![]()
الماهوية والدوغمائية في قراءة التاريخ الفكري للمسلمين: نقاشٌ مع بناصر البعزاتي — الجزء الثاني: في دعوى ”الركود والتراجع“ في الغرب الإسلامي خلال القرن الثامن للهجرة /الرابع عشر للميلاد

Essentialism and Dogmatism in Reading Islamic Intellectual History: A Conversation with Bennacer El Bouazzati— Part Two: Reconsidering the Claim of Stagnation and Decline in the Western Islamic World during the 8th/14th Century
al-Māhawiyya wa-l-dūghmāʾiyya fī qirāʾat al-tārīkh al-fikrī li-l-Muslimīn. Niqāsh maʿa Bannasar al-Buʿazzātī—Al-Juzʾ al-Thānī:
Fī daʿwā al-rukūd wa-al-tarājuʿ fī al-Gharb al-Islāmī khilāl al-qarn al-thāmin lil-Hijra / al-rābiʿ ʿashar lil-Mīlād
الماهوية والدوغمائية في قراءة التاريخ الفكري للمسلمين:
نقاشٌ مع بناصر البعزاتي
الجزء الثاني:
في دعوى ”الركود والتراجع“ في الغرب الإسلامي خلال القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد
Fouad Ben Ahmed
Harvard University, Cambridge/Qarawiyyin University, Rabat
Abdelilah Boudib
Moulay Ismail University, Meknes
فؤاد بن أحمد
جامعة القرويين، الرباط/جامعة هارفارد، كمبريدج
عبد الإلاه بوديب
جامعة مولاي إسماعيل، مكناس
ملخص: يُعنى هذا الجزء بفحص البنية الحجاجية والمفاهيمية التي قامت عليها قراءة البعزّاتي لكتابنا بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي: جدل الانحطاط الفكري بتونس القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد، وما اتصل بتلك القراءة من أحكامٍ صاغها في شأن أوضاع المعرفة في الغرب الإسلامي خلال القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد. ويتحقق ذلك من خلال مراجعة النصوص التي أورد فيها هذه الأحكام، وتحليل طرائق استدلاله، واختبار صلاحية أمثلته وإحالاته على المصادر. وينصرف النظر فيه إلى مدى انضباط الأحكام العامة التي يبنيها، وحدود المفاهيم التي ينتظم بها خطابه، وطبيعة الشواهد التي يسند بها تفسيره للمؤسسات، والعلوم العقلية، ومسارات الضعف أو الانكماش، وأشكال الجدل والنقد داخل الحقل العلمي. كما يتناول بعض نصوصه الأخرى التي استُحضرت في سياق الردّ على قراءته، بقصد التحقق مما إذا كانت تقوم مقام التخصيص والمراجعة، أو تعيد إنتاج البنية التفسيرية نفسها في صيغ مغايرة. وبهذا يتجه هذا الجزء إلى نقل النقاش من مستوى التعميم والانطباع إلى مستوى الفحص النصي والتحليل المفهومي، وإلى التمييز بين ما تنهض به المادة التاريخية وما يُتجاوز بها إلى نتائج أوسع من حدودها.
كلمات مفاتيح: دعوى التراجع والجمود، الغرب الإسلامي، القرن الثامن للهجرة، القرن الرابع عشر للميلاد، بناصر البعزّاتي، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، الفقه المالكي، العلوم العقلية، المؤسسات المرينية، الفكر النقدي، التعميم، النزعة الماهوية، التشدد
Abstract: This article examines the argumentative and conceptual framework underlying Bannāṣar al-Buʿazzātī’s “review” of Bayna Ibn ʿArafa al-Warghammī wa-Ibn Khaldūn al-Ḥaḍramī and, more broadly, his account of intellectual life in the Maghrib during the eighth/fourteenth century. Rather than addressing al-Baʿzātī’s project as a whole, it focuses on a defined set of texts in order to assess the scope of his claims, the precision of his concepts, and the evidentiary force of the historical examples on which his judgments rest. Particular attention is given to his treatment of decline, institutional rigidity, the place of the rational sciences, and the status of critical thought within learned culture.
Methodologically, the article combines close textual analysis with conceptual and historiographical critique. It reexamines the sources al-Buʿazzātī cites, the examples he mobilizes, and the explanatory patterns that recur across his work, including broad generalization, essentializing readings of legal and theological traditions, and the use of heavily charged interpretive vocabulary. It also considers other texts al-Buʿazzātī invokes in response to criticism in order to determine whether they meaningfully qualify his earlier formulations or instead reproduce the same explanatory logic in altered form.
The article argues that several of al-Buʿazzātī’s conclusions rest on unstable comparisons, overextended generalizations, and uses of evidence that do not fully sustain the interpretive weight placed upon them. More specifically, it shows that claims about the absence of critical thought, the closure of institutions to the rational sciences, and the explanatory role assigned to legal and theological identities frequently exceed what the cited material can securely bear. By relocating the discussion from polemical assertion to textual verification and methodological control, the article seeks to clarify the limits of large explanatory claims about intellectual decline in the Maghrib and to distinguish more carefully between what the evidence demonstrates and what is projected onto it.
Keywords: Intellectual decline, Maghrib, eighth/fourteenth century, Bannāṣar al-Buʿazzātī’, Bayna Ibn ʿArafa al-Warghammī wa-Ibn Khaldūn al-Ḥaḍramī, Malikism, rational sciences, critical thought, educational institutions, legal traditions, essentialism, historical method, conservatism
مقدمة
ليس هذا العمل ردًّا عارضًا أملته مناسبةُ سجالٍ عابر،[1] ولا هو تعقّبٌ جزئي لعبارات متناثرة أو هفوات منفصلة، وإنما هو نظرٌ في نمط من القراءة التاريخية أخذ يتكرر في تناول التراث الفكري والعلمي بالمغرب الإسلامي، حتى كاد يفرض على مادته صيغًا تفسيرية سابقة عليها، ويعيد ترتيب شواهده وفق نتائج مقرَّرة قبل استكمال النظر في تلك الشواهد وما تبوح به حقيقة. ومن هنا لم يكن الاشتغال بنصوص بناصر البعزاتي اشتغالًا بها من حيث هي مجرد موضوع خارجي للردّ، بل من حيث هي نموذج دالّ على آلياتٍ بعينها في بناء الحكم التاريخي؛ أي في استعمال الشاهد، وفي الانتقال من الجزئي إلى الكلي، وفي توظيف المفهوم، وفي ردّ التعدد إلى وحدات صلبة، وفي تحويل التوترات المركبة داخل الحقل العلمي إلى خلاصاتٍ مطلقة عن ”التراجع“ و”الانغلاق“ و”غياب الفكر النقدي.“
ولئن كان تاريخ العلوم والمعارف في الغرب الإسلامي قد أُثقل، في غير قليل من الدراسات ومع مرور الزمن، بأحكامٍ كلية عن الخفوت والانكماش وضيق الأفق، فإن هذا لا ينهض، في نظرنا، مسوغًا لتكرار تلك الأحكام ما لم تُخضع من جديد للفحص، لا من جهة نتائجها فحسب، وإنما من جهة الأدوات التي أفضت إليها. ذلك أن التاريخ، ولا سيما في ميادين الفكر والعلم، لا يبوح بمعناه دفعةً واحدة، ولا يُستخرج من شاهدٍ مفرد أو من صيغةٍ جامعة، بل يتمنع على القراءة كلما استُعجِلت وحدتُه، ويتكشّف كلما أُخذ في تعدده، واختلاف مستوياته، وتباين فاعليه، وتفاوت مؤسساته، وتباعد أزمنته، وتنازع لغاته ومقاصده. ومن ثمّ كان من مقتضى الأمانة للموضوع نفسه ألا نردّ المسارات العلمية إلى علة واحدة، ولا الاختيارات المعرفية إلى طبيعة مذهبية ثابتة، ولا نختزل تضاريس الحياة الفكرية في صور تفسيرية مريحة في ظاهرها، مستعصية على البرهنة في باطنها.
إن الفرض الذي ينتظم هذا العمل ليس نفيًا لوجود أزمات أو محدوديات أو مظاهر ضعف في بعض الحقول العلمية خلال القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد، كما أنه ليس دفاعًا إنشائيًّا عن صورة مضادة ناصعة البياض؛ بل هو أضيق من ذلك وأشد التزامًا: وهو أن الأحكام العامة لا تكتسب علميتَها إلا بقدر ما تنضبط بمادة الشاهد، وأن المفهوم لا تكون له قيمة تفسيرية إلا بقدر ما يحدد مجال انطباقه، وأن المقارنة لا تستقيم إلا إذا روعيت فيها الفروق بين التقاليد والأزمنة والوظائف، وأن الخلاف داخل المذهب الواحد، والمؤسسة الواحدة، والحقبة الواحدة، كفيل وحده بأن يخلخل كل قراءة تطلب من التاريخ أن ينتظم في صورة واحدة مغلقة. وعلى هذا الأساس، فإن ما نرومه هنا ليس تعويض تعميمٍ بتعميم، بل تفكيك منطق التعميم نفسه حيث يقع، وكشف ما يستتر خلفه من قفزٍ على الوسائط، وإغفالٍ للتمايزات، واستعاضةٍ عن البرهان بقوة اللغة، حتى ولو كانت ساقطة.
وقد اقتضى هذا المسلك أن نتجه إلى النصوص نفسها، لا إلى خلاصاتها السابقة لها؛ فراجعنا الشواهد المحال عليها من قبل البعزاتي، وتتبعنا مواضع الاستدلال، وميّزنا بين ما يقوله المصدر وما يبنيه الباحث عليه، وبين ما يَرِد في النص بوصفه معطًى تاريخيًّا وما يُضاف إليه بوصفه تأويلًا لاحقًا، وبين الاقتباس الصحيح والسياق المبتور، وبين الخطأ القابل للتصحيح والاتهام الذي لا يثبت إلا بملفّ برهاني واضح. كما اقتضى منا أن نختبر بنية الأحكام الكلية، وأن نسائل وظائف مفاهيم من قبيل الإيديولوجيا، والرؤية الواحدية، والتزمّت، والطاعة، والانغلاق تجاه العلوم العقلية، وأن ننظر: هل جاءت هذه المفاهيم أدواتٍ لكشف التعقيد، أم صارت أدواتٍ لإعادة اختزاله؟
ومن البيّن أن هذا الجزء لا يدّعي لنفسه مقام الحسم في جميع مسائل تاريخ العلوم والمعارف بالمغرب الإسلامي، ولا يتظاهر بأنه استوفى ما في هذا الباب من مشكلات ومصادر ومسالك نظر. وإنما يطمح إلى ما هو أولى وأدق: ردّ المناقشة إلى موضعها الصحيح، أي إلى حيث يقوم البرهان أو يسقط، وحيث تصلح الأمثلة أو تفسد، وحيث يتحدد مقدار ما تحتمله النصوص ومقدار ما يُحمَّل عليها. فإذا نجح في أن يبيّن أن طائفة من النتائج الواسعة قد سِيقَت بغير ما يكفي من التقييد، وأن عددًا من الشواهد لا ينهض بما أُلقي عليه من معنى، وأن بعض المفاهيم المركزية في هذه القراءة قد استُعملت استعمالًا يتجاوز حدودها الوصفية إلى صناعة النتائج بدل تفسيرها، فقد أصاب الغاية التي وُضع لها.
ويحتوي هذا الجزء من ردّنا على مراجعةٍ نقدية لمقاربة بناصر البعزّاتي التي تبنّت، في أكثر من نص، دعوى ”الجمود والتراجع“ في الغرب الإسلامي خلال القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد. ولما كان بحثنا بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي: جدل الانحطاط الفكري بتونس القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد يروم استجلاء ملامح الحياة الفكرية في هذا العصر، كان لزامًا أن نضبط المتن الذي سنفحص في ضوئه هذه الدعوى ضبطًا منهجيًّا دقيقًا. وعلى هذا الأساس، لم يكن محلّ النقاش عندنا، ”مشروع“ البعزّاتي في عمومه، ولا نواياه، بل بنية الاستدلال في نصوصٍ بعينها: أي ما تنطوي عليه من تعميم وماهويّة، وحدود مفاهيمها، ونوعية الشواهد التي تسند بها أحكامها. غير أن طبيعة هذا السجال اقتضت، في هذا الجزء، الرجوع أيضًا إلى بعض دراساته الأخرى التي اتهمنا كثيرا بتجاهلها، وذلك من أجل تحرير محلّ الخلاف على وجهٍ أدق، وفحص ما إذا كانت تلك النصوص تراجع أحكامه أو تخصّصها أو تزيدها ترسيخًا. وكنا قد خصصنا الجزء الأول، المنشور من هذا العمل، لمراجعة تمسّك البعزّاتي بدعوى إگناس گولدتسيهر؛ أما هذا الجزء الثاني فقد أفردناه لمساءلة دعوى ”التراجع“ كما صاغها في عدد من نصوصه، على أن يُخصص الجزء الثالث والأخير لمناقشة منازعته لنا في مقاربتنا ومرجعياتها الحديثة في قراءة التراث الفكري والعلمي والفلسفي في الغرب الإسلامي، وهو ما سنخصّص له الجزء القادم.
وما نرجوه في خاتمة هذه المقدمة أن يُقرأ هذا العمل في الأفق الذي كُتب فيه: لا بوصفه خصومة شخصية، ولا بوصفه تمرينًا في نقض أفكار الغير لمحض النقض، بل بوصفه محاولةً للانتصار لفضيلة التمييز في الكتابة التاريخية، ولحقّ النصوص في أن تُقرأ من داخلها قبل أن تُساق شاهدًا على ما تقرر فيها من قبل أو من خارجها، ولواجب الباحث في أن يَزِن عبارته بقدر ما يزن حجته. فإذا كان التاريخ العلمي بالغرب الإسلامي قد استُعمل غير ما مرة مسرحًا لأحكام كلية عن الانحطاط أو الانغلاق، فإن أول الوفاء له أن نرده إلى تعدده، وأن نفتح مادته على ما فيها من تفاوت وتوتر ومقاومة وتعقيد، قبل أن نغلقها في لغةٍ أشدَّ إحكامًا من شواهدها، وأسرعَ وصولًا إلى النتائج من الطريق التي تقتضيها.
أولا: ضبط عيّنة الاشتغال وتحرير محلّ الخلاف
بما أن دراستنا بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي انصرفت أساسًا إلى رصد ملامح الحياة الفكرية في هذا العصر—مع التركيز على الفلسفة والمنطق وعلم الكلام وأصول الفقه—كان لزامًا مراجعة الأدبيات السابقة التي تناولت المغرب في هذه الحقبة. وقد رجعنا كذلك إلى دراسات مؤثرة لروبرت برنشفيگ، ومحمد عابد الجابري، وسعد غراب، وعبد السلام الشدادي، وبناصر البعزاتي، وخصّصنا لكل واحد منها فصلًا مستقلًّا. والذي يجمع هذه الدراسات هو أنها تتبنى دعوى الركود والتراجع الفكريين في الغرب الإسلامي خلال القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد.
وقد كان علينا أن نختار نصًّا للبعزاتي تتجلى فيه هذه الدعوى بأوضح صورة، فلم نجد أوفى في تمثيلها من دراسته المعنونة بـ”مشاكل العلم بالغرب الإسلامي في القرن الرابع عشر،“ وهي فصلٌ منشور ضمن كتابٍ جماعي يضم أعمال مائدة مستديرة قام البعزّاتي نفسه بتنسيقها.[2] كما رجعنا—عند الحاجة—إلى دراستين أخريين له في مواضع محددة: ”بعض سمات التدليل الخلدوني،“[3] وكتاب الفكر العلمي والثقافة الإسلامية،[4] ولا سيما فصله الأخير المعنون بـ”گلدتسيهر والعلوم العقلية في الثقافة الإسلامية.“[5]
وكان بالإمكان، في دراستنا تلك، توسيع المتن ليشمل مقالات أخرى للبعزّاتي، مثل: ”الأفق الفكري للمدرسة المرينية،“[6] و”التجديد والمقاومة،“[7] و”مآل علم الكلام عند ابن حزم والباجي؛“[8] غير أننا آثرنا—في صلب موضوعنا—الاقتصار على النصوص التي تتناول المغرب في ذلك القرن تناولًا مباشرًا، اتقاءً للاستطراد وحفاظًا على وحدة التحليل. لذلك حصرنا مادة الاشتغال في الدراسات الثلاث المذكورة أعلاه، وحررنا إحالاتها، ووثّقنا ما نقلناه منها بما يرفع اللبس ويمنع الالتباس.
ولا يلزم لتأسيس الاعتراض الذي ننتهي إليه توسيعُ المتن إلى نصوص أخرى، سابقة أو لاحقة؛ لأن النقد عندنا يتصل بصلب الدعوى التي يبني عليها البعزّاتي قراءته للعصر، وبنزعتها التعميمية والماهويّة وما تفضي إليه من أحكام شاملة في ”التراجع“ و”الجمود“ و”تصلّب الذهنية الفقهية.“ فإذا ادّعى أن الاقتصار على هذه العيّنة يُخلّ بتمثيل موقفه، كان ذلك ادعاءً لا قيمة له منهجيًّا ما لم يُقرَن بتعيين نصوص محددة تُثبت أن موقفه قد تغيّر في أصل الدعوى. أما وقد صرّح هو نفسه بأن ما يحتاج إليه لا يعدو إعادة سبك أو تهذيبًا أو تلطيفًا لبعض العبارات، مع إضافة قرائن أقوى، وأن ذلك لا ينبغي أن يُفهم ”تراجعًا عن محتوى المقالة،“[9] فإن التذرع بنصوص أخرى يغدو فاقدًا لقيمته الحجاجية؛ لأنه لا يقدّم مراجعة للمحتوى، بل يقرّ صراحةً ببقاء المحتوى على حاله، ويجعل أقصى ما في الأمر تعديلًا في العبارة وتقوية في الإسناد.[10] وهذا بعينه يثبت أن موضوع نقدنا باقٍ في موضعه، وأن توسيع المتن لا يغيّر من جوهر الاعتراض شيئًا. ومع ذلك، فإننا سنرجع—في سياق هذا النقاش—إلى بعض نصوصه التي لم نعتمدها في كتابنا، لنختبر هل تتضمن ما يقيّد أحكامه أو يراجعها، أم أنها تُعيد إنتاج المقاربة نفسها.
يورد البعزّاتي اعتراضًا على اختيارنا مقالة له لفحصها، فيقول:
”اتّخذ فؤاد بن أحمد مقالة لي، هي ’مشاكل العلم بالغرب الإسلامي في القرن الرابع عشر،‘ مطيّة للتأكيد عمّا يسمّيه ’أعطابًا‘ في دراساتي. ولا بد من الوقوف عند هذه المقالة ومقامها ومحتواها وما سبقها وتبعها مباشرة من مقالات تشكّل معها كوكبة منسجمة، لا يمكن فصلها عنها.“[11]
ينطوي هذا الاعتراض على إشكالين متصلين. أولهما أنه يبدأ بوصف استعمال هذه الدراسة بأنه كان ”مطيّة،“ وهي صياغة تنقل النقاش من مساءلة الحجة إلى تأويل فعل الناقد من جهة القصد، بدل أن تُحرَّر مواضع النقد تحريرًا دقيقًا ثم تُناقش أدلتها ومقدماتها ونتائجها. وثانيهما أنه يوسّع مجال الاعتراض من نصٍّ بعينه إلى ”كوكبة منسجمة“ من النصوص، من غير أن يبيّن بمعايير قابلة للفحص لماذا يكون ضمُّ هذه النصوص ضرورةً منهجية. فنقدنا انصبّ على هذه الدراسة بعينها، وعلى مواضع محددة فيها وثّقناها بالنص والإحالة، ولم نجعلها حكمًا على مجمل أعمال البعزّاتي. فإذا أراد أن يجعل الاعتراض منصبًّا على ”دراساته“ بإطلاق، فالمقتضى العلمي أن يعيّن المواضع التي يزعم أننا عمّمنا فيها الحكم على مجمل أعماله، أو أن يأتي بنصوص أخرى تُظهر أن ما انتقدناه على هذه الدراسة قد قُيِّد أو نُقِّح في أعمال أخرى على نحوٍ يغيّر النتيجة.
ثم إن تقرير ”الانسجام“ بين المقالات لا يكفي بذاته؛ إذ لا بد من التدليل عليه بإجراءات واضحة مثل ذكر الإحالات المتبادلة، أو بيان وحدة الإشكال والمفاهيم والأدوات، أو الإشارة إلى مواضع يراجع فيها المؤلف أحكامه الأولى أو يقيّدها أو يعدّلها. ولم نقف على شيء من هذا القبيل. ومن ثمّ تبقى دعوى ”الكوكبة المنسجمة“ أقرب إلى إلزامٍ للناقد بتوسيع المتن المدروس دون مسوّغ بيّن، بما ينقل النقاش من فحص النص إلى تعويم السياق.
يسوق البعزّاتي هنا جملةً من المعلومات العرضية عن تاريخ إلقاء مقاله ولغة عرضه وسياق نشره، فيقول:
”المقالة ألقيتُها عرضاً بالفرنسية في ندوة في قرطاج/تونس بتاريخ فاتح دسمبر 2000، (لم تُنشر أعمال الندوة). وألقيتها بالعربية في نطاق مائدة مستديرة يوم 16 أو 17 فبراير 2001 بمراكش؛ وصدرت ضمن أعمال المائدة المستديرة عام 2003. والمقالة من 24 صفحة، أعطي هذه التفاصيل، ليتبيّن كيف أنه يقرأ المقالة قراءة موجَّهة، ويتعمّد تجاهل مقالات عديدة نشرت قُبيل هذه وبُعيدها مباشرة تنظر في مسائل علمية وفكرية مماثلة من نفس الحقبة التاريخية. بينما اقتصر هو على هذه المقالة ليفتح المجال لقراءته الواهية.“[12]
والمشكلة هنا ليست في أن المقال أُلقي أولًا بالفرنسية في تونس ثم بالعربية في مراكش، ولا في أنه لم يُنشر ضمن أعمال الندوة الأولى، بل في أن البعزّاتي يتصرف كما لو أن مجرد الكشف عن هذا المسار التداولي للنص كافٍ لإبطال النقد الموجّه إليه. والحال أن محلّ السؤال ليس: أين أُلقي النص أولًا، وبأي لغة، وفي أي سياق؟ بل: هل ما ورد فيه من تعميمات وأحكام مسبّقة وبناءات تفسيرية واهية قائم أو غير قائم؟ وهل ينهض المقال فعلًا بما رتبه عليه من نتائج؟ وهذه أسئلة لا تتغير بتغير لغة الإلقاء ولا بسبق العرض الشفهي على النشر.
وما يورده من هذه التفاصيل لا يمسّ أصل المأخذ، بل ينقل النقاش من النص إلى ظروف النص. فما الذي يترتب علميًّا على كون المقال عُرض أولًا بالفرنسية؟ هل يجعل ذلك تعميماته أقل تعميمًا؟ أو يرفع عن أحكامه طابعها الماهوي؟ أو يحوّل استدلالاته الضعيفة إلى استدلالات محكمة؟ لا شيء من ذلك. ومن ثمّ فإن هذه المعلومات، مهما صحّت في ذاتها، تبقى خارج موضوع النزاع، ولا تنهض جوابًا عن شيء من الاعتراضات الجوهرية.
كما أن قوله إن بن أحمد ”اقتصر على هذه المقالة ليفتح المجال لقراءته الواهية“ لا ينهض حجةً، ما دام المقال نفسه هو الذي تضمّن الأحكام التي وقع الاعتراض عليها. فليس من حق الكاتب، بعد أن ينشر نصًّا بعينه أو يدفع به إلى التداول، أن يطلب من القارئ أن يعلّق الحكم عليه إلى أن يضمّ إليه كل ما كتبه قبله وبعده، إلا إذا بيّن بوضوح أن هذا النص لا يُفهم إلا داخل تلك السلسلة، وأن مواضع الاعتراض تزول فعلًا عند قراءتها معها. أما إطلاق هذا الكلام على سبيل التعميم فليس إلا محاولة لتخفيف الضغط عن النص موضع النقد، لا ردًّا حقيقيًّا عليه.
