī, Survival of soul, existence of soul, rational soul, reason, spiritual essence, mental image, body, virtue.

ملخص: يسعى هذا المقال إلى دراسة أبرز آراء الفيلسوف أبي الحسن العامري في مسألة النفس الإنسانية. وقد شغل موضوع النفس الإنسانية حيّزًا مهمًا من كتاباته، ومن التراث الفلسفي الإسلامي عمومًا. لذلك فإن هدف هذا المقال هو الإسهام في رفع الحجاب عن هذا المفكّر المغمور. وقد اعتمدت الدراسة منهجًا تحليليًا في تناول آراء العامري والحجج التي استند إليها، وذلك في سبيل الوقوف على ماهية النفس من خلال خواصّها المميّزة، من غير ادّعاء الإحاطة بحقيقتها الكاملة. وقد خلصت الدراسة إلى القول بوجود النفس وخلودها وتجرّدها، مع عرض الأدلة التي ساقها العامري في هذا السياق. كما تم التعرّف إلى قواها الثلاث، وجرى الاستنتاج بأن أشرف هذه القوى هي النفس الناطقة، وأن الفضيلة والسعادة الحقيقية تتحقّقان بتغليبها وقهر ما دونها من قوى النفس الأخرى. وانتهت الدراسة إلى أنّ النفس، من حيث التكوّن، حادثة وواقعة تحت سلطان الزمان.

الكلمات المفتاحية: أبو الحسن العامري، النفس، وجود النفس، بقاء النفس، النفس الناطقة، العقل، الجوهر الروحاني، الصور العقلية، الجسم، الفضيلة.

مقدمة

عادة ما يُشار إلى أبي الحسن العامري على أنه فيلسوف مغمورٌ لم ينل عنايةً تليق به ولا شُهرة تضاهي فكره؛ إذ لم يَشتهر شُهرة من سبقه من الفلاسفة، كأبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (ت.260هـ/ 873م)، وأبي نصر الفارابي (ت.339هـ/ 950م)، ولا شُهرَة من عاصروه كأحمد بن يعقوب مَسْكَوِيهْ (ت.421هـ/ 1030م)، وأبي علي ابن سينا (ت.427هـ/1037م). وعادةً ما يَرُدُّ الباحثون عدم شُهرته إلى ضياعِ أغلب كتبه، أو إلى عَدمِ اهتمامِ المستشرِقين به.[2] غير أن الأمر يزداد غرابة إذا علمنا أن العامري لم يشتهر ذكِرُه عند المعاصرين فحسب، بل قد أُهمِلَ كذلك من قبل الكثير من الفلاسفة المعاصرين له، لدرجة أن ابن سينا لم يُشِر إليه – فيما يُعرف – إلا مرة واحدة.[3]

غير أن هذا الحكم لم يكن هو الغالب، فبالمقابل؛ يتحدث عنه مسكويه بإعجاب شديد، ويتحسر على فوات فرصة التتلمذ على يديه،[4] ويخصص من كتابه الحكمة الخالدة فصلا كاملا لذكر حِكمه وبعض ما أُثر عنه من أقوال.[5] كما أنه كان من المعظمين عند الوزير أبي الفضل بن العميد (ت.359هـ/970م) وقد جعله من خواصه، وكان يراه ”فيلسوفا تاما“. ويتحدث عنه أبو سليمان المنطقي السجستاني (ت.380هـ/1000م) بإسهاب، وينقل عنه كثيرا كما في صوان الحكمة،[6] وأيضا، يتردد اسم العامري عند معاصره أبي حيان التوحيدي (ت.414هـ/1023م)، ويثني عليه مطولا، وإن لمزه في بعض الأحيان.[7]  وقد كان حظ العامري من الشهرة عند المتقدمين، أفضل منه عند الدراسين المعاصرين.

وبغض النظر عن الأسباب التي جعلت العامري يظل مجهولا عند المعاصرين إلى فترة قريبة، فإن ذلك ليس ينقص من قيمته وتأثيره شيئا، ذلك أن القليل الذي وصلنا من كتبه ومن أخباره، يُنبئ عن حكيم متوسع في أصناف المعارف، محيط بمذاهب معاصريه، وخبير بمقالات الفلاسفة المتقدمين، ولذلك تحولت أنظار الباحثين إليه تدريجيا، وبدأت ملامح فكره تظهر شيئا فشيئا. وهو فيلسوفٌ ينتمي إلى مدرسة أبي إسحاق الكندي؛ بحيث صرَّح في كتابه الأمد على الأبد أنه تَتَلمذ على يد أبي زيد أحمد بن سهل البَلْخِي (ت.322هـ/933م)، الذي بدوره تتلمذ على يد الكندي.[8] وقد جاء وصف العامري في تجارب الأمم وتعاقب الهمم بأنه: ”فيلسوف تام وقد شرح كتب أرسطوطاليس وشاخ فيها.“[9] وبين أيدينا اليوم من كتبه المنشورة سبعة كتب، وهي: الإعلام بمناقب الإسلام، والأمد على الأبد، والتقرير لأوجه التقدير، وإنقاذ البشر من الجبر والقدر، والفصول في المعالم الإلهية، والقول في الإبصار والمُبْصَر، ثم السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية، إلى جانب شذرات باقية من كتابه النسك العقلي والتصوف الملي، ثم الإرشاد في تصحيح الاعتقاد الذي لا يزال مخطوطا.

ومع أن الاهتمام بالعامري يظل ضعيفا مقارنة بغيره، فإنه كان موضع عناية بعض الدارسين، فقد أُنجزت حوله دراسات لا بأس بها من حيث العدد، سواء باللغة العربية، أو بغيرها من اللغات. وأرى أن أكثر دراسة استوعبت الكلام على العامري سيرة وفكرا، وأكثرها خِدمةً لتراثه، هي تلك التي قام بها الباحث سبحان محمود خليفات؛ من خلال كتابه: رسائل أبي الحسن العامري وشذراته الفلسفية دراسة ونصوص، المنشور عام 1988 بالأردن؛ حيث أسهب في الكلام على سيرة العامري، وتوسع في عرض فكره وثقافته، كما قام بتحقيق مجموعة من رسائله، وأرفقها بدراسةٍ مفصَّلةٍ.

وقبل دراسة سحبان خليفات، حقّقَ الدارس أحمد عبد الحميد غراب كتاب الإعلام بمناقب الإسلام، وقدم له بمقدمة وجيزة تناول فيها شيئا من ترجمة العامري، وطَرَفاً من سيرته وفكره. وقد اُعتبر هذا العمل فاتحة الدراسات التي اهتمت بالعامري في الكتابات العربية.

وأنجزت كذلك الباحثة منى أحمد أبو زيد دراسة عن العامري بعنوان: الإنسان في الفلسفة الإسلامية: دراسة مقارنة في فكر أبي الحسن العامري، خصصت الجزء الأكبر من الفصل الأول لدراسة موضوع النفس عند العامري، فتناولت تعريف النفس[10] ومصدريتها[11] وأدلة وجودها[12] وقواها[13] وعلاقتها بالجسد[14] والعقل.[15] وقد سجلت الباحثة بعض النقاط التي يتقاطع معها هذا البحث؛ من ذلك اعتبار الكائن الإنساني عند العامري متكوناً من الجوهرين المتباعدين،[16] وأن حقيقته وماهيته ليست هي جسده وهيكله المحسوس، بل إنَّ حقيقته في واقع الأمر هي النفس؛ إذ هي التي بها يتميز عن غيره من الكائنات،[17] وكذلك أشارت إلى غموضِ مسألةِ آنِ حدوثِ النَّفسِ الإنسانية في رأيِ العامري، أعني؛ هل يكون وجودُها مع الجسدِ أم قبله،[18] وأيضا، فإنها أكَّدت شرف النفس الناطقة مقارنةً بالنفس الحسية،[19] وأشارت أيضا إلى روحانية النفس وجوهريتها وأنها ليست ذات طبيعة جسمانية،[20] وكذلك، فإنها أرجعت الكثير من الآراء العامرية إلى أصولها الأرسطية والأفلاطونية، وغير ذلك من النقاط.

وقد وظفت الباحثة في غالب الأحيان منهجا مُقارنا، مما جعلها تستطرد في ذكر الأقوال المختلفة والتصورات المتضاربة حول النفس الإنسانية. وبلا شك فإن لهذا المنهج قيمته، إلا أن إسهابها في ذكر مذاهب الناس في النفس، وتوسعها في سرد أقوال المدارس المختلفة، جعل جُهدها مُفرَّقاً بين كل ذلك، ولم يكن المتن المخصص لدراسة رأي العامري حول هذه القضية وافيا. وقد حاولت في هذا العملِ تَحاشِيَ هذا المنهج إلا نادراً، وآثرتُ حَصْرَ الجهدِ في تَعرُّفِ مذهب العامري دون التركيز كثيرا على مذاهب غيره. وأيضا، فإن من الملاحظات على بحثها أنها جعلت العامري تابعاً تبعيةً مُطلقةً لفلاسفة اليونان، حتى كادت تُرجع جميع أفكاره إليهم، ولم تبذل جُهداً كبيرا للتدليل على استقلاله الفكري.

وأما الدراسات حول العامري بغير العربية، فنمثل لها بالعمل الذي قام به الباحث الأمريكي Everett K. Rowson حيث نشر سنة 1988 كتاب الأمد على الأبد؛ مُحقِّقاً النصَّ العربي ومترجما إياه إلى الإنجليزية، مشفوعا بدراسة وافية حول العامري وحول النصِّ المحقق.

وقد اعتبر  Rowson هذا الكتاب محاولة من العامري للتوفيق بين التصور اليوناني للنفس، وبين التصور الإسلامي لقضية المعاد،[21] ومن ثم؛ فقد ناقش الكتاب مصير النفس بعد الموت؛ إحدى أكثر القضايا الحساسة والخلافية بين الفلاسفة والمتكلمين،[22] وليس غريبا أن يحاول العامري التوفيق بين الرأي اليوناني والإسلامي؛ ذلك أن العامري ــ حسب تعبير Rowson ــ ”أكثر فلاسفة عصره توافقا مع الإسلام،“[23] وأكثرهم سعيا في سد الفجوة بين الفلسفة وخصومها، وأكثرهم نشاطا في محاولة كسب رضى خصوم الفلسفة عنها في الأوساط الإسلامية.[24]

ونحن في هذا العمل نحب أن ننخرط في هذه الجهود المبذولة لدراسة هذا العلَم المميز، ونسعى إلى الإسهام في كشف الغطاء عنه، من خلال القيام بدراسةٍ لأحد الجوانب الحاضرة بقوة في فلسفته وفي الفلسفة الإسلامية عموما؛ أعني موضوع النفس الإنسانية، فنقول:

لقد اهتم العامري كغيره من فلاسفة عصره بموضوع النفس وبما يكتنفها من إشكالات، ويمكننا أن نُرجع هذا الاهتمام بها إلى مجموعة من الأسباب؛ منها: أن معرفة النفس طريق لمعرفة الله تعالى، إذ ”من عجز عن معرفة نفسه، فأَخْلَقُ به أن يعجزَ عن معرفةِ خالقه،“[25] ومنها؛ أن للنفس علاقة جوهرية بمسألة المعاد،[26] إذ إن إثبات الكثير من مسائل المعاد متوقف على إثبات النفس، ومنها كذلك؛ أن تهذيب الأخلاق واكتساب الفضيلة الموصل إلى السعادة متوقف كذلك على معرفة النفس، إذ لا يمكن تهذيب النفس وتزكيتها قبل معرفتها،[27] وأيضا، فإن مبحث النفس من أعصى المباحث ”على الفكر تحصيلا، وأعماها سبيلا،“[28] ولما كانت مباحثه على هذا القدر من الصعوبة والغموض، وكانت تكتنفها إشكالات وألغاز عدة؛ كان من الطبيعي أن تَشُدَّ هذه الألغاز انتباه أرباب الفكر والنظر العقلي، وكان من الطبيعي أن يُجهد الفلاسفة أنفسهم في حلِّ ألغازها وفضِّ مشكلاتها.

وقد تَتَبَّعت في هذا البحث كلامَ العامري عن النفس الإنسانية، فحاولتُ جمعَ أهَمِّ الأفكارِ منه ضمن مباحثَ محددة، قصد الإجابة عن إشكال رئيس وهو: كيف يرى العامري النفس الإنسانية وما أهمُّ آرائه حولها؟ على أن نحاول بعد ذلك معرفة خلفيات هذه الآراء. مُوظفين من أجل ذلك المنهجَ الاستقرائيَّ ثم التحليليَّ.

 وقد جاء البحثُ مُتَضمِّنًا مُقدِّمة، ثم مبحثاً حول أدلة وجود النفس، ثم مبحثا حول ماهيةِ النفس، ثم مبحثاً حول قِوى النفسِ الثلاثة؛ الناطقة والغضبية والشهوانية، ثم مبحثاً في شرف النفس الناطقة، ثم بعده مبحثاً حول أدلة خلود النفس، ثم مبحثاً حول النفس والزمان، ثم مبحثا في بيان خلفيات آراء العامري في النفس، ثم أخيرا خاتمةً تضَمَّنتْ أهمَّ النتائج.

وسنبدأ بأول مبحث، وهو حول أدلة وجود النفس؛ وقد استخلصت من كلامه ثلاثة أدلة رئيسية؛ منها: أنها هي المُستثٌبِتة للمعاني العقلية، وأنها هي محلُّ الفضائل والحكمة، إلى جانب الإطلاقات العامية.

في أدلة وجود النفس[29]

1. النفس هي المُستَثْبِتَة للمعاني العقلية

المُدركات التي يُدركها الإنسان على قسمين؛ قسم يُدركه بالحواس الخمس وبالنفس معا، وهذا القسم هو سائر المحسوسات، ثم قسم آخر عقلي غير مُدركٍ بالحواس؛ كالعلَّة والمعلول والخير والفضيلة والحكمة والجمال والقبح وسائر المفاهيم المجردة، ولما وُجد الإنسان مُتصوِّرا ومُدركا لهذه المعاني العقلية المجردة، فذلك يعني أن تصورها لم يكن بالجسم بل بجوهر آخر غيره، ولما لم يوجد في الإنسان غير البدن والنفس، لم يبق إلا أن تكون النفس هي المُدركة لتلك المعاني، ولن يكون الجسد، لأن الجسد إنما يتصور بالحواس، والحواس ليست تتصور غير المحسوسات المتحيزات المتركبات والمستحيلات، ولو افترضنا حصول تصورها بالجسد، لاقتضى الأمر اعتبار تلك المعاني المجردة واقعة ضمن المعاني الحسية المتركبة والجزئية، ولما كان ذلك ممتنع، فلم يبق إلا القول بأن النفس هي المُستثبتة لتلك المعاني العقلية.

والذي يزيد القضية تأكيدا وبيانا، هو أن المعاني العقلية؛ كالحكمة والفضيلة وما إلى ذلك هي معانٍ أبدية، غير قابلة للزوال والانحلال، ومن كانت هذه حاله، فيجب ألا يحل إلا في الباقي الذي لا ينحل ولا يتلاشى، ولما حصل اليقين بكون الجسد منحلاًّ لا محالة، وأنًّهُ غير مُتَّصِفٍ بالأبدية، استحالَ أن يكون هو محلها، فلم يبق غير النفس، لأنها وحدها غير خاضعة لقوانين المادة، وبالتالي فهي غير زائلة، فلزم عن هذا أن تكون المعاني العقلية حالَّةً فيها، وأيضا، فإن المعاني العقلية هي معانٍ كلية، ولأنها كذلك، فلن تحصل المعرفة بها إلا كليا، ولن تجوز المعرفة بها جزئيا، ولما كان البدن لا يُدرك بحواسه إلا جزئيا، تيقنا حينها أننا لم نُدركها بالجسم، بل جوهر آخر، وهو النفس، فاتضح من خلال كل هذا إذن، أن النفس موجودة، ودليل وجودها هنا هو حصول العرفان بالمعاني والصور العقلية.