يقول البعزّاتي:
”في كلامي عن وضع العلوم ’العقلية‘، لا أركز على علم الكلام والمنطق والفلسفة؛ وقد شهدت هذه تراجعا بالفعل. لكن التراجع في هذه طفيف، مقارنة مع تراجع علوم الهندسيات والفلكيات والبصريات والفزيقيات. فهل برز أحد بالغرب الإسلامي في وزن السجزي وابن الهيثم وابن عراق والبيروني والخيام والشيرازي والفارسي وآخرين؟“[13]
وهذا كلام لا يدفع الاعتراض، بل يراوغ عنه؛ لأنه يسلّم أصلًا بأن الفلسفة والمنطق وعلم الكلام قد عرفت تراجعًا بالفعل، ثم يحاول صرف النظر عن ذلك بالقول إن التراجع فيها أخف من التراجع في غيرها. غير أن هذا ليس محل النزاع أصلًا. فالمقال لم يكن حصرًا عن ”مشاكل الهندسيات“ أو ”أزمة البصريات“ أو ”تراجع الفلكيات،“ وإنما عن ”مشاكل العلم“ في الغرب الإسلامي خلال القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد. والبعزّاتي قد أدخل الفلسفة والمنطق وعلم الكلام في هذا الإطار بالفعل، وتحدث عنها بوصفها عرفت تراجعًا، وهو ما كان يهمنا مناقشته. ولذلك فلا يؤدي هذا الجواب إلا إلى التشويش على موضع الخلاف، بنقل النقاش من أصل الدعوى إلى تفاوت درجاتها. أما من جهة المعنى، فلا جديد فيه؛ لأن من أقرّ بأن هذه العلوم قد شهدت تراجعًا، ثم عالجها ضمن مقال عن ”مشاكل العلم،“ لا يملك أن يتنصل من مناقشة ما قاله فيها بدعوى أنه كان يركّز على غيرها أكثر. فهذه ليست إجابة، بل مراوغة لفظية لا تمس جوهر الاعتراض. ويعود البعزّاتي إلى هذا المسلك نفسه حين يصف مقالته بأنها:
”تتناول المقالة تراجع العلم بالغرب الإسلامي، تركيزا على المغرب الأقصى، وتركيزا على علم الفلك وما يجاوره مثل البصريات،“[14]
بل يذهب أبعد من ذلك حين يحيل عليها بوصفها ”المقالة حول مشاكل الفكر العلمي، خاصة علم الفلك […]،“[15] وكأنها لا تتناول غير هذا الحقل. والحال أن هذا الوصف لا يرفع الإشكال، وإنما يعيد صياغته على نحو يضيق من مجال المقال بعد أن كان قد ضمّ إليه، في مواضع صريحة، الفلسفة والمنطق وعلم الكلام. ومن ثمّ فالمشكلة ليست في أن الفلك كان موضع تركيز خاص، بل في أن البعزّاتي، بعد أن أدخل تلك العلوم الأخرى في تشخيصه العام، يحاول أن يخفف من تبعة أحكامه فيها بإعادة تعريف مجال المقال تعريفًا أضيق مما يسمح به نصه نفسه.
أما قوله:
”فهل برز أحد بالغرب الإسلامي في وزن السجزي وابن الهيثم وابن عراق والبيروني والخيام والشيرازي والفارسي وآخرين؟“
فهذا السؤال مغالط؛ لأنه يستبدل التحليل التاريخي بمقياسٍ تعجيزي قائم على مقارنة حقلٍ علمي كامل بقممٍ استثنائية نادرة. فعدم ظهور ابن هيثم أو بيروني آخر لا يثبت بذاته تراجع العلم، كما أن وجود أمثالهم في مجالٍ ما لا يجعل ازدهاره مفهومًا من غير تحليل شروطه وسياقاته. وبذلك يتحول السؤال من أداة بحث إلى حيلةٍ خطابية ترمي إلى حسم النزاع بالتحدي لا بالبرهان.
ويكرر البعزّاتي هذا المنحى نفسه بخصوص تاريخ المنطق في سياقات المسلمين حين يقول:
”وحتى إذا وجدنا مهتمّين بالمنطق خلال الفترة الطويلة من بداية القرن الخامس عشر إلى يومنا هذا، وليس عددهم قليلاً، هل يبلغ مستوى كتاباتهم ما بلغه ابن سينا والخونجي والقزويني والأُرموي والحموي والسمرقندي؟“[16]
ومن جهة المنطق الحجاجي، فإن صياغة هذا القول ضعيفة من أصلها؛ لأنها ترد في صورة سؤال استنكاري يوحي بالنتيجة قبل أن يقيم عليها دليلًا. فهو لا يطرح المسألة بوصفها استعلامًا مفتوحًا، بل يضمنها افتراضًا ضمنيًّا مؤداه أن كتابات المهتمين بالمنطق منذ القرن التاسع للهجرة/الخامس عشر للميلاد لا ترقى إلى مستوى كتابات الأعلام المذكورين، بحيث يغدو الجواب الذي تدفع إليه الصياغة هو النفي سلفًا. وبهذا يقترب القول من المصادرة على المطلوب أكثر مما يقترب من الاستدلال عليه.
ويزداد هذا الضعف وضوحًا بسبب غموض معيار ”المستوى“ الذي يُجري به البعزّاتي مقارنته. فالتقويم العلمي لا يستقيم من غير معايير قابلة للفحص. أما ترك هذا المعيار مطلقًا فيفتح الباب لأحكام انطباعية غير قابلة للتحقق أو المراجعة، ويجعل النتيجة رهينة الذوق لا البرهان. ولذلك لا بد، إذا أريد لهذا الكلام أن يكتسب قيمة علمية، من تحويل ”المستوى“ إلى مؤشرات إجرائية مضبوطة. ويمكن، مثلًا، أن يُقاس ذلك بمقدار الإضافة والابتكار قياسًا إلى السوابق، ثم—بوصفه محكًّا خارجيًّا—أثر النص في تقاليده اللاحقة من حيث الشروح والتداول والتدريس. وبهذه المؤشرات يصبح التقويم قابلًا للمقارنة والمراجعة، بدل أن يبقى حكمًا ذوقيًّا عامًّا.
كما أن قول البعزّاتي ينقل عبء الإثبات على نحو غير مبرر؛ فبدل أن يقدم شواهد محددة تسند دعوى التفوق التاريخي لمجموعة بعينها، يكتفي بسؤال يُفترض أن تكون إجابته بدَهية. والحال أن القاعدة المنهجية تقضي بأن من يدّعي تفوق حقبة أو تقليد علمي على آخر هو المكلّف بإقامة الدليل، لا أن يحوّل الدعوى إلى مسلّمة عن طريق الصياغة الخطابية.
ثم إن المقارنة نفسها تعاني اختلالًا منهجيًّا ظاهرًا؛ إذ تستحضر أسماء تمثل قممًا لمرحلة معينة، ثم تقابلها بكتابات تمتد عبر فترة زمنية شاسعة من القرن التاسع للهجرة/الخامس عشر للميلاد إلى اليوم، من غير تسمية قمم هذه المرحلة اللاحقة أو تحديد ممثليها. وهذه مفاضلة غير متكافئة، لأنها تقارن ”أفضل ما في عصر“ بما قد يكون ”متوسطًا“ أو ”غير محدد“ في عصر آخر، وهي طريقة تنتج حكمًا مسبقًا حتى قبل النظر في المادة المقارنة التي ما تزال في طور الاكتشاف.
ويُضاف إلى ذلك إغفال اختلاف السياقات العلمية وتحول موضوعات البحث وأدواته. فالتباين بين نصوص منطقية يغلب عليها طابع الشرح والتعليق، ونصوص لاحقة قد تتجه إلى إشكالات مغايرة، أو تؤدي وظائف مختلفة، أو تستخدم أطرًا صورية حديثة، لا يبرر بذاته حكمًا بالانحطاط؛ إذ قد يكون ما يبدو لنا ”تفاضلًا“ هو في الحقيقة ”اختلاف في النوع“ لا ”نقص في القيمة.“ ومن ثمّ فإن التقويم التاريخي المنصف يقتضي مراعاة طبيعة الأسئلة التي يجيب عنها كل تقليد، وشروط إنتاجه العلمي، والوظائف التي أدّاها داخل حقله.
ومن زاوية تاريخ المنطق في سياقات المسلمين، لا يستقيم منهجيًّا الجمع بين ابن سينا (ت. 428هـ/1037م) من جهة، وأفضل الدين الخونجي (ت. 646هـ/1248م)، والقزويني الكاتبي (ت. 675هـ/1278م)، وسراج الدين الأرموي (ت. 682هـ/1283م)، وابن واصل الحموي (ت. 697هـ/1298م)، وشمس الدين السمرقندي (ت. 692هـ/1291م) من جهة أخرى، في سياق تقويمي واحد؛ لأن هذه الأسماء لا تنتمي إلى تقليد واحد ولا إلى لحظة معرفية واحدة. فإذا أردنا تقريب الصورة أمكن القول إن ابن سينا ينتسب، في الجملة، إلى أفق ”المتقدمين“ حيث ظل المنطق متداخلًا مع المشروع الفلسفي العام، بخاصة في صلاته بقضايا الطبيعيات والميتافيزيقا. أما الأسماء الخمسة الأخرى فتمثل تقليدًا تبلور على نحو واضح في القرن السابع للهجرة/الثالث عشر للميلاد، حيث أخذ المنطق يتمايز—في كثير من أعمال هذا التقليد—عن الانشغالات الميتافيزيقية للفلسفة، ويتحول إلى متن أكثر استقلالًا من حيث صيغته ووظائفه، بما يسّر تشغيله في حقول مثل أصول الفقه وأصول الدين وغيرهما. وعليه، فإن اتخاذ هذه الأسماء جميعًا معيارًا واحدًا للمقارنة يطمس الفوارق بين تقاليد مختلفة في موضوعها ووظيفتها ومقاييس تقويمها.
وفي سياق دعوى التراجع نفسها، يكرر بناصر البعزّاتي ما صار عنده عادةً في الردود: فبدل أن يجيب عن الاعتراض في موضعه، يستدعي اقتباسًا من عملٍ آخر ليُعمّم الإطار ويوسّع المجال، فيضيع موضع الإلزام. ففي الحاشية رقم 74 مثلًا يقتبس من مقالته ”تفاعل النظر العلمي مع البيئة الثقافية،“ قوله:
”لكن لم تتوقف الخصوبة ولم يتسارع التراجع بنفس الوتيرة في كل مناطق العالم الإسلامي […] فقد ظلت جذوة النظر العلمي متقدة في مناطق معينة […] مثل فارس وفي مدن شبه منعزلة هنا وهناك […].“[17]
غير أن هذا الاقتباس، حتى لو سلّمنا بصحته، لا يردّ على نقدنا من قريب ولا من بعيد؛ لأن اعتراضنا لم يكن عن ”العالم الإسلامي“ بإطلاقه، ولا عن فارس، وإنما عن المغرب في القرن الثامن/الرابع عشر وعن فضائه الحضاري والعلمي المحدّد: فاس، وتلمسان، وتونس، وبجاية…
والأدهى أن عبارة ”مدن شبه منعزلة هنا وهناك“ ليست قيدًا علميًّا بل عبارة مطّاطة؛ فهي لا تُسمّي المدن، ولا تُحدّد الأزمنة، ولا تذكر نطاق العلوم ولا شروط المؤسّسات، ولذلك يمكن أن تعني كل شيء ولا شيء في الآن نفسه. فهل يريد البعزّاتي من القارئ أن يفترض—من تلقاء نفسه—أن ”هنا وهناك“ تعني تلمسان وتونس وبجاية؟ أم تعني سمرقند وأصفهان؟ أم تعني فاس وغرناطة؟ إن الإجابة بهذه الصيغة لا تُقيّد الحكم، وإنما تُحوّله إلى مساحة تأويلية مفتوحة تُسعف الكاتب في الإفلات من السؤال الأصلي.
ثم إن في هذا الاستشهاد مفارقةً منهجية صارخة: نحن ننتقد البعزّاتي لأنه عمّم ”الجمود والركود“ على المغرب، ولأنه تجاهل التفاوت داخل المجال المغربي وبين تياراته ومناطقه وسياقاته السياسية، فإذا به يجيبنا بنصّ يتحدث عن تفاوت ”في كل مناطق العالم الإسلامي،“ أي بنقل النقاش إلى ميدان أوسع، وبأمثلة من خارج الموضوع (فارس)، وبعبارات غامضة من نوع ”هنا وهناك.“ فبدل أن يضبط تعميمه عن المغرب، يأتينا بتعميم أشمل وبمفردات أقل ضبطًا.
وعليه فإن السؤال الذي لا مهرب منه هو: ما علاقة هذا الاقتباس بتقرير البعزّاتي في الدراسة موضوع النقد أن المغرب عرف ”جمودًا“ و”تراجعًا“ و”ركودًا“؟ هل يوجد داخل تلك الدراسة نفسها تقييدٌ واضح يذكر: أيّ مغرب؟ أي مدن؟ أي مؤسسات؟ أي علوم؟ أي تيارات؟ وأي لحظات تاريخية؟ أم أن القارئ يُترك أمام أحكام مرسلة ثم يُطلب منه، عند الاعتراض، أن يستعير تقييداتٍ من مقالة أخرى تتحدث عن مناطق ”مثل فارس“ وعن مدن ”هنا وهناك“؟
إن الجواب العلمي المطلوب هنا ليس أن يذكّرنا البعزّاتي بأن ”العالم الإسلامي متنوع“—فهذا بدَهي لا ينقض اعتراضنا—بل أن يبيّن: هل التزم هو نفسه بهذا التنويع حين حكم على المغرب في القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد؟ وإذا كان يعرف قاعدة التمييز بين المناطق والتيارات كما يظهر في كلامه عن تفاوت العالم الإسلامي، فلماذا لم يطبّقها حيث يلزم، أي في دراسته عن المغرب؟
والحق أن بناصر البعزاتي تجاهل جانبًا مهمًّا من ملاحظاتنا النقدية بخصوص تاريخ العلوم العقلية في المغرب، وانصرف بدل مناقشة مواضع الخلاف المحددة إلى مسالك متشعبة حالت دون قيام نقاش رصين. ولذلك نعود هنا إلى موضوع تاريخ المنطق في المغرب، لأنه كان في صلب حديثنا في الكتاب، إلى جانب الكلام والفلسفة وأصول الفقه. ونلاحظ، ابتداءً، أن مقالة البعزاتي عن ”مشاكل العلم في القرن الرابع عشر“ لا تحيل إلى منطقيين مغاربة من القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد، ومع ذلك تصدر عنها أحكام عامة من غير إشارة كافية إلى مصادرها.
يقول البعزاتي:
”خلال القرن الثالث عشر، اتجه من اهتم بالمنطق وعلم الكلام نحو كتابات الغزالي. فقد احتل الفكر الغزالي مكانة مهمة لدى الكلامي [المتكلم] المكلاتي والمنطقي ابن طملوس والمنطقي الماجري. بيد أن الفكر الغزالي[18] لم يكن مجهولا من لدن المفكرين قبل هذه الفترة ولكنه كان خافتا شيئا ما، لاعتبارات سياسية.“[19]
موضوع هذه العبارة هو مكانة أبي حامد الغزالي (ت. 505هـ/1111م) في المنطق والكلام بالمغرب، غير أن البعزاتي يبدّل دلالة كلامه حين يستدرك بأن الغزالي ”لم يكن مجهولًا قبل هذه الفترة“ بإحالات تتعلق، في مُعظم مواضعها، بالغزالي الصوفي وإحياء علوم الدين ضمن تراجم التصوف،[20] لا بالغزالي المنطقي أو المتكلم. وهنا يقع الخلط في صلب الاستدلال: فهل نحن بإزاء تدليل على حضور الغزالي في الدرس المنطقي والكلامي والتأليف فيهما، أم بصدد الحديث عن تداول الإحياء ومكانة الغزالي الصوفي؟ إن موضوع الدعوى شيء، ومستندها شيء آخر، وهذا وحده كافٍ لإضعاف الاستدلال.
ثم إن عبارة ”قبل هذه الفترة كان خافتًا […] لاعتبارات سياسية“ شديدة الغموض؛ إذ لا يُدرى على وجه التحديد عن أي فترة يتحدث البعزاتي. فإذا كان يقصد، مثلًا، سياق المرابطين بوصفه سياق تضييق على الإحياء، فإن نهاية هذا السياق سنة 541هـ/1147م تجعل المسافة الزمنية واسعة جدًّا إذا قورنت بوفيات الأعلام الذين سمّاهم، مثل أبي الحجاج يوسف ابن طملوس (ت. 620هـ/1223م)، وأبي الحجاج يوسف المكلاتي (ت. 634هـ/1237م)، وأبي علي الماجري الكفيف (ت. 668هـ/1270م). ومن ثمّ فلا يستقيم ربط ”الخفوت السياسي“ مباشرةً بهذه الأسماء من غير ضبط زمني أدقّ، يبيّن مواضع الاتصال والانقطاع ووسائط الانتقال.
غير أن الإشكال الأشدّ ليس في هذا الغموض وحده، وإنما في أن البعزاتي لا يقدم شاهدًا تاريخيًّا ولا إحالةً إلى دراسة تثبت أن المهتمين بالمنطق والكلام في القرن السابع للهجرة/الثالث عشر للميلاد ”اتجهوا إلى كتابات الغزالي،“ ولا يبيّن كيف ”احتل الفكر الغزالي مكانة مهمة“ عند المكلاتي وابن طملوس والماجري تحديدًا. وهذه ليست من المعارف الشائعة التي يُستغنى فيها عن التوثيق؛ بل إن الأعلام الثلاثة أنفسهم ظلوا، إلى حد كبير، في هوامش التداول، وما كُتب عنهم محدود ومعدود. ولذلك كان المتوقع من البعزاتي، إذا أراد لهذا الحكم أن يكون قابلًا للمناقشة، أن يُشرك قارئه في مصادره، وأن يعيّن مواضع الأثر بدل الاكتفاء بصيغة تقريرية عامة.
وعند الرجوع إلى ما هو متداول في الدراسات السابقة، تتبين مداخل الموضوع على نحو أوضح. فقد نبّه محمد بن شريفة، في تقديمه لكتاب الماجري أسهل الطرق إلى فهم المنطق، إلى اعتماد هذا الأخير على صيغ غزالية في مواضع بعينها، وذكر أمثلة من معيار العلم ومحك النظر ومقدمة المستصفى.[21] كما أشار أسين پلاثيوس، ومن بعده عبد المجيد الصغيّر،[22] إلى حضور الغزالي في صدر كتاب ابن طملوس، مع بقاء الحاجة إلى التمييز بين ما هو أصولي أو تمثيلي وما هو منطقي بالمعنى الأدق.[23] وقد أبرز فؤاد بن أحمد كذلك، إلى جانب دارسين آخر،[24] أثر أبي نصر الفارابي (ت. 339هـ/950-51م) وابن رشد (ت. 595هـ/1198م) في أعمال ابن طملوس، وكيفية استثمار الغزالي عنده.[25] وأما في شأن المكلاتي، فإن مبادرة التعريف بنصه وإبراز أثر الغزالي فيه تعود إلى فوقية حسين محمود،[26] ثم تلتها تحقيقات ودراسات قليلة لاحقة.[27] وكما لا يخفى، فإننا لا نحاسب البعزاتي إلا على ما كان صادرًا ومتداولًا قبل دراسته، لا على ما جدّ بعدها.
وعلى ذلك، فإن ما كان يلزم البعزاتي، إذا أراد أن يجعل دعواه قابلة للفحص، هو أن يحدد: على أيٍّ من هذه المسارات اعتمد؟ وأين مواضع الأثر؟ وكيف صاغها كل واحد من هؤلاء الأعلام؟ أما إطلاق الحكم في صورة عامة من غير تعيين ولا توثيق، فليس بناءً علميًّا، بل هو اختصار مخلّ لمادة شديدة التركيب.
ويكشف هذا المثال عن استسهالٍ في مسألة حاسمة من مسائل البحث العلمي، هي توثيق الأقوال وتعيين مصادرها. فالبعزاتي يذكر ثلاثة أسماء من القرن السابع للهجرة/الثالث عشر للميلاد، ثم يترك في الظل عشرات الأسماء والنصوص المنطقية والكلامية التي تعود إلى القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد، ومع ذلك يصدر أحكامًا واسعة عن ”التكرار“ و”الجمود“ من غير فحصٍ كافٍ لمدونتها. وهذا هو موضع اعتراضنا بالضبط: أحكام تسبق الفحص، وتعميمات لا تسندها إحالات كافية، وانزياح عن صلب الحقبة التي ادّعى تحليلها.
يقول البعزاتي: ”يتهمني [بن أحمد] بتجاهل الرازي والخونجي في سياق المقالة موضوع الطعن وليس السياق مناسبًا،“[28] ثم يظن أنه أبطل الاعتراض بأن يستدرك أنه ذكر الرازي ”في سياق آخر“ متعلقًا بتطور المنطق، وذكر الخونجي كذلك، مستشهدًا بعبارات عامة عن ”اجتهادات“ الرازي في مسائل القياس، وعن ”دور“ الخونجي والأبهري في ترسيخ الدراسات المنطقية ”خاصة في الشرق.“[29] غير أن هذا الردّ لا يمسّ محلّ النزاع أصلًا، لأنه يعيد إنتاج المناورة نفسها التي نبّهنا إليها مرارًا: نقل السؤال من المقالة أو المقطع المنتقَد إلى ”سياقات أخرى“ في كتابات متفرقة. فوجود الاسم في موضع آخر لا يرفع الإشكال في الموضع المنتقَد؛ إذ الاعتراض ليس: هل يعرف البعزاتي الرازي والخونجي؟ ولا: هل ذكر اسميهما في موضع ما؟ بل: كيف وظّفهما، أو كيف أغفل أثرهما، في تفسير وضع المنطق والكلام في المغرب خلال القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد؟
ولهذا نضطر إلى تكرار ما ينبغي أن يكون بدَهيًّا في البحث العلمي: نحن لا نتهم البعزاتي بتجاهل الرازي والخونجي بعموم، ولا بعدم معرفة أسمائهما وبعض كتاباتهما، فهذا مما لا يعقل أصلًا؛ وإنما نقول إنه يجهل، أو يتجاهل في مقالته موضوع النقد، أثر كتابات الرازي الكلامية وكتابات الخونجي المنطقية في الغرب الإسلامي خلال القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد، ولذلك انتهى إلى جعل الغزالي ”المرجعية الأساسية“ في المنطق والكلام في تلك المرحلة. فالجواب العلمي المطلوب ليس أن يقال إن الرازي والخونجي ذُكرا في ”سياق آخر،“ أو إن ”السياق هنا غير مناسب،“ بل أن يبيّن—في المقالة موضوع النقد—لماذا أُقصيا من التحليل، أو كيف يثبت أن الغزالي هو المرجع الحاسم في تلك البيئة وذلك الزمن، وبأي شواهد نصية وتاريخية.
واستئنافًا لما سبق، حيث بيّنا أن البعزاتي يبدّل موضع الاعتراض كلما أُلزم بموضع محدد، فنعود إلى الدعوى المركزية التي بنى عليها تصوره للتراجع في ”النظر العقلي“، وهي قوله: ”بعد ابن رشد (595/1198) أصبح الغزالي المرجعية الأساسية في النظر العقلي.“[30] وقد اعتبرنا في الكتاب، وما نزال نعتبر، أن هذه العبارة تفتقر إلى الدقة التاريخية وإلى القيمة العلمية، لأنها تُلقي حكمًا كليًّا بلا سقف زمني، ولا تحديد للمجال المعرفي، ولا شاهد واحد ينهض به. فإذا كان المقصود بـ”النظر العقلي،“ بحسب سياق المقال، يشمل أصول الدين وأصول الفقه والمنطق، وكان ”ما بعد ابن رشد“ يفتح، بحكم هذا الإطلاق، على القرن السابع/الثالث عشر وما تلاه من غير حدّ، فنحن بإزاء تعميم يسهل إطلاقه ويستحيل التحقق منه ما لم يُسنَد بالنصوص ومسارات التداول والتدريس. وإلى اليوم لا يقدّم البعزاتي دليلًا واحدًا يجعل هذا الحكم أكثر من تخمين يقوم على صورة شائعة: أن وفاة ابن رشد كانت إيذانًا بانتصار ”الغزالية“ في الغرب الإسلامي.
والواقع، في حدود ما يهمنا هنا، أي المغرب في القرن الثامن/الرابع عشر، يسير في اتجاه مختلف تمامًا، ويُظهر أن هذه الدعوى تغفل ثلاث تحولات حاسمة: أولًا، أن مرجعية الكلام، حتى في زمن ابن رشد، لم تكن للغزالي وحده، بل كان الثقل الأكبر لأبي المعالي الجويني (ت. 487هـ/1085م)، مع حضور معلوم لـالاقتصاد في الاعتقاد بوصفه متنًا تعليميًّا لا مرجعية وحيدة. ثانيًّا، أن ”الكلام العالي“ ابتداءً من النصف الثاني من القرن السابع/الثالث عشر صار يدور على طريقة المتأخرين، وفي مقدمتها فخر الدين الرازي وتلامذته، مع استمرار تداول الجويني والسلالجي (ت. 574هـ/1178م) والغزالي في بعض المصنفات التعليمية. ثالثًا، أن المرجعية الفاعلة في المنطق، وبخاصة في القرن الثامن/الرابع عشر، لم تكن الغزالي، بل كانت الخونجي والرازي، وشراحهما، بينما كان الغزالي نادر الذكر في المدونة المنطقية المتأخرة، على الأقل في حدود ما نعرفه من النصوص المتداولة. ومن هنا يتضح أن غياب اسمي الرازي والخونجي عن مقالة البعزاتي ليس مجرد سهو في الأسماء، وإنما هو خلل في خريطة التحليل نفسها؛ لأنه يحجب إدراك ما يعتبر ”نهضةً منطقية مغربية ثانية،“[31] ويُسقط من المشهد فاعلين محوريين، مثل أبي عبد الله الآبلي (ت. 757هـ/1356م)، ومحمد الشريف التلمساني، (ت. 771هـ/1370م)، وسعيد العقباني التلمساني (ت. 811هـ/1408م)، وابن مرزوق الحفيد (ت. 842هـ/1438م)، وغيرهم.
ثانيا: حين لا يرفع السياق المأخذ: البعزاتي بين دعوى الاجتثاث وبنية التعميم
يقول البعزاتي في باب مؤسسات التعليم في المغرب في القرن المذكور:
”ولم يتبلور في هذه المؤسسات الرسمية فكر نقدي، لأن الأطراف الفاعلة فيها والمسؤولة عنها كانت حريصة على وحدة الرأي. ولم تجد العلوم العقلية مكانا لكي تدرس فيها. وعندما يشتد الجدال بين أطراف ما فإن النزوع يكون دائما نحو الانخراط في الرؤى الأكثر تزمتا.“[32]
وقد علّقنا على هذا القول في كتابنا بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي ببيان أن هذه العبارة، بما تنطوي عليه من نفيٍ كلي وتعليلٍ عام وتقريرٍ نمطي، لا تنسجم مع كثير من الشواهد التي تدل على وجود تفاعل نقدي واضح داخل هذه الأوساط، سواء بين الشيوخ بعضهم مع بعض، أو بين الشيوخ وتلامذتهم، أو في طرائق تعاطيهم مع أعمال السابقين بالاعتراض والتعقيب والمراجعة.[33] غير أن البعزاتي ردّ على هذا النقد بقوله:
”في باب مؤسسات التعليم ينتقي فؤاد بن أحمد جملاً من نفس المقالة المختصرة السابقة، ويتغافل عمدا عن المقالة حول المدرسة المرينية التي كتبتُ استفادة من دراسات آخرين. ويورد جملاً متقطّعة مجتثّة عن سياقها […]. أولاً، ليس في أقوالي جزم؛ وثانياً، المقالة حول مشاكل الفكر العلمي، خاصة في علم الفلك، وليس أمر المدرسة موضوع تحليل. وفي مقالة المدرسة المرينية إشارة إلى وجود ’أنماط‘ من المؤسسات ’ذات أغراض مختلفة‘ وهناك إقرار بالتنوع والاختلاف في المؤسسات.“[34]
غير أن تقويم هذا الرد لا يكون بمقابلة الاتهام باتهام، وإنما بتحرير محل النزاع تحريرًا دقيقًا: هل كانت عبارة البعزاتي الأولى متضمنةً أحكامًا كلية غير مقيّدة؟ وهل تنهض مقالته الأخرى مقام التخصيص أو المراجعة لتلك الأحكام، أم أنها تعيد إنتاجها في صورة أخرى؟
والحق أن إنكار البعزاتي وجود ”جزم“ في كلامه لا يثبت عند فحص عبارته نفسها؛ لأن هذه العبارة لم ترد في صورة ملاحظة جزئية أو احتراز محدود، بل في صورة تقرير عام مكتمل. فهو يقول: ”لم يتبلور في هذه المؤسسات الرسمية فكر نقدي،“ وهذا نفي كلي غير مقيّد، ثم يعلله بقوله: ”لأن الأطراف الفاعلة فيها والمسؤولة عنها كانت حريصة على وحدة الرأي،“ وهو تعليل عام لا يخصّص ولا يستثني، ثم يزيد الأمر إطلاقًا حين يقول: ”ولم تجد العلوم العقلية مكانا لكي تدرس فيها،“ وهو نفي ثانٍ لا يقل شمولًا عن الأول، ثم يختم ذلك بحكم نمطي صريح: ”وعندما يشتد الجدال بين أطراف ما فإن النزوع يكون دائما نحو الانخراط في الرؤى الأكثر تزمتا.“ ومن ثمّ فإن وصفنا لهذه العبارة بأنها ”جازمة“ لم يكن مبنيًّا على خصومة لفظية، وإنما على بنيتها الدلالية نفسها: نفي كلي، وتعليل عام، وتوكيد بلفظ ”دائمًا،“ وتعميم على ”المؤسسات الرسمية“ من غير تفصيل. وإذا كان البعزاتي يقصد أقل من هذا، فإن المسؤولية المنهجية كانت توجب عليه أن يقيّد كلامه، أو أن يخصصه، أو أن يورد من الشواهد ما يخرجه من مستوى التقرير الإنشائي إلى مستوى البرهنة التاريخية.
أما اتهامه لنا بأننا ”نتغافل عمدًا“ مقاله الآخر عن ”الأفق الفكري للمدرسة المرينية،“ ونقتطع عباراته من سياقها، فلا يغيّر شيئًا من أصل الإشكال، لأنه يحوّل النقاش من فحص النصوص والحجج إلى مساءلة النيات. والحال أننا لم نناقش ”مشروعه الفكري“ في كليته، ولا ادعينا أن كل ما كتبه في هذا الباب يندرج في الصيغة نفسها، وإنما ناقشنا نصًّا محددًا أورد فيه أحكامًا كلية عن غياب الفكر النقدي، وعن عدم وجود مكان للعلوم العقلية في هذه المؤسسات، وعن نزوع الجدل دائمًا إلى الرؤى الأكثر تزمتًا. ومن ثمّ فالسؤال الآن ليس: هل يوجد له مقال آخر عن المدرسة المرينية؟ بل: هل يقدّم هذا المقال الآخر ما يراجع تلك الأحكام التي وردت عنده في مقاله الأول عن ”مشاكل العلم“ أو يخصصها أو يبدّل نتيجتها؟ وهل يرفع فعلًا عن كلامه الأول نزعة التعميم والماهوية التي اعترضنا عليها؟
1. عن ”الأفق الفكري للمدرسة المرينية“: مزيدا من التعميم
والواقع أن الرجوع إلى مقاله ”الأفق الفكري للمدرسة المرينية“ لا يفضي إلى التخفيف من هذا المأخذ، وإنما يزيده ثبوتًا. ذلك أن البعزاتي لا يكتفي هناك بالحديث عن ”أنماط“ من المؤسسات ”ذات أغراض مختلفة،“ بل يمضي إلى بناء صورة كلية عن المناخ الثقافي في المجال الإسلامي الواسع، تُسند ”السيطرة على الأذهان“ فيه إلى الفقه والتصوف،[35] وتفسَّر فيه المواقف المعرفية على أساس انتماءات مذهبية شبه ثابتة. فهو يصرّح مثلًا بأن:
”المالكية والحنابلة لا يقبلون على العلوم العقلية والثقافات غير العربية؛ بينما يفعل ذلك قلة من الشافعية وأكثر الحنفية؛ في حين أن الشيعة منفتحون أكثر على التعدد الثقافي واللغوي والفكري.“[36]
وهذه العبارة لا تحدّ من التعميم، وإنما تكرّسه على نحوٍ أوضح؛ لأنها لا تتحدث عن أفراد أو مدارس أو أقاليم أو لحظات تاريخية بعينها، بل تسند إلى مذاهب بكاملها ميولًا معرفية ثابتة: هؤلاء ”لا يقبلون،“ وأولئك ”قلة،“ وغيرهم ”أكثر،“ وآخرون ”أكثر انفتاحًا.“ وهكذا يغدو المذهب نفسه، في هذا البناء، كأنه شخص واحد ذو طبيعة جاهزة: يقبل أو لا يقبل، ينفتح أو ينغلق، يضيق أو يتسع.
ومكمن الإشكال هنا أن هذا النمط من التفسير لا يقرأ الاختلاف بوصفه نتاجًا لشروط متغيرة، تتصل بالمؤسسات، والرعاية السياسية، ووظائف العلوم، وصراعات الحقول، ومسالك التكوين، وخصائص المدن، وتبدل العصور، وإنما يرده إلى جوهر مذهبي سابق على هذه الشروط كلها. فإذا قال البعزاتي بأن ”المالكية والحنابلة لا يقبلون على العلوم العقلية والثقافات غير العربية،“ ثم قابل ذلك بـ”قلة من الشافعية“ و”أكثر الحنفية“ واعتبر ”الشيعة أكثر انفتاحًا،“ فإننا لا نكون أمام وصف تاريخي مضبوط، بل أمام بناءٍ تقويميٍّ يقوم على طبائع مذهبية مفترضة. مع أن الواقع التاريخي، في الغالب، أعقد من ذلك بكثير؛ إذ تتباين المواقف داخل المذهب الواحد بحسب الأشخاص، والمؤسسات، والبيئات الحضرية، واللحظات السياسية، ووظائف المعرفة نفسها. وليس قليلًا أن نجد داخل المذهب الواحد من يقبل على المنطق والكلام والفلسفة، ومن يتحفظ منها، ومن يوظف بعضها في الأصول دون بعضها، ومن يفرّق بين تعليمها الخاص والعام. وكل هذا ينهار حين يُستبدل بهذا التعقيد تقسيمٌ عريض من قبيل: ”المالكية والحنابلة لا يقبلون“…
ثم إن ألفاظ البعزاتي هنا ليست ألفاظًا عابرة يمكن التسامح معها على أنها مجرد تقريب بلاغي؛ لأن عباراته من قبيل ”قلة،“ و”أكثر،“ و”أكثر انفتاحًا“ تتضمن أحكامًا نسبية ذات مضمون كمي، ولا تستقيم منهجيًّا إلا إذا اقترنت بمعايير واضحة تتيح للقارئ اختبارها. قلّة من حيث عدد من؟ عدد الفقهاء، أم عدد المدرّسين، أم عدد المؤلفين، أم عدد الطلاب؟ وأكثر في أي إقليم؟ وفي أي فترة؟ وبأي مؤشرات: عدد المؤلفات، أو حضور العلوم في البرامج، أو تداول المخطوطات، أو الإجازات، أو التكوين الفعلي في هذه الفنون؟ ومن دون هذا الضبط تبقى هذه الألفاظ مجرد تقديرات إنشائية لا سبيل إلى التحقق منها. فكم أحصى البعزاتي من المالكية والحنابلة حتى انتهى إلى أنهم، بعموم، ”لا يقبلون“ على العلوم العقلية والثقافات غير العربية؟ وكم أحصى من الشافعية والحنفية حتى انتهى إلى هذا التقسيم النسبي بين ”قلة“ و”أكثر“؟ إن غياب هذا كله يجعل الحكم أقرب إلى انطباع تقويمي منه إلى نتيجة تاريخية مضبوطة.
وفوق ذلك، فإن هذه الصياغة تجعل الحكم عسير التفنيد من الأصل؛ لأنها تُلقى في صورة قاعدة عامة مبهمة المعيار. فإذا جاء مثال يؤيدها عُدّ دليلًا عليها، وإذا جاء مثال ينقضها قيل: هذا استثناء لا يقدح في الأصل. وبذلك تتحصن العبارة ضد الاختبار العملي، لا لأنها بلغت درجة عالية من الضبط، بل لأنها لم تُضبط من الأساس. ولهذا قلنا إن المشكلة ليست في وجود مقال آخر للبعزاتي، وإنما في أن هذا المقال الآخر لا يراجع نزعة التعميم والماهوية التي اعترضنا عليها، وإنما يعيد إنتاجها في صياغات أصرح وأشد إطلاقًا. فبدل أن يخصص قوله السابق: ”لم يتبلور في هذه المؤسسات الرسمية فكر نقدي،“ و”ولم تجد العلوم العقلية مكانا لكي تدرس فيها،“ و”النزوع يكون دائما نحو الانخراط في الرؤى الأكثر تزمتا،“ نجده يمضي إلى توزيع المذاهب نفسها على طبائع معرفية ثابتة، فيحكم على المالكية والحنابلة بالانغلاق، وعلى الحنفية والشيعة بدرجات متفاوتة من الانفتاح، وعلى الشافعية بمرتبة وسطى، وكأن التاريخ الفكري يُختزل في أمزجة مذهبية سابقة على الوقائع.
ومن ثمّ، فإن اتهام البعزاتي لنا بـ”التغافل عمدًا“ لا يصيب محل النقد أصلًا؛ لأن الاعتراض لم يكن قائمًا على تجاهل وجود مقاله عن المدرسة المرينية، وإنما على أن هذه المقالة نفسها، عند مراجعتها، لا ترفع المأخذ بل تزيده وضوحًا. فهي لا تقدم تخصيصًا حقيقيًّا لأحكامه الكلية، ولا مراجعة منهجية لتفسيره، وإنما تكرّس النزعة نفسها التي تجعل من المذاهب ذواتًا صلبة ذات طبائع ثقافية جاهزة، ومن المؤسسات فضاءات منغلقة على نحو يكاد يكون كليًّا، ومن الاختلافات التاريخية تجلياتٍ لجوهر مذهبي ثابت. وإذا كان الأمر كذلك، فإن موضع الاعتراض باقٍ على حاله: لا لأننا ”اجتثثنا“ العبارات من سياقها، وإنما لأن هذا السياق نفسه لا يخفف من حدّتها التعميمية، وإنما يثبت أنها جزء من بناء تفسيري أوسع قوامه ردّ التعقيد التاريخي إلى صيغ كلية وماهيات مذهبية مسبّقة يسند بعضها بعضا.
وليس هذا مجرد خللٍ في مستوى التصنيف أو الوصف، بل يترتب عليه مباشرةً بناءُ أحكام تاريخية كلية؛ إذ ما إن تُصاغ المذاهب في صورة طبائع ثقافية ثابتة، حتى يغدو من اليسير اختزال تاريخ المغرب العلمي نفسه في خطٍّ متصل من الانغلاق والمحافظة. وبما أن عدم الانفتاح يغدو، في تصور البعزاتي، طبعًا ملازمًا للمالكية، وكان المالكية هم المسيطرين في المغرب، فإنه ينتهي إلى إطلاق أحكام واسعة المدى تجعل قرونًا متطاولة كتلةً واحدة: ”سيطرت [فيها] التيارات المحافظة […] منذ الحكم المرابطي إلى نهاية الحكم المريني.“[37] كما يصف التعليم بوصفه تكرارًا شبه سرمدي: ”كان الدّرس قراءة لملخّص[…] وبقي الكتاب لا يتجدد.“[38] ويربط ”التعريب الشامل للتعليم“ بـ”سيادة ذهنية متزمتة قائمة على المعيارية الفقهية،“[39] ثم يقلل دور المؤسسة التعليمية إلى ”دور بسيط.“[40] ويبلغ هذا الاختزال ذروته حين تُحسم قضية ”العلوم العقلية“ بسببيّة جاهزة: ”ظلت هذه العلوم موضوع شك واعتراض من لدن أغلب الفقهاء المالكيين؛ لذا لم تتطور،“[41] حيث تُطرح كلمة ”أغلب“ بلا معيار، ثم تُحوَّل مباشرةً إلى علة كافية، عبر ”لذا،“ لتفسير نتيجة تاريخية واسعة.
ثم إن قول البعزاتي بوجود ”أنماط“ من المؤسسات ”ذات أغراض مختلفة“ لا يكفي وحده لإبطال نفيه السابق ”بلورة فكر نقدي“ داخل المؤسسات الرسمية، ما لم يصحبه تحديدٌ لحدود هذه الأنماط وأثرها في إنتاج النقد أو احتضان العلوم العقلية، مع شواهد تاريخية موصوفة. بل إن إحالاته إلى ”الخلافات الفقهية“ و”مناقشات مطوّلة […] ولا تؤدي إلى اجتهاد فكري جدي ومتراكم“[42] تُظهر استمرار الحكم التقويمي العام على وظيفة الجدل وطبيعته، لا مراجعةً لمقدمات الدعوى.
وهكذا، فكما كان البعزّاتي جازمًا في بعض تقريراته في فصله ”مشاكل العلم بالغرب الإسلامي في القرن الرابع عشر،“ فإن فصله عن ”الأفق الفكري للمدرسة المرينية“—الذي يزعم أننا تغافلناه—يغلب عليه هو الآخر الأسلوبُ التقريريّ القطعي أكثر من صيغة الفرضية أو الاحتمال؛ إذ تُعرض فيه الأحكام في هيئة وقائع محسومة وتعميمات واسعة المدى، لا بوصفها مقترحات قابلة للتقييد. ويتجلى ذلك في تقارير من نوع إثبات السيطرة والاستمرار، وتقرير ثبات المحتوى التعليمي وركونه إلى التلخيص وغياب التجدد منذ المرابطين إلى المرينيين، ثم تقليل أثر المؤسسة التعليمية إلى وظيفة محدودة. ويبلغ هذا الجزم أقصاه حين يتحول إلى سببيّة حاسمة تربط مقدمةً عامة بنتيجة تاريخية كلية، فتُستخرج نتيجة شاملة من دعوى ”أغلبية“ غير مضبوطة بمعيار كمي أو تحديد سياقي. وحتى حين ترد ألفاظُ احتراز من قبيل ”ربما،“ فإنها لا تُستعمل لفتح باب الاختبار بقدر ما تُوظَّف تمهيدًا لتعليلٍ عام داخل نسقٍ من الأحكام المقرّرة. ويتضح ذلك في قوله:
”ربما أن هناك علاقة بين التعريب الشامل للتعليم وسيادة ذهنية متزمتة قائمة على المعيارية الفقهية التي تنبذ التناول التاريخي والفيلولجي للأفكار.“[43]
فلفظ ”ربما“ لا يصحبه تحديدٌ لطبيعة هذه ”العلاقة“ ولا لآلياتها ولا لمؤشرات قياسها، كما لا يبيَّن أهي علاقة سببية أم اقترانية أم مجرد تزامن تاريخي. ثم إن النص يقفز مباشرةً من توصيف سياسةٍ لغوية وتعليمية (”التعريب الشامل“) إلى حكمٍ ذهني تقويمي شامل (”ذهنية متزمتة… تنبذ…“) من غير تفكيكٍ للسياقات والمؤسسات والفاعلين. وبذلك يغدو الاحتراز اللفظي ستارًا لتعليلٍ ثقافويّ مُطلق، لا مدخلًا لصوغ فرضيةٍ قابلة للمراجعة والاختبار.
وعليه، فالإشكال المنهجي في ردّ البعزّاتي لا يتمثل في وجود مقال آخر من عدمه، بل في أمرين: إطلاق أحكام كلية جازمة من غير تقعيدها بمحددات زمانية ومؤسسية وشواهد كافية، ثم الاعتراض علينا باتهام الانتقاء والتعمد من غير إقامة الدليل على أن النصّ المُحال إليه يراجع تلك الأحكام أو يقيّدها على نحو يبدّل نتيجة النقد.
أما بخصوص نزوع البعزاتي إلى التعميم الواسع، فحسبنا أن نبدأ من النقطة التي حاول ردُّه إزاحتها: نحن لا ننقد ”أقوالًا“ مبعثرة في مقالات متفرقة، ولا ننازع في ”مشروع“ صاحبه في عمومه، وإنما نناقش نصًّا محددًا في دراسة بعينها. ولذلك فإن الجواب بـ”ليس في أقوالي أي تعميم واسع“[44] ليس جوابًا على اعتراضنا أصلًا، لأنه ينقل السؤال من موضعه: من تعميم واقع في هذا النص إلى دفاع عام عن كتابات أخرى. ومن يُسأل عن إطلاقٍ في موضع محدد لا يملك أن يتخلّص منه بالإحالة إلى مواضع مغايرة؛ لأن وجود التقييد في مكان آخر لا يبطل ما وقع هنا، بل يدلّ، في أحسن الأحوال، على أن الكاتب يعرف قاعدة التقييد ثم لم يلتزم بها في الموضع المنتقَد.
وخلاصة الأمر أن إحالة البعزاتي القارئ إلى مقال آخر لا تمسّ أصل المأخذ؛ لأن الاعتراض لم يكن ناشئًا عن اجتثاث عبارة من سياقها، وإنما عن بنية تفسيرية تتكرر في أكثر من نص. فحين تُصاغ الأحكام في صورة نفي كلي، وتعليل عام، وتوكيد مطلق، ثم تُعاد داخل تقسيمات مذهبية تقوم على القبول والرفض والانفتاح والانغلاق، فإن الإشكال لا يكون في طريقة القراءة، بل في منطق الكتابة نفسه. ومن ثمّ، لا تمثل إحالة البعزاتي مراجعةً لأحكامه، وإنما تؤكد أن نزعة التعميم والماهوية جزء من طريقته في بناء الموضوع وتأويله.
ونقترح، في ما يأتي، الوقوف عند شاهدين جعلهما البعزّاتي عمدته في تدعيم دعواه في الجمود والانغلاق، وفي تحميل المعيارية الفقهية المالكية مسؤولية ذلك.
أ. شاهدٌ أول لا يشهد: خروف الأنصاري (ت. 966هـ/1558م) في بناء البعزاتي
يقول البعزاتي في مقاله عن ”الأفق الفكر للمدرسة المرينية“: ”ساد تدريس الفقه المالكي في المدرسة المرينية، لأنه مذهب أغلبية الفقهاء،“[45] ثم يبني على ذلك حكمًا أوسع، فيقرر، معولا على دراسة ”متقادمة“ لمحمد بن شقرون،[46] أن
”مسايرة الأحكام المعيارية للفقه المالكي لا تترك مكانا لتدريس العلوم العقلية، إلا في مستوى أوّلي جدا؛ إلى درجة أن الطلبة أعرضوا عن دروس العالِم التونسي ابن خروف [كذا] لكونهم لم يألفوا حضور هذه الدروس.“[47]
وهذا الاستدلال مختلٌّ من أصله، بل يجمع بين عيبين فادحين: فساد المثال زمنيًّا، واختلال تفسيره دلاليًّا. أما فساده الزمني، فلأن محمد بن أبي الفضل خروف الأنصاري التونسي الملقب بجار الله لا ينتمي أصلًا إلى العصر المريني الذي يتحدث عنه البعزاتي، وإنما هو رجل متأخر، توفي سنة 966هـ/1558م، أي أنه عاش في العهد الوطاسي وبداية العصر السعدي، وهو بعيد عن القرن الذي تقوم عليه دعوى البعزاتي بخصوص منع الأحكام المعيارية للفقه المالكي تدريس العلوم العقلية. ومن ثمّ فإن الاحتجاج به هنا لا يعدو أن يكون خلطًا بيّنًا بين الأزمنة، وإقحامًا لمثال خارج عن الإطار التاريخي للدعوى. ولئن أمكن التماس العذر لمحمد بن شقرون في سوق هذا المثال، من الناحية الشكلية، فلأن موضوع دراسته يشمل العصرين المريني والوطاسي معًا،[48] أما البعزاتي فلا عذر له في ذلك، لأنه يتكلم في فصل مخصص للمدرسة المرينية، ثم يزجّ فيه شاهدًا لا يمت إليها زمنيًّا بصلة. وهنا لا نكون بإزاء سهو عابر، وإنما بإزاء خلل في أصل بناء الاستدلال؛ إذ لا يجوز أن ينهض مثال متأخر قرنًا كاملًا شاهدًا على وضع سابق عليه، ثم يُساق للقارئ كما لو كان جزءًا طبيعيًّا من مادته.