2. النفس هي محل الحكم المُقتبسة والفضائل المُقتناة

غاية العامري هنا إثبات أن الفضائل والعلوم والحكمة… يستحيل أن يكون محلها من الإنسان البدن، وإذا تقرر هذا، فإنه يقتضي وجود جوهر آخر يكون محلا لها، وهو النفس، ومن حججه على هذه المسألة؛ أن بدن الإنسان ينزع أحيانا إلى أمور يشتهيها ويريدها، فتقف المعاني منه المضادة لتلك النوازع فتمنعه منها، والمقصود بالمعاني المضادة؛ الفضائل، ”كالعفة أو العدالة أو الحكمة أو الشجاعة،“[30] بحيث تردع هذه المعاني الجسم عن مبتغاه وتحول بينه وبين ما يشتهي، كأن يشتهي الإنسان مثلا أمورا مائلة إلى الخلاعة ومنافية للحياء، فتردعه العفة عن ذلك، وكأن يميل إلى الجبن فتردعه الشجاعة عن ذلك، وعليه؛ فلو كانت العفة محلها البدن لما جاز أن تتصدى لرغبته، إذ لا يُتصور أن تتصادم أطراف الجسد الواحد وتتعاند وأن يوجد بينها خلاف، وعلى هذا؛ فلو كانت الفضائل محلها البدن ف ”لن يجوز أن يتصدى لعناده أحد جزئيه بالقوة، فإذن لم يبق إلا أن يوجد ههنا جوهر مقترن بالقالب منفرد بسنخه بحمل أمثالها من الأعراض.“[31]

فإذن من أدلة وجود النفس عند أبي الحسن العامري قدرة الإنسان على اقتباس الحكمة واقتناء الفضائل والعلوم، ولذلك فإننا يجب أن نعلم هذه العلوم والحكم والفضائل أين محلها من الإنسان، فإذا تبيّنا أن محلها منه ليس البدن، حينها لن يبقى إلا أن نضيفها إلى النفس، على اعتبار أن الإنسان ليس إلا جسما ونفسا، وعلى هذا فإننا نقول:

لن يكون الإنسان أبدا فاضلا وحكيما أو عالما ببدنه، بل بنفسه، ولو وُجدت أفعال البدن ومشتهياته موافقة للحكمة والفضيلة  في المبدأ والتمام، فلن تكون تلك الأفعال والنوازع ذاتية للجسم، بل لن تكون إلا بواسطة النفس، وذلك بفعل ثلاثة أسباب؛ الأول: هو أن البدن بطبيعته طائعٌ للنفس خاضعٌ لسلطانها، والنفس بطبيعتها مسيرة للجسم مدبرة لأفعاله ولسائر شؤونه، وبالتالي فأفعاله هذه؛ النفس هي الدافعة له إليها، الثاني: وقد تقدم، وهو أن الحكمة والعلوم والفضيلة كلها معانٍ عقلية كلية، ولن تتحد ولن تحل إلا بما هو جوهر روحاني كلي، الثالث: وهو أن النفس إذا فارقت الجسد، فلن يوصف حينها بحكمة ولا فضيلة، ولكنه سيفنى فيتحلل ويتلاشى، ولأن تلك المعاني أبدية، فلن يجوز حينها إضافتها لغير النفس، إذ لو حدث عكس ذلك، أي لو نُسبت للبدن، لصارت هي كذلك متلاشية متحللة، وذلك ممتنع ومحال.

وإلى جانب ذلك فقد قرر العامري قانونا هاما مفاده؛ أن الأفعال الصادرة عن جوهر ما، لن يجوز أن تكون هي أشرف من ذلك الجوهر، فذلك ممتنع قطعا، وإذا أعملنا هذا القانون في هذا الباب؛ فإننا نقول: لوكان الجسم هو المحل للحكمة والفضيلة، حينها لم تكن هذه الحكمة والفضيلة إلا تلك الأفعال الصادرة عن الجسم، ولما كنا متفقين على أن ما هو أبدي كليّ روحاني، أشرف مما هو وقتي جزئي متركب، واتفقنا على أن الحكمة والفضيلة داخلة تحت الصنف الأول، واسم البدن داخل تحت الصنف الثاني، علمنا حينها أن الصنف الأول أشرف من الثاني، وبهذا نصل إلى استحالة اعتبار الجسد هو الحامل لتلك المعاني، إذ الأصل أن يكون الحامل أفضل من المحمول، وعليه، نخلص إلى أن النفس هي القابلة لأن تتجسد فيها تلك المعاني، وبهذا نكون قد تيقنا وجود النفس.

فإذن اتضح عدم قابلية بدن الإنسان لأن يكون محلا للحكمة والفضيلة، بسبب التضاد والعناد القائم بين طبيعة الشيئين؛ بين ما هو عقلي أبدي وكلي غير قابل للتجزيء، أعني الحكمة والفضيلة، وبين ما هو حِسِيّ وقتي وجزئي غير قابل للكلية، أعني الجسد، فإذن على هذا تيقنا أن محل الفضائل ليس هو البدن، وتيقنا كذلك أن محلها هو النفس، وبالتالي نكون قد حصلنا دليلا آخر على وجودها.

3. الإطلاقات العامية

في سعي العامري لإثبات وجود النفس وفي دفاعه عن رأيه في هذه القضية، يتكئ على حجة الإطلاقات العامية؛ أي أن يوجد في عرف تخاطب الناس عبارات مثل؛ ” إن فلانا ذكي النفس، وفلانا بليد النفس، وفلانا شره النفس، وفلانا عفيف النفس،“[32] وهي عادة لغوية غير مختصة بأمة دون أمة، بل إنها مستفيضة في كافة الأمم، وغير مقبول عند العامري أن تكون هذه الأمم جميعها اصطلحت واتفقت على إطلاقات كاذبة. إن العامري يعتبر هذه الحجة قوية من جهتين؛ الجهة الأولى إجماع الأمم، والجهة الثانية، ألا يوجد في هذه الأمم جميعها عقلاء يستنكرون هذه الإطلاقات، ”وإلا فقد حصلت الإطلاقات العامية كاذبة تحته من غير أن يوجد لها من طبقات العقلاء مستنكر،“[33] ولا شك أن في سكوتهم هذا إقراراً لها وقبولاً وتأكيداً. فهو يستدل إذن بإجماع العوام وبإجماع العقلاء، ولا شك أن إجماع العقول حجة معتبرة.

فإذن هذه حجة جديدة على وجود النفس تُضاف إلى الحجج الأخرى التي ساقها العامري، وهي حجة مختلفة عما سبقها، إذ كان يركز فيما مضى على اختصاص النفس وحدها بالقابلية للمعاني العقلية، ويُجهد نفسه في التدليل على ذلك، ثم نراه هنا يجنح إلى التحليل اللغوي للإطلاقات العامية، وهذه الطريقة الأخيرة ــ في رأي الدكتور سحبان خليفات ــ لم يُسبق إليها العامري.[34]

 وبعد أن تعرفنا وجود النفس، فإننا ننتقل الآن للكلام على ماهيتها.

4. حول ماهية النفس

لا يختلف العامري في اعتبار تعريفِ الشيء بذكر أوصافه ومعانيه الإضافية دون تحديد الماهية وتحديد المعاني الذاتية أمرا غير كافٍ للإفصاح عن معنى الشيء، وأمرا غير سليم لمن كان غرضه البيان، بل اعتبر من سعى لتعريف شيء ثم اكتفى بالوصف دون النفاذ للماهية قد أخطأ ووقع في غَلطٍ عظيم،[35] ولذلك فإنا نجده يقول ”لن تتضح المائية بالأوصاف الإضافية بل يُحتاج في تحققها إلى ذكر المعاني الذاتية،“[36] ويوافقه أبو علي ابن سينا (ت.427هـ/1037م) بقوله  ”من رام وصف شيء من الأشياء قبل أن يتقدم فيُثبت إنيته فهو معدود عند الحكماء ممن زاغ عن مَحَجَّةِ الإيضاح.“[37] وإنا إذا استقصينا ما وُجد من كتب العامري فإنا لا نجده قد أولى أهمية كبيرة لتعريف النفس؛ أعني أنك لا تقف في كتبه على فصل أو مبحث مخصص لمعالجة هذه المسألة؛ رغم أن موضوع النفس شغل حيزا كبيرا من كتاباته، لكنا بالمقابل نجده يُكثر الحديث عن خواصها وصفاتها ومعانيها الإضافية، وإذا كان ذلك كذلك، ترجَّحَ لدينا أحد هذه الأمور؛ الأول: أن يكون العامري يعتقد أن النفسَ مما يتعذَّرُ الوقوفُ على حقيقةِ ذاتها، وأن إصابةَ ماهيتها غير واقع في حيز الإمكان. والثاني: أنه لم يقتنع بتعاريف وحدود النفس المأخوذة عمن سبقه من الفلاسفة، ولذلك لم يتبناها. والثالث: أن يكون العامري عرَّف النفس، لكن في غير هذه الكتب التي وصلتنا؛ الرابع: أن يكون اعتبر النفس من الأمور التي لا تُعرّف إما لغموضها أو لوضوحها، وعلى كل هذا فإننا نسجل فراغا على مستوى التعريف.

غير أنَّ هذا الفراغ قد ينسد بما ذكره أبو حيان التوحيدي (414هـ/1023م) في المقابسات؛ حيث نقل عن العامري أربع تعاريف للنفس؛ إلا أنها تبدو مقتضبة وتحتاجُ إيضاحاً وبسطاً،[38] الأول؛ أنها ”روح الله منبجسة بتوسط العقل،“[39] والثاني؛ ”تمام جوهر ذي آلة قابلة للحياة،“[40] والثالث ”جوهر عقلي متحرك من ذاته بعدد مؤتلف،“[41] والرابع: ”جوهر علامة مؤتلف بالفعل.“[42] وهي كلها تعاريف تبدو متقاربة، تُثبت للنفس الروحانية والحياة والحركة، وأن لها قِوىً متعددة مؤتلفة، ولها خاصية العقل والعلم والقيام بالذات.

وفي كتاب الفصول في المعالم الإلهية يتحدث العامري عن الله، والعقل الصريح، والنفس، فينسب للحكماء قولهم؛ إن الله الأول الحق؛ ذو أحدية، والعقل الصريح ذو ثنائية، والنفس ذات ثلاثية؛ فثنائية العقل الصريح هي: التصور للمعاني الكلية، والمحبة لإفاضتها، وثلاثية النفس؛ هي ما سبق إضافته إلى العقل الصريح، إلى جانب أنها ”كمال الجسم الطبيعي الآلي بإحيائه واستعمال طبيعته المختصة به،“[43] وهذا التعبير الأخير رغم اشتهاره بأنه تعريف للنفس؛ إلا أنا لا نجد العامري يذكره هنا بصدد التعريف، بل هو ذاكر له في إطار تعداد ما قد نُسميه قِوى النَّفْسِ أو صورِها أو وظائفها، وبالتالي فلا يُمكن أن نجعلَهُ تعريفا، بقدر ما هو بيان لإحدى وظائف النفس أو ما شابه ذلك.

وبناء على هذا الكلام الأخير؛ يكون العامري قد وافق أرسطو (ت.322 ق.م) في وصفه النفس بهذه الشاكلة؛ حيث صرَّح هذا الأخير في كتاب النفس بالقول إنَّ ”النفس كمالٌ أولٌ لجسم طبيعي ذي حياة بالقوة،“[44] وبمثله صرَّح ابن سينا من بعد كما في النجاة.[45]

وإذ قد تطرقنا إلى ماهية النفس بشيء من الإشارة والإيجاز، فإننا نصرف عنايتنا الآن للكلام على بعض أهم خواص النفس كما يعرضها العامري.

5. في خواص النفس

 نجد في كُتُبِ العامري حديثاً طويلاً عن خواص النفس، وصفاتٍ كثيرة لها ومعانٍ إضافية متعددة، وسأقتصر هنا على ما رأيته أقرب هذه الصفات وأجدر هذه المعاني الإضافية على زيادة إيضاحِ الماهية، وقد اخترتُ من هذه المعاني الإضافية خمساً، أوَّلُها؛ المصدرُ السَّماوي، ثم الأَحدية في الذَّات، ثم اللاَّتناهي، ثم التجرد، ثم أخيرا الالتحافُ بالجسد.

ولنتكلم الآن عن أول خاصية من خواص النفس، وهي اعتبارُه إيَّاها جوهراً روحانيّاً مصدرهُ العالم العلوي.

أ‌. النفس جوهر سماوي

نقرأ في الأمد على الأبد ما نَصُّه: ”النفس جوهر سماوي السِّنخ،[46] ولهذا ما تشتاق عند تكاملها بالحكمة إلى العالم العلوي،“[47] وينقل عنه مسكويه في الحكمة الخالدة تفصيل هذا الكلام بقوله: ”النفس سمائية السنخ، ولهذا ما تشتاق عند صفوتها بالحكمة الحقيقية والأعمال الصالحة إلى العالم العلوي… والقالَب أرضي السِّنخ، ولهذا ما يشتاق عند تكدره بالجهالة المغوية والأعمال السيئة إلى العالم السفلي.“[48] فالنص هنا يشير إلى المصدرية السماوية للنفس؛ ومنه؛ يمكننا أن نستنبط مجموعة من الإشارات، منها؛ أن وجود النفس وتكونها وقع في مكان خارج هذا العالم. ومنها؛ أن مصدرية النفس السماوية تعني أن مكوناتها ليست من عناصر أرضية.[49] ومنها؛ أن سماوية النفس تعني أنها حلَّت بالجسم الإنساني ولم تُخلق معه، لأن الجسم أرضي، خُلق في الأرض، وذو طبيعة وعناصر أرضية، ولكنّ ”جوهر النفس ليس بمترتب تحت الأكوان الطبيعية، بل هو معدود من الموجودات الروحانية.“[50]

وأيضا؛ فإن هذه المصدرية السماوية قد تجعلها غير خاضعة للقوانين المادية الأرضية؛ كالجسمية والتحيز والتجزؤ والتركيب والتناهي والوزن وشغل حيز في الفراغ، وأن تكون ذات أبعاد من طول وعرض وارتفاع وما إلى ذلك، فكل هذه الأمور لن تسري على النفس ما دامت هي سماوية، تنتمي لعالم ميتافيزيقي غيبي لا نعرف عنه شيئا، ولا ترقى مداركنا إلى دراية حقيقة معانيه، ولا تصلُ عقولنا إلى إصابة كُنهِ جواهرِهِ، ولأنها تنتمي لعالم غيبي؛ فطبيعي إذن أن تكون حقيقتها خفية غامضة، وطبيعي أن تكون مباحثها عصية على الفكر.

وبعد أن حاولنا بيان خاصية المصدرية السماوية، فإننا ننتقل الآن مع العامري لخاصية أخرى؛ وهي الأحدية في الذات.