ثم إن المثال نفسه، حتى لو تُجوز في أمر الزمن، لا ينهض بما حُمّل من معنى. فالقول إن الطلبة أعرضوا عن دروس النظار التونسي الأصل ”ابن خروف“ لا يثبت البتة أن ”الأحكام المعيارية للفقه المالكي“ هي التي أغلقت باب العلوم العقلية، ولا أن سيادة الفقه المالكي هي التي منعت الإقبال عليها. وهذه قفزة تفسيرية لا سند لها في الشهادات التي بين أيدينا. فمحمد مخلوف (ت. 1360هـ/1941م)، في ترجمته المتأخرة لخروف، يقدمه بأنه ”شيخ الجماعة بها [فاس]، الإمام الكامل، واحد الزمان، المنفرد بالمنطق والكلام وأصول الفقه والمعاني والبيان،“[49] ثم ينقل باختصار عن خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر[50] أن سوق العلوم العقلية كان كاسدًا بفاس، وأن صاحبنا كان إمامًا في تلك الفنون،
”إلا أنه جاء من غير كتب لابتلائه بالأسر وغرق كتبه في البحر، ومع ذلك كان بلسانه عجمة مع ميله إلى الخمول، فلم يُقدّروا قدره، وإنما انتفع به المنجور والقصار.“[51]
ونقرأ عند محمد بن جعفر الكتاني (ت. 1345هـ/1927م) أن خروفا هذا ”أقام رحمه الله بفاس تقرأ عليه العلوم المعقولية، وهو مجدد سند تعليمها بالمغرب وعنه أخذت على الحقيقة.“[52] فأين في هذا كله ذلك الحاجز الفقهي الصلد الذي يتحدث عنه البعزاتي؟ النص يذكر أسبابًا أقرب وأوضح: عجمة اللسان، وغرابة تلك الفنون على أهل البلد، وميل الرجل إلى الخمول، ولا يذكر شيئًا عن منع مذهبي، ولا عن تضييق فقهي، ولا عن موقف مؤسسي حال دون تلقي تلك العلوم.
ويأتي الفقيه الأصولي أحمد المنجور (ت. 995هـ/1587م)، ولعله أوثق شاهد في مسألتنا إذ كان ممن لازم خروفا (ويسميه ابن خروف)[53] وأخذ عنه علومه، ليقضي نهائيًّا على هذا التأويل المتعسف. وفي هذا يقول:
”لازمته قريبا من سنتين إثر قدومه، وتجنبه أكثر الطلبة لوقفة كانت بلسانه تشبه العجمة، وما زال البعض منها إلا بعد مدة، ولأنهم ما ألفوا تلك الفنون ولا عرفوا قدرها.“[54]
وهذه العبارة وحدها كافية لنسف بناء البعزاتي من أساسه؛ لأنها تعلل تجنب أكثر الطلبة بأمرين محددين: عجمة اللسان، وعدم ألفة تلك الفنون وعدم معرفة قدرها. ولا كلمة واحدة فيها عن الفقه المالكي، ولا عن معياريته، ولا عن سلطته المانعة، ولا عن كون العلوم العقلية كانت محصورة في ”مستوى أولي جدا.“ بل إن المنجور نفسه يمضي بعد ذلك فيذكر ما قرأه عليه من تلخيص المفتاح، ومختصر السعد، وإيساغوجي، والرسالة الشمسية، وجمع الجوامع، وغير ذلك، ثم يصرح بقوله: ”وعلى يده فتح الله بصيرتي في تلك العلوم.“[55] فأي معنى يبقى، بعد هذا، للقول إن الفقه المالكي لم يترك مكانًا إلا لمستوى أولي من العلوم العقلية؟ وهل يُعد هذا المسار العلمي العميق الذي يصفه المنجور تلقيًّا أوليًّا سطحيًّا؟ أم أن البعزاتي يصر على فرض نتيجته على الشاهد ولو كذبها الشاهد ذاته؟
والأمر نفسه يتأكد في ترجمة محمد بن قاسم القصار (ت. 1012هـ/1603م)، الذي أخذ بدوره عن خروف، ”الذي يصفه في فهرسته بالمنفرد المنطق والكلام وأصول الفقه والبيان بفاس،“[56] إلى جانب شيوخ آخرين، حتى صار القصار، مع المنجور، من أبرز من انتفع به، بل من النظار الذين آل إليهم أمر تلك العلوم بعده.[57] يقول في سنده العلمي:
”وأخذت علم العقائد وعلم الكلام عن جماعة؛ كالشيخ المتفنن الرحال سيدي محمد اليَسْتِيني، والشيخ الإمام سيدي محمد بن جلال، والشيخ الإمام سيدي شقرون بن هبة، وكلهم أخذوا عن أصحاب السنوسي، وابن زكري؛ وأخذتهما عن الشيخ الإمام جار الله سيدي محمد خروف التونسي الأنصاري.“[58]
فلو كانت ”المعيارية الفقهية“ قد أغلقت الأفق بالفعل على نحو ما يوحي به البعزاتي، فكيف نفسر ظهور أمثال المنجور والقصار؟ وكيف نفسر انتفاعهما العميق بخروف التونسي، وتكوّنهما في هذه الفنون، ثم صيرورتهما من أعيان أهل النظر بعده؟ إن المثال الذي أراد البعزاتي أن يجعله شاهدًا على انسداد الأفق، ينقلب، عند مراجعة مصادره، إلى شاهد على شيء آخر تمامًا: على أن الإشكال لم يكن منعًا مذهبيًّا صارمًا بقدر ما كان متعلقًا بألفة الدرس، وشروط التلقي، وخصائص الشيخ نفسه، واستعداد الطلبة لتجاوز المألوف. وهذا فرق جوهري بين تاريخ اجتماعي للمعرفة، وبين اختزال كل تعقيداته في سبب مذهبي جاهز.
هذا، مع التنبه إلى أن إلحاح المنجور أعلاه على قلة إقبال الطلبة على شيخه خروف قد لا يكون مجرد نقلٍ محايد لواقع التلقي، بل قد يدخل أيضًا في بناء صورة الذات العالمة داخل الفهرسة؛ أي في إبراز أنه كان من القلة التي أدركت قيمة الشيخ وأخذت عنه، في حين أحجم عنه أكثر الأتراب.[59] ومن ثمّ، فلا ينبغي أن تُقرأ هذه العبارة بوصفها معطًى تفسيريًّا شفافًا ومباشرًا، فضلًا عن أن تُحوَّل إلى شاهد على هيمنة المعيارية الفقهية، من غير مراعاة وظيفتها البلاغية في النص الذي وردت فيه.
وعلى ذلك، فإن استدلال البعزاتي بخروف (أو ابن خروف حسب ما ورد عنده) لا ينهض من أي جهة. فهو ساقط أولًا من جهة التاريخ، لأن المثال متأخر، كما بيّنا، عن الإطار المريني الذي يُفترض أن يشهد له. وهو ساقط ثانيًا من جهة الدلالة، لأن المصادر التي ترجمت لخروف الأنصاري لا ترد، كما وضّحنا، فتور الطلبة إلى الفقه المالكي ولا إلى أحكامه المعيارية، بل إلى عجمة اللسان، وغربة تلك الفنون، وعدم معرفة الطلبة بقدرها. وهو ساقط ثالثًا من جهة النتيجة، لأن وجود المنجور والقصار، وما حصلاه على خروف من علوم المنطق والأصول والكلام، يكذب دعوى أن تلك العلوم لم يكن لها إلا حضور أولي هامشي. ومن ثمّ فإن البعزاتي لا يقرأ الشواهد هنا، وإنما يستخدمها استعمالًا قسريًّا لإسناد أطروحة سابقة الإعداد: يخلط الأزمنة، ويختار مثالًا غير صالح، ثم ينتزع منه معنى لا يقوله، ثم يقدمه في صورة تقرير تاريخي جازم. وهذا ليس مجرد ضعف في الاستدلال، وإنما هو تصرف غير منضبط في المادة التاريخية، يُظهر انتصارا مسبقا للنتيجة بدل الحرص على أن يقول الشاهدُ ما يقول، لا ما يُرادُ له أن يقول.
ب. شاهد ثان لا يشهد: البعزاتي وأبو العباس الجزنائي (ت. 749هـ/1349م)
استند البعزاتي إلى حالة أبي العباس الجزنائي ليجعل منها شاهدًا على ”التراجع الفكري،“ في الغرب الإسلامي خلال القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد فصرّح بأن بعض المفكرين والأمراء كانوا يرغبون في قراءة ”المؤلفات الفلسفية والمعارف العقلية،“ غير أن ”الفقهاء المتزمتين يقفون لهم بالمرصاد ويراقبون الأنشطة الثقافية والفكرية،“ وأن الحكام أنفسهم كانوا ”يضطرون لمسايرة موقف هؤلاء الفقهاء خوفا من نقمتهم،“ ثم انتهى إلى أن أحمد بن محمد بن شعيب الجزنائي ”عانى من سخط راعيه، استجابة بدون شك، للضغوط المتكررة من لدن الفقهاء والعامة على السواء.“[60] والحال أن هذا الكلام ليس استخلاصًا حذرًا من الشاهد، بل هو جزمٌ تفسيريٌّ بلا سندٍ تاريخي؛ إذ يفترض البعزاتي سخطًا، وراعيًّا، وضغطًا من الفقهاء والعامة، ويقيم بينها علاقةً سببيةً مؤكدة بعبارة ”بدون شك،“ من غير أن ينهض النص المحال عليه بشيء من ذلك. غير أن الرجوع إلى الموضع الذي أحال عليه من الإحاطة في أخبار غرناطة للسان الدين ابن الخطيب (ت. 776هـ/1374م) لا يترك كبير مجالٍ للمداورة؛ فالنص لا يقول شيئًا من هذا. فلا ذكر فيه لـ”سخط راعٍ،“ ولا لـ”الضغوط المتكررة من لدن الفقهاء والعامة،“ ولا لعقوبةٍ لحقت الجزنائي بسبب الفلسفة، ولا لمحنةٍ فكرية على النحو الذي صاغه البعزاتي. وكل ما يقوله ابن الخطيب في ترجمته أن الرجل كان ”من أهل المعرفة بصناعة الطب، وتدقيق النظر فيها، مشاركا في الفنون، وخصوصا في علم الأدب،“ وأن ”الغالب عليه العلوم الفلسفية، وقد مُقت لذلك،“ وأنه ”تهتّك في علم الكيمياء، وخلع فيه العذار، فلم يحل بطائل.“[61] فأين في هذا كلّه ذلك السيناريو السببي المتكامل الذي عرضه البعزاتي وكأنه مستفادٌ مباشرةً من ابن الخطيب؟
إن المشكلة هنا في أن صياغة البغزاتي ليست مجرد مبالغةٍ في الفهم، ولا توسع تأويليٍّ يمكن التغاضي عنه، بل هي مجاوزةٌ صريحة لما يتيحه النص. فالعبارة التي قد يتعلق بها المدافعون عن هذا البناء، وهي قول ابن الخطيب: ”وقد مقت لذلك،“[62] لا تحتمل البتة هذا الحمل الثقيل الذي أُلقي عليها. فهي لا تحدد جهة المقت، ولا تكشف عن أثره، ولا تربطه بعزلٍ أو تضييقٍ أو انقلاب حال. ثم إنها ترد في سياق ترجمةٍ ترسم صورةً مركبة للرجل، يدخل فيها اشتغاله بالفلسفة كما يدخل فيها تهتكه في الكيمياء واندفاعه فيها اندفاعًا مذمومًا؛ إذ يقول ابن الخطيب صراحة: ”وتهتّك في علم الكيمياء، وخلع فيه العِذار، فلم يحل بطائل.“[63] ومعنى هذا أن الرجل أطلق لنفسه العنان في هذا الباب، وتجاوز حدّ التحفظ والاتزان. فمن التعسف البين، بعد ذلك، اقتطاع عنصر الفلسفة من هذا السياق المركب، ثم بناء قصة اضطهادٍ فلسفي كاملة عليه، مع أن النص لا يجيز هذا الحسم، بل لا يقدّم أدنى قرينة عليه.
لقد تصرف البعزاتي في النص تصرفًا لا يليق بإحالة يُراد لها أن تكون سندًا. فهو لم يقرأ الشاهد في حدوده، بل حمله على أطروحته حملًا، ثم رده إلى سردية جاهزة عن القمع الفكري، ثم نسب هذه السردية إلى ابن الخطيب بما يوهم القارئ أنها خارجة من نصه. والواقع أن النص بريء من هذا الحمل براءة بينة. فلا ابن الخطيب قال إن الجزنائي عانى من سخط راعيه، ولا قال إن الفقهاء والعامة ضغطوا عليه، ولا قال إن الحكام ضاقوا به بسبب اشتغاله بالمعارف العقلية. وهذه كلها إضافات جاء بها البعزاتي من عنده، ثم أسندها إلى إحالة لا تنهض بها. وليس من قبيل المصادفة أن القارئ، حين يعود إلى الصفحة التي أحيل إليها، لا يجد إلا ترجمةً تبدأ بذكر معرفة الرجل بالطب والأدب، ثم تشير إلى غلبة العلوم الفلسفية عليه، ثم تعطف على ذلك بذكر تهتكه في الكيمياء وولعه بها، من غير أن تتجاوز هذا إلى شيء من البناء السببي الذي شيده البعزاتي تشييدا.[64]
وليس هذا من قبيل القراءة المنتجة أو التأويل الخلاق، كما قد يقال تلطيفًا؛ لأن التأويل، مهما اتسع، يبقى مشدودًا إلى قرائن النص وحدوده. أما هنا فنحن بإزاء نقل شاهدٍ محدود الدلالة إلى فضاء دعوى عريضة لا يدل عليها، ثم تقديم هذه الدعوى كما لو كانت منطوية فيه. وهذا فارق حاسم بين أن يستنبط الباحث احتمالًا، وبين أن يتقول على المصدر ثم يستتر وراء رقم الصفحة. فحين يعود القارئ إلى النص فلا يجد فيه ما وُعد به من الوقائع والعلاقات السببية، تصبح الإحالة نفسها موضع مساءلة، لا أداة توثيق.
وعلى هذا، فإن الاحتجاج بحالة الجزنائي لإثبات ”التراجع الفكري“ احتجاج فاسد من جهة الشاهد نفسه. فالنص لا يسند دعوى القمع، ولا يثبت عزلًا، ولا يدل على نكبة بسبب الفلسفة، ولا يسمح بجعل الرجل نموذجًا ممثلًا لعصرٍ بأسره. وكل ما يقدمه ترجمة رجلٍ متعدد الاهتمامات، له اتصال بالطب والأدب والعلوم الفلسفية، وقد وُسم في الوقت نفسه بالتهتك في الكيمياء. أما تحويل هذه الترجمة الملتبسة إلى شاهدٍ حاسم على انحطاط الحياة الفكرية، فليس قراءةً تاريخية، بل هو تعميم متعجل واستعمال قسري للمصدر.
بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك: إن هذا الموضع يكشف هشاشة البناء الاستدلالي عند البعزاتي أكثر مما يخدم أطروحته. لأنه اختار مثالًا لا يسعفه، وأحال على نص لا يقول ما نسبه إليه، ثم رتب على هذه النسبة حكمًا تاريخيًّا واسعًا. وهنا لا يعود الخلل في النتيجة وحدها، وإنما في الطريق التي سلكها إليها. إذ لا قيمة لشاهدٍ لا يشهد، ولا وزن لإحالةٍ لا تسند، ولا مشروعية لحكمٍ تاريخي يُبنى على نص أُكره على قول ما لا يقول.
وإذا قيل: لعل بناصر البعزاتي كان يعتمد على مصدرٍ آخر لم يذكره، قلنا إن هذا الاحتمال لا ينقذه، بل يزيد المأخذ عليه وضوحًا؛ لأن واجب الباحث، إذا استند إلى أكثر من شاهد، أن يصرح بذلك، لا أن يكدّس دعوى عريضة خلف إحالة واحدة توهم القارئ أنها كافية. أما السكوت عن المصدر المفترض، ثم سوق النتائج في أعقاب إحالة بعينها، فليس إلا إخلالًا بحد أدنى من الانضباط التوثيقي.
والخلاصة أن البعزاتي لم يثبت من نص الإحاطة ما ادعاه، وإنما انتزع منه ما يصلح لبناء انطباع عام، ثم ألبسه بنية تفسيرية جاهزة، ثم أعاده إلى القارئ بوصفه شهادة تاريخية ناجزة. وهذا ليس مجرد ضعفٍ في الاستنباط، وإنما هو تصرف غير أمين في التمثيل للمصدر. ولذلك فإن حالة الجزنائي، بدل أن تكون دليلًا على ”التراجع الفكري،“ تغدو دليلًا على شيء آخر تمامًا: على الكيفية التي يُستعمل بها النص استعمالًا قسريًّا لإسناد نتائج لم تخرج منه، وإنما فُرضت عليه فرضًا. فالمسألة هنا ليست أن البعزاتي أسرف في التأويل، بل أنه بنى دعواه على شاهدٍ لا يسعفه، ونسب إلى ابن الخطيب ما ليس في نصه، ثم جعل من هذه النسبة أساسًا لحكمٍ تاريخي واسع. ومتى بلغ التصرف في المصادر هذا الحد، لم يعد الأمر اختلافًا في القراءة، وإنما صار سقوطًا في أصل الصناعة النقدية.
لا يقف المأخذ على البعزاتي عند حدّ تحميل نص ابن الخطيب ما لا يحتمل في مقاله عن ”مشاكل العلم بالغرب الإسلامي في القرن الرابع عشر،“ بل يتأكد هذا الخلل ويتضح منشؤه حين ننتقل إلى المقال الذي لطالما انتقدنا لأننا لا نذكره،[65] أعني ”الأفق الفكري للمدرسة المرينية؛“[66] إذ يقرر هناك أن ”مسايرة الأحكام المعيارية للفقه المالكي لا تترك مكانا لتدريس العلوم العقلية، إلا في مستوى أولي جدا،“[67] ثم يعطف في الهامش قائلًا:
”أما الفلسفة فلا تجد لنفسها مكانا في هذا الوسط، رغم إقبال بعض المفكرين، مثل أبي العباس الجزنائي وابن الخطيب السلماني، على قراءة كتبها خارج المدرسة وبكيفية متسترة،“[68]
ويزيد الأمر تحديدًا بقوله: ”وقد قوبل الجزنائي بعدم الرضى من قبل مخدومه السلطان.“[69] وهنا ينكشف موضع الخلل على نحوٍ أصرح من ذي قبل؛ لأن البعزاتي لا يسند هذا الحكم إلى نص تاريخي مباشر، ولا يحيل في هذا الموضع إلى لسان الدين ابن الخطيب أو أبي عبد الله ابن مرزوق الخطيب (ت. 781هـ/1379م) أو غيرهما، بل يكتفي بالإحالة على عمَلْي محمد بن شقرون،[70] من غير أن يصرّح بأن هذه الدعوى ليست معطىً مستفادًا من المصادر الأصلية، وإنما هي نتيجة تفسيرية صاغها بن شقرون نفسه، ثم تلقفها البعزاتي بالتسليم وأعاد تدويرها في صورة خلاصات تاريخية ناجزة. وبالعودة إلى بن شقرون يتضح ما ظل محجوبًا في مقال ”مشاكل العلم؛“ إذ يقول:
”كان الفلاسفة تبعا لذلك يمقتون من طرف ملوكهم رغم الخدمات الجليلة التي كانوا يؤدونها. وهكذا أصبح أبو العباس بن شعيب الجزنائي الفاسي العالم الشهير والفيلسوف الكبير المتوفى سنة 749 يمقت من قبل مخدومه السلطان أبي الحسن المريني رغم الإخلاص التام الذي كان يكنه له.“[71]
ثم يسوق شاهد ابن الخطيب من الإحاطة: ”وتهتك في علم الكيمياء وخلع فيه العذار، فلم يحصل بطائل،“ إلى أن قال: ”والغالب عليه العلوم الفلسفية وقد مقت لذلك،“[72] ويضيف بن شقرون شاهد ابن مرزوق:
”وكان مولانا رضي الله عنه ينفر منه لموجب الله أعلم بحقيقته، ولا يبدو على ظاهره ما يدل على طعن في طريقته في المعتقد، ولقد خبرته وذاكرته وباحثته فما اطلعت والله منه إلا على ما يرضي.“[73]
ثم لا يلبث أن يحسم من عنده ما لم تحسمه المصادر، فيعقب قائلًا:
”أما نحن فنرى أن موجب هذا المقت والنفور ليس هو الاشتغال بالطب أو بالحساب، بل بالفلسفة التي كانت تشكل أكبر خطر بالنسبة للفقهاء وللملوك أنفسهم.“[74]
وعند هذه النقطة بالذات يسقط بناء البعزاتي سقوطًا بيّنًا؛ لأن ما عرضه في ”مشاكل العلم“ على أنه مستفاد من ابن الخطيب، حين قال إن الجزنائي ”عانى من سخط راعيه، استجابة، بدون شك، للضغوط المتكررة من لدن الفقهاء والعامة على السواء،“[75] لم يكن له وجود أصلًا في الموضع المحال عليه من الإحاطة، بل تبيّن الآن أن أصل هذه الدعوى ليس ابن الخطيب، وإنما القراءة التفسيرية الحديثة التي صاغها بن شقرون، ثم انتزعها البعزاتي من سياقها الوسيط وقدّمها للقارئ كما لو كانت حقيقة تاريخية قائمة في المصدر الأول. فابن الخطيب لا يقول، في ترجمته للجزنائي، إلا إنه كان ”من أهل المعرفة بصناعة الطب، وتدقيق النظر فيها، مشاركا في الفنون، وخصوصا في علم الأدب،“ وإن ”الغالب عليه العلوم الفلسفية، وقد مقت لذلك،“ وإنه ”تهتّك في علم الكيمياء، وخلع فيه العذار، فلم يحل بطائل؛“[76] وهي عبارات، على ما فيها من نبرة نقدية، لا تعين جهة المقت، ولا تكشف أثره، ولا تربطه بسلطانٍ ساخط، ولا بضغط الفقهاء والعامة، ولا بأي عقوبة أو نكبة بسبب الفلسفة. أما ابن مرزوق، فإنه وإن أثبت نفور السلطان أبي الحسن من الجزنائي، فقد أبى أن يرده إلى الفلسفة أو إلى فساد الاعتقاد، وإنما صرّح بخلاف ذلك حين قال: ”ينفر منه لموجب الله أعلم بحقيقته، ولا يبدو على ظاهره ما يدل على طعن في طريقته في المعتقد.“ فالفارق هنا قاطع: ابن الخطيب يذكر مقتًا مجملًا غير مفسر، وابن مرزوق يثبت نفورًا من طرف السلطان المريني لا يبين سببه، بل يكاد ينفي أن يكون راجعًا إلى خلل في المعتقد، وبن شقرون وحده هو الذي يملأ هذا الفراغ التفسيري من عنده ويقرر جازمًا أن ”موجب هذا المقت والنفور“ هو ”الاشتغال بالفلسفة،“[77] ثم يأتي البعزاتي فيتلقف هذا الحكم المصنوع ويعيد تقديمه في موضعين مختلفين: مرةً على هيئة تقولٍ على ابن الخطيب في ”مشاكل العلم،“ ومرةً على هيئة خلاصة تقريرية في ”الأفق الفكري،“ من غير أن يميز بين الشاهد الأصلي وبين تأويل بن شقرون له. وهنا لا يعود الأمر مجرد خطأ في الفهم أو توسعًا سائغًا في التأويل، وإنما يصير إخلالًا صريحًا بدرجات الاستدلال ومراتب المصادر؛ إذ تتحول قراءة حديثة محل نظر إلى واقعة تاريخية، ويتحول استنتاج وسيط إلى شهادة أصلية، ثم تُستغل هذه السلسلة المقلوبة لبناء حكم عريض عن ”التراجع الفكري“ وعن تضييق الفقهاء وخضوع الحكام. والأنكى من ذلك أن هذا البناء نفسه لا يستقيم حتى من جهة السياق؛ إذ لو كان السلطان أبو الحسن يتخذ موقفًا مبدئيًّا من الفلسفة بما هي فلسفة، فكيف يفسر تقريبه رجالا من أمثال أبي عبد الله الآبلي، المعروف باشتغاله بالمنطق والكلام والتعاليم ووجوه النظر العقلي؟ وكيف يُجعل تعاطي الفلسفة وحده موجبًا للمقت، مع أن ابن الخطيب نفسه لم يكن خارج هذا الأفق المعرفي؟ ثم إن الجزنائي لم يكن مفكرًا حرًّا معزولًا عن جهاز الدولة، بل كان من كتّاب السلطان، أي إن صلته بالبلاط صلة وظيفية مباشرة، ومن ثم فلا يُستبعد أن يكون ما أشار إليه ابن مرزوق من نفور راجعًا إلى ملابسات أخرى، يحتمل أن تكون سياسية أو إدارية أو شخصية تتصل بهذه الوظيفة، لا إلى الفلسفة من حيث هي فلسفة. وعلى ذلك، فقد تبين، أولًا، أن ابن الخطيب لم يتحدث عن راعٍ انقلب على الجزنائي بسبب الفلسفة، ولا عن خضوع هذا الراعي لضغوط الفقهاء والعامة؛ وتبين، ثانيًا، أن ابن مرزوق هو الذي يذكر نفور السلطان، لكنه لا يرده إلى الفلسفة بل يعلقه على ”موجب الله أعلم بحقيقته؛“ وتبين، ثالثًا، أن بن شقرون هو الذي وصل بين تعاطي الجزنائي للفلسفة وبين مقت السلطان؛ وتبين، رابعًا، أن البعزاتي لم يفعل أكثر من تبني هذا الوصل الحديث وإعادة عرضه بوصفه معطىً ثابتًا، من غير فحصٍ نقدي لأسانيده، ومن غير تصريحٍ واضح في فصله ”مشاكل العلم“ بالمصدر الفعلي الذي استند إليه. وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال المنهجي لا يعود سؤالًا ثانويًا: لماذا لم يصرّح البعزاتي في هذا الفصل بأنه يعتمد في هذا الموضع على بناء بن شقرون، بدل أن يسوق الدعوى في أعقاب إحالة إلى الإحاطة بما يوهم القارئ أن ابن الخطيب نفسه هو الذي أثبت سخط الراعي وضغط الفقهاء والعامة؟ إن هذا السكوت لا يضعف النتيجة فحسب، وإنما يطعن أيضا في طريقة تمثيل المصادر ذاتها؛ لأن القارئ حين يعود إلى الأصل لا يجد فيه ما وُعد به، وإنما يجد نصًّا آخر، محدود الدلالة، مركب الصورة، لا يشهد على ما نُسب إليه. ومن ثمّ فالقضية ليست أن البعزاتي أسرف في التأويل فحسب، بل إنه بنى دعواه على شاهد لا يسعفه، ونسب إلى ابن الخطيب ما ليس في نصه، ثم استند في تثبيت تلك النسبة إلى قراءة حديثة لم يعلن، في الموضع الأقدم على الأقل، أنها هي عمدة دعواه. ومتى بلغ التصرف في المصادر هذا الحد، لم يعد الأمر اختلافًا في القراءة، وإنما صار سقوطًا في أصل الصناعة النقدية: سقوطًا في التمييز بين المصدر وتأويله، وبين الشاهد وما يُبنى عليه، وبين ما تقوله النصوص وما يُفرض عليها أن تقوله.
وعليه، فإن ما ينكشف من هذين الشاهدين ليس مجرد تعثرٍ في الاستدلال، وإنما هو اختلالٌ في جهة النظر نفسها. فبدل أن تُستخرج الدعوى من حدود المادة التاريخية، تُساق المادة لتدخل قسرًا في دعوى مقررة سلفًا. ولهذا لا يعود المثال مثالًا بالمعنى البرهاني، بل يغدو وظيفةً تزيينية في بناءٍ تفسيري سابق عليه: يُستدعى ما أمكن استدعاؤه، ويُطوى ما لا يوافق النتيجة، وتُسوّى الفروق بين الأزمنة والنصوص والمراتب المصدرية حتى تستقيم الصورة المراد تثبيتها.
ومن هنا تتجاوز قيمة هذين الموضعين حدود الخطأ الجزئي؛ لأنهما يبرزان أن ما يُقدَّم في صورة تفسير تاريخي لا يقوم، في حقيقة أمره، على ضبط شروط الشهادة، وإنما على تطويعها. فحين يُجعل المثال المتأخر شاهدًا على زمن لا ينتمي إليه، أو يُنتزع من النص ما لا ينهض به، أو يُمزج المصدر بتأويله الوسيط حتى يلتبس أحدهما بالآخر، نكون بإزاء خلل لا يصيب التفصيل وحده، بل يصيب أصل العلاقة بين الدعوى ودليلها. وعند هذه النقطة لا يبقى السؤال: هل أخطأ البعزاتي في هذا الموضع أو ذاك؟ بل: ما مقدار ما بقي من حجته بعد سقوط الآلية التي تنتجها؟
والنتيجة أن هذين الشاهدين لا يسندان أطروحة ”الجمود“ و”الانغلاق،“ وإنما يكشفان الثمن المنهجي الذي دُفع لتثبيتها: اختزال التعدد، وإضعاف الفروق، وتسوية غير المشترك، وتحويل المعطى الجزئي إلى مؤشر كلي بغير وسائط كافية. وبذلك فإن ما يتداعى هنا ليس شاهدين منفصلين، وإنما نمطٌ كامل من الاستدلال يطلب من التاريخ أن يشهد لما لم يُستخرج منه، بل لما فُرض عليه فرضا. فإذا كانت الحجة لا تستقيم إلا بعد هذا القدر من الضغط على النصوص، فالمأزق ليس في الشواهد وحدها، وإنما في الدعوى التي لم تجد لنفسها ما ينهض بها إلا بتجاوز حدود ما تشهد به الشواهد.
2. عن الهدوء وعدم التحيز في ”مآل علم الكلام عند ابن حزم والباجي“
الواقع أن البعزّاتي، بدل أن يقدّم جوابًا مباشرًا عن اعتراضنا على مقاربته من جهة الماهويّة والتعميم وإغفال السياقات، يوسّع إطار النقاش ويحشد إحالاتٍ وأمثلة تقع خارج محلّ القول. وقد وجد في مقالته ”مآل علم الكلام عند ابن حزم والباجي“ ما ظنّ أنه قد يسعفه في التخلّص من اعتراضاتنا، فعاد إلى ما دأب عليه من اتهامنا بتجاهل بعض نصوصه. ولهذا فإننا سنعرض هنا ردّه كما ساقه، ثم نبيّن وجوه قصوره من جهة صلته بالاعتراض الموجّه إليه، قبل أن نقف عند بعض مظاهر الخلل في المقال المعني نفسه، وهو المقال الذي يزعم أنه يقوم على مقاربة ”هادئة“ لا تحيز مذهبي فيها.
يقول البعزاتي:
”ومن باب حرص فؤاد بن أحمد على الظهور في التدقيق العلمي، كتب: ’…. بل أحياناً قد تجد الخلاف بين شافعيين أشعريين محتداً إلى درجة أكبر من الخلاف بين شافعي أشعري ومالكي أشعري…. ويحصل تضخيم الخلاف بل وتخريجه تخريجاً دينياً عندما يكون الخلاف بين الفلاسفة والمشتغلين بالعلوم الدينية …. ‘ والحال أني أشرت مرات في مقالات عدة إلى الاختلافات بين فقهاء من نفس المذهب الفقهي […]وفي المقالة [’مآل علم الكلام عند ابن حزم والباجي‘] اقتباسات من كتابات مالكية متزمتين. وقد أشرت إيجابياً إلى بعض أقوال الباجي عن الاستدلال في كتيب لي عن المنطق (قيد الطبع). وحرصاً على نصيب من الضبط، ليس في المقالة تحيز مذهبي ولا تحامل على طرف بل تناول هادئ […]. إذن، لا يوجد في المقالة انتصار للفيلسوف المنطقي ابن حزم ضد الفقيه المالكي الباجي وأوردت أقوالاً عديدة للباجي يدعو فيها إلى ’النظر العقلي في النص الشرعي‘ وأن ’العقل والنقل عنده لا يتعارضان،‘ ما يعبر عن ’تطور تدريجي لدى المالكية‘.“[78]
رَدُّ بناصر البعزاتي لا يصيب محلّ قولنا؛ لأنه يستبدل بالاعتراض المحدد دفاعًا عامًا عن ”مقالاته“ وهدوء نبرتها، ثم يسوق مثالًا لا ينقض شيئًا مما قررناه. فنحن لم ندّع أنه ينفي بإطلاق وجود الخلاف داخل المذهب الواحد، بل بيّنا أن الخلاف قد يحتدّ داخل الإطار الواحد أكثر مما يحتدّ بين إطارين مختلفين، وأنه يكتسب طابعًا دينيًّا متضخمًا حين يُؤطَّر بوصفه صراعًا بين ”الفلاسفة“ و”المشتغلين بالعلوم الدينية.“ وما ذكره من خلاف أبي الوليد الباجي (ت. 474هـ/1082م) مع بعض مالكية عصره، أو مناظراته مع أبي محمد ابن حزم (ت. 456هـ/1064م)، لا يجاوز إثبات أمر لم ننكره أصلًا، وهو وجود الخلاف داخل بعض الأطر المذهبية، لكنه لا يجيب عن اعتراضنا في شيء؛ لأن السؤال لم يكن: هل يوجد خلاف داخلي؟ بل: كيف يُعرَض هذا الخلاف؟ وبأي جهاز مفهومي يُخرَّج؟ وما الذي يطرأ عليه حين يُعاد بناؤه في صورة تقابل ديني ومعرفي حاد؟ ثم إن مثال ابن حزم والباجي لا يصلح شاهدًا على ما انتقدناه؛ لأن النزاع هنا ليس بين مالكيين من داخل المذهب الواحد، وإنما بين ظاهري مناهض للأشعرية، هو ابن حزم، ومالكي أشعري، هو الباجي، أي بين طرفين مختلفين في الانتماء الفقهي والمدرسي والعقدي، وهو ما يبدّل محل الدعوى بدل أن يردّ عليها. كما أن الشق الثاني من كلامنا، المتعلق بتضخيم الخلاف وتخريجه تخريجًا دينيًّا حين يُؤطَّر بوصفه صراعًا بين ”الفلسفة“ و”العلوم الدينية،“ لم يتعرض له البعزاتي بتحليل ولا بنقض، وإنما استبدله بالدفاع عن نبرة المقالة، وبالتأكيد أنه لا ينتصر لطرف على طرف، وهذا انصراف عن محل الاعتراض لا جواب عنه. ثم إن إضافة صفة ”الفيلسوف“ إلى ابن حزم، وهي الصفة التي لم يقدمه بها في مقالته، لا تجعل الخلاف بينه وبين الباجي خلافًا بين فيلسوف ورجل دين، بل يبقى، في حدود التوصيف الأدق، خلافًا بين أشعري مالكي وظاهري مستقل. وأخيرًا، فإن افتتاح الردّ بالتعريض بنوايانا، من قبيل قوله: ”حرصًا على الظهور في التدقيق،“ ليس مناقشة للحجة وإنما هو مصادرة على الدافع، كما أن الإحالة إلى ”مقالات عدة“ أو إلى ”كتيّب قيد الطبع“ لا تغني شيئًا ما لم تُسند إلى جواب مباشر عن العبارة المنتقدة في سياقها.
وعليه يبقى المطلوب منه جوابًا واحدًا واضحًا: هل ينازع في أن الخلاف قد يحتدّ داخل الإطار الواحد؟ وهل ينازع في آليات التضخيم والتخريج الديني حين يُؤطَّر النزاع بوصفه صراعًا بين الفلسفة والعلوم الدينية؟ فإن كان ينازع فليأتِ بقرائن تمسّ هذا المحلّ تحديدًا، لا بأمثلة خارجة عنه ولا بدفاعٍ عن النبرة.
يصرّح البعزاتي بأن مقالته ”مآل علم الكلام عند ابن حزم والباجي،“ ”ليس فيها تحيز مذهبي ولا تحامل… بل تناول هادئ،“ غير أن الرجوع إلى نصّ المقالة يكشف أن هذا توصيفٌ لا يصمد أمام لغة النص نفسها.
يكفي تصفّح المقالة ليتبيّن للقارئ أنه أمام تعميمٍ قصديّ يُعامِل ”السُّنّة المالكيّة“ و”الفقهاء“ معاملة الكتلة الواحدة، ثم يحمّلها بواعث نفسية وأخلاقية. إذ يقرر البعزّاتي أن ”السنة المالكية“ أبدت ”إهمالًا مقصودًا“ للتراث المحلي، وأن ”الفقهاء“ نظروا إلى ”تراث المغلوبين“ نظرة ”احتقار“ بل ”مقت.“[79] غير أن القفز من عدم الاشتغال إلى نسبة قصدٍ وعداء لا يستقيم من غير سؤالٍ تمهيديّ لازم: ما الذي يجعل الفيسلوف والمسرحي سينيكا (ت. 65م)[80] أو المؤرخ إسيدور الإشبيلي (ت. 636م) أو تراثًا لاتينيًّا مادةً مطلوبة—ابتداءً—في عمل فقيهٍ أندلسي؟ إن غياب توظيف الفقهاء لهذا النوع من التراث قد يُفسَّر في أبسط صوره بحدود الاختصاص ووظائف الدرس الفقهي وأولوياته اللغوية والمعرفية، لا بعلةٍ نفسية من قبيل ”المقت،“ وهذ لغة أخلاقية حلت محل البرهنة. ومن ثم، فإذا أريد الاعتراض على ضعف استثمار التراث اللاتيني، كان الأولى توجيه النقد إلى الحقول الأقرب إلى صناعته وتداوله (التاريخ، الترجمة، الآداب، الفلسفة، العلوم)، لا تحويل الفقهاء إلى فاعلٍ ماهويّ تُسند إليه طبائع ثابتة. أما إثبات ”الإهمال المقصود“ و”الاحتقار“ فيحتاج قرائن نصية ومؤسسية تُعيّن مَنْ رَفَض، وماذا رُفض، وبأي خطابٍ وممارسة—لا تقريرًا عامًا يحمّل الصمت معنى العداء.
ولا ريب أن الانفتاح على التراث المحلي—بما فيه اللاتيني—قيمةٌ معرفية مهمّة، وأن حضوره في الأندلس والمغرب كان يمكن أن يُغني مجالاتٍ متعددة. وفي كل الأحوال، فإن أثر هذا التراث اللاتيني في التراث العلمي والأدبي الأندلسي ما يزال موضوع بحث عدد من الدراسات الجدية؛[81] لكن تنزيل هذه القيمة على حقلٍ بعينه يقتضي التمييز بين ما هو ”مطلبٌ أصلي“ فيه وما هو ”مادةٌ مساعدة“: فالإفادة من سينيكا أو إسيدور لا تدخل في صميم الاشتغال الفقهي بالضرورة، بل تقع—إن وقعت—في أبوابٍ أدبية ووعظية، أو في سياقاتٍ جدلية مع أهل الملل، أو في مواد تاريخية ولغوية تتطلب وسائط ترجمية ومعرفة لاتينية. ومن ثم فغياب التوظيف الفقهي لهذا التراث لا يكفي لإثبات ”مقت“ أو ”احتقار،“ وإنما قد يدل على حدود الوظيفة العلمية وتقسيم العمل المعرفي بين الحقول؛ أو قد يدل على عوائق أخرى. أما سؤال الانفتاح الثقافي الأوسع فيُبحث حيث تُنتظر صناعته أصلًا: في الترجمة، والعلوم، الكتابة التاريخية، والآداب، وشبكات التعليم—لا في تحميل حقلٍ واحد وزرَ الصورة كلها.
ويقول البعزاتي أيضا إن ”الفقهاء والمحدثين شرقًا وغربًا،“ يحذرون من علم الكلام،[82] ثم يقول أيضا: ”المالكية التي سادت في الغرب الإسلامي متزمتة ومنغلقة، ولا تنحو نحو التعلم والاستفادة.“[83] هذا القول والذي سبقه مثالٌ صريح على التعميم الماهوي واللغة التقويمية التي تجعل النتيجة حاضرة في العبارة قبل أي برهنة. فهو لا يتحدث عن فقهاءٍ بأعيانهم، ولا عن مؤسساتٍ محددة، ولا عن طورٍ زمنيٍّ مضبوط داخل تاريخ طويل. يُسند البعزاتي إلى المالكية السائدة صفاتٍ نفسية وأخلاقية كلية، فهي ”متزمتة،“ و”منغلقة،“ و”لا تنحو نحو التعلم والاستفادة.“ وهذه أوصاف لا تُثبت بمجرد إطلاقها؛ لأنها ليست وصفًا لواقعةٍ واحدة يمكن توثيقها، بل هو حكمٌ على ”طبيعة“ مذهبٍ وتقاليده في مجال جغرافي واسع.
والأخطر أن أسلوب البعزاتي يجعل عبارته أقرب أن تكون غير قابلة للتفنيد: لأن وجود أمثلة كثيرة على التحذير لا يبرر تحويلها إلى قانونٍ شامل، ووجود أمثلة مخالفة يمكن دائمًا دفعه بوصفه ”استثناءً.“ ولو أراد البعزاتي صياغة علمية منضبطة—مع تقرير اتجاه عام—لقال مثلًا: ”يكثر التحذير من الكلام في مدوناتٍ حديثية وفقهية في أزمنة وبيئات متعددة،“ ثم عرَض نطاق هذا التحذير وحدوده وتنوّعه، بدل إطلاق حكمٍ كونيّ (”شرقًا وغربًا“) يصنع وهم الإجماع ويطمس الاختلافات والتفاصيل. وصيغة ”شرقًا وغربًا“ ليست تقريرًا تاريخيًّا، بل تعميمٌ كاسح يُوهم بالإجماع، ويستبدل التحديد الزمني والمؤسسي بالعبارة الشاملة؛ فلا ينهض حجة إلا إذا سُمِّيت العيّنة ونُصّ على معناها وحدودها.
ثم إن العبارة تُسوّي بين المذهب وبين سلوك أتباعه في ظروف متغايرة، وتخلط بين ”حدود الاختصاص“ وبين ”الانغلاق“: فقد يعزف فقهاء عن علومٍ بعينها لأسباب وظيفية أو لغوية أو مؤسسية، لا لأنهم ”لا ينحون نحو التعلم“ بإطلاق؛ وهو الحكم ذاته الذي سبق للبعزاتي أن أطلقه على الحنابلة حين قال إن: ”الحنبلية ترفض الاطلاع على الآراء المخالفة.“[84] كما أن معيار ”التعلم والاستفادة“ هنا غير مضبوط: التعلم لأي شيء؟ وبأي مؤشرات؟ وفي أي قرن؟ وأي شبكة تعليمية؟ فإذا لم يُحدَّد ذلك، غدت الجملة أقرب إلى وصمةٍ خطابية منها إلى نتيجة تاريخية.
إن كان المقصود نقدَ مواقف فقهاء مالكيين من علومٍ معينة أو من تراثٍ بعينه، فالمطلوب تعيين الأسماء والنصوص والسياقات والآليات، ثم بيان مدى تمثيلها. أما تعميم ”المالكية“ بوصفها ”متزمتة ومنغلقة“ فليس تفسيرًا تاريخيًّا، وإنما هو حكمٌ انطباعي يختزل التنوع الداخلي والتغير الزمني في ”طبع“ واحد، ويُنتج صورةً لا يمكن اختبارها إلا بعد تفكيكها إلى قضايا جزئية قابلة للإسناد والتحقق والتوثيق.
يقول البعزاتي في المقالة نفسها:
”سادت المالكية في المجال الفقهي بكل الوسائل، وكان لهذه الغلبة دور في ضيق أفق الذهنية لمفكري الغرب الإسلامي.“[85]
وعند تحليل هذه العبارة نجد أنها تقوم على ثلاث حركات حِجاجية متتابعة: أولا، إطلاقٌ كلي في قوله ”بكل الوسائل“ من غير تسميةٍ للوسائل ولا تقييدٍ زماني ومؤسسي؛ وثانيا، تحويلٌ تفسيري من مستوى الغلبة والمؤسسات إلى مستوى ”الذهنية“ بوصفها علّةً شبه كافية؛ وأخيرا، تعميمٌ للنتيجة على ”مفكري الغرب الإسلامي“ في جملة واحدة. وبهذا لا تُنتج العبارة تفسيرًا بقدر ما تُنتج إدانة: تُبدل أسئلة التوثيق الضرورية (من الذي غلب؟ كيف؟ أين؟ وبأي أدوات؟) بحكمٍ تقويميّ واسع (”ضيق الأفق“) يُلقى بلا معيارٍ ولا آلية اختبار. فإن أريد لها أن تكون دعوى تاريخية، لزم تعيين ”الوسائل“ والمؤسسات والسياقات، ثم بيان مسار انتقال الأثر من الغلبة الفقهية إلى أنماط التفكير، بدل إحالته إلى ”ذهنية“ كلية.
يقول البعزاتي:
”فقد اتفق ابن عبد البر وأبو الأصبغ وعياض وابن العربي وآخرون على إدانة علم الكلام؛ ولا يختلف موقف ابن حزم عنهم كثيرا. ولا شك أنه وجد من اطلع على علم كلام متطور، لكن المناخ الفقهي المناوئ للجدل وقف حاجزا في وجه الخصوبة الفكرية لعلم الكلام، فظل سجين كلام أشعري مالكي.“[86]
وهذا الكلام، على حدّته، لا ينهض على تمثيلٍ تاريخي يوازي جسامة النتيجة التي يقررها. ذلك أن البعزاتي يجمع، ابتداءً، بين أعلامٍ لا يصحّ ردّهم إلى موقف واحد من علم الكلام، فيسوق ابن عبد البر النميري (ت. 463هـ/1071م)، وهو مالكي ذو نزعة أثرية ظاهرة، في السياق نفسه الذي يذكر فيه أبا بكر ابن العربي المالكي (ت. 543هـ/1148م)، وهو أشعري متكلم عُرف بمناهضة بعض التأثيرات الفلسفية-السينوية التي تسربت إلى البيت الأشعري مع الجويني والغزالي. وهذه تسوية لا تستقيم تاريخيًّا؛ إذ كيف يُنسب إلى ابن العربي إدانةُ علم الكلام على وجه الإطلاق، وهو صاحب تصانيف كلامية معروفة، من قبيل العواصم من القواصم والمتوسط في الاعتقاد؟
ثم إن موقف أيّ واحد من هؤلاء الأعلام من علم الكلام، وبخاصة ابن حزم، لا ينهض دليلًا على أن ذلك الموقف كان عائقًا له عن ممارسة الجدل أو الخوض في النظر؛ وهو عين ما يفترضه البعزاتي من غير برهنة كافية. فالموقف من علم الكلام، سلبًا أو إيجابًا أو تحفظًا، لا يُختزل تلقائيًّا في الانصراف عن الجدل، ولا يجيز وحده بناء نتيجة واسعة عن طبيعة الحياة الفكرية.