ب‌. النفس واحدة بالذات وإن كانت متكثرة بالقوى

يقول العامري: ”[النفس] وإن وُصفت بالوحدانية، فهي من جهة قواها متكثرة،“[51] وقوى النفس التي يتحدث عنها العامري هنا ثلاث قوى؛ قوة الرأي، وقوة الفكر، وقوة العقل، وهذه القوى وإن كانت مختلفة، فإن انتظام النفس لها ليس بمنزلة انتظام الجسم للأعضاء، ولكي يُوضح العامري صورة وحدانية النفس رغم انطوائها على قوى متعددة، فإنه يعقد مقارنة بين قِوى النفس وأعضاء الجسم، فيبين أن أعضاءَ الجسم تكون على صورة قابلة للانفكاك عن الجسم، ولها أبعادٌ ممتدة وجهاتٌ متباينة، فعضو اليد مثلا يخالف عضو الرِّجل وجانب اليمين يُباعد جانب اليسار، وأما النفس فإنها ليست كذلك، نسمعه يقول ”الجوهر الروحاني لن يكون ذا بُعد ممتد، ولا بذي أجزاء متباينة، ولكنه يكون من حقيقة الوحدانية بحيث يوجد كل واحد من قواه صالحا لأن يوصف بصواحبه،“[52] غير أن السؤال الوارد هنا هو: ما الدليل على وحدانية النفس، وأنها ليست متعددة متركبة كالأجسام؟

بداية يسوق العامري دليلين يوضحان هذه المسألة، الأول؛ طبيعتها الروحانية؛ على اعتبار أن روحانية الشيء يلزم عنها عدم اتصافه بصفات الأجسام، كالتركيب والأبعاد الممتدة وما إلى ذلك، والدليل الثاني هو أن النفس لا تباشر أفعالها بآلات وأعضاء، ولأنها مستغنية عن الأعضاء، فإنها ليست متجزئة، نُنصت إليه وهو يقرر هذه المسألة بقوله:” وأما النفس النطقية فلأنها روحانية السِّنخ، وليست تفعل بالآلة، فلن يعرض لها التجزؤ وإن كانت مفتنة القوى، على أن لقواها المفتنة صورة أحدية، وهي القوة العاقلة.“[53]

وإذ قد اتضحت أحدية النفس النطقية، فإننا نبين الآن خاصية أخرى، وهي اللاتناهي.

ت‌. النفس غير متناهية

لقد قرر أبو الحسن العامري أن النفس جوهر روحاني غير متناهٍ، واللاتناهي في الاصطلاح من النهاية، والنهاية  ”عبارة عما لو فرضَ الفارضُ الوقوف عنده لم يجد بعده شيئا آخر من ذي الطرف، كالنقطة للخط، والخط للسطح، والآن للزمان،“[54] فهي إذن غير متناهية بناء على روحانيتها، ولأنها كذلك فهي ليست كيفيات جسمانية،[55] ولا هي مُشكَّلة من الأسطقسات الأربعة،[56] ذلك أن هذه الأخيرة متناهية، وأيضا، فإنها ليست بجسم ذي أبعاد، ”والأبعاد متناهية،“[57] كما أن التناهي ”من صفات المقادير والأعداد.“[58]

وإذا كان التناهي إنما يَصدقُ على ذي البعد الممتد، وعلى ذي العدد والمقدار، وعلمنا أن النفس غير مندرجة تحت كل هذا، فلا هي ذات أبعاد حتى لا تتناهى أبعادُها، ولا هي ذات عدد ومقدار حتى لا تتناهى عدّاً ومقداراً، فلم يبقَ إلا أن نستنتج أنّ ما يقصده العامري هو اللاتناهي في الزمان. قال أبو الحسن؛ إن ”[النفس] روحانية غير متناهية.“[59] وقال مبينا تناهي الأجسام الطبيعية، ”القوة الطبيعية محال أن تكون في ذاتها غير متناهية، فلو كانت كذلك لما تعلق تأثيرها بالزمان والمدة.“[60]

فإذا اتضح أنها غير متناهية، فإننا نتحدث الآن عن خاصية أخرى مهمة، وهي أنها جوهر مجرد.

ث‌.النفس جوهر مجرد

يقرر العامري أن ”الجبلة الإنسية مركبة بصنع الله تعالى من الجوهرين المتباعدين؛“[61] أي النفس والبدن؛ لأن الأول سماوي روحاني، والثاني أرضي جسماني، وهذا التباعد يجعل بينهما ”عناداً ذاتياً“؛ وبناء على هذا فرغم اتصال النفس بالبدن فإنَّ ذلك لا يمنعها من أن تكون قائمة بذاتها مُستغنية عن المُقوِّم، ومردُّ ذلك كله إلى طبيعتها الروحانية التي تمنحها خاصية التجرد؛ وليس مقصودنا بالتجرد هنا إلا أنها  مجردة عن المادة وعن الصورة، وبناء على هذا يكون العامري قد وافق جمهور الفلاسفة في الإشارة إلى تجرد النفس.

قال فخر الدين الرازي (ت. 606هـ/1210م) في أساس التقديس: ”إن الفلاسفة اتفقوا على إثبات موجودات ليست بمتحيزة، ولا حالَّة في المتحيز؛ مثل العقول والنفوس والهيولى،“[62] وقال ابن كمال باشا (ت. 940هـ/1534م) متحدثا عن مذاهب الناس في النفس: ”[القول] الخامس عشر: أنها ليست جسما ولا جسمانية، بل هي جوهر مجرد، غير حال في البدن، غير متحيز ولا حال في المتحيز، متصرف في البدن تصرف التدبير، وانقطاع تصرفه عنه هو الموت، وهو مذهب جمهور الفلاسفة ومعمر المعتزلي واختاره الغزالي والحليمي، وجمع من المشايخ الصوفية.“[63]

وإن كانت النفس في الأصل مجردة، إلا إن اتصالها بالجسد والتحافها به ربما أظهرها في لباس غير المجرد، لأنها تتداخل مع البدن وترتبط به غاية الارتباط ــ كما سيأتي ــ وحينها وجب على العاقل أن يُجهد نفسه في أن يجعلها مُجردة حقيقة؛ وسبيل ذلك الوحيد هو مُغالبة رغبات البدن وما يتعاطاه البدن، والتبرُّؤ من ملاذِّه كلِّها.[64]

وبعد الإشارة لخاصية التجرد، فإننا نقف الآن مع بيان التحافها بالجسد.

ج‌. النفس ملتحفة بالجسد

لما كان جوهر النفس روحانيا غريبا مغايرا لما عُرف من الجواهر المادية، نجد العامري هنا يلجأ إلى التشبيه لتقريب صورة علاقة النفس بالإنسان، ولرسم ملامح اتصالها بهذا القالَب البدني؛ بحيث جعل النفس من الجسدِ كالنَّارِ في الحديدة المحمَّاة، نسمعه يقول؛ ”النفس الناطقة جوهر ملتحف بالبدن كالتحاف النار بالحديدة المحماة،“[65] ومن الواضح هنا أن وجه الشبه هو ذلك السريان في جميع الأقطار وتلك الإحاطة بالجسم من جميع الجهات، واكتنافُه ظاهرا وباطنا، وكذلك النفاذُ إلى كاملِ الأبعادِ فيه، ونقرأ في موضع آخر ”النفس الناطقة في الحقيقة سلالة هذا الجسد الإنسي، كالماوردِ في الوردة، أو الشعاع النافذ في البلُّورة، أو كالسمن في اللبن الحليب، أو كنار في الحديدة المحماة،“[66] وهي كلها تشبيهات تسعى لتقريب صورة الاتصال هذا، وكلها تُجمع على شدة الترابط بين النفس والقالب البدني وعلى شدة التداخل بين الجوهرين.

فكما تسري النار في الحديدة المحماة والماورد في الوردة، كذلك تحل النفس بالجسم على هذه الهيئة، فتدبر النفسُ البدنَ وتسيِّرُ شؤونه؛ لكن دون أن يؤثر هو فيها، لأنها وإن حلت به، فإنها تبقى مستقلة عنه ومُستعلية عليه، إذ هي قائمة بذاتها مستغنية عنه، وهو محتاجها في كامل حركته طائع لها. والنفس كما يقرر العامري تقع بين البدن وبين العقل، إذ هي طائعة للعقل والجسم طائع لها. وهي مقترنة بالجسد ومنفصلة عنه بنفس الوقت، يتحدث العامري عن النفس فيقول، إنها: ”جوهر مقترن بالقالَبِ منفردٌ بسِنْخِهِ؛“[67] لأنها روحانية سماوية، وأما البدن فجسمانيّ أرضي، وهذا الانفصال بين الجسم والنفس مرده إلى تغاير طبيعة كلٍّ منهما.

ورغم هذا الالتصاق الملحوظ؛ إلا أن النفس قادرة على فراق البدن وقادرة على الانسلاخ من سلطانه، ذلك أنها كلما كانت أقل اهتماما بالملاذ الحسية، وكلما قلَّ تدنُّسُهَا بالبهيمية، وتحاشت الإخلادَ إلى سجنِ الطبيعة، كانت أقدر على فراق الجسد، وكانت أشدَّ تهيُّؤاً لأن يُشرق فيها النور الإلهي، وكانت أقدر على تعلم العلوم وتصور المعاني العقلية، وبالعكس؛ فكلما تدنست بالبهيمية، وكلما استغرقت في الانقياد للغرائز؛ كانت أشد التصاقا بالبدن وعَسُرَ عليها فراقه ومغالبته، وليس من سبيل لمن أراد بلوغ الحكمة إلا بأن يُغالب جسده، وإلا بأن يجعله طائعا للنفس الناطقة؛ ”الموقن بشرف الحكمة جدير بأن يكون سعيه متجردا لأن يجعل نفسه مفارقة لجسده تصفية، وإن كانت متحدة به طبيعة.“[68]

فهذه إذن خمس خواص، رأينا أنها الأقرب والأجدر على زيادة إيضاح ماهية النفس، هذا مع وجوب الإشارة إلى أن العامري لم يجعل هذه الخمسة هي أخص خواص النفس، بل ذكرها متفرقة وضمن سياقات مختلفة في معرض حديثه عن النفس وعن المسائل المتعلقة بها، ولو أردنا بناء على هذا الذي تقدم تقديم رسم تقريبي لماهية النفس فإننا نقول: إن النفس جوهر سماوي روحاني مجرد غير متناهي، ليست له القابلية لأن تسري عليه القوانين المادية من الجسمية والتركيب وغيرها، ولذلك فإنها واحدة بالذات ليس يعرض لها التجزؤ وإن تعددت قواها، وهي ملتحفة بالجسد التحاف النار بالحديدة المحماة.

وإذ قد تعرفنا على شيء من خواص النفس، فإننا ننتقل معه الآن إلى الكلام عن موضوع آخر، وهو تقسيمه النفس الإنسانية بقسمة ثلاثية على النحو التالي:

6. حول قوى النفس الثلاثة: الشهوانية والغضبية والناطقة

نقرأ في السعادة والإسعاد تقسيما ثلاثيا للنفس منسوبا لأفلاطون (ت.340 ق.م)؛ النفس الناطقة، والنفس الغضبية، ثم النفس الشهوانية،[69] ونقرأ في الأمد على الأبد تقسيما آخر أكثر إجمالا؛ بحيث يجعل النفس قسمين؛ حسية ونُطقية،[70] ثم الحسية تفتن إلى نفس غضبية ونفس شهوانية،[71] ولعله يريد بهذا التقسيم الثاني بيان اشتراك الغضبية والشهوانية في أمور كثيرة، أهمها كون مدركاتهما تُنال بالحس وتعتمد على الأعضاء الجسمية، أما الناطقة، فمدركاتها غير حسية، بل هي معقولات مجردة؛ كالخير والفضيلة وما قارب ذلك.

أ‌. النفس الشهوانية

 أو البهيمية، لها لذة ”المطاعم والمشارب والمناكح،“[72] غايات هذه النفس تكاد تكون محصورة في الظفر بأنواع معينة من اللذات؛ أعني اللذات والرغبات الجنسية، ثم لذات المآكل والمشارب، وهي مولعة بلذات جمع المال والحرص عليه، والطمع في الزيادة منه، كما أنها كارهة للكد والتعب والمشقة، ومائلة نحو الدعة والكسل والخمول، سريعة الملل والضجر والجزع، وهي نفس شرهة لا تشبع، ونهمة لا تقنع ولا تكتفي، وإلى جانب ذلك، فإنها قوية، ليس يسهل ضبط نزواتها، ولا كبح جماحها، ومتى ما استقوت وتعاظمت، استولت على الجسد وملكته، ومتى ما حصل ذلك، نزلت به إلى أسافل الدركات، وليس ذلك إلا لأنها لا تستهوي إلا الرغبات الدنيئة الخسيسة التي تُشاكل رغبات الحيوان.

ب‌. النفس الغضبية

 وهي التي ”لها محبة الغلبة والرئاسة والكرامة،“[73] ومن سماتها الغضب والتغلب والقهر والتجبر، كما أنها تنحو منحى التسلط وحب الرئاسة، وهي التي تدفع الإنسان نحو المنافسة ونحو الاستيلاء على مناصب الحكم، ليس من أجل غايات فاضلة؛ كالإصلاح ودرء المفاسد، أو الإحسان والإفضال إلى المرؤوسين، ولكن من أجل لذة التغلب ومن أجل السلطة لذاتها لا لغيرها، وهي نفس كذلك شرهة، دائمة التطلع نحو المزيد من الأتباع والأشياع والمعظمين، دائمة السعي إلى حب الظهور والتباهي ولفت الأنظار، غذاؤها لذة الانتصار ونشوة السيطرة وبسط اليد على الأملاك وعلى رقاب العباد، ومن أهم سمات الإنسان الذي تقوده النفس الغضبية؛ الكبر والشره والغرور.

ت‌. النفس الناطقة

النفس الناطقة أو العاقلة، وهي التي ”لها محبة الحق وبغض الباطل ومن أجل ذلك تحب العلوم والحكمة؛“[74] وهي مصدر كل خير وفضيلة، وهي التي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات والكوائن؛ لأن باقي الكائنات تشترك مع الإنسان في الغرائز البهيمية والغضبية، لكنه يختلف عنها بنفسه العاقلة؛ التي لا تهوى اللذات الدنيئة الخسيسة، لكنها تحيا وتزكو وتلتذ بأنواع المعارف والعلوم الحكمية والروحية، ومن الواجب التأكيد أن لذة المعرفة وجميع اللذات الروحية ليست خيراً من سائر اللذات وأشرف منها فحسب، ولكنها كذلك ألذُّ منها، وهي صافية غير مشوبة كما أنها ”آمنة من الزوال، مصونة عن الفناء،“[75] وكذلك؛ فإن مزية النفس العاقلة أنها تنظر في المآل والعواقب،[76] خلافاً لما سواها.

ث‌. تنازع هذه الأنفس

وإذا عُرفت هذه الأنواع من الأنفس الثلاثة فإنه تجب الإشارة إلى أن كل واحدة منها تنازع إلى ما تريد وتشتهي، وكل واحدة منها تحب أن تكون هي المهيمنة على الإنسان وهي الغالبة عليه والمسيطرة على مملكته النفسية. ولن يقدر أحد على النجاة من الشقاء ولا درك السعادة، ولا بلوغ الكمال، إلا بأن يجعل النفس الناطقة العاقلة هي الحاكمة، وذلك بأن يطيعها ويسعى في رغائبها، وبأن يجعلها هي المسيرة للقوة الغضبية، وهي الكابحة للقوة الشهوانية. ينقل العامري عن سقراط (ت.399 ق.م) قوله: ”من أحب لنفسه الحياة أماتها، فإن النفس الناطقة إنما تحيا بموت النفس الشهوانية،“[77] وأعتقد أن هذا الكلام في غاية الدقة، لأن الشهوات الغريزية إذا طغت حجبت عن النفس تذوق اللذات الفاضلة، أعني لذة العلم والحكمة والخير.