ويزداد الخلل وضوحًا حين يفترض البعزاتي وجود من اطّلعوا على ”علم كلام متطور،“ ثم لا يكلّف نفسه أن يعرّفهم للقارئ، ولا أن يبين طبيعة هذا الكلام المتطور، ولا أن يوضح كيف تجلّى أثره في أعمال أصحابه، ثم لا يلبث أن ينسب إلى ”المناخ الفقهي المناوئ للجدل“ مسؤولية خنق هذه الإمكانات وإجهاض خصوبتها. والحال أن هذا المسلك لا ينتج تفسيرًا تاريخيًّا، وإنما دعوى معلقة على فراغ؛ إذ لا يستقيم أن نحمّل مناخًا فقهيًّا مسؤولية إعاقة شيء لم نر حدوده، ولم نتبين حملته، ولم نقف على مقدار ما كان يمكن أن يثمره أصلًا. فالمطلوب هنا ليس إطلاق حكم إنشائي عن كلامٍ ”متطور“ مجهول الملامح، وإنما تقديم مادته التاريخية أولًا، حتى يتصورها القارئ، ثم بعد ذلك يمكن مناقشة ما إذا كانت قد أُحبِطت فعلًا، وعلى يد من، وبأي وسائط. أما القفز من افتراضٍ مبهم إلى حكمٍ واسع عن أسر الكلام الأشعري المغربي داخل صيغة مالكية مغلقة، فليس تحليلًا تاريخيًّا، وإنما هو مصادرة تُقدَّم في صورة تفسير.
ويبلغ هذا التفسير المزعوم مبلغًا أشد اضطرابًا حين يقرر البعزاتي أن
”فشل المناظرة بين الرجلين [ابن حزم والباجي] ذو نتائج وخيمة على مآل علم الكلام في الغرب الإسلامي، وعلى الفلسفة والعلم عامة. ولم يفتح النقاش آفاقا للبحث، بل قد يكون ساهم في توقف النظر النقدي، وزادت تبعية الفقه للحديث، بدل السير قدما في تحليل آليات التدليل.“[87]
فهذا من أوضح أمثلة التضخم السببي في بناء الأحكام التاريخية؛ إذ تُحمَّل مناظرةٌ واحدةٌ، بين رجلين اثنين، تبعة مسار كامل يخص علم الكلام والفلسفة والعلم عامة. وليس في هذا التفسير ما يدل على وعيٍ بتركيب الظواهر التاريخية بقدر ما يدل على رغبة في اختزالها إلى حادثة مفردة تصلح أن تكون عنوانًا أكثر مما تصلح أن تكون علة. فخفوت الفكر أو ازدهاره لا يُردّ إلى واقعة جزئية إلا بعد تحليل شبكة الشروط التي توسطت بينها وبين النتائج المزعومة: من مؤسسات التعليم، والبنية السياسية، وأوضاع الرعاية، ومسالك انتقال الكتب، وتحولات الجدل بين الفقهاء والمتكلمين، وغير ذلك من العناصر التي لا ينهض مثل هذا الحكم من غيرها. أما أن تُجعل مناظرة واحدة علةً في ”توقف النظر النقدي“ وفتور الفلسفة والعلم، فذلك ليس تفسيرًا تاريخيًّا محكمًا، بل مبالغة سببية فادحة. وإلا، فبأي منطق لا يؤدي فشل مناظرات أخرى مشهورة، كمناظرة متّى بن يونس (ت. 328هـ/940م) وأبي سعيد السيرافي (ت. 386هـ/979م)، إلى الانهيار نفسه في المنطق والنحو؟ وهل ثبت أصلًا أن نجاح مناظرة بين طرفين مختلفين مذهبيًّا وكلاميًّا كان كافيًّا، في أي عصر، لإطلاق نهضة علمية أو فلسفية؟ إن هذه الأسئلة لا تكشف ضعف النتيجة فقط، وإنما تكشف خللًا في منطق التفسير نفسه؛ لأن البعزاتي لا يقرأ الحدث في سياق شبكة من العلل والوسائط، وإنما ينتزع واقعة جدلية محدودة، ثم يحمّلها ما لا تحتمل، ويجعل منها مفتاحًا كليًّا لمسار فكري بالغ التعقيد.
وبعد هذا كله يصعب فهم كيف يصف البعزاتي هذا المسلك في مقاله ”مآل علم الكلام،“ بأنه خالٍ من التحيّز والتحامل وبأنه ”تناول هادئ.“ فبغضّ النظر عن النوايا—وهي خارجة عن محلّ بحثنا—فإن هذه الصيغ تشهد بتحاملٍ بيّن على الفقهاء من حيث اللغة والاستدلال: أوصاف تقويمية قاسية تُطلق بإطلاق، وتعميمات كاسحة (”شرقًا وغربًا،“ ”بكل الوسائل“) بلا تقييد ولا معيار. وبهذا يتحول الفقهاء إلى كتلةٍ واحدة ذات ”طبع“ ثابت، لا إلى فاعلين تاريخيين متعددي السياقات، ويغدو الحكم إدانةً أكثر منه تحليلًا، مهما قُدِّم من قبل صاحبه بوصفه ”تناولًا هادئًا.“
ولا يقف الأمر في ردّ البعزاتي عند حدود الاعتراض على بعض النتائج أو مناقشة بعض التأويلات، وإنما يتجاوز ذلك إلى اتهام صريح بالنقل والتكرار، وهو اتهام لا قيمة له في الجدل العلمي ما لم يُسند إلى نصوصٍ محددة ومواضع قابلة للتحقق. ومن ثمّ فإن هذا الموضع يقتضي وقفة خاصة، لا لفحص دعواه من جهة الإثبات فحسب، بل أيضًا للنظر في الأمثلة التي استند إليها، والتي تكشف، عند التدقيق، من الخلل أكثر مما تكشف من الحجة. يقول البعزاتي:
”اتخذ فؤاد بن أحمد من موضوع المذاهب الفقهية والاختلاف بين الفقهاء فرصة ثمينة للطعن في أقوالي في ذلك، والحال أن كلّ تدخّلاته إما نقلٌ من نصوصي أو كذب وبهتان.“[88]
غير أن أول ما يلفت النظر في هذا الاتهام أنه يرد بصيغة جازمة ثقيلة، من غير أن يكلف صاحبه نفسه عبء البرهنة عليه. فالقول بأن بن أحمد ”ينقل“ أو ”يكرر“ في ”كل تدخلاته“ كلامَ البعزاتي ليس حكمًا انطباعيًّا يكفي فيه الإرسال، وإنما هو دعوى قابلة للاختبار، وكان مقتضاها الأدنى أن يحدد البعزاتي نصًّا بعينه، وموضعه من كتابنا بالصفحة والسطر، ثم يبين ما أخذناه منه حرفًا أو معنى. لكنه لا يفعل شيئًا من ذلك. فهو يسوق ثلاثة مقاطع من عمل سابق له، وتحديدا من مقاله ”مآل علم الكلام عند ابن حزم والباجي،“[89] ثم يكتفي بالتلويح بأن بن أحمد ”لا يتردد […] في تكرار نفس الكلام،“[90] من غير أن يدل القارئ على موضع واحد يمكن التحقق فيه من هذا ”النقل“ و”التكرار“ المزعومين. وبذلك يظل كلامه دعوى مرسلة، معلقة في الهواء، لا تستند إلى إحالة دقيقة، ولا إلى مقابلة نصية، ولا إلى بينة يمكن امتحانها.
والأغرب أن الأمثلة التي يستعرضها البعزاتي لا تخدم اتهامه أصلًا، بل ترتد عليه، إذ تكشف خللًا في وعيه بموضوع الكتاب نفسه. فالمواضع الثلاثة التي يستعيدها من مقالاته السابقة تتعلق بمسائل كلامية وفقهية ترجع، في حدها الأدنى، إلى قرون سابقة على موضوع كتابنا، الذي ينصب على القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد. ومن ثمّ فإن مجرد استحضار تلك النصوص لا يثبت، من تلقاء نفسه، نقلًا ولا تكرارًا، ما لم يقم الدليل على مواضع حضورها في عملنا حضورًا نصيًّا قابلًا للفحص. إلا إذا كان البعزاتي يفترض، من حيث لا يشعر، أن الزمن الإسلامي كتلة واحدة، وأن ما يقال في قرن يصح أن يُنسب آليًّا إلى من يكتب في قرن آخر. وهذا، فضلًا عن فقره المنهجي، يكشف اضطرابًا بيّنًا في التمييز بين موضوعات البحث وحدودها الزمنية.
غير أن المقطع الثالث الذي يستعيده البعزاتي هو أكثرها دلالة على موضع الخلل. فهو يعيد، من غير مراجعة ولا تهذيب، مقطعًا يصور فيه الاختلاف داخل الأشعرية وكأنه صراعٌ بين مالكية وشافعية، فيختزل تحولات معقدة في تاريخ علم الكلام إلى انتماءات فقهية جامدة. وهكذا يجعل موقف ابن أبي زيد القيرواني (ت. 368هـ/966م)، وعلي بن خلف القابسي (ت. 403هـ/1013م)، وأبي بكر الباقلاني (ت. 403هـ/1013م)، من جهة، في مقابل أبي المعالي الجويني وأبي حامد الغزالي، من جهة أخرى، ثم ينتهي من ذلك إلى صورة تبسيطية مخلة قوامها أن المالكية الأشاعرة ظلوا على نحو من التحفظ، بينما انفتح الشافعية الأشاعرة على الفلسفة والمنطق والعلوم العقلية. وهذا تصويرٌ مضلِّل على أكثر من مستوى؛ لأن الخلافات داخل الأشعرية لم تكن تُختزل في الانتماء الفقهي، بل جرت أحيانًا بين أعلام يشتركون في المذهب الكلامي والفقهي معًا. فابن الصلاح (ت. 643هـ/1245م) وسيف الدين الآمدي (ت. 631هـ/1233م) كلاهما شافعي أشعري، والخلاف بينهما شديد، وليس مردّه إلى اختلافٍ مذهبي فقهي. ثم إن البعزاتي لا يكتفي هنا باختزال تاريخ الأشعرية، وإنما يشوّه بنيتها الداخلية حين يوحي بأن المالكية الأشاعرة ظلوا بعيدين عن الانفتاح الفلسفي والمنطقي، في مقابل شافعية أكثر جرأة على ذلك؛ إذ تدل المعطيات التاريخية، ولا سيما ابتداءً من القرن السابع للهجرة/الثالث عشر للميلاد، على أن طائفة معتبرة من المالكية الأشاعرة قد انفتحت على مباحث المنطق والفلسفة انفتاحًا واسعًا، من قبيل ابن الحاجب (ت. 646هـ/1249م)، وابن الحباب (ت. 749هـ/1348م)، والآبلي، والشريف التلمساني، وابن عرفة (ت. 803هـ/1401م)، وسعيد العقباني، وغيرهم، مما ينسف هذه المقابلة المصطنعة بين شافعية منفتحة ومالكية متحفظة من أصلها.
إن هذا الفرق لا يثبت فقط بين المالكية الأشعرية والشافعية الأشعرية، بل يظهر، على نحوٍ أعمق، بين أجيال الشافعية الأشعرية نفسها. فالمتكلمون الأشاعرة المتقدمون، مهما اختلفت مذاهبهم الفقهية، ظلوا في الجملة أبعد عن الانخراط في مباحث الفلسفة والمنطق من المتأخرين الذين اتسع انفتاحهم على هذه العلوم ورسخت في بنائهم النظري. ولذلك فإن المقارنة بين مالكية أشعرية متقدمة ونظار شافعية متأخرين مقارنة مختلة من أصلها، لأنها تخلط بين اختلافين متغايرين: اختلافٍ جيلي داخل تطور الأشعرية نفسها، واختلافٍ فقهي بين المالكية والشافعية. وإذا أُهمل هذا الفرق، انقلب التطور الداخلي لعلم الكلام إلى تقابل مذهبي مصطنع. ومن ثمّ فلا معنى لمقابلة الباقلاني بالغزالي على هذا النحو؛ لأن الأول متكلم من طبقة المتقدمين، في حين أن الثاني من كبار المتأخرين، بل من الأعلام الذين دشّنوا طورًا جديدًا في علاقة الأشعرية بالمنطق والفلسفة. والمقارنة الصحيحة، إن أريد بها وزن مقدار الانفتاح على المنطق والفلسفة، هي المقارنة بين أقرانٍ زمنيّين، لا بين متقدم ومتأخر ثم إلباس الفروق بينهما ثوبَ الاختلاف الفقهي. كما أن اعتراض ابن العربي على الجويني أو على الغزالي لم يكن بسبب ”أفكار أشعرية غير مالكية،“ وإنما في مسائل كلامية أو فلسفية[91] أو صوفية ذات صبغة مخصوصة،[92] شأنه في ذلك شأن غيره من النظار داخل الأفق السني نفسه.[93] ثم إن ابن العربي نفسه تأثر ببعض مباحث المنطق، وقرأ معيار العلم للغزالي واستحسنه،[94] واستقدم إلى الغرب الإسلامي جملة من كتب الجويني والغزالي في الكلام والمنطق؛[95] فكيف يستقيم بعد ذلك تصويره ممثلًا لمالكية منغلقة في مقابل شافعية منفتحة؟
ويبلغ الخلل حدًّا أفحش حين يجعل البعزاتي المازري شافعيًّا،[96] مع أن هذا خطأ فادح لا يحتمل التأويل. فالمازري الناقد للجويني هو أبو عبد الله محمد بن علي المازري (ت. 536هـ/1141م)،[97] وهو مالكي أشعري، لا شافعي. وبذلك يسقط المثال من أصله؛ لأن نقده للجويني في إيضاح المحصول من علم الأصول لا يصلح شاهدًا على خلاف بين ”الشافعية المنفتحين على علم الكلام والمنطق“ وغيرهم، بل يدل على خلافٍ داخلي بين متكلمين يختلفان في مقدار الاحتكاك ببعض المباحث الفلسفية السينوية ودرجة التحفظ منها.[98] وحين يعجز البعزاتي عن رؤية هذا التركيب، فإنه لا يسيء فقط فهم تطور الأشعرية، وإنما يكشف أيضًا مدى هشاشة المثال الذي استند إليه في اتهام غيره بالنقل والتكرار.
ثم إن هذا الكلام يصعب قراءته على أنه مجرد اضطرابٍ في التعبير، وإنما نحن أمام خللٍ في تصور الموضوع نفسه؛ لأن القول بأن الجويني ”أتى بانفتاح على علم الكلام“[99] قولٌ فاقد للمعنى العلمي أصلًا. فالجويني ليس رجلًا يقف على هامش هذا العلم حتى يقال إنه انفتح عليه، وإنما هو أحد أئمته الكبار، ومن ثمّ فهذه العبارة لا تدل إلا على اختلال في فهم موقعه داخل تاريخ الأشعرية. وأما إلحاق المنطق بعلم الكلام في هذا الموضع على هذا النحو التقريري، فدعوى أخرى لا تقل اضطرابًا؛ لأنها تحتاج إلى تدليل خاص، لا إلى إطلاق مرسل.
وعلى ذلك، فالمسألة هنا ليست أن البعزاتي ردّ على كتابنا ردًّا لم نرضه، بل إنه أطلق اتهامًا جسيمًا هو ”النقل“ و”الكذب والبهتان“ من غير أن يقيم عليه دليلًا واحدًا قابلًا للتحقق، ثم ساق أمثلة لا تثبت دعواه، وإنما تكشف اضطرابًا في استيعابه هو لموضوع البحث ولتاريخ المسائل التي يستشهد بها. ولذلك فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا نقل بن أحمد من البعزاتي؟ بل: أين البينة على أن شيئًا من هذا النقل قد وقع أصلًا؟ وما دام البعزاتي لم يحدد نصًّا، ولا موضعًا، ولا مقارنةً تثبت دعواه، فإن اتهامه يظل محض تشهير إنشائي لا يرقى إلى مستوى الحجاج العلمي. ثم إن المفارقة تبلغ ذروتها هنا: فالرجل الذي يتهم غيره بالنقل والتكرار لا يستطيع أن يدل القارئ على المنقول ولا على موضع تكراره، بينما تكشف نصوصه هو، عند الفحص، عن خلط زمني، واختزال مذهبي، وأخطاء فادحة في تعيين الأشخاص والمواقع. ومتى انحدر الجدل إلى هذا المستوى، لم يعد الأمر خلافًا في التأويل، وإنما صار عجزًا عن الوفاء بأبسط مقتضيات المناقشة العلمية: أن يُثبت المدعي ما ادعاه.
3. ”عن بعض سمات التدليل الخلدوني“: من ”الإضافة“ النوعية المزعومة إلى دعوى السطو
مقالٌ ثالث يدّعي البعزاتي أننا نتجاهله، بل ”نسرق“ منه، هو مقاله المعنون بـ”عن بعض سمات التدليل الخلدوني.“ والحال أننا لم نهمل هذا المقال، وإنما استعملناه وأحلنا عليه إحالةً صريحة لا لبس فيها.[100] ومع ذلك، وعلى غرار ما فعلنا مع مقاليه الآخرين، فإننا سنعود هنا إلى بعض مواضعه، لا لأن البعزاتي أحالنا عليه، وإنما لأن فيه أحكامًا وتأويلات لم يتسع المجال للوقوف عندها في عملنا قبل، مع أنها تستحق الفحص. يقول:
”ورغم أن الورغمي كان فقيها مالكياً، مثل ابن خلدون، فإنه كتب في المنطق ولم يعلق عليه أو يعارضه. وقد عالج، وإن بكيفية موجزة مبهمة شيئاً ما مسائل في الاستدلال وناقش آراء الرازي والخونجي والأبهري والأرموي.“[101]
ثم يقرر أن ابن خلدون ”يتحفظ من تفعيل المنطق لأنه مدرك لبعض القصور في نظرية القياس،“[102] وأن هذا التحفظ ”ليس موجوداً لدى […] ابن عرفة الذي لم يخض في مشاكل التشغيل العملي للمنطق.“[103] ويقتبس البعزاتي من ابن عرفة قوله:
”وبعد، لما مزج أكثر متأخري علماء الأصلين بكلامهم كثيراً من القواعد المنطقية […] فأوجب ذلك المشاركة فيه علماً وتعليماً…“[104]
ثم يضيف في الهامش تتمةً من كلام ابن عرفة، ويعلّق قائلاً:
”واضح أن ابن عرفة يتجنب التشكيك الصريح في جدوى الاستعانة بالمنطق في الفقهيات، لكنه يلمح إلى أن الأول متعلق بقواعد مجردة، بينما الفقهيات مجال اجتماعي وأخلاقي عملي.“[105]
وعلى هذه الأقوال نُسجِّل الملاحظات الآتية:
- إن صياغة البعزّاتي: ”ورغم أن الورغمي كان فقيهًا مالكيًّا… فإنه كتب في المنطق“ تُنتج إيحاءً بالاستغراب، كأن الجمع بين التفقّه المالكي والاشتغال بالمنطق خروجٌ عن المألوف. وهذا الإيحاء ينسجم مع ميل البعزاتي إلى بناء تقابلٍ تقويمي يجعل المالكية أكثر ”محافظة“ من الشافعية والحنفية، لكنه لا يصمد أمام معطيات تاريخ الدرس المنطقي؛ فمنذ القرن السادس وبداية السابع للهجرة/الثاني عشر وبداية الثالث عشر للميلاد غدا المنطق جزءًا من عُدّة الاشتغال بالأصول والكلام، وتداوله الأصوليون كما تداوله المتخصصون. ومن ثمّ لا يُفهم تعامل ابن عرفة مع المنطق بوصفه استثناءً شاذًّا، وإنما بوصفه امتدادًا لحاجة منهجية أملتها مناقشات الأصول العالية في عصره.
- يقرر البعزّاتي أن ابن عرفة ”كتب في المنطق ولم يعلّق عليه أو يعارضه،“ ثم يضيف في الهامش أنه ”يتجنب التشكيك الصريح في جدوى الاستعانة بالمنطق في الفقهيات.“ وهذه صياغة لا تنهض بذاتها ما لم تُسند إلى موضعٍ نصّي محدد؛ إذ لا معنى للقول بـ”التجنّب“ في شأنٍ اشتغل به الرجل تأليفًا وتدريسًا وتوظيفًا في الأصول، إلا على أساس قرينة صريحة تُظهر تشكيكًا (صريحًا أو ضمنيًّا) في جدواه. فإن لم تُعيَّن هذه القرينة، بقي الحكم توصيفًا إنشائيًّا يَطلب البرهان أكثر مما يُنتجه.
- ويقول البعزّاتي إن ابن عرفة ”ناقش آراء الرازي والخونجي والأبهري والأرموي.“ غير أن قيمة هذا التقرير لا تقوم بمجرد تعداد الأسماء، بل بتعيين مواضع المناقشة ومسائلها وكيفيتها ونصوصها، وإلا ظل الكلام في حدّ الإشارة العامة التي لا تكفي وحدها لكي تمثل المقالة إضافة لا يجوز تجاهلها.
- ثم يقرر البعزّاتي—وهو من أعجب ما يذهب إليه—أن ابن عرفة ”لم يخض في مشاكل التشغيل العملي للمنطق.“ غير أن المقطع الذي استشهد به البعزّاتي نفسه ينقض هذا الحكم؛ إذ يصف ابن عرفة امتزاج قواعد المنطق بكلام الأصوليين المتأخرين، واستعمال بعض الشيوخ لألفاظه في مسائل فقهية على نحوٍ يُفضي إلى تعطيل المراجعة عند غير المشارك في علم المنطق: ”فيسكت بذلك عن مراجعته غير المشارك فيه سكوت الأخرس.“ ثم ينتهي إلى نتيجة عملية صريحة: وجوب ”المشاركة فيه علمًا وتعليمًا“ لتمكين المتعلمين من اتباع الحق سواء في معرض الرد أو التسليم. وهذا—نصًّا—حديث عن تشغيل المنطق داخل بيئة مناظرة محددة، لا عن منطق معزول لا صلة له بالممارسة.
- وأما تعليق البعزّاتي بأنه ”يُلمح إلى أن [المنطق] متعلق بقواعد مجردة، بينما الفقهيات مجال اجتماعي وأخلاقي عملي،“ فلا يقوم عليه كلام ابن عرفة؛ إذ لا يصرّح—ولا يلوّح على نحو بيّن—بأن اختلاف طبيعة المنطق والفقهيات هو علة موقفه. ثم إن كلامه ينصبّ على ظاهرة تداولية-مناظرية: إدخال اصطلاحات المنطق في مسائل الأصول بما يفضي إلى سكوت غير المشارك في هذا العلم وتعطل عملية المراجعة، ومن ثم يسوّغ تعلمه بوصفه شرطًا لاستعادة شروط النقاش وتمكين الباحث من ”الردّ والتسليم“ وفق معيار ”اتباع الحق.“ وعليه فإن إدخال ثنائية ”المجرّد والعملي“ ليس نتيجة لازمة من النص، وإنما هو تأويل مُضاف إليه يتجاوز دلالته ويخالف سياقه.
وخلاصة الأمر: إذا كان غرض البعزّاتي من الاستشهاد بالمقطع إثبات إضافة نوعية ما بخصوص ”منطق ابن عرفة،“ فإن ما قُدّم لا ينهض بذلك؛ إذ تُبنى الصورة مرة على إيحاءٍ استغرابي غير مُسوّغ، ومرة على تقارير لا تُسند إلى شواهد دقيقة، ومرة على ثنائية تفسيرية لا يدل عليها نص ابن عرفة. والنتيجة أن القارئ لا يحصل على جديدٍ مُثبت، بقدر ما يواجه استنتاجات تحتاج هي نفسها إلى تحريرٍ وتوثيق قبل أن يُلام الباحث على عدم الإحالة إليها أو الاشتغال بها.
وفي معرض ردود البعزاتي علينا وإظهار أنه ”اهتم بابن خلدون“ في أعمال لاحقة يدّعي أننا تجاهلناها —مع أننا أحلنا على ما يهمّنا منها— يستشهد بناصر البعزاتي بمقطع من مقالته عن ”بعض سمات التدليل الخلدوني،“ يقول فيه:
”يجانب ابن خلدون الصواب في رأيه عن نهاية علم الكلام وفساد الفلسفة. وقد كتب معاصره، ابن عرفة كتاباً في علم الكلام يؤلف بين آراء مالكية وشافعية، ويناقش مختلف المواقف وكان ابن خلدون على قيد الحياة.“[106]
غير أن هذا الاستشهاد لا يخدم دعواه، وإنما يكشف ثلاثة أوجه قصور:
1. قول البعزاتي: ”يجانب ابن خلدون الصواب في رأيه…“ لا جديد فيه من حيث المعلومة؛ لأن موقف ابن خلدون من ”فساد الفلسفة“ وادعاء ”نهاية علم الكلام“ معروف منذ عقود ومصرّح به في المقدمة، ولا يحتاج المرء جهدا جهيدا لاستنباطه. والجديد الذي كان ينتظره القارئ من الباحث ليس توزيع أحكام ”صواب/خطأ،“ وإنما هو تقديم تفسير تاريخي: لماذا تبنّى ابن خلدون هذا الموقف ”السلبي“؟ ما سياقه؟ ما وظيفته في بنية مشروعه؟ وما علاقته ببيئته الجدلية والسياسية والمعرفية؟ فالبحث التاريخي لا يُقاس بميزان ”الصواب والخطأ“ بقدر ما يُقاس بميزان الفهم والتحليل.
2. أما قول البعزاتي: ”يناقش[ابن عرفة] مختلف المواقف وكان ابن خلدون على قيد الحياة“ فهو تقرير لا يُنتج معنى علميًّا ما لم يُبيَّن وجه الدلالة: ما علاقة كون ابن خلدون حيًّا بمناقشة ابن عرفة ”مختلف المواقف“؟ هل يريد البعزاتي أن يلمّح إلى تأثيرٍ أو ردٍّ أو تفاعلٍ أو مناخ جدلي مشترك؟ إن كان هذا قصده، فاللازم أن يبرهن عليه بالنصوص والقرائن، لا أن يكتفي بتجاور عبارتين. وإلا صار الكلام من جنس المعلومات التي يعرفها المهتمون سلفًا (المعاصرة وتواريخ الوفاة)، دون أي قيمة تفسيرية.
3. وأما العبارة التي لا يصحّ المرور عليها فهي قوله إن ابن عرفة ”أخرج كتابًا في علم الكلام يؤلف بين آراء مالكية وشافعية.“ وهذه عبارة تنطوي على خللين علميين. أما أولُهما، فهو أنها تقرر أمرًا مستقرًّا معروفًا، فلا يترتب على مجرد القول إن ابن عرفة كتب في علم الكلام أي فائدة تفسيرية تُذكر. وأما ثانيهما، وهو الأهم، فأن عبارة البعزاتي تُدخل ”آراء مالكية وشافعية“ في هذا الموضع على نحوٍ يوقع في التباسٍ مفهومي؛ لأن المالكية والشافعية تسميتان لمذهبين فقهيين في المقام الأول، لا لمذهبين كلاميين. فإذا كان البعزاتي يقصد أن ابن عرفة يوظف اختيارات أصولية أو فقهية منسوبة إلى المالكية والشافعية في بناء بعض حججه الكلامية، فالمقتضى العلمي أن يحرر هذا المعنى تحريرًا دقيقًا، وأن يبيّن: أي الآراء يقصد؟ وفي أي المسائل؟ وبأي نصوص؟ أما طرح العبارة على هذا الوجه المجمل، فلا يفيد القارئ إلا مزيدًا من الغموض: هل صارت الانتماءات الفقهية جزءًا من التصنيف الكلامي؟ وعلى أي أساس؟
وعلاوة على ذلك، فإن فحصَ المختصر الكلامي لابن عرفة لا يشي بشيء مما يدعيه البعزاتي. فابن عرفة لا يقدّم عمله بوصفه جمعًا بين آراء المالكية والشافعية، وإنما يصرح بأنه جمعٌ بين ”أصول طريقتي المتقدمين والمتأخرين من المتكلمين من أهل هذا الشأن.“[107] وهذا تصريح بيّن في أن مجال الكتاب هو علم الكلام الأشعري في صيغته المغربية بعد أن انفتح على نصوص فخر الدين الرازي وطريقته في الكلام الفلسفي، لا التلفيق بين مذهبين فقهيين؛ كما هو معروف عند عموم المهتمين. ومن ثمّ فإن عبارة البعزاتي لا تبدو مجرد تعبيرٍ ساذج، بل توصيفًا مضللًا يحمّل النص ما لا يدل عليه.
وفي الحقيقة، فقد حاولنا من قبل أن نلتمس لهذا القول عند البعزاتي وجهًا من الصواب، فلم نجده. وكان يمكن، في حدٍّ أدنى، أن يُلتمس له بعض العذر لو أن القطعة من المختصر الكلامي لابن عرفة، الخاصة بنظرية الإمامة، وهي القطعة التي كان في وسع البعزاتي أن يعتمدها عند تحرير مقاله عن ابن خلدون،[108] كانت فعلًا تقارن بين آراء مالكية وشافعية. غير أن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك؛ لأن ابن عرفة لا يعرض في هذا الموضع آراء المتكلمين في الإمامة من حيث هم فقهاء منتمون إلى مذاهب فقهية، بل من حيث هم متكلمون سنة وشيعة. وحتى إذا سُلِّم بأن نظرية الإمامة قد يغلب عليها، في بعض وجوهها، المنزع الفقهي، فإن الأعمال التي يحيل عليها ابن عرفة في هذا الباب هي أعمال كلامية صريحة، تعالج مسائل الإمامة في السياق المعهود في كتب الكلام، متقدمةً ومتأخرةً.
ومن الأعلام الذين يذكرهم ويقتبس من أعمالهم: فخر الدين الرازي، من نهاية العقول والأربعين في أصول الدين ومعالم أصول الدين، وسيف الدين الآمدي من أبكار الأفكار في أصول الدين، والبيضاوي من طوالع الأنوار، ونصير الدين الطوسي من تجريد الاعتقاد، وأبو المعالي الجويني من الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، وغيرهم. وقد اجتهد سعد غراب في تخريج النصوص الكلامية التي كان ابن عرفة يعتمدها،[109] في وقت كانت فيه طائفة من هذه الأعمال لا تزال في عداد المخطوطات، ثم بنى نزار حمادي على عمله في نشرته غير النقدية لمجموع المختصر الكلامي.[110] وبالجملة، فإن هذه القطعة لا تشتمل على أي مقارنة بين آراء مالكية وشافعية، وإنما تدل على اشتغال كلامي صريح داخل أفق المتكلمين ومصنفاتهم. ومن ثمّ، فإن عبارة البعزاتي ليست مجرد عبارة مضطربة، بل هي دعوى مفروضة على النص فرضًا، لا يدل عليها النص، ولا ينهض بها، ولا يترك للقارئ المتثبت سبيلًا إلى قبولها.
وعليه، فإذا كان الغرض من الاستشهاد إثبات أن للبعزاتي ”إضافات لاحقة“ في موضوع ابن خلدون وابن عرفة، فإن هذا المقتطف لا يحقق الغرض: فهو يجمع بين حكمٍ تقويمي لا يفسّر، وتقريرٍ بلا دلالة، وعبارةٍ ملتبسة (حتى لا نقول فاسدة) تحتاج تحريرًا وتوثيقًا. وعليه لا يصحّ أن يُقدَّم مثل هذا الاقتباس على أنه جوابٌ على نقدنا أو دليلٌ على ”تجاهلنا للجديد“ الذي أتى به في مقالته.
ومع هذا فإن البعزّاتي يقول عن مقاله ”عن بعض سمات التدليل الخلدوني“: ”وفؤاد بن أحمد يسطو على أفكار وردت في هذه الدراسة، للحديث عن التوجّه المحافظ لدى ابن خلدون.“[111]
غير أن هذه الدعوى—على ثقلها—تأتي مُرسلة؛ إذ لا يقدّم صاحبها مثالًا واحدًا يحدّد موضع ”السطو“ ولا يبيّن ما الذي نُقل حرفًا أو معنى، ولا كيف يُثبت سبقَ الفكرة على نحوٍ يُخرجها من دائرة المشتركات إلى دائرة الانتحال. والقاعدة في مثل هذه الاتهامات أن تُربط بقرائن نصّية قابلة للتحقّق: إحالة دقيقة إلى الموضع المزعوم في مقاله، وإلى الموضع المقابل في كتابنا، وشرحٌ لوجه المطابقة أو الاقتباس غير المصرّح به. أمّا الاكتفاء بإطلاق التهمة دون تعيينٍ وتوثيق، فهو لا ينهض حجةً في نقاش علمي، بل يظلّ في حدود الادعاء الإنشائي الذي يُراد به التشويه أكثر مما يُراد به البيان.
وفوق هذا وذاك، فإننا—مع إقرارنا بأننا نلمس عند ابن خلدون نزعةً أكثر تحفّظًا تجاه الفلسفة، وعلم الكلام ذي الصبغة الفلسفية، وأصول الفقه المختلط بالمنطق، وإنما تجاه المنطق كما تطور مع الخونجي وغيره، في مقابل موقفٍ أوضح إقبالًا على هذه العلوم عند ابن عرفة—لم نبن دراستنا على هذا الفرق بناءً اختزاليًّا، ولم نخرّجه في صورة صراع بين العقلانية واللاعقلانية أو بين التجديد والمحافظة. بل إن دراستنا نفسها تصرّح بأنها
”تقترح [..] فهم العلاقة بينهما [ابن خلدون وابن عرفة] بوصفها تنافسًا منهجيًّا بين طريقتَي المتقدّمين والمتأخّرين في الاشتغال بالعلوم الإسلامية، وليس صراعًا بين التجديد والمحافظة، والعقلانية واللاعقلانية.“[112]
فإذا كان البعزاتي يزعم أن هذا التصور مستمدّ من كتاباته، وأننا استحوذنا عليه من غير إحالة، فالمقتضى العلمي واضح لا التباس فيه: أن يثبت ذلك بالنصوص، وأن يعيّن موضعه تعيينًا دقيقًا، وأن يبيّن وجه الأخذ منه بيانًا قابلًا للفحص. أما الاكتفاء بالإطلاق، والعدول عن المقابلة النصية إلى عبارات التهويل والتجريح، فليس ردًّا علميًّا، بل هو عجز عن إقامة الدعوى في الموضع الذي لا تقوم إلا به: موضع البرهان.
ثالثا: التعميم والماهويّة والواحدية وحدود الإسقاط
بعد هذا الفحص السريع لمقالات البعزّاتي: ”الأفق الفكري للمدرسة المرينية،“ و”مآل علم الكلام عند ابن حزم والباجي،“ و”عن بعض سمات التدليل الخلدوني،“ نعود إلى مقاله ”مشاكل العلم بالغرب الإسلامي في القرن الرابع عشر،“ لنعيد مرة أخرى فتح الملفّ الذي حاول التخفف منه: ملفّ التعميم والماهوية، وهو ما كنا قد أشرنا إليه في كتابنا. ومع ذلك يصرّ البعزّاتي، في ردّه علينا، على أن ”ليس في أقوالي أي تعميم واسع.“[113] وعليه، فإن السؤال الذي نواجه به نصَّه ليس متشعبًا ولا ملتبسًا، بل هو سؤالٌ واحد مباشر: هل في المقطع الآتي تعميمٌ واسع/ماهويّ أم لا؟ والمقطع يقول بوضوح:
”الواقع التاريخي يشهد أن الفكر الفلسفي لم يلق قبولا من لدن الفقهاء إجمالا، خصوصا الفقهاء السنيين المتزمتين، وهم غالبية رجال الفقه. وهؤلاء ظلوا أقرب إلى جمهور المسلمين، مما يجعل أن موقف العامة في الغالب كان مناوئا للفلسفة. والفقهاء والعامة منشغلون بحل مسائل الحياة العادية المرتبطة بالعبادات والمعاملات ويعتقدون أن كل ما لا ينفع في هذا الباب لا جدوى منه، وبالتالي تجب محاربته. أما النقد والتحليل والنظر المجرد والاطلاع على تجارب الأمم فهي أمور لا تستهوي الذهنية الفقهية.“[114]
هذه الجُمَل ليست أحكاما تدريجية متفرّقة، وإنما هي بناء واحد يقوم على تعميمين كبيرين ثم ينتهي إلى حكمٍ ماهوي.
فأولًا، قوله: ”لم يلق قبولا من لدن الفقهاء إجمالا“ تقريرٌ لحكمٍ عام على فئة تاريخية غير متجانسة، ثم يُغلِق عليه بقوله: ”وهم غالبية رجال الفقه.“ هنا لا نتحدث عن ”تيار داخل الفقهاء“ بل عن ”القاعدة“ و”الأغلبية،“ وهذا عين التعميم الواسع. ثانيًا، قوله: ”موقف العامة في الغالب كان مناوئا للفلسفة“ يحيل ”العامة“كأنها كتلة واحدة شبه ثابتة عبر الأزمنة، دون أي بيانٍ لشروط تشكّل الموقف أو اختلاف البيئات والحواضر والأزمنة، وبغير تفكيكٍ لآليات الوساطة (التعليم، المنابر، السلطة، تداول النصوص…). وإدخال عبارة ”في الغالب“ لا يرفع الإشكال، لأن المشكلة ليست في لفظةٍ مخفِّفة، بل في أن ”الغالب“ صار تفسيرًا مهيمنًا يبتلع الفروق ولا يفسّرها.
وثالثًا —وهو أخطر المستويات— قوله: ”النقد والتحليل والنظر المجرد… لا تستهوي الذهنية الفقهية“ ليس وصفًا تاريخيًّا مضبوطًا، وإنما هو إسنادُ سِمة نفسية وذهنية إلى ”ذهنية“ مفترضة كأنها كيان واحد ممتدّ عبر القرون. بعبارة أخرى: هذا انتقال من تحليل مواقف تاريخية إلى تقرير ”طبيعة ذهنية“ ثابتة، أي ماهويّة مقنّعة بعبارة: ”الواقع التاريخي يشهد.“ ورابعًا، حين يربط الكاتب بين ”قرب الفقهاء من الجمهور“ وبين ”مناوأة العامة للفلسفة“ بصيغة سببية: ”مما يجعل أن موقف العامة…“ فهو يقفز قفزة استنتاجية كبيرة بلا برهنة تفصيلية لآليات التأثير، فيتحوّل ”القرب“ إلى كلمةٍ تنتج نتيجةً اجتماعية واسعة دون تفكيك.
لهذا نقول مرة أخرى: عندما وصفنا في كتابنا المقطع أعلاه بأنه تعميم واسع وماهوي لم يكن ذلك ”طعنًا“ ولا ”كذبًا،“ بل كان قراءةً مباشرة لبنية النص وألفاظه واستنتاجاته. ومن أراد نفي هذا الوصف فعليه أحد أمرين لا ثالث لهما: إمّا أن يثبت أن هذه الأحكام مقيّدة زمانيًّا ومكانيًّا ومؤسسيًّا داخل الدراسة نفسها (أين القيود؟ ما الأزمنة؟ ما الأمكنة؟ ما التيارات؟ ما الاستثناءات ذات الوزن؟)، وإمّا أن يعترف أن الصياغة جاءت مرسلة موهمة للإطلاق، وأنها تحتاج إعادة ضبط. أمّا ترك النص على إطلاقه ثم الردّ بالإحالة إلى ” أقوال أخرى“ فليس جوابًا، وإنما هو تهرّبٌ من موضع النزاع وإزاحةٌ لمركز النقاش.
وكلما وُوجِهَ البعزاتي بتعيينٍ نصّي لاعتراضٍ منهجي يميل إلى تحويل النقاش عن محلّه: إمّا بإسناد دوافع إلى الناقد، وإمّا بتوسيع إطار المحاكمة من نصٍّ بعينه إلى ”مجموع الكتابات،“ أو بالإحالة إلى نصوص أخرى لا تشتبك مباشرة مع العبارة محلّ الاعتراض. وفي السياق نفسه يندرج ردّه هنا على ملاحظتنا المتعلقة بالماهويّة: بدل أن يواجه بنية التعميم في المواضع التي عيّناها من دراسته عن ”مشاكل العلم بالغرب الإسلامي في القرن الرابع عشر،“ ويبيّن قيودها وشواهدها، ينقل الاعتراض إلى نفي ”تحامل مذهبي شامل“ ويستعين باقتباس بعيد عن النص موضوع النقاش. ومن ثمّ يلزم إعادة النقاش إلى مستواه الصحيح: تقويم منهج التحليل في الموضع الذي وُجه إليه النقد، لا في صورة مشروعٍ عام أو نوايا مفترضة.
يقول البعزاتي: ”خلال طعنه [بن أحمد] في موقفي من التزمت الذي يطبع أسلوب بعض الفقهاء، يصف موقفي بالماهوية.“[115] والحال أن ملاحظتنا لم تتجه إلى اتهام الكاتب بتحامل مذهبي شامل، ولا إلى محاكمة نياته، وإنما انصرفت إلى بنية التحليل في مواضع بعينها من دراسته عن ”مشاكل العلم بالغرب الإسلامي في القرن الرابع عشر؛“ حيث اعتمد—في تقديرنا—تحليلًا ماهويًّا (essentialist) بمعنى إجرائي محدد: التعامل مع فئات واسعة مثل ”الفقهاء السنيين المتزمتين“ و”الذهنية الفقهية“ و”الذهنية الدينية المتزمتة“ و”العامة“ كما لو كانت كيانات متجانسة تمتلك سمات ثابتة وجوهرية لا تتغير عبر الزمان والمكان، مع إطلاق أحكام كلية تتجاوز ما تسمح به التعددية التاريخية داخل هذه الفئات. وبهذا المعنى، فالمقصود بالماهويّة هنا هو تحويل التغاير الاجتماعي والتاريخي إلى ”جوهر“ واحد، لا مجرد وصف بعض الحالات أو نقد بعض المواقف.
غير أن البعزاتي يجيب عن هذا الاعتراض بإيراد اقتباس من مقالة أخرى بعنوان مختلف ”تداولية الظن واليقين،“ لا يحيل فيها على الدراسة محلّ النقد ولا يناقشها فيها ولا يقدّم فيها ما يقيّد أحكامها أو يراجعها، ثم يستنتج في رده علينا:
”إذن لا وجود لتحامل مسبق على مذهب بكيفية صارمة وشاملة في كتاباتي، بل هناك سرد لمواقف متزمتة أضرت بالفاعلية العقلية.“[116]
وهذا الاستنتاج لا يواجه محلّ الاعتراض؛ لأنه ينقل النقاش من تقويم منهج التحليل في نص محدد إلى نفي ”تحامل مذهبي شامل“ في مجموع الكتابات، مع أن نقد الماهويّة لا يستلزم—أصلًا—دعوى التحامل ولا يساويها. وحتى لو سَلمنا بأن للبعزاتي مواضع أخرى أكثر توازنًا، وهي كذلك فعلا، فإن ذلك لا يجيب عن السؤال المنهجي الذي طرحناه في موضعه: هل قيّد الكاتب أحكامه هنا؟ وهل فرّق داخل الفئات التي يتحدث عنها؟ وهل أسند التعميمات بأمثلة تاريخية ممثلة تضبط مجال انطباقها؟
والحقّ أن ما انتقدناه في كتابنا لم يكن إلا عيّناتٍ تمثيلية، وإلا فإن مقالة البعزّاتي ”مشاكل العلم بالغرب الإسلامي في القرن الرابع عشر،“ تعج بأحكامٍ صريحة تشهد—بنصّها—على النزعة الماهوية التي نبهنا إليها. فالنصّ لا يكتفي برصد توترٍ محدود أو موقفٍ موضعي، بل يحوّل ”الفقهاء“ إلى فاعلٍ واحدٍ متجانس ذي ”طبيعة“ معرفية ثابتة، ويجعل من هذا الجوهر المفترض أساسًا للتفسير. ومن ثمّ تأتي صيغ الحصر والإطلاق بوصفها أداة بناءٍ لا وصفًا محايدًا، كما في قوله إن ”الفقهاء لا ينظرون إلى الظواهر إلا بكونها علامات دالة على قدرة الله،“[117] وكما في قوله:
”وأغلب الفقهاء يرفضون المناهج العقلية لأنهم يتشككون في مسالكها ويرون أنها طريق مؤدية إلى مواقف غير ملتزمة بالدين؛ كما يتهمون المناهج العقلية بكونها غير إجماعية.“[118]
فهذه ليست ملاحظاتٍ تاريخية قابلة للتفكيك بحسب الأشخاص والبلدان والمؤسسات، وإنما هي أحكامٌ جوهرانية تُسند إلى جماعة واسعة على هيئة ”نظرة واحدة“ و”مزاج واحد“ و”استعداد واحد،“ من غير معيارٍ يجيز هذا الإطلاق ولا تفصيلٍ يبرّر التعميم.
ويكتمل البناء الماهوي حين تُحوَّل العلاقة بين فئات معرفية إلى ثنائيةٍ قاطعة تُنتج النتيجة قبل فحص الشواهد: فـ”الفقهاء“ عنده أسرى ”النصوص المباشرة“ و”الرؤية الحسية،“ في مقابل ”علماء الفلك“ الذين ”قدموا آليات قائمة على الرصد والحساب.“[119] غير أن موطن العطب هنا ليس مجرد المقابلة، بل ما يتفرع عنها من تقريرٍ كميٍّ مُرسل يزعم ”أغلبية“ بلا معيار: ”وأغلب الفقهاء يرفضون المناهج العقلية.“[120] ثم يُستتبع بسؤالٍ موجّه يُحيل الاختلاف العلمي إلى صراعٍ أخلاقي مسبق: ”وهل يستطيع أصحاب المناهج العقلية مواجهة الفقهاء المتزمتين؟“[121] فيغدو ”الفقهاء“ اسمًا لجوهرٍ ثابت (”تزمت“) لا لمواقع تاريخية متغايرة، وتتحول ”الأغلبية“ إلى أداة ترجيح بلاغي لا إلى نتيجةٍ مبنية على ضبطٍ نصيّ قابل للتحقق.
وتظهر النزعة الماهوية بأوضح صورها حين تُنقل الأحكام من مستوى الوصف الجزئي إلى مستوى ”القانون العام“ الذي تُفسَّر به مسارات واسعة. فالكاتب لا يكتفي بوصف بعض المواقف أو تسجيل بعض الوقائع، بل يمضي إلى ردّها جميعًا إلى جوهر فقهي مفترض، ثم يربط هذا الجوهر بمخرجات لازمة من قبيل الاتهام والإدانة، فيقول:
”ثم إن الفقهاء لا يهتمون بصواب معرفة مبناة عن العالم، لأنهم مقتنعون أن المعرفة معطاة سلفا في النصوص الدينية، ولهذا فالخلاف جدي بين الفئتين [فئة الفقهاء وفئة العلماء]؛ وفي أحيان كثيرة أدى بأصحاب المعرفة المعطاة [الفقهاء] إلى اتهام العلماء بالمروق وإدانتهم، أو أفدح من ذلك.“[122]
وهذا الانتقال من توصيف الفقهاء بوصفهم أصحاب ”معرفة معطاة“ إلى ترتيب نتائج قصوى على هذا الوصف، من مثل الاتهام بالمروق والإدانة، ثم التلويح بما هو ”أفدح من ذلك،“ لا يقوم على شواهد توازي خطورة الدعوى، بل يكاد يُراد له أن يقوم مقامها. فكأن الإيماء إلى ما هو أشد من الاتهام والإدانة يُترك لوقعه في نفس القارئ، من غير أن يُلزم الكاتب نفسه بإثباته تاريخيًّا إثباتًا ينهض به.
ثم يبلغ هذا البناء التفسيري مزيدًا من الإطلاق حين تُصاغ ”الذهنية الفقهية“ بوصفها بنيةً شاملة تُفقد ”العقلية العلمية“ إمكان الاشتغال أصلًا، إذ يقول:
”كانت المعارف العلمية المتداولة مؤطرة في نطاق ذهنية فقهية تميل إلى التكرار لا إلى التجديد. ولا يمكن للعقلية العلمية أن تشتغل في سياق ثقافي تسيطر فيه ذهنية ترتاح إلى الاتباع وتنفر من تعدد الأفكار.“[123]
واللافت هنا أن الكلام لم يعد في حدود وصف بعض مواقف الفقهاء أو بعض مظاهر التحفظ، وإنما صار في مستوى تقرير تعارض شبه جوهري بين ”الذهنية الفقهية“ و”العقلية العلمية“، بحيث تُجعل الأولى، في ذاتها، عائقًا بنيويًّا أمام الثانية. وبهذه الصياغة لا يعود الأمر متعلقًا بسياقات مؤسسية أو سياسية أو تعليمية مخصوصة، ولا بتفاوت المواقف داخل الحقل الواحد، بل يُردّ إلى بنية عقلية كلية سابقة على الوقائع ومفسِّرة لها جميعًا.