ولمزيد بيان ذلك نقول؛ إنه كلما زادت شهوات البدن نقصت شهوات المعرفة، لأن التمادي في هذه الشهوات يورث البدن كسلا وخمولا، ولأن التمادي فيها يشغل بال الإنسان بالخيالات وبسفاسف الأمور، وليس بإمكان الإنسان تحصيل المعارف إلا بنشاط البدن وفراغ القلب وصفاء الذهن، وهي كلها أمور متعذرة ما دام الجسم مستغرقا في الشهوات أسيرا لها، وكذلك فإنه ”على حسب ما تنقص شهوات البدن تزيد شهوات المعرفة،“[78] لأنه متى ما خلا تعلق الإنسان بلذات البدن، تهيأت لنفسه أسباب إنماء المعارف وأسباب تزكيتها، وإذا أضحت النفس حكيمة وفاضلة، فإنها قلما تنزع نحو لذة خسيسة وقلما تقيم لها اعتبارا، لأنها جربت اللذة الحقيقة، خير اللذات وأشرفها، ونتيجة لذلك؛ فإنها تستقبح باقي اللذات وتفر منها.

وإذا تأكد أن هذه الأنفس بينها تنازع وتغالب على حكم البدن وعلى تسييره، وأن كل واحدة تميل به نحو ما تشتهي، بقي أن نشير إلى أنه كما لا يصلح لتسيير الوجود إلهان اثنان، كما جاء في التنزيل؛ ﴿لَوۡ كَانَ فِیهِمَاۤ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ الآية (الأنبياء: 22)، وكما لا يصلح في الحكم والرئاسة حاكمان، بدليل ما يحصل من خلل واضطراب وفساد في البلاد،[79] كذلك لا يصلح لتسيير البدن نفسان، بل لا يصلح لتسيير البدن إلا النفس العاقلة، لأن النفس الشهوانية إذا استفردت نزلت بالإنسان إلى مستنقع اللذات المستقبحة، ومن ملكته النفس العصبية قادته نحو طمع وشَرَهٍ لا آخرَ له، فلم يبق إلا الانقياد لصوت العقل وكبح وتحجيم ومحق ما دونه، لأن في حياة النفس العاقلة موتاً لما دونها، وقد تقدم كلام سُقراط (ت.399 ق.م) ”من أحب لنفسه الحياة أماتها؛“[80] أي أمات جانبها الشهواني والغضبي.

حاصل الكلام في هذا الباب؛ أن الحكماء ــ ومنهم العامري ــ مجمعون على ألا فلاح للإنسان ولا كمال له ولا معرفة، إلا بأن يسود على نفسه، وإلا بأن تكون مغلوبة لا غالبة، ومرؤوسة لا رئيسة، وألا يكون للنفس الشهوانية والغضبية على الإنسان أي سلطان،[81] نقرأ في السعادة والإسعاد ”من لم يقهر جسده فجسده قبر له،“[82] وفيه ”المُلك الأعظم مُلك الإنسان شهواته،“[83] وفيه أيضا ”إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون، ولن تبلغوا ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون،“[84] وغني عن البيان أن الفلاح والنجاح المقصود هنا ليس هو المادي فقط؛ المقتصر على العالم المشاهد دون ما وراءه، ولا المكتفي بالجسد دون الروح، وإنما النجاح الشامل الذي يشمل الحياة الدنيا والتي بعدها، والذي يُرقى فيه بالروح وبالجسد، لا الجسد دون الروح، أو الروح دون الجسد، وذلك هو طريق السعادة؛ التي بلا شك غاية الغايات.

ولما تقرر أن نفس الإنسان ليست نفسا واحدة، ولكنها ثلاثة أنفس رئيسية، وأن النفس الناطقة هي أعلاها مرتبة وأكرمها مكانة، سيأتي هذا الفصل لبيان مزايا هذه النفس، وبيان دواعي اختصاصها بالشرف.

7. في شرف النفس الناطقة

نتحدث في هذا الباب عن شرف النفس الناطقة، ومن أجل بيان ذلك بيانا يفي بالغرض ويصل بنا إلى المقصود، يتحتم علينا ذكر أمرين أساسين سيعيناننا على رسم صورة واضحة المعالم عن ذلك، الأول: بيان الأصناف والأجناس التي شَرُفَت عليها النفس الناطقة، والثاني بيان الأسباب التي أهّلت هذه النفس لذلك الشرف وتلك المكانة، وعليه؛ فإننا نتساءل: على ماذا شرفت النفس الناطقة؟ وبأي شيء اختصت بهذا الشرف والمنزلة؟

إن النفس الناطقة إنما شرفت على ثلاثة أصناف، الأول: الجسم، والثاني؛ النفس الحسية، والثالث: الروح الحسية، وأما أسباب اختصاصها بالشرف، فهي من وجوه كثيرة؛ نذكر بعضها وفق التالي:

  • أنها بجبليتها محيطة بالجسم إحاطة التدبير له

 وإنه لما كان المسيِّرُ أشرف من المُسيَّرِ، والحاكم أفضل من المحكوم والفاعل أفضل من المنفعل، ورأينا النفس بإضافتها إلى الجسم كانت هي الحاكمة والمسيرة له والفاعلة فيه والمدبرة لطبيعته، لزم أن تكون النفس أشرف منه مقاما وأعلى منه درجة، ثم لما كان الجسم بجبليته منقاداً للنفس طائعاً لها،[85] كانت النفس حاكمة حكومة طبيعية لا عرضية، لأن الجسم ليس مستعدا ولا مهيئا لأن يباشر الأفعال من عنده دون فاعل أو دافع، بل هو مستعد لمجرد الانفعال، أي؛ ”أن يكون بجوهريته محلا للأعراض.“[86]

  • أنها متصفة بخاصية الفعل

يقرر العامري هنا قاعدة بديهية مفادها؛ أن الجوهر المتصف بخاصية القدرة على الفعل، سيكون بلا شك أشرف من أي جوهر ليس قادرا على تأدية أي من الأفعال بشكل مستقل، وهنا تكون النفس قد فاقت الجسم وشرفت عليه، لأنه غير فاعل فعلا ذاتيا ولكن بالواسطة؛ أي أنه منفعل بفعل تأثير النفس فيه، ”لسنا نشك في أن كل شيء يوجد فاعلا فهو أشرف من الشيء الذي ليس يصلح لتأدية شيء من الأعمال.“[87]

  • لها قوام بذاتها

والمقصود؛ أنها مستغنية عن الحاجة إلى الأعضاء الجسمية في إبراز أفعالها وإصابة معارفها، وأما ما عداها، أي؛ الجسم والنفس الحسية، فغير مستغن، بل إن ظهوره متوقف على غيره، وبالتالي فهو غير متقوم بذاته، بل بغيره، ”وذو القوام بذاته أشرف مما لا قوام له إلا بغيره.“[88]

  • منتظمة لقوتي الفعل والعرفان[89]

ومن شرف النفس النطقية أنها ”علامة فعالة معا؛“[90] قادرة على الفعل، وقادرة على المعرفة، وليس ذلك في إمكان الجسم ولا النفس الحسية، ولهذا فاقتهما في الدرجات، و”لسنا نشك في أن كل شيء يوجد فاعلا فهو أشرف من الشيء الذي ليس يصلح لتأدية شيء من الأفعال أصلا؛ وأن كل شيء وُجد عالما فهو أشرف من الشيء الذي ليس يصلح لأن يعلم شيئا من الأشياء أصلا.“[91]

  • أنها هي ما يميز الإنسان عن سائر أجناس الحيوان

 ذلك أن الطبيعة الإنسانية مشاركة للحيوان في الاشتمال على الهيئة الجسمية، وعلى النفس الحسية، وإنما وقع الاختلاف والتمايز والتفاضل بانطواء الجنس البشري على النفس الناطقة العاقلة، يقول العامري: ”الجبلة الإنسية مشاركة للحيوانات كلها في الجسمية، وفي القوى الطبيعية، وفي النفس الحسية، ثم تنفصل عنها بالنفس النطقية، فهي إذا لم توصف بالإنسانية إلا لهذه.“[92]

  • أنها تباشر أفعالها بالروية والاختيار.[93]

ذلك أنَّ حركة النفس الناطقة نحو أغراضها حركة متزنة حرة مختارة، قوامها التأني والروية، وإنما وقع لها التأني والروية لأنها غير مدفوعة ولا مكرهة بمؤثر خارجي، فهي إذن مالكة زمام أمورها ملكا تاما، غير واقعة تحت أي صنف من الإكراه والتأثير، وهي وإن كان العقل محيطا بها، فإن هذه الإحاطة ليست تعدو أن تكون إحاطة الهداية والإرشاد، لا إحاطة الدفع والإجبار.

وإذا اتضح هذا، فمن الجدير أن نبين أن النفس الحسية غير متصفة بصفتي الاختيار والروية، وهذا من أسباب نزولها عن مرتبة النفس النطقية، والسبب في ذلك أنها لا تباشر أفعالها إلا وهي مدفوعة تارة بفوران الغضب، وتارة أخرى بهيجان الشهوة،[94] وبالحري أن تكون الأفعال المدفوعة بالشهوة والغضب أبعد ما تكون عن الروية والاختيار والتعقل، لأن الشهوة والغضب متى ما استحكمت بالجسد، حجبت عنه نور العقل، ومتى ما حدث ذلك، صارت الأفعال الصادرة أقرب ما تكون إلى التهور والطيش.

  • أنها تصيب معارفها بالاستنباط من المعقولات البديهية بالفكر الصحيح[95]

وأفضل ما في ذلك، أنه يأخذ بالإنسان إلى تسديد معارفه، بحيث تكون ”معارفه مؤداة بحسب الحقيقة،“[96] وإذا ظهر هذا، فمن الواجب أن نبين أن النفس الحسية ليست تدرك معارفها معرفة حقيقية صادقة، ومرد ذلك إلى كونها تصيب معارفها بطرق أخرى كالتخيل بالوهم، وغني عن البيان أن المعرفة المبنية على التخيل لن تكون معرفة صادقة، ولا ذات جدوى تذكر.

  • أن ملاذها سامية شريفة

نستنتج من كلام العامري عن النفس الناطقة أن من شرفها كون أغراضها وملاذها أسمى وأشرف من ملاذ النفس الحسية، فمن البديهي أن محبة الخير والفضيلة والعلوم والحكمة، أشرف من محبة الدَّعة والمأكل والمشرب وأصناف الملاهي… فميزان المفاضلة هنا إذن على أساس نوع اللذة التي تنزع إليها كل نفس، ولأن النفس الناطقة إنما تنزع إلى ما هو مجمع على خيريته وفضله، والنفس الحسية إنما تنزع إلى ما هو مجمع على خسته ووضاعته، لزم أن يكون الشرف هنا أقرب وأليق بأن يضاف إلى النفس النطقية، وأحرى وأولى بأن يُبعد ويُصرف عن النفس الحسية.

  • أنها هي زينة الجنس الإنساني

ومن كلام العامري كذلك نستنتج؛ أن من شرف النفس الناطقة أنها متى ما تبوأت مقام التسيير والتدبير للجسم، ومتى ما كانت نوازع النفس الأخرى (الشهوة والغضب) واقعة تحت سلطانها، ومؤتمرة بأمرها، لزم أن يكون الإنسان حينها أقوم سيرة وحالا، وأحسن خُلقا ومَقالا، وذلك لأن أغلب الشرور والموبقات مبدؤها من استبداد قوتي الشهوة والغضب، والواقع تحت وطأة هاتين القوتين؛ واقع في ضلال وحيرة لا يجد لهما مخرجاً ولا يهتدي فيهما إلى سبيل، ومعلوم أن تقوية النفسِ الناطقة هو السبيل لارتياض هاتين القوتين. وأيضاً، فإن أغلب الخيرات والمنجيات مُبتدؤُها من كَبْحِ الشَّهوةِ وَلَجْمِ الغَضَب، ومن الاِحتكامِ لسلطان القوة العاقلة، والسير وفق تعاليمها، وإذا عُرف هذا، فلم يبق إلا أن نستخلص وجود صلة قوية بين تقوية النفس الناطقة، وبين صلاحِ الإنسان واستقامة سيرتِه في الآنِ والمآل.

فهذه إذن جملة أمور يُستعان بها على الإعلاء من شأن النفس الناطقة؛ بعضها صرح به العامري وبعضها استخلصناه من كلامه، وقد أعمل العامري منهج الموازنة والمفاضلة ليخلص في الأخير إلى فضل النفس الناطقة على الجسم من جهة، وعلى النفس الحسية من جهة ثانية.

وإذ قد تبين لنا من خلال كل هذا، شرف النفس الناطقة واختصاصها بمزايا ليست في الجسم ولا النفس الحسية، فإننا ننتقل الآن إلى محاججة العامري عن قضية بقاء النفس، وسعيه للبرهنة على خلودها، وكذلك رده على من يرى أنها مجرد كيفيات جسمانية، وأنها فانية بفناء الجسد.

8. في أدلة خلود النفس

لقد رفض العامري بشدة فكرة فناء النفس، وخصص من كتبه مجالا طويلا لتفنيد هذه القضية؛ بحيث اعتبرها مخالفة للقرآن وللحكمة الإلهية ولصريح العقل؛ نجده يقول ”لا سيما إذا كنا كارهين لقول من يزعم أن الأنفس الناطقة كيفيات جسمانية، وأنها لا محالة ستضمحل عند انتقاض البنية، وأن ملك الموت ليس مسلطا على توفيها، ولا الملائكة مندوبون إلى تلقيها، وأن أرواح السفهاء لن تؤخذ بنقمها إلى يوم التناد، ولا أرواح الشهداء تغتبط بنعيمها قبل المعاد.“[97] وفيما يلي عرض وتحليل لبعض الأدلة التي دافع بها العامري عن قضية خلود النفس.

أ‌. الشواهد القرآنية

يقرر العامري هنا عقيدة المسلمين المؤكدة على أن الموت ليس يعني فناءً للنفس أو تلاشياً لها، بل ليس معناه إلا خروجا لها من البدن وتنحيها عنه لتستقر حيث شاء الله لها أن تستقر، نسمعه يقول: ”وأما جمهور أهل الإسلام… فإنا متى لخصنا مذهبهم فيه[98]، وفتشنا عن صوابه، وجدناهم في الحقيقة يعتقدون أن الأرواح البشرية يتوفاها ملك الموت… ثم إنها في النشأة الآخرة تُعاد إلى الأجساد،“[99] ويضيف العامري:” وأن القالب مهما[100] انتقض توفاها ملك من الملائكة، وقادها إلى الموضع المعد لمواقف أمثالها، لتلقى فيه ما لها وما عليها.“[101] فهذا إذن تقرير لأمور مشتهرة ومعلومة من الدين بالضرورة، وتقريرٌ كذلك لمسألة تتردد كثيرا في ثنايا كتبه، أعني أن انتقاض البدن لا يوجب انتقاض النفس.

 وقد استشهد العامري بآيات قرآنية للحجاج على هذه المسألة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسِبَنَّ اَ۬لذِينَ قُتِلُواْ فِے سَبِيلِ اِ۬للَّهِ أَمْوَٰتاَۢ بَلَ اَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَات۪يٰهُمُ اُ۬للَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمُۥٓ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَۖ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٖ مِّنَ اَ۬للَّهِ وَفَضْلٖ وَأَنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ اَ۬لْمُومِنِينَ﴾ (آل عمران: 169، 171)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَر۪يٰٓ إِذِ اِ۬لظَّٰلِمُونَ فِے غَمَرَٰتِ اِ۬لْمَوْتِ وَالْمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيْدِيهِمُۥٓ أَخْرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ اُ۬لْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ اَ۬لْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَي اَ۬للَّهِ غَيْرَ اَ۬لْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنَ اٰيَٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَۖ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰد۪يٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمُۥٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ﴾ الآية (الأنعام: 94، 95).[102]

ومن خلال النص القرآني الأول، يمكننا أن نستنبط مع العامري وجه الدلالة على بقاء النفس، فالنص في بدايته ينهى عن اعتبار انتقاض الجسم الإنساني انتقاضا للحياة وانتهاءً لها، ولكنه عكس ذلك؛ يدعو إلى الإيقان باستمرارها، وأن الموت مختص بالجسم وحده، فيُثبت البقاء للنفس رغم معاينة الجسم ميتا مقتولا، وليس بقاء النفس هنا بقاءً ساكنا جامدا، فإذا كان النص أثبت لها في البداية البقاء، فإنه عاد ليؤكّد أنها تدبّ فيها الحياة والحركة، وأن لها مشاعر وأحاسيس، فهي فَرِحةٌ تتنعم بما تُرزق، ومستبشرة تنتظر المزيد. فقد ظهر من خلال كل هذا، أن النفس ههنا قد جمعت كامل صفات الكوائن الحية، وأنها باقية مستمرة، ليس يلحقها شيء مما يلحق البدن من الموت والتلاشي.

وأما النص الثاني فإنه يصف لحظات الموت ولحظات النزع الأخير، ووجه دلالته على بقاء النفس أنه يتحدث عن إخراج النفس؛ أي إخراجها من الجسد، وانتقالها عنه، فالموت إذن كما تنطق الآية لا يعني انتهاء النفس، بل يشير إلى خروجها من البدن فقط، وأيضا، ففي الحديث عن عذاب الهون إشارة أخرى، ذلك أن الهوان والذل والصغار إنما يكون وقعه العميق وأثره البالغ على النفس لا البدن، فلعله من أجل ذلك ذكُر هنا في مقام الحديث عن لحظات انتزاع النفس من بدن الإنسان، لتتم الإشارة إلى أن أنفس الشرار من الخلق، يلحقها شيء من الهوان والمسكنة، حتى بعد فراقها الجسد، والعذاب كما هو معروف لا يقع إلاَّ على الحيِّ ذي الرُّوحِ والمشَاعر.

فقد ظهر إذن من كل هذا أن القرآن الكريم شاهد على بقاء النفس رغم فناء الجسد، وشاهد على أنها تفارقه وتنفصل عنه عند الموت دون أن يلحقها شيء مما يلحقه.

ب‌. النفس لها قوام بذاتها

حاجج العامري واستمات في الدفاع عن فكرة أن النفس البشرية لها قوام بذاتها، أي أنها مستغنية عن المُقوّم، ولما كان هذا هو الواقع، رأى أنها صالحة لتأدية الأفعال دونما حاجة للبدن، وأنها قادرة على مفارقته، وعلى هذا فإن فناءَ الجسدِ وهلاكه وتلاشِيه، ليس يَلزمُ عنه نفس المصير بالنسبة للنفس، نسمعه يقول:” فأما النفس النطقية فلما كانت مستقلة لأفعال مختصة بها دون البدن، فبالحري أن تكون استحالة البدن عن الطباع الحيوانية بورود الموت عليه سببا لتنحيها عنه دون تلاشيها بالذات.“[103] فهذه إذن هي حجة العامري هنا، قابليةُ النفس للوجودِ والفعلِ دونما الحاجةِ للبدن تقتضي ألا يكون فناؤُه هو نفسه فناءَها، بل إن فناءَه ليس يعني إلا أنها ستفارقُه وتتنحى عنه دون أن يلحقها شيءٌ من التلاشي.

ومما يزيد القضية هذه بيانا وتأكيدا، أن النفس ليست مُستغنية عن المحل فحسب، أعني البدن الذي تقوم فيه وبه، ولكنها زيادة على ذلك، مستغنيةٌ ــ في مباشرة أفعالِها وإصابةِ معارفِها ــ عن الأعضاء والآلات والجوارحِ كما سبقت الإشارة، وبناء على هذه المقدمة تكون النفسُ غيرَ متركبةٍ ولا متجزئةٍ، بل إنها جوهر بسيط، وقد تقرر في القواعد أن ”كل ما لا يحتاج في فعله الخاص به إلى آلة جسمانية فهو غير فاسد وأبدي.“[104] وعليه؛ تكون النفس سالمة من التلاشي، وغير معرضة للانحلال، ما دامت مُترفعة عن الآلات الجسمانية. فإذن استغناء النفس عن المقوِّم، يعني أنها قادرة على مفارقة البدن، وإمكان مفارقتها للبدن وقدرتها على الوجود دونه دليل على أن موتَه ليس يعني بالضرورة موتَها، بل يعني تنحيها عنه فقط، ولأن استغناءها عن الأعضاء يعني أنها غير متركبة، فالنتيجة على هذا أن تكون النفس غير مستحيلة، بل أبدية.

ت‌. النفسُ لا تضعفُ رغمَ ضعفِ القالَب

في نظر العامري يأخذ بدن الإنسان في الضعف لما يبلغ من العمر أربعينا، والعقل لا يبلغ الكمال إلا عند الستين،[105] فهذا إذن يدل على اختلاف طبيعة الشيئين، ويُظهر أنه رغم اجتماعهما في الحيز الواحد ورغم اتحادهما في نفس القالب، إلا أن العارض الذي يلحق البدن ليس يصيب العقل بشيء ولا يؤثر عليه من أي جهة، ”ثم قد ينسى الإنسان العلوم والحكم والقالب ثابت على صحته؛ وقد يتذكرها، ويحفظها، عند استيلاء المرض والضعف على قالبه؛“[106] فالعقل قد يطرأ عليه عارض النسيان رغم أن الجسم سليم معافى، وقد يقوى ويتذكر ويحفظ حتى لو كان الجسم سقيما، وفي كل هذا بيان على أنه ليس بين جوهري الجسم والعقل أي امتزاج، وأنه لا يسري أحدهما في الآخر؛ بحيث إن ما يلحق أحدهما سيلحق الثاني، بل إنهما في غايةٍ من الافتراق.

وعلى هذا الذي سبق نقول؛ إن هذه العوارض التي تطرأ على البدن لما كان تأثيرها منحصراً فيه وحده دون أن يبلغ العقل بشيء منه، كان من الطبيعي بعد هذا أن نقول إن الموت الذي يطرأ على البدن هو كذلك غير سارٍ على العقل وغير مؤثر فيه، واستنادا على هذا ”تكون النفس بواسطة العقل باقية على الأبد.“[107]

ث‌. الحامل للمعاني الأبدية يجب أن يكون أبديا

قد تقرر من خلال ما سبق أن النفس من الإنسان هي محل المعاني الأبدية، وهي الحاملة لها، نحو العلوم والحكمة والفضائل الخلقية؛ كالعفة والعدالة والشجاعة، وتقرر كذلك أن تلك المعاني مترفعة عن الزمان، وأنها ”كلية أبدية ضرورية،“[108] واتضح أن طروء الضعف على الجسم الإنساني لا ينفد إليها هي ولا يصلها بشيء، وعلمنا أن المحمول يمتنع أن يكون أشرف من الحامل، ولما كانت النفس هنا هي الحامل، والمعاني الأبدية هي المحمولة، حينها لو كانت النفس منقضية لصار المحمول أشرف من الحامل، وذلك غير مُتصور ولا وارد، فلزم على هذا أن تكون النفس كذلك مترفعة عن الزمان بالقوة وباقية رغم انقضائه، يفصل العامري كل هذا بقوله ” ”ثم لما كانت هذه المعاني في أنفسها متزيدة على الأزمان بالقوة، وباقية على ممر الأيام مع اعتراض الضعف على القالب ــ بل قد توجد في جملتها معان أبدية نحو الصور العقلية؛ وليس يُشك أن الحامل للمعاني الأبدية لن يجوز أن يصير متلاشيا عند مفارقته الجوهر الآخر الذي هو أوهى منه، أعني الغير الصالح لحملها، فالحامل إذا لا يفسد لفساد القالب، وذلك هو المسمى نفسا،“[109] وفي نص آخر ”النفس النطقية بقنياتها الأبدية، وصورها العقلية أشبه شيء بالمعنى الإلهي، وأصلح شيء للمحل العلوي، وأهيأ شيء للبقاء الأبدي، وأن انتقاض البدن وانحلاله ليس يوجب فسادها وتلاشيها.“[110]

فخلاصة هذا الباب إذن هي قوله إن الحامل للمعاني الأبدية لا يمكن أن يصير متلاشيا، وهذه هي حجته هنا على بقاء النفس بعد مفارقتها البدن.

ج‌. بقاء النفس من تمام الحكمة والجود الإلهيين

لم يقبل العامري الرأي القائل بأن يكون البعث في النشأة الآخرة هو مجرد إضفاءِ عَرَضِ الحياة على الجسم، ــ بعد أن يكون زوال عَرَضِ الحياة هو الموت ــ فيَحيَا الجسد ويلتذ بأصناف الملاذ الحسية، دون أن تكون النفس عائدة للجسم بعد مفارقته ودون أن تكون هي الُمحيِيَةَ له، وهي المدبرة لطبيعته بعد الموت، وقد نسب العامري هذا الرأي إلى المعتزلة[111] ــ وسماهم في موضع آخر فرقة من الجدليين ــ[112] ولم يوافقهم عليه،[113] لأن في ذلك إجحافا في حق النفس المُلهمَة لبلوغ الكمال الروحي والمتشوقة إليه.

 وإنه لما كانت اللذات الروحية أعلى درجة من اللذات الجسمية، كان من تمام حكمة الله تعالى ومن تمام إفضاله وجوده على الصالحين المتنعمين باللذات الأبدية في النشأة الآخرة، أن تُبقى أنفسهم بعد الموت ولا تنحل، ثم تُعاد إلى الأجساد مرة ثانية لتكون السعادة حينها في أكمل صورة وأرفع مكانة، إذ لو لم تكن النفس باقية وعائدة للجسم، لكان الصالحون في الحياة الأبدية إنما يتنعمون بلذات الجسم وحده، وفي ذلك إعراض عن اللذة الحقيقية ومدعاة لنقصها، ولكان ذلك أيضا تبخيساً من حق النفس وحُيُولاً بينها وبين العروج إلى الكمالات وتثبيطاً لها عن بلوغ أعلى الدرجات،  نسمع العامري يقول: ”الأفضل في الحكمة، والأتم في السياسة، والأبلغ في المثوبة، والأحكم في القدرة، أن تكون الأرواح في القيامة مردودة إلى أجسادها عند النشأة، بعد أن تكون الأجساد صافية لطيفة، نيّرة علوية، فإنها متى لم تُرد إليها فقد اُقتصر بها على أحد الصنفين من لذاتها، وحرمت الصنف الآخر منها، وذلك مما يعود إلى البخس من كمالها والتضجيع في معراجها.“[114]

وأيضا فإنه لما كان الجسم متحيزا متناهيا محدودا، فبالحري أن تكون لذاته كذلك محدودة ومتناهية، وإنه لما ثبت أن ”النفس روحانية غير متناهية،“[115] فبالحري أن تكون لذاتها كذلك غير متناهية، بل هي عروج في كمالات لا نهائية، فلأن اللذة العظمى إذن هي لذة النفس، يقتضي أن يكون من تمام حكمة الله ومن تمام جوده وإنعامه وإفضاله[116] أن تكون النفس باقية لتنعم بأشرف اللذات، ولتتدرج في أرقى الكمالات، وهذا هو غاية الحكمة ومنتهى الجود.

ح‌. لو كانت النفس منقضية لكان اقتباس الحكمة واقتناء الفضائل والسِّيَر الحميدة عبثا

لقد تبين أن محل العلوم والحكمة والفضائل من الإنسان إنما هي هذه النفس التي فيه، ولعله من العبث أن يُفني الصالحون من الناس أعمارهم في ارتياض النفس حتى تعتاد الفضائل، ويبذلون غاية وُسعهم حتى تتخلص النفس من دَنسِ البهيمية، مع ما في مغالبة رغبات النفس من عُسر، وما في تهذيبها من مشقة يعجز عنها الأغلب من الناس، ويُنفق الواحد منهم سائر أيامه في تعلم العلوم والحكمة، حتى إذا أتقن كل هذا وبلغ منه الغاية والتمام، لحقه الموت، ثم انقضت نفسه وانحلَّت وصارت عدماً.

فلو كان هذا هو الواقع، لكان كل هذا الجهد الذي يبذله الصالحون من الناس جُهداً فيما لا طائل تحته، وسعياً فيما هو صائِرٌ عدَماً مُنتهيا، والنتيجة الطبيعية على هذا؛ أن يُزَهَّدَ الناسُ في الحكمة والفضيلة ويُشجَّعوا على أضدادها. يقول العامري مبينا سبب رفضه الفكرة هذه ”… ولوجدت العلوم التي اقتبسها الأخيار، والسير التي سلكها الأبرار كلها مضمحلة ولدامت على اضمحلالها وتلاشيها إلى أن تُعاد القوالب.“[117]

فإذن قد ظهر لنا يقينا من خلال براهين العامري هذه أن النفس باقية لا يلحقها التلاشي، وإذ قد ظهر هذا، فإننا نمر الآن لمبحث آخر في هذا المقال، وهو الكلام على إشكالية علاقة النفس بالزمان؛ أي هل النفس جوهر تحت الزمان أم أنها متعالية عليه؟

9.   النفس والزمان

قد تبين لنا من خلال المبحث السابق إذن أن النفس خالدة باقية على الأبد، وقد أكثر العامري من الدفاع عن ذلك وأسهب في بسط الحجج وتكثير الدلائل، لكن السؤال هنا؛ هل البقاء الأبدي للأنفس كلها أم للنفس الناطقة فقط؟

من خلال قول العامري؛ ”تكون النفس بواسطة العقل باقية على الأبد.“[118] يُمكن أن نفهم منه أن الخلود إنما هو للنفس الناطقة التي أشرق فيها نور العقل،[119] فالعقل على هذا هو عِلَّةُ بقائها، إذ بواسطته وبفضله تبقى، وأي نفس حُجبت عن هذا النور فهي محرومة من الخلود سائرة إلى الهلاك، وقد نقل أبو علي مَسْكَوِيهْ (ت.421هـ/ 1030م) في الحكمة الخالدة عن العامري ما يؤيد هذه الفكرة؛ حيث قال ”فكيف وقد عُلم أنها [الحكمة] مفضية بأربابها إلى الخلود، ومُدفعة عنهم روعة الهلاك،“[120] فالحكمة التي هي نوع من الإشراق العقلي في النفس، عاصمة لها من الفناء. غير أن العامري في موضع آخر لم ينف بقاء نفوس الأشرار، بل أشار إلى بقائها وأنها ينالُها ما ينال الأشقياء من سوءٍ وعقاب.[121]

فالنفس إذن من حيث المستقبل باقية لا شك في ذلك، وإنما الذي نتساءلُ عنه فيما يلي، هو هل لهذه النفس بداية أم أنها أزلية متعالية على الزمان؟

يجيبنا العامري بقوله؛ ”النفس من جهة تكونها واقعة تحت الزمان، ومن جهة تكاملها بالعقل واقعة تحت الدهر،“[122] فهي على هذا حادِثَة مخلوقة لها بداية زمانية، وليست النفس إذن فوق الزمان، ولكنها خاضعة له، إلا أنها عندما يُشرق عليها نور العقل تصبح تحت الدهر؛ أي تبقى على الأبد، ”فهي إذن واقعة تحت الزمان وتحت الدهر معا؛“[123] تحت الزمان بأن لها بداية وليست قديمة أزلية، وتحت الدهر بأنها  تصير عقلا بالفعل.

فقد تقرر من كلام العامري أن النفس لها بداية وأنها يُمكن أن تبقى إلى الأبد إذا صفى لها الاتحاد بالعقل، لكني لم أجده حدد للنفس زمنا معينا كانت فيه بدايتها، أعني أنه لم يُشر ــ من خلال ما بقي من كتبه ــ متى وُجدت هذه النفس قبل أن تلتحف بالجسد، وهل كان وُجودها سابقا على وجوده؟ أم أن النفس والقالب يوجدان بالتزامن؟[124]

وإذ قد أشرنا بشيء من الإيجاز لثنائية النفس والزمان عند العامري، فإننا نعرض الآن لآخر مبحث في هذا المقال، وهو في الإشارة إلى خلفيات آراء العامري في النفس؛ ونبين أنها مزيج من الثقافة الإسلامية والثقافة اليونانية؛ على اعتبار أن هذه الأخيرة تتفق مع التصور الإسلامي.

10.    حول خلفيات آراء العامري

لقد اعتبر العامري الحِكمة بالمجمل ترجع إلى خمسة حكماء؛ الأول لقمان الحكيم، والثاني فيثاغورس(ت. 495ق.م)، والثالث سُقراط، والرابع أفلاطون، ثم الخامس أرسطو. واعتبر كذلك أن أتباع هؤلاء من اليونانيين قد وافقوا الشرع الإسلامي بالجُملة إلا في مسألة واحدة؛ وهي المعاد الجسماني؛ وقد رأيتُ من الأليقِ أن أسوقَ كلامهُ بتمامه هنا، إذ يقول: ”ولقد كان أتباع هؤلاء الخمسة من طبقات اليونانيين الذين سُمّوا حكماء على الإطلاق يُلاحظون عامّة من لا يُقر بالصانع جلَّ جلالُهُ، ولا يُوقن بالثواب الأبدي بعد موته، بعين الزِّراية والهوان، ويُعاملونهم من الاستخفاف بمثل مُعاملة المُوَحِّد للملحد، إلا أن اعتقادهم كان في صورة المعادِ مُخالفاً للملة الحنيفية بنكتة واحدة، وهي أنهم لم يكونوا يَعترفون بالبعث والنشور، لكن كانوا يُوجبون المثوبة الأبدية لمجرد الأرواح، ولهذا ما حَكم الإسلامُ على جماعتهم بالغيِّ والضَّلال. فأما إثبات الصانع ووحدانية ذاته، ونفي الأنداد والأضداد عنه، فشيء قد أذعنوا له، وأوردو البراهين عليه.“[125]

إنَّ الغاية من إيراد هذا الكلام هنا؛ بيانُ أنَّ العامري مُندرجٌ ضمن من يرى اتفاق الفلسفة اليونانية جُملةً مع الشريعة الإسلامية، وأنه من المدافعين عن اتصال الحكمة بالشريعة؛ بل يرى انسجام تصورات الفلاسفة عن الوجود مع التصور الإسلامي، وعلى هذا فإنا نجده يُشنِّعُ على من زعم الخلافَ والعنادَ بين الدين وبين آراء الحكمة؛ بل لقد اعتبر من فعل ذلك زَيَّن الإلحاد وجعل الدينَ عُرضةً لطعن الطاعنين، لأنَّ الحُكماء أولا ليسوا معارضين للدين، وثانيا؛ لأن ”إضافة التعطيل إلى هؤلاء الحكماء ربما صار مَكسبةً لتزيين الإلحاد، ومدعاة لتفخيم الزندقة. وذلك مما يُؤَيِّدُ حِيلَ الدهرية على الضعاف من البرية؛“[126] يُريدُ أنَّ زعمَ الاختلاف بين الدين والحكماء يَضُرُّ الدين ولا ينفعه، ويُضعفه في أعين الناس ولا يُقوِّيه، لأن هذه المسألة سيستغلها المعاندون للدين، ويُشغبون على عقائد العوام؛ مدّعين أن هذا الدين لو ثبتت صحته، ما وجدنا العقلاء من الناس يُعارضونه.

وإذا كان هذا هو موقف العامري من الحكماء اليونان؛ وكان أيضا هو الذي ”شرح كتب أرسطو وشاخ فيها،“[127] فليس من المستغرب إذن أن نجد الكثير من أفكار هؤلاء تتردد عنده، وأن نجده أخذ ببعض تصوراتهم عن النفس الإنسانية؛ فمن ذلك مثلا؛ فكرة سماوية النفس وروحانيتها، وفكرة أن النفس تفيض الحياة على البدن وتدبر شؤونه،[128] وكذلك تقسيم النفس إلى ناطقة وغضبية وشهوانية؛[129] إذ هي كلها أفكارٌ وآراءٌ أفلاطونية، أضف إلى ذلك الإصرار على بيان تغاير الجسم والنفس، وأن الإنسان بطبعه مُرَكَّبٌ من الجوهرين المتباعدين؛ وهي فكرة برهن عليها سُقراط في محاوراته،[130] وأخذ بها كذلك أفلاطون.[131] وأيضا، فإن فكرة اعتبار النفس كمالا أولا للجسم الطبيعي وإحيائه، قد سبقت الإشارة إلى أنها فكرة أرسطية.[132] وفي رفضه اعتبار النفس مزيجا من الأخلاط؛ ردّاً على من زعم ذلك، وهي فكرة تُنسب إلى جالينوس الطبيب (ت.216م).[133]

وأما الباحث سحبان خليفات فيَجعلُ العامري متأثرا بكتابات أفلوطين (ت.207م) وبرقلس (ت.484م) بصورة ”ملفتة للنظر.“ فأما أفلوطين فيظهر من خلال حضور نظرية الفيض، وصفات الواحد، وتأثير العالم العُلوي والأجرام العلوية في العالم السُّفلي وفي قوى النفس الإنسانية وطبيعتها وإدراكها وارتقائها إلى الواحد. وأما برقلس فأثره ظاهر من خلال اعتماد العامري على كتابه الخير المحض؛ حيث اقتبس منه في كتابه الفصول في المعالم الإلهية.[134]

والحق أن العامري اعتقد فعلا تأثير العالم العلوي في النفس الإنسانية، لكنه رأى إمكانية مغالبة تلك الآثار بنوع مجاهدة، وأن النفس إذا تجردت عن الملذات الحسية وتدرجت في مراتب الكمال، صارت مستقلة عن أي تأثير من الأجرام العلوية، وكانت أقدر على رد تلك الآثار.[135] وأما نظرية الفيض الأفلوطينية فلا يُخفي العامري تأثره بها.

وأما الخلفية الإسلامية للعامري، فأعتقد أنها أوضح من أن تُذكر، وأظهر من أن تُستقصى، وإذا كان لا بد من إشارات، فنذكر على سبيل المثال استشهاده بآيات القرآن لإثبات خلود النفس وبقائها وتغايرها عن البدن.[136]وأيضا، في مسألة السبيل إلى تطهير النفس والارتقاء بها حتى تُصبح صافية نيِّرة عُلوية، فإنه يرى الدين الإسلامي مُهيأً على طريقةٍ تُساعد النفس على الخروج من ظلمات البهيمية إلى رونق الحكمة، ذلك أن مُجرد الالتزام بالعبادات والتوجيهات الدينية كافٍ في تخليصها من شقائها والسمو بها نحو السعادة المطلقة، ولذلك فالعامري يُجيب عن سؤال كيف يتغلب الإنسان على نوازع البدن المانعة من إشراق الحكمة في النفس؟ فيقول: إن ”الله جل جلاله قد أزاح علته بالأوضاع الدينية والمُثل الشرعية. فإنها أُسِّست على منهاج يَصرف الأنفس النطقية عن الأشياء المُعرضة للفناء إلى الأشياء الصالحة للبقاء، كالشارف بنا عن الظلام الدامس إلى الضوء المسفر ليترقى بها الإنسان من طبائع البهيمية إلى رونق الحكمة.“[137]

هذا دون إغفال كون العامري تتلمذ على يد أبي زيد البلخي؛ ذي الثقافة الإسلامية الموسوعية،[138] والذي يصفه تلميذه بأنه متوسعٌ في أصناف المعارف، وطريقته مستقيمة في أبواب الدين،[139] ونرى العامري كذلك يُوافق أُستاذَ أُستاذِه أبا إسحاق الكندي في الكثير من الآراء المتعلقة بالنفس؛ فمن ذلك مثلا التدليل على روحانيتها ونفي جِسميتها،[140] ونراه كذلك لا يختلف مع أبي نصر الفارابي في اعتبار النَّفس هي مَحلُّ المعقولات ومحلُّ المعاني المجردة،[141] ويوافقه أيضا في القول بتجردها وأنها قائمة بذاتها.[142]

وإلى هذا الحد ينتهي الكلام عن آراء العامري في النفس الإنسانية، ولم يبقَ إلا ختْمُ هذا المقال باستخلاص أهمِّ نتائجه.

خاتمة

وفي ختام هذه الدراسة؛ بإمكاننا استخلاص بعض النتائج إجمالا، ومنها:

• أن اهتمام أبي الحسن العامري بمسألة النفس له دواعٍ، منها؛ أنها من أشرف ما يطلبه العارف؛ إذ هي جوهر الإنساني الحقيقي، وهي محلُّ العلوم والحكمة والفضيلة، ثم لما كانت السعادة متوقفة على الفضيلة، وكانت الفضيلة طريقها تهذيب الأخلاق، وكانت الأخلاق محلها النفس؛ كان لابد أولا من معرفة النفس ما هي. وكذلك، فإن للنفس علاقة جوهرية بمسألة المعاد؛ إحدى أكبر المسائل الخلافية بين الفلاسفة وغيرهم. أما من جهة أخرى؛ فإن النفس لما كانت من أغمض المسائل وأعصاها على الفكر؛ كان من الطبيعي أن نجد كبار الفلاسفة يغوصون في حل مشكلاتها.

• أن ماهية النفس مما يتعذر النفاذ إليه، لأنها جوهر روحاني مجرد، لن ترقى مداركنا لمعرفته حق المعرفة، ولذلك؛ فإن التعاريف الواردة في هذا السياق تصلح لأن تكون أوصافا أكثر من كونها حدوداً، ولذلك نجد العامري يُكثر إيراد معانيها الإضافية وخواصها؛ والتي من أهمها؛ أنها جوهر سماوي روحاني، وأنها مجردة قائمة بذاتها، وأنها غير متناهية، وأنها ملتحفة بالجسد كالتحاف النار بالحديدة المحماة، وأنها قابلة لتأثير العقل فيها، وبدورها مؤثرة في الجسم مدبرة ومسيرة له.

• أن النفس موجودة لا شك في ذلك؛ ومن الدلائل المؤكدة لذلك؛ استثبات المعاني والصور العقلية، وقدرة الإنسان على التحلي بالفضائل الخُلقية، وقد عُلم أن الجسم وحده غير قابل لهذه الأمور، ثم إن الإطلاقات العامية مؤكدة أيضا وجود النفس.

• أن النفس تنقسم بقسمة معينة إلى ناطقة وشهوانية وغضبية، وأن أَلْيَقَهَا بالإنسان هي الناطقة، إذ هي ما تميزه عن غيره من الكائنات الأرضية، وأن السعادة كلها في تقويتها والاستجابة لها، وأن الشقاء والخسارة كلها في أن تستبد بالإنسان القوة الشهوانية والغضبية.

• أن النفس الإنسانية خالدة باقية على الأبد، وأن هلاك الجسم يعني تنحيها عنه دون أن يصيبها هي شيء مما يصيبه، ومما يدل على ذلك؛ أن القرآن الكريم قد شهد بهذا، إلى جانب أنها مجردة لها قوام بذاتها، وأنها لا تضعف رغم ضَعفِ القالَب، وأن محمولاتها أبدية، ثم إن بقاءها موافق لتمام الجود والحكمة الإلهيين.

• أن النفس واقعة تحت الزمان؛ أي أنها حادثة لها بداية، وأنها واقعة تحت الدهر؛ أي أنها باقية إلى الأبد.

• يظهر من حجاج العامري والنَّفَس الجدلي الطويل حول مسائل النفس المختلفة، قوة النقاش في عصره حول هذه المسائل، لاسيما مع إشارته أحيانا إلى من يخالفونه فيها كالطبيعيّين والمعتزلة.

• استنتجنا أن خلفيات آراء العامري مزيج من الثقافة اليونانية والإسلامية، على اعتبار انسجام الثقافتين.

Bibliography

al-Qurʾān al-Karīm bi-riwāyat Warsh ʿan Nāfiʿ.

al-Tawḥīdī, Abū Ḥayyān. Al-Muqābasāt. Edited by Ḥasan al-Sandūbī. Kuwait: Dār Suʿād al-Ṣabāḥ, 1992.

al-Tawḥīdī, Abū Ḥayyān. Al-Imtāʿ wa-al-Muʾānasah. Edited by Haytham Khalīfah al-Ṭuʿaymī. Beirut: al-Maktabah al-ʿAṣriyyah, 2011.

Abū Zayd, Muná Aḥmad. Al-Insān fī al-Falsafah al-Islāmiyyah: Dirāsah Muqāranah fī Fikr Abī al-Ḥasan al-ʿĀmirī. Beirut: al-Muʾassasah al-Jāmiʿiyyah lil-Dirāsāt wa-al-Nashr wa-al-Tawzīʿ, 1994.

al-Āmidī, Sayf al-Dīn. Al-Mubīn fī Sharḥ Maʿānī Alfāẓ al-Ḥukamāʾ wa-al-Mutakallimīn. Edited and introduced by Ḥasan Maḥmūd al-Shāfiʿī. Cairo: Maktabat Wahbah, 1993.

al-Ghazālī, Abū Ḥāmid. Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn, with Al-Mughnī ʿan Ḥaml al-Asfār fī al-Asfār fī Takhrīj mā fī al-Iḥyāʾ min al-Akhbār. Beirut: Dār Ibn Ḥazm, 2005.

al-Ījī, ʿAḍud al-Dīn. Al-Mawāqif fī ʿIlm al-Kalām. Edited by Muḥammad al-ʿAzāzī. Beirut: Dār al-Kutub al-ʿIlmiyyah, 2020.

al-Kindī, Yaʿqūb ibn Isḥāq. “Risālat Yaʿqūb ibn Isḥāq al-Kindī fī Annahu Tūjad Jawāhir lā Ajsām.” In Rasāʾil al-Kindī al-Falsafiyyah. Edited and introduced by Muḥammad ʿAbd al-Hādī Abū Rīdah, 262–269. Cairo: Dār al-Fikr al-ʿArabī, 1950.

al-Rāzī, Fakhr al-Dīn. Al-Maṭālib al-ʿĀliyyah min al-ʿIlm al-Ilāhī. Edited by Aḥmad Ḥijāzī al-Saqqā, vol. 1. Beirut: 1987.

al-Rāzī, Fakhr al-Dīn. Taʾsīs al-Taqdīs, with Risālat al-Imām al-ʿAllāmah Aḥmad ibn Yaḥyā ibn Jahbal fī al-Radd ʿalā man Radda ʿalā Ṣāḥib al-Taʾsīs. Edited by Anas Muḥammad ʿAdnān al-Sharafāwī and Aḥmad Muḥammad Khayr al-Khaṭīb. Beirut: Dār Nūr al-Ṣabāḥ, 2011.

al-Sijistānī, Abū Sulaymān al-Manṭiqī. Ṣiwān al-Ḥikmah. Edited by ʿAbd al-Raḥmān Badawī. Paris: Dār Byblion, 2004.

al-Taftāzānī, Saʿd al-Dīn. Sharḥ al-ʿAqāʾid al-Nasafiyyah, supervised by Anas Muḥammad ʿAdnān al-Sharafāwī. Damascus: Dār al-Taqwā, 2022.

al-ʿĀmirī, Abū al-Ḥasan. “Al-Amad ʿalā al-Abad.” In Arbaʿ Rasāʾil Falsafiyyah. Edited and introduced by Saʿīd al-Ghānimī, 147–266. Beirut: Dār al-Tanwīr, 2015.

al-ʿĀmirī, Abū al-Ḥasan. “Al-Fuṣūl fī al-Maʿālim al-Ilāhiyyah.” In Rasāʾil Abī al-Ḥasan al-ʿĀmirī wa-Shadharātuhu al-Falsafiyyah: Dirāsāt wa-Nuṣūṣ. Edited by Saḥbān Khalīfāt, 343–379. Amman: al-Jāmiʿah al-Urdunniyyah, 1988.

al-ʿĀmirī, Abū al-Ḥasan. “Al-Taqrīr li-Awjuh al-Taqdīr.” In Rasāʾil Abī al-Ḥasan al-ʿĀmirī wa-Shadharātuhu al-Falsafiyyah: Dirāsāt wa-Nuṣūṣ. Edited by Saḥbān Khalīfāt, 289–341. Amman: al-Jāmiʿah al-Urdunniyyah, 1988.

al-ʿĀmirī, Abū al-Ḥasan. “Al-Qawl fī al-Ibṣār wa-al-Mubṣar.” In Rasāʾil Abī al-Ḥasan al-ʿĀmirī wa-Shadharātuhu al-Falsafiyyah: Dirāsāt wa-Nuṣūṣ. Edited by Saḥbān Khalīfāt, 403–437. Amman: al-Jāmiʿah al-Urdunniyyah, 1988.

al-ʿĀmirī, Abū al-Ḥasan. Al-Saʿādah wa-al-Isʿād fī al-Sīrah al-Insāniyyah. Edited by Aḥmad ʿAbd al-Ḥalīm ʿAṭiyyah, introduction by Riḍwān al-Sayyid. Beirut: Dār al-Madār al-Islāmī, 2018.

al-ʿĀmirī, Abū al-Ḥasan. “Inqādh al-Bashar min al-Jabr wa-al-Qadar.” In Arbaʿ Rasāʾil Falsafiyyah. Edited and introduced by Saʿīd al-Ghānimī, 267–312. Beirut: Dār al-Tanwīr, 2015.

al-ʿĀmirī, Abū al-Ḥasan. Al-Iʿlām bi-Manāqib al-Islām. Edited by Aḥmad ʿAbd al-Ḥamīd Gharrāb. Riyadh: Dār al-Aṣālah lil-Thaqāfah wa-al-Nashr wa-al-Iʿlām, 1988.
al-ʿĀmirī, Abū al-Ḥasan. Arbaʿ Rasāʾil Falsafiyyah. Edited and introduced by Saʿīd al-Ghānimī. Beirut: Dār al-Tanwīr, 2015.

Aristotle. Kitāb al-Nafs, trans. Aḥmad Fuʾād al-Ahwāʾī. Cairo: al-Markaz al-Qawmī lil-Tarjamah, 2016.

Ibn al-Khammār, al-Ḥasan ibn Sawwār. “Maqālat Ibn al-Khammār fī Baqāʾ al-Nafs al-Nāṭiqah min al-Insān ʿalā Raʾy Arisṭūṭālīs.” Edited and introduced by Younes Ajoun. Philosmus: Journal of Philosophy and Sciences in Muslim Contexts3–4 (2023): 221–277.

Ibn Ḥazm, Abū Muḥammad. Kitāb al-Akhlāq wa-al-Siyar aw Risālah fī Mudāwāt al-Nufūs wa-Tahdhīb al-Akhlāq wa-al-Zuhd fī al-Radhāʾil. Edited by Īvā Riyāḍ, revised and introduced by ʿAbd al-Ḥaqq al-Turkumānī. Beirut: Dār Ibn Ḥazm, n.d.

Ibn Ḥazm, Abū Muḥammad. Al-Faṣl fī al-Milal wa-al-Ahwāʾ wa-al-Niḥal. Edited by Muḥammad Ibrāhīm Naṣr and ʿAbd al-Raḥmān ʿUmayrah, vol. 5. Beirut: Dār al-Jīl, 1996.

Ibn Kamāl Pāshā, Aḥmad ibn Sulaymān. “Risālah fī Bayān Ḥaqīqat al-Nafs wa-al-Rūḥ.” In Rasāʾil Ibn Kamāl Bāshā. Edited and commented by Ḥamzah al-Bakrī et al., vol. 7, 262–271. Istanbul: Dār al-Lubāb, 2018.

Ibn Sīnā, Abū ʿAlī. “Mabḥath ʿan al-Qiwā al-Nafsāniyyah.” In Aḥwāl al-Nafs: Risālah fī al-Nafs wa-Baqāʾihā wa-Maʿādihā. Edited by Aḥmad Fuʾād al-Ahwāʾī, 199–247. Cairo: Āfāq lil-Nashr wa-al-Tawzīʿ, 2020.

Ibn Sīnā, Abū ʿAlī. Aḥwāl al-Nafs: Risālah fī al-Nafs wa-Baqāʾihā wa-Maʿādihā. Edited by Aḥmad Fuʾād al-Ahwāʾī. Cairo: Āfāq lil-Nashr wa-al-Tawzīʿ, 2020.

Ibn Sīnā, Abū ʿAlī. Kitāb al-Najāḥ fī al-Ḥikmah al-Manṭiqiyyah wa-al-Ṭabīʿiyyah wa-al-Ilāhiyyah, revised and introduced by Mājid Fakhrī. Beirut: Dār al-Āfāq al-Jadīdah, n.d.

Khalīfāt, Saḥbān. Rasāʾil Abī al-Ḥasan al-ʿĀmirī wa-Shadharātuhu al-Falsafiyyah: Dirāsāt wa-Nuṣūṣ. Amman: al-Jāmiʿah al-Urdunniyyah, 1988.

Miskawayh, Aḥmad ibn Yaʿqūb. Tajārib al-Umam wa-Taʿāqub al-Himam. Edited by Sayyid Kisrawī Ḥasan, vol. 5. Beirut: 2003.

Miskawayh, Aḥmad ibn Yaʿqūb. Tahdhīb al-Akhlāq. Edited and studied by ʿImād al-Hilālī. Beirut: Manshūrāt al-Jamal, 2011.

Miskawayh, Aḥmad ibn Yaʿqūb. Al-Ḥikmah al-Khālidah (Jāvīdān Khirad). Edited and introduced by ʿAbd al-Raḥmān Badawī. Cairo: Maktabat al-Nahḍah al-Miṣriyyah, n.d.

Qāsim, Maḥmūd. Fī al-Nafs wa-al-ʿAql li-Falāsifat al-Ighrīq wa-al-Islām. Cairo: Maktabat al-Anjlū al-Miṣriyyah, n.d.

Rowson, Everett K. A Muslim Philosopher on the Soul and Its Fate: Al-ʿĀmirī’s Kitāb al-Amad ʿalā al-Abad. New Haven: American Oriental Society, 1988.

للتوثيق

مُدرير، بلال. ”آراء الفيسلوف أبي الحسن العامري (ت.381هـ/922م) في النفس الإنسانية.“ ضمن موقع الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية، الرابط <https://philosmus.org/archives/4312>

بلال مُدرير

بلال مُدَرِّير Bilal Modarrir، حاصل على شهادتي الإجازة والماستر من مؤسسةدار الحديث الحسنية-جامعة القرويين. يهتم بالفكر والفلسفة الإسلاميين ويشتغل حاليا في التعليم الثانوي الإعدادي بمدينة الرباط.bilalmdr955@gmail.com

[1] مدين بالشكر والعرفان البالغين للأستاذ الكريم د. فؤاد بن أحمد (جامعة هارفارد، كمبريدج/ جامعة القرويين، الرباط) على جميل اهتمامه بهذا البحث وإسهامه الكبير في خروجه بهذه الصيغة، وأشكر أيضا الباحثين مروان الجعواني ومحمد الأمراني اللذين تفضلا بقراءة البحث، مع الشكر الجزيل أيضا للأساتذة المحكمين. أما الأخطاء الممكن ورودها في المقالة، فوحدي أتحمل مسؤوليتها.

[2] انظر مثلا: أبو الحسن العامري، أربع رسائل فلسفية، حققها وقدم لها سعيد الغانمي (بيروت: دار التنوير، 2015م)، 5.

[3] Everett K. Rowson, A Muslim Philosopher on the Soul and Its Fate: Al-‘Amiri’s Kitab Al-Amad ‘Ala L-Abad (New Haven: American Oriental Society, 1988), 28.

[4] ”وقد قطن العامريُّ الريَّ خمس سنين جُمعة، ودرس وأملى وصنّف وروى، فما أخذ مسكويه عنه كلمة واحدة، ولا وعى مسألة، حتى كأن بينه وبينه سدّ؛ ولقد تجرع على هذا التواني الصاب والعلقم، ومضغ بفمه حنظل الندامة في نفسه، وسمع بأذنه قوارع الملامة من أصدقائه حين لم ينفعه ذلك كله.“ أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، اعتنى به وراجعه هيثم خليفة الطعيمي (بيروت: المكتبة العصرية، 2011م/1432هـ)، ج.1: 51.

[5] أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه، الحكمة الخالدة جاويدان خرد، حققه وقدم له عبد الرحمن بدوي (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية [د.ت])، 374.

[6] أبو سليمان المنطقي السجستاني، صوان الحكمة، حققه وقدم له عبد الرحمن بدوي (باريس: دار ومكتبة بيبليون، 2004)، 82، 85، 307، 310، 323.

[7] للمزيد حول سيرة أبي الحسن العامري، طالع: سحبان خليفات: رسائل أبي الحسن العامري وشذراته الفلسفية دراسات ونصوص (عمان: الجامعة الأردنية، 1988م)، 59.

[8] أبو الحسن العامري، ”الأمد على الأبد،“ ضمن أربع رسائل فلسفية، حققها وقدم لها سعيد الغانمي (بيروت: دار التنوير، 2015م)، 171.

[9] أحمد بن يعقوب مسكويه، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، تحقيق سيد كسروي حسن (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003م/1424هـ)، ج.5: 375.

[10] منى أحمد أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية: دراسة مقارنة في فكر أبي الحسن العامري، ط.1 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1414هـ/ 1994م)، 33.

[11] منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، 34.

[12] منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، 36.

[13] منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، 47.

[14] منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، 54.

[15] منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، 60.

[16] منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، 24.

[17]منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، 32.

[18]منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، 34.

[19]منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، 59.

[20] منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، 44.

[21] Rowson, A Muslim Philosopher, 1.

[22] Rowson, A Muslim Philosopher, 3.

[23] Rowson, A Muslim Philosopher, 22.

[24] Rowson, A Muslim Philosopher, 22.

[25] أبو علي بن سينا، ”رسالة مبحث عن القوى النفسانية،“ ضمن أحوال النفس رسالة في النفس وبقائها ومعادها، تحقيق أحمد فؤاد الأهواني (القاهرة: آفاق للنشر والتوزيع، 2020)، 202.

[26] العامري، ”الأمد،“ 150؛ ذكر العامري أنه ألف هذا الكتاب لبحث مسألة المعاد، ثم القارئ لهذا الكتاب يجد غالبه حول موضوع النفس.

[27] أحمد بن يعقوب مسكويه، تهذيب الأخلاق، دراسة وتحقيق عماد الهلالي (بيروت: منشورات الجمل، 2011)، 234.

[28] ابن سينا، ”رسالة مبحث عن القوى النفسانية،“ 202.

[29] انظر للاستزادة: منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، 36.

[30] العامري، ”الفصول،“ 379.

[31] العامري، ”الفصول،“ 379.

[32] العامري، ”الفصول،“ 378.

[33] العامري، ”الفصول،“ 378.

[34] سحبان خليفات، رسائل أبي الحسن العامري وشذراته الفلسفية دراسات ونصوص (عمان: الجامعة الأردنية، 1988م)، 353.

[35] أبو الحسن العامري، ”القول في الإبصار والمبصر،“ ضمن رسائل أبي الحسن العامري وشذراته الفلسفية دراسات ونصوص، سحبان خليفات (عمان: الجامعة الأردنية، 1988م)، 423.

[36] العامري، ”القول في الإبصار،“ 423.

[37] ابن سينا، ”رسالة مبحث عن القوى النفسانية،“ 205.

[38] اعترف التوحيدي بحاجة هذا الكلام إلى شرح حيث قال: ”والمقابسة التي من قول العامري قد جعلناها مقصورة على حدود حصلناها، وفي نثرها فوائد جمة، ولو كان الوقت يتسع لوصلنا جميع ذلك بما يكون شرحا له وشاهدا معه، وإذ عاق ما لا خفاء به من المكروه …“ أبو حيان التوحيدي، المقابسات، محقق ومشروح بقلم حسن السندوبي (الكويت: دار سعاد الصباح، 1992م)، 309.

[39] التوحيدي، المقابسات، 318.

[40] التوحيدي، المقابسات 317.

[41] التوحيدي، المقابسات 317.

[42] التوحيدي، المقابسات، 317.

[43] العامري، ”الفصول،“ 371.

[44] أرسطو، كتاب النفس، ترجمة أحمد فؤاد الأهوائي (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2016)، 42‒34.

[45] أبو علي بن سينا، كتاب النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية، نقحه وقدم له ماجد فخري (بيروت: دار الآفاق الجديدة [د.ت])، 197.

[46] أي الأصل والمصدر.

[47] العامري، ”الأمد،“ 204.

[48] أبو علي أحمد بن محمد مسكويه، الحكمة الخالدة جاويدان خرد، حققه وقدم له عبد الرحمن بدوي (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية [د.ت]) ، 358.

[49] كما أن العامري يُكثر الرد على من يرى أن النفس إنما كان تكونها من الأسطقسات الأربعة (الماء، النار، الهواء، الأرض)، لأن  هذه الأسطقسات متناهية، والنفس ليست كذلك. أنظر مثلا: أبو الحسن العامري، ”التقرير لأوجه التقدير،“ ضمن رسائل أبي الحسن العامري وشذراته الفلسفية دراسات ونصوص، سحبان خليفات (عمان: الجامعة الأردنية، 1988م)، 322.

[50] العامري، ”التقرير،“ 321.

[51] العامري، ”الأمد،“ 196.

[52] العامري، ”الأمد،“ 210.

[53] العامري، ”الأمد،“ 199.

[54] سيف الدين الآمدي، المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين، تحقيق وتقديم حسن محمود الشافعي (القاهرة: مكتبة وهبة، 1413هــ/ 1993م)، 98.

[55] العامري، ”القول في الإبصار،“ 414.

[56] العامري، ”التقرير،“ 322.

[57] عضد الدين الإيجي، المواقف في علم الكلام، تحقيق محمد العزازي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2020)، 227.

[58] سعد الدين التفتزاني، شرح العقاد النسفية، تحقيق أنس محمد عدنان الشرفاوي (دمشق: دار التقوى، 1441هــ/2020م)، 125.

[59] العامري، ”التقرير،“ 322.

[60] العامري، ”التقرير،“ 313.

[61] العامري، ”الأمد،“ 204.

[62] فخر الدين الرازي، تأسيس التقديس ومعه رسالة الإمام العلامة أحمد بن يحيى بن جهبل في الرد على من رد على صاحب التأسيس، عُني بهما أنس محمد عدنان الشرقاوي وأحمد محمد خير الخطيب (دمشق: دار نور الصباح، 2011م)، 47.

[63] أحمد بن سليمان بن كمال باشا، ”رسالة في بيان حقيقة النفس والروح“ ضمن مجموع رسائل ابن كمال باشا، تحقيق وتعليق وتخريج حمزة البكري وماهر أديب حبوش وعبد الرحمن حرش وحسين الأسود وعبد الجواد حمام ومحمد بسام حجازي وأحمد فواز الحمير (إسطنبول: دار اللباب، 1439هـ/2018م)، ج. 7: 271.

[64] العامري، ”الأمد،“ 191.

[65] العامري، ”الأمد،“ 227.

[66] العامري، ”الأمد،“ 242.

[67] العامري، ”الفصول،“ 379.

[68] العامري، ”الأمد،“ 229.

[69] أبو الحسن العامري، السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية، دراسة وتحقيق أحمد عبد الحليم عطيَّة (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2018م)، 194.

[70] العامري، ”الأمد،“ 184

[71] العامري، ”الأمد،“ 185

[72] العامري، السعادة والإسعاد، 195.

[73] العامري، السعادة والإسعاد، 196.

[74] العامري، السعادة والإسعاد، 196.

[75] فخر الدين الرازي، المطالب العالية من العلم الإلهي، تحقيق أحمد حجازي السقا (بيروت: دار الكتاب العربي، 1407هـ/1987م)، ج. 1: 40.

[76] العامري، السعادة والإسعاد، 219.

[77] العامري، السعادة والإسعاد، 219‒220.

[78] العامري، السعادة والإسعاد، 220.

[79]بخصوص هذا الكلام يوجه العامري نقدا شديدا لمن يرى جواز أن يكون في المملكة الواحدة حاكمين أو أكثر، إذا لم يوجد غيرهما وتوفرت فيهما الشروط؛ بحيث إن بعضهما سيكمل الآخر، يقول العامري: ”قال بعض الحَدَث من المتفلسفين: إنه متى لم تجتمع جميع خصال الخير في رئيس واحد وبعد أن تجتمع، وجب أن تُقام الرئاسة بنفسيين؛ وذلك مثل أن يكون أحدهما حكيما ولا قوة له على القيام بالرئاسة وتكون للآخر قوة على ذلك. وقال: وكذلك هذا في جماعة فإنه يجوز أن يكونوا بجملتهم على سبيل التعاون رئيسا واحدا“، ثم يُعقّب العامري على هذا الكلام بقوله: ”ما قاله هذا الإنسان لا معنى له، وليس يجوز أن يكون الرأس أكثر من واحد، وإنما الرئاسة بالرأي، فمن لا رأي له لا يستحق الرئاسة…“ العامري، السعادة والإسعاد، 285.

[80] العامري، ”السعادة والإسعاد،“ 219.

[81] يُنظر مثلا: مسكويه، تهذيب الأخلاق، 279؛ والرازي، المطالب العالية، ج. 1: 40؛ وأبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين ومعه المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، (بيروت: دار ابن حزم، 1426هـ/2005م)، 949، وأبو محمد علي بن حزم الأندلسي، كتاب الأخلاق والسير أو رسالة في مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل، تحقيق، إيڤا رياض، راجعه وقدم له وعلق عليه عبد الحق التركماني (بيروت: دار ابن حزم [د.ت])، 82.

[82] العامري، السعادة والإسعاد، 220.

[83] العامري، السعادة والإسعاد، 220.

[84] العامري، السعادة والإسعاد، 219.

[85] العامري، ”الأمد،“ 182.

[86] العامري، ”الأمد،“ 183.

[87] العامري، ”الأمد،“ 183.

[88] العامري، ”الأمد،“ 184.

[89]العامري، ”الأمد،“ 184.

[90] العامري، ”الأمد،“ 184.

[91] العامري، ”الأمد،“ 183.

[92] العامري، ”الأمد،“ 184.

[93] العامري، ”الأمد،“ 185.

[94] العامري، ”الأمد،“ 185.

[95]العامري، ”الأمد،“ 185.

[96] العامري، ”الأمد،“ 186.

[97] العامري، ”القول في الإبصار،“ 414.

[98] يقصد البعث والنشور

[99] العامري، ”الأمد،“ 254.

[100] يستعمل العامري ”مهما“ بمعنى متى

[101] العامري، ”الأمد،“ 242.

[102] العامري، ”الأمد،“ 243.

[103] العامري، ”الأمد،“ 248.

[104]ابن الخمَّار، ”مقالة ابن الخمّار في بقاء النفس الناطقة من الإنسان على رأي أرسطوطاليس،“ تحقيق وتقديم يونس أجعون، فيلوسموس: مجلة الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية، العددان الثالث والرابع، (1444هـ/ 2023م)، 271.

[105] العامري، ”الفصول،“ 276.

[106] العامري، ”الفصول،“ 276.

[107] العامري، ”الفصول،“ 277.

[108] العامري، ”الأمد،“ 229.

[109] العامري، ”الفصول،“ 379.

[110] العامري، ”الأمد،“ 198.

[111] ويؤيِّدُ هذا الحكم ما ذكره ابن حزم (ت.456هـ/ 1064م) في الفصل أنَّ أبا بكر بن كيسان الأصم (ت.201هـ/816م) يُنكر وُجود النفس جُملةً، وأنه يقول ”لا أعرف إلا ما شاهدته نفسي،“ ونسبَ إلى أبي الهذيل العلاَّف (ت.235هـ/850م) قوله أنَّ النفس عَرضٌ من الأعراض كسائر أعراض الجسم. أبو محمد علي بن أحمد بن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عُميرة (بيروت: دار الجيل، 1416هـ/ 1996م)، ج. 5: 201. ونسب ابن حزم أيضا إلى إبراهيم بن سيار النَّظام (ت.221هـ/886م) قوله بأن العالم ليس إلا أجساما ونفى ما دون ذلك، ولم يُثبت من الأعراض إلا الحركة. ابن حزم، الفصل، ج. 5: 193. غير أن هذا ليس رأي المعتزلة جميعا، فمعمر بن عمر العطار المعتزلي (ت.215هـ/830م) ــ مثلا ــ  يرفض هذا الكلام، ويرى أن النفس ليست جسما ولا عرضا ولا متجزئة ولا متحيزة وأنها هي المدبّرة للجسم، وبمثل هذا يقول العامري. انظر عن نسبة هذا الرأي لمَعْمر: ابن حزم، الفصل، ج. 5: 20؛ والرازي، تأسيس التقديس ومعه رسالة يحيى بن جهبل في الرد على من رد على صاحب التأسيس، 47؛ وابن كمال باشا، ”رسالة في بيان حقيقة النفس والروح،“ ج. 7: 271.

[112] العامري، ”الأمد،“ 241.

[113] العامري، ”الأمد،“ 253-254.

[114] العامري، ”الأمد،“ 264.

[115] العامري، ”التقرير،“ 324.

[116] أشار العامري إلى إجماع الحكماء الإلهيين على أن ”الغرض الأولي في التقدير الإلهي لإيجاد العالم متجه إلى المعاني الثلاثة، وهي: إفاضة الجود التام، وإبراز القدرة التامة، وإظهار الحكمة التامة.“ العامري، ”التقرير،“ 313. ولو فرضنا فناء النفس، لكان ذلك مناقضا لمعنى إفاضة الجود التام، وإظهار الحكمة التامة.

[117] العامري، ”الأمد،“ 243.

[118] العامري، ”الفصول،“ 277.

[119] سحبان خليفات، رسائل أبي الحسن العامري، 354.

[120] مسكويه، الحكمة الخالدة ،367.

[121] انظر: العامري، ”القول في الإبصار،“ 414؛ والعامري، ”الأمد،“ 242‒243.

[122] العامري، ”الفصول،“ 377.

[123] العامري، ”الفصول،“ 377.

[124] تقول الباحثة منى أحمد أبو زيد موضحة غموض هذه المسألة عند العامري: ”أما عن بداية وجود النفس، وهل هي سابقة على وجود البدن كما ذهب إلى ذلك أفلاطون وأفلوطين، أما أنها ملازمة للجسد كما ذهب إلى ذلك أرسطو؟ فهنا لا نجد آراءً صريحة للعامري، ويبدو التردد عنده.“ منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، 34. والقولة المختارة عندي؛ أننا لا نستطيع تقديم فكرة واضحة حول هذه المسألة من خلال ما توفر من كتب العامري، ولعلنا نُرجع هذا الغموض إلى ضياع المصادر التي حفظت لنا آراءه.

[125] العامري، ”الأمد،“ 172.

[126] العامري، ”الأمد،“ 172.

[127] مسكويه، تجارب الأمم، ج. 5: 375.

[128] محمود قاسم، في النفس والعقل لفلاسفة الإغريق والإسلام (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، بدون تاريخ)، 33.

[129] العامري، السعادة والإسعاد، 148.

[130] محمود قاسم، في النفس والعقل، 23.

[131] محمود قاسم، في النفس والعقل، 32‒33.

[132] أرسطو، كتاب النفس، 42–43.

[133] ابن حزم، الفصل، ج. 5: 201.

[134] سحبان خليفات، رسائل العامري، 130.

[135] العامري، ”الأمد،“ 194.

[136] العامري، ”الأمد،“ 243.

[137] العامري، ”الأمد،“ 188.

[138] سحبان خليفات، رسائل العامري، 164.

[139] العامري، ”الأمد،“ 171.

[140] يعقوب بن إسحاق الكندي، ”رسالة يعقوب بن إسحاق الكندي في أنه توجد جواهر لا أجسام“ ضمن رسائل الكندي الفلسفية، حققها وأخرجها مع مقدمة تحليلية محمد عبد الهادي أبو ريدة (القاهرة: دار الفكر العربي، 1369هـ/ 1950م) ج. 1: 267.

[141] منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، 38.

[142] منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، 44.

مقالات ذات صلة

الخطاب المعياري عند الماوردي (ت. 450هـ/1058م) بين الفقه والفلسفة والأدب: من التأطير القانوني إلى قراءة نسقية وتاريخية

الخطاب المعياري عند الماوردي (ت. 450هـ/1058م) بين الفقه والفلسفة والأدب: من التأطير القانوني إلى قراءة نسقية وتاريخية

Al-Māwardī’s (d. 450/1058) Normative Discourse between Islamic Jurisprudence, Philosophy, and Adab: From a Legalistic Framing to a Systematic and Historical-Contextual Reading al-khiṭāb al-miʿyārī ʿinda al-Māwardī (d. 450/1058) bayna al-fiqh wa-l-falsafa wa-l-adab:...

نحو الوحدة الاصطلاحية في ترجمة ”المفصّل في الحجاج“

نحو الوحدة الاصطلاحية في ترجمة ”المفصّل في الحجاج“

Toward Terminological Unity in the Translation of The New Rhetoric Naḥwa al-waḥda al-iṣṭilāḥiyya fī tarjamat al-Mufaṣṣal fī al-ḥijāj نحو الوحدة الاصطلاحية في ترجمة ”المفصّل في الحجاج“ محمد قنديلجامعة ابن طفيل، القنيطرة Mohammed Kandil Ibn Tofail University, Kénitra...

النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)

النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)

The Second Maghribi Logical Revival: Muḥammad al-Sharīf al-Tilmisānī (710–771/1310–1370) al-Nahḍa al-Manṭiqiyya al-Maghribiyya al-Thāniya:Muḥammad al-Sharīf al-Tilimsānī (710–771/1310–1370) النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)...

الإسهام الإصلاحي في الفلك لجابر بن أفلح الإشبيلي: موقع كوكبي الزهرة وعطارد نموذجًا

الإسهام الإصلاحي في الفلك لجابر بن أفلح الإشبيلي: موقع كوكبي الزهرة وعطارد نموذجًا

The Reformist Contribution of Jābir ibn Aflaḥ al-Ishbīlī to Astronomy: Venus and Mercury as a Case Study al-Ishām al-iṣlāḥī fī al-falak li-Jābir b. Aflaḥ al-Ishbīlī: Mawqiʿ kawkabay al-Zuhra wa-ʿUṭārid namūdhajan الإسهام الإصلاحي في الفلك لجابر بن أفلح الإشبيلي:موقع...

مفهوم البراديغم من خلال فلك ابن الهيثم

مفهوم البراديغم من خلال فلك ابن الهيثم

The Concept of Paradigm in Ibn al-Haytham's Astronomy Mafhūm al-Parādīghm min khilāl falak Ibn al-Ḥaytham مفهوم البراديغم من خلال فلك ابن الهيثم   فتاح مكاويFatah Mekkaoui   جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاسSidi Mohamed Ben Abdellah University, Fez  الملخص: يعتبر...

في مشروعية الكلام السني ضدا على إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (ت.505هـ/1111م): قطعة من موسوعة الأسرار والعبر لأبي بكر الطرطوشي (ت.520هـ/1126م)، تعريفٌ وتوصيف

في مشروعية الكلام السني ضدا على إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (ت.505هـ/1111م): قطعة من موسوعة الأسرار والعبر لأبي بكر الطرطوشي (ت.520هـ/1126م)، تعريفٌ وتوصيف

On the Legitimacy of Sunni Theology against Abū Ḥāmid al-Ghazālī’s Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn (d. 505/1111): A Section from Abū Bakr al-Ṭurṭūshī’s al-Asrār wa-l-ʿIbar (d. 520/1126) - Introduction and Description Fī Mashrūʿiyyat al-Kalām al-Sunnī Ḍiddan ʿalā Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn...

منهج الغزالي في التأليف في علم المنطق

منهج الغزالي في التأليف في علم المنطق

Al-Ghazālī’s Methodology in His Writings on Logic Manhaj al-Ghazālī fī al-Taʾlīf fī ʿIlm al-Manṭiq منهج الغزالي في التأليف في علم المنطق محمد رويMohamed Roui جامعة عبد الملك السعديUniversité Abdelmalek Essaadi  ملخص: تتناول هذه الدراسة معالم منهج أبي حامد الغزالي...

المنطق في الحضارة الإسلاميّة

المنطق في الحضارة الإسلاميّة

المنطق في الحضارة الإسلاميّة خالد الرويهبKhaled El-Rouayheb جامعة هارفارد-كمبريدجHarvard University-Cambridge  ملخص: ”المنطق في الحضارة الإسلامية“ لخالد الرويهب (جامعة هارفارد بكمبريدج) هي في الأصل محاضرة بالعربية ألقيت في مؤسسة البحث في الفلسفة العلوم في...

مكانة ”الالتباس“ في الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الكلاسيكي: بواكير منظور جديد

مكانة ”الالتباس“ في الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الكلاسيكي: بواكير منظور جديد

Navigating Ambiguity: Exploring the Role of Uncertainty in the Classical Arab-Islamic Culture Makānat Al-Iltibās fī al-Thaqāfah al- ʿArabiyya al-Islāmiya Fī ʿAṣrihā al-Klāsīkī:Bawākīr Manẓūr Jadīd مكانة ”الالتباس“ في الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الكلاسيكي بواكير...

أثر فلسفة ابن رشد في الكلام الأشعري المغربي: دراسة في المنجز حول فكر أبي الحجاج يوسف المكلاتي (ت.626هـ/1229م)

أثر فلسفة ابن رشد في الكلام الأشعري المغربي: دراسة في المنجز حول فكر أبي الحجاج يوسف المكلاتي (ت.626هـ/1229م)

The Impact of Ibn Rushd's (Averroes’) Philosophy on Maghribi Ashʿarī KalāmCurrent State of Studies on al-Miklātī (d.626/1229) Athar Falsafat Ibn Rushd fī al-Kalām al-Ashʿarī al-Maghribī: Dirāsa fī al-Munajaz ḥawl Fikr Abī al-Hajjāj Yusuf al-Miklatī (626/1229) Majda...

مشاركة / Share
error: Content is protected !!