ويكتمل هذا المنحى حين يُرجع تعطّل انتقال الخبرات وتلاقح الأفكار إلى ”الفقه المتزمت“ في عبارة سببية حاسمة، إذ يقول:
”المراقبة التي فرضها الفقه المتزمت جعلت المعارف والخبرات لا تنتقل من ميدان فكري إلى آخر، ولا من مجال علمي إلى آخر؛ وبالتالي حالت دون تلاقح الأفكار وخصوبتها.“[124]
غير أن البعزاتي لم يلتفت هنا إلى أمرٍ من شأنه أن يزعزع بناءه من أساسه، وهو أن كثيرًا من هؤلاء الفقهاء الذين يضعهم في الجهة المناوئة للمعرفة العلمية لم يكونوا غرباء عن هذه المعارف، بل كان عدد منهم مشتغلًا بالفلك نفسه. وهذا وحده كافٍ لإرباك مشروعية التقابل الحاد الذي يقيمه بين ”الفقهاء“ و”العلماء؛“ إذ يكشف أن الفاعل التاريخي لم يكن، في كثير من الحالات، منقسمًا إلى هويتين منفصلتين: فقيه من جهة، وعالم من جهة أخرى، وإنما كان يجمع أحيانًا بين الانتماء الفقهي والاشتغال ببعض العلوم الرياضية والفلكية.
فهنا أيضًا تُختزل ظاهرة تاريخية مركبة، تتداخل فيها شروط المؤسسة، ومسالك التعليم، وحركة النصوص، وأوضاع الرعاية، ووظائف العلوم، في علة واحدة جاهزة هي ”الفقه المتزمت.“ ومن ثمّ فالمأخذ ليس في حدّة العبارة فحسب، بل في منطقها التفسيري: إذ تتحول الأوصاف إلى طبائع، والطبائع إلى أسباب كلية، ثم تُبنى عليها أحكام واسعة من غير ما يكفي من التحديد والتمييز والبرهنة. وبذلك لا يقدّم البعزاتي تحليلًا تاريخيًّا بقدر ما يفرض على المادة التاريخية قالبًا تفسيريًّا جاهزًا، ينتهي دائمًا إلى النتيجة نفسها مهما اختلفت الوقائع والوسائط والسياقات.
هنا لا يعود الحديث عن وقائع مخصوصة ولا عن آلياتٍ مؤسسية وسياسية قابلة للتعيين، وإنما عن ”جوهر ثقافي“ يُسند إليه فعلُ العلّة الكافية؛ إذ يُقدَّم ”الفقه“ فاعلا ممتدًّا شبه مطلق القدرة، وتُردّ إليه مساراتٌ معرفية معقّدة بغير تفكيكٍ لشروطها. وبذلك يحصل التخلي عن الحساسية التاريخية للفروق والدرجات ويُتمَسّك بمعجمٍ يقينيّ يجعل النتيجة مُضمَّنة في اللغة قبل أن تُستخرج من التحليل. ومن أمثلته قوله: ”المنهج العقلي لا يروق للفقهاء، ولا يحاول هؤلاء فهمه؛ فهؤلاء يفضلون المعارف العامة.“[125]
وبالجملة، تتكاثف هذه الصيغ في مقاربة البعزّاتي لتفضي إلى رسم صورة للقرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد بوصفه ”عصر الفقه المنتصر.“ وهو يصرّح بذلك في عبارة تُذكّر—من حيث النبرة التقريرية—بتعبير روبرت برنشفيگ عن ”عصر المالكية المظفّرة“ في تونس الحفصية،[126] إذ يقول: ”إن التقليد الفقهي انتصر بالموازاة مع التراجع التدريجي للبحث العقلي النقدي.“[127]
يتكرر في ردود البعزاتي—كما ظهر في مواضع سابقة—الانتقال من مناقشة الاعتراضات على مستوى العبارة والدليل إلى مساءلة الناقد على مستوى القصد والدافع. وهذا المسلك لا يضيف إلى النقاش العلمي شيئًا ما لم يُسند إلى قرائن نصية قابلة للتحقق. ومن أمثلة ذلك ما يورده هنا بخصوص وصف ”الواحدية،“ إذ يجعل محلّ الاعتراض ”رغبة“ مزعومة لدى الناقد بدل أن يتحقق من نسبة المصطلح ووظيفته في نصوصه.
يقول البعزاتي في معرض رده:
”لكن للعالم المدقق فؤاد بن أحمد رغبة أكيدة في اتهام كتاباتي بالنظرة الواحدية، وينسب لي موقفاً أتجنبه حتى في تصوراتي للمنطق ونظرية المعرفة.“[128]
وتقوم هذه العبارة على نقل الاعتراض من مستوى مناقشة الحجة إلى مستوى تأويل نية الناقد؛ إذ تفترض وجود ”رغبة أكيدة“ دون أن تسوق قرائن نصية تثبت قصدًا سابقًا أو تحريفًا متعمدًا. وكان مقتضى الردّ العلمي أن يحرّر محلّ النزاع: هل وُصف البعزاتي بالواحدية من خارج نصوصه، أم أن اللفظ نفسه وارد في كتاباته في هذا الباب ثم جرى تلخيصه؟
والواقع أن إنكار البعزاتي لهذا الوصف يثير الإشكال؛ لأن مصطلح ”رؤية واحدية“ وارد في نصه نفسه في سياق حديثه عن المدارس المرينية، إذ يقول:
”أضحت المدارس أداة إيديولوجية من أجل فرض الاستقرار على ضوء رؤية واحدية في المعرفة والفقه، تنبذ المناقشة والجدال الفكري. وأصبح المدرسون موظفين طيعين لدى الدولة، ينشرون المذهب السني المالكي المحافظ ويراقبون تداول الآراء؛ وبالمقابل يتمتعون بامتيازات مادية معنوية مقابل انصياعهم للإديولوجيا المتحكمة.“[129]
ومن ثمّ فإن تعليقنا الذي جاء فيه:
”وفقًا لهذا التحليل [تحليل البعزاتي]، تبنت المدارس المغاربية رؤية ’واحدية‘ للمعرفة تنبذ النقاش والجدل الفكري…“[130]
لا يتضمن إقحامًا لمصطلح من خارج النص، وإنما هو تلخيصٌ لمضمون تقريره بألفاظه. وقد وُضع لفظ ”واحدية“ بين علامتَي اقتباس لا لإقحامه، بل للتنبيه إلى أنه منقول من معجم البعزاتي نفسه لا مفروض عليه من خارجها.
وعليه، فمناط النقاش العلمي ليس الادعاء بوجود ”رغبة“ لدى الناقد، ولا الاحتجاج بأن الكاتب ”يتجنب“ هذا الموقف في مجالات أخرى، وإنما النظر في أمرين محددين: مدى عمومية هذا الوصف وحدود انطباقه تاريخيًّا، ومدى إسناده بالشواهد والوقائع التي تعضده. فإذا كان البعزاتي يرى أن تلخيصنا أخلّ بوظيفة المصطلح أو بسياقه أو بمجال انطباقه، فالمطلوب منهجيًّا أن يبيّن مواضع التخصيص أو القيود في نصّه، أو أن يقدم أمثلة تاريخية مضادة تُظهر أن هذا الوصف لا يصح إطلاقه على النحو الذي ورد في عبارته.
بل إن العودة إلى الموضع الذي اقتبسنا منه القول السابق تُظهر أن البعزاتي يؤكد هذه ”الرؤية الواحدية“ بوصفها عنصرًا مفسرًا في تصور المرينيين لتنظيم شؤون العقيدة، لا مجرد لفظ عارض في سياق عابر؛ إذ يقول:
”بذل المرينيون مجهودات مهمة من أجل نشر المعرفة في وسط الفئات المجتمعية الواسعة. لكن الحرص على نشر المعرفة كان متلازما مع الحرص على أن تسود رؤية موحدة في أمور العقيدة، وأن تسير الحياة الاجتماعية طبق ما تمليه الرؤية الواحدية هذه.“[131]
وبذلك يتبين أن الخلاف ليس في كون المصطلح ”مفروضًا من الخارج“ أو ”منسوبًا اعتباطًا،“ بل في طبيعة الاستدلال الذي بُني عليه: هل استُعملت ”الرؤية الواحدية“ عند البعزاتي وصفًا تحليليًّا مضبوط الحدود، مدعومًا بأمثلة تاريخية محددة، أم جاءت في صورة حكم عام يفضي إلى تعميمات تقويمية عن المؤسسات والفاعلين؟ وعلى هذا الأساس، ينبغي أن يتجه النظر إلى جهازه المفهومي نفسه —”الإيديولوجيا المتحكمة،“ و”الموظفون الطيعون،“ و”مراقبة الآراء“ — وإلى مقدار ما ينهض له من شواهد تاريخية، وهو ما سنقف عليه في الفقرات التالية.
وإلى ذلك، يظهر في نصّ البعزاتي عن المدارس المرينية معجمٌ وبنيةٌ تفسيرية يتقاطعان بوضوح مع أفق التحليل الماركسي الثقافي، ولا سيما في بعض مفاهيم لويس ألتوسير وأنطونيو غرامشي. فهو لا يقدّم المدرسة بوصفها مؤسسةً تعليميةً محايدة، بل يصوغها في صورة ”أداة إيديولوجية“ تُسخَّر لـ”فرض الاستقرار،“ ويجعل الفاعلين فيها ”موظفين طيعين لدى الدولة“ يتولّون مراقبة ”تداول الآراء،“ في مقابل ما ينالونه من ”امتيازات مادية ومعنوية“ جزاءَ انصياعهم لـ”الإيديولوجيا المتحكمة.“ وبهذا لا تنهض هذه المفردات بوظيفة وصفية محضة، وإنما تنتظم ضمن بنية دلالية تعيد تعريف المدرسة باعتبارها جهازًا يتجاوز وظيفة التعليم إلى ضبط المجال المعرفي، وإعادة توجيهه بما يوافق مقتضيات السلطة، وتحويله إلى وسيطٍ في تشكيل الوعي وإنتاج الامتثال.
غير أن هذا التحليل لا يخلو من قدرٍ من الإسقاط المنهجي، من حيث تحميلُ المدرسة المرينية شبكةً تفسيرية حديثة تُبرز بعدها الإيديولوجي والسلطوي، وقد تميل إلى اختزال تعدّد وظائفها التاريخية في منطق الضبط والاستقرار. ومكمن الإشكال هنا ليس في أصل هذا الأفق التأويلي، بل في ما قد يفضي إليه من إضعافٍ لمنطق المؤسسة التاريخي الداخلي، وحجبٍ لبعض أدوارها العلمية والمذهبية والاجتماعية التي لا تُردّ كلّها بالضرورة إلى وظيفة الامتثال السياسي.
ومع ذلك، يظل هذا الأفق التفسيري كاشفًا من جهة ما يبرزه من الصلة بين تنظيم المعرفة وآليات السلطة. فمن هذه الجهة، يتصل تصوير البعزاتي بأفق ألتوسير في فهم المؤسسة التعليمية من حيث هي جهازٌ إيديولوجيٌّ يضطلع بإعادة إنتاج الخضوع عبر آليات التلقين والضبط والانتقاء. كما يتقاطع، في الآن نفسه، مع أفق غرامشي في تفسير الاستقرار السياسي والاجتماعي من خلال إدارة الثقافة والمعرفة وبناء القبول؛ ذلك أن تصريحه بفكرة التحكّم في المجال الرمزي وتوجيهه يقرب تحليله من منطق الهيمنة الثقافية، وإن لم يرد المصطلح الغرامشي نفسه بحرفه. ذلك أن حديثه عن ”رؤية واحدية في المعرفة والفقه“ و”العقيدة“ ”تنبذ المناقشة والجدال الفكري،“ وربطه هذا التوحيد بمراقبة الآراء وبمنح الامتيازات للمنصاعين، يكشف عن منطقٍ تفسيري يجعل تنظيم المجال المعرفي أداةً لإدامة النظام وترسيخ استقراره عبر التحكّم في البنية الرمزية للمجال الاجتماعي وتوجيهها.
وليس المقصود من هذا الربط إثباتَ انتسابٍ نظريٍّ مباشر للبعزاتي إلى ألتوسير أو غرامشي، وإنما بيان أن معجمه وبنيته التفسيرية في هذا الموضع يتيحان قراءةً تتقاطع مع بعض مرتكزات التحليل الماركسي الثقافي، مع ما يكتنف هذا التقاطع من حدودٍ منهجية تقتضي التنبيه إلى إمكان الإسقاط والاختزال.
وبدل أن يناقش البعزاتي هذه الملاحظة على مستوى العبارة والدليل، يكتفي بالقول: ”هذا خلط،“ دون أن يعيّن موضع الخلط ولا وجهه. والحال أن تقويم مثل هذه الدعوى لا يكون بالنفي المجمل، بل بتحديدٍ إجرائي: هل تُستعمل هذه الألفاظ استعمالًا مجازيًّا أو محدودًا؟ وما القيود التي يضعها المؤلف على أحكامه؟ ذلك أن الاعتراض عندنا لا يتجه إلى إمكان الاستفادة من مفاهيم حديثة في قراءة الماضي، وإنما إلى خطر الإسقاط حين تُستعمل هذه المفاهيم استعمالًا كليًّا دون أمثلة تاريخية محددة تضبط مجال انطباقها.
رابعا: الاحتكام إلى الأهلية بدل الاحتكام إلى الحجة
يكرر البعزاتي في أكثر من موضع من رد أننا نسرق من دراساته، فيقول مثلا:
”يسرق [بن أحمد] منها [دراساتي] جملاً وفقرات ويلخص استدلالات في جمل ليوهم القارئ بأن انتقاداته ذات أساس متين.“[132]
وهذه دعوى ثقيلة الوطء في الاستعمال الأكاديمي، لأنها تُحيل إلى الانتحال أو السرقة العلمية، وهو باب له معنى مضبوط ومعايير إجرائية في التقويم. ونحن لا نريد أن نُطيل في تسمية هذا الوصف، لكننا نُلزم صاحبه بأبسط شرطٍ في أي اتهام من هذا النوع: التحديد. لا تكفي عبارة ”يسطو أو يسرق“ مرسلة؛ المطلوب أن يعيّن الفكرة أو الفقرة، وأن يبيّن: أين وردت عنده أولًا؟ وأين نقلناها نحن؟ وما وجه ”السطو“ بالضبط: أهو نقلٌ بلا إحالة؟ أم نسبةٌ معكوسة؟ أم تلخيصٌ أخلّ بالدلالة؟ من دون هذا، يبقى الكلام حكمًا إنشائيًّا لا قيمة له في ميزان البحث.
إلا أن المثال الذي يسوقه البعزاتي بوصفه دليلًا لا ينهض—بحسب ما يورده—لإثبات ”السرقة“ بالمعنى العلمي الدقيق، وإنما ينهض—في أحسن الأحوال—لإثبات صورة أخرى مختلفة هي ”بتر السياق“ أو ”الاقتباس المبتور.“ فهو يقول:
”بدأ فؤاد بن أحمد فقرة بما يلي: ’ويدرك البعزاتي جيدا،‘ ليبرز كفاءته العلمية على أن يقيم مداركي. لكن يتبع الكلمات باقتباس مني كما يلي: ’أن الحذر يقتضي عدم التسرع في القطع في تحديد لحظة البداية للتراجع، زيادة على أنه تراجع تدريجي.‘“[133]
والحق أن الفقرة هكذا وردت عندنا:
”ويدرك البعزاتي جيدا ”أن الحذر يقتضي عدم التسرع في القطع في تحديد لحظة البداية للتراجع، زيادة على أنه تراجع تدريجي.“[134] لذلك نجده يعود إلى القرون السابع والثامن والتاسع للهجرة/الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر للميلاد، فيؤكد في أكثر من موضع من دراسته، التي تحمل عنوان: ”مشاكل العلم بالغرب الإسلامي خلال القرن الرابع عشر،“ أن مسلسل التراجع العلمي في الغرب الإسلامي بدأ في القرن السادس للهجرة/الثاني عشر للميلاد. وقد تزايدت وتيرة هذا التراجع في القرن السابع للهجرة/الثالث عشر للميلاد دون أن تبرز ملامحه بوضوح. ويقول عن القرن اللاحق، موضوع دراسته، ”منذ الإطلالة الأولى يمكن ملاحظة أن النشاط العلمي تجمد خلال القرن الرابع عشر (الثامن للهجرة) مقارنة مع القرن السابق؛ وأن النشاط الفكري عامة قد تراجع أكثر خلال القرن الخامس عشر،“ أي أنه صار أكثر ”شمولية.“[135]
يعلل البعزاتي اعتراضه بأن هذه الجملة لم ترد عنده تقريرًا مستقلًّا، بل جاءت تعليقًا على رأي خوان ڤرنِت في تاريخ علم الفلك بالأندلس، إذ نقل عنه قوله: ”في القرن الثاني عشر […] ابتدأ العلم في الغرب الإسلامي في الذبول والتراجع بكيفية بطيئة ولكن أكيدة […]،“[136] فعقّب البعزاتي: ”لكن يبدو أن الحذر يقتضي عدم التسرع […]“[137] ومن ثمّ يلومنا لأننا لم نذكر أن عبارته جاءت استدراكًا على قول ڤرنِت.[138]
غير أن هذا الاعتراض—حتى لو سُلّم به—لا يثبت ”سرقة“ ولا ”انتحالًا،“ ما دام الاقتباس منسوبًا إلى صاحبه، وما دام موضع النزاع هو مقام العبارة ووظيفتها في السياق، لا ملكيتها أو نسبتها. والأدق منهجيًّا—إذا كان هذا هو وجه الاعتراض—أن يقال: إن الناقد اقتطع العبارة من سياقها ولم يبيّن مقامها، بما قد يغيّر طريقة تلقيها: هل تُقرأ بوصفها تقريرًا حاسمًا من البعزاتي، أم بوصفها تعليقًا نقديًّا على عبارة باحث آخر؟ فهنا يكون الخلاف في ”تحرير السياق“ لا في ”الاستحواذ على النص.“ فكيف يستقيم أن تكون ”سرقة“ ونحن لم ننسبها لأنفسنا أصلًا، وإنما إلى البعزاتي نفسه؟ أقصى ما يمكن أن يقال—لو أراد الدقة—إننا لم نذكر أنها جاءت عنده تعليقًا على خوان ڤرنت. وهذا—حتى لو سُلّم به—ليس ”سطوًا“ ولا ”سرقة،“ وإنما هو تفصيل سياقي كان يمكن تداركه بإضافة سطر يوضح مقام الاستدراك. أما تحويل هذا إلى ”غياب أمانة علمية“ لأننا كتبنا ”والتشديد منا،“ ثم إغلاق باب السهو ابتداءً لتقرير سوء النية، فليس نقدًا بل مصادرة: لأنه يختار التفسير الأخلاقي الأقسى دون قرينة، ويُقيم عليه حكمًا شاملًا.
ثم إن الانتقال من هذا الاعتراض إلى الجزم بأننا فعلنا ذلك ”لنوهم القارئ“ يثير بدوره إشكالًا منهجيًّا؛ لأن نسبة القصد لا تُستخلص علميًّا إلا بقرائن أقوى من مجرد إسقاط مقامٍ سياقي واحد. فإذا أراد البعزاتي إثبات تعمد الإيهام، لزمه أن يبرهن على نمطٍ متكرر في مواضع متعددة، وأن يبيّن كيف أن إسقاط السياق كان جوهريًّا بحيث لا تقوم حجتنا إلا عليه، أو أنه غيّر النتيجة على نحوٍ حاسم. أما الاكتفاء بمثال مفرد، فإنه لا يكفي لإثبات دعوى عامة ولا لإسناد مقصد نفسي.
وأخيرًا، فإن تعبير البعزاتي: ”ويلخص استدلالات في جمل“ لا يصلح بذاته مأخذًا علميًّا، لأن التلخيص إجراء مشروع في الكتابة النقدية، ولا يُعاب إلا إذا كان تلخيصًا مخلًّا يُسقط مقدمات لازمة، أو يعيد بناء موقف الخصم بصورة أضعف، أو يُبدّل النتائج. ومن ثمّ فإن المعيار الحاسم في هذا الباب يظل هو المقابلة النصية والتحقق من أثر الاختزال أو إسقاط السياق على المعنى والنتيجة، لا إطلاق الاتهام بصيغته القصوى من غير بناء ملفّ برهاني كافٍ.
ويزداد الأمر غرابة حين يتهمنا ”بعدم النزاهة“ لأننا لم نورد تتمة كلامه التي تقول إن محاولة حصر أسباب “التقهقر“ ستظل ناقصة، مع أن هذا—في سياقنا—كان يزيد التناقض وضوحًا: يقرّ بصعوبة الحصر، ثم يميل في تفسيراته العملية إلى اختزال العوامل في ”رجال الدين“ و”التزمت.“ نحن لم نورد ذلك لا لشيء إلا لتجنّب تحويل الفصل إلى سجالٍ حول التناقضات الداخلية بدل مناقشة الأطروحة كما صيغت.
ومع ذلك—ولكي لا نخلط بين إسقاط اتهام ”السرقة“ وبين واجب التصحيح—نختم هذه النقطة بما يلزمنا نحن: لقد وقع منا في موضعين من الفصل الذي خصصناه لمقاربة البعزاتي خطآن بيِّنان.[139] الأول خطأ في ضبط اسم خوليو سمسو Julio Samsó بالإسبانية، إذ كتبناه: Julio Samsò بـ ò، والصواب بـ ó. والثاني—وهو الأشد إحراجًا—نسبة قول إلى البعزاتي ليس له. فقولنا:
”يؤكد [البعزاتي] في أكثر من موضع من دراسته، التي تحمل عنوان: ’مشاكل العلم بالغرب الإسلامي خلال القرن الرابع عشر،‘ أن مسلسل التراجع العلمي في الغرب الإسلامي بدأ في القرن السادس للهجرة/الثاني عشر للميلاد“
هو خطأ صريح منا، لأننا نسبنا إلى البعزاتي ما لم يقله، وإنما صاحب القول هو خوان ڤرنت، كما أشرنا أعلاه. وقد كان ذلك سهوًا وتقصيرًا في المراجعة، لا قصدًا ولا حيلة. وعليه، فإننا نتأسف لهذا الخطأ غير المقصود، ونشكره لتنبيهنا إليه.
غير أن تصحيح خطأ واحد لا يمنح البعزاتي رخصةَ تحويل النقد إلى محكمة نوايا، ولا يبيح له أن يبدل البرهان بألفاظ ”السطو“ و”السرقة“ كلما أعوزه التحديد. ومن ثمّ، فإن النقاش العلمي لا يستقيم بإزاحة الاعتراض من مستوى تحليل الدعوى ومقدماتها ونتائجها إلى مستوى الاتهام بالسرقة أو الإيهام، ما لم تُقدَّم أدلة محكمة على ذلك. والمطلوب، إذن، هو العودة إلى أصل المسألة: فحص أطروحة البعزاتي في ”التراجع“ داخل نصوصه التي تعالج موضوعنا مباشرة، وتقويم أدواته في بناء الاستدلال، من تعميم، ونزعة ماهوية، وطريقة في التعامل مع الشواهد، ومقارنة ذلك بما تقدمه مصادر أخرى وبما تسمح به معطيات البحث في تاريخ المعارف بالمغرب في القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد.
وقبل أن نختم هاتين الملاحظتين، نرى أن نقف قليلا عند تعليق البعزاتي على عبارتنا ”ويدرك البعزّاتي جيدًا… “ بأنها سعي من بن أحمد لإبراز ”كفاءته العلمية على أن يقيم مدارك [البعزاتي].“
يبدو قول البعزاتي هذا انزياحًا مرة أخرى من مناقشة الحجة إلى مناقشة النبرة. فعبارة مثل: ”ويدرك البعزّاتي جيدًا…“ في السياق الأكاديمي لا تُستعمل عادةً لإبراز ”كفاءة الكاتب“ ولا لـ”تقييم مدارك المخاطَب،“ بل هي أداة ربط حجاجي معناها: إن الطرف الآخر واعٍ بالاعتراضات أو بالمعطيات، ومع ذلك يتخذ موقفًا معينًا. أي أن عبارتنا تقرّ له بالعلم بالمواد (بل فيها قدر من الإنصاف) ثم تُحمّله مسؤولية اختياره التأويلي وتلزمه به.
فإن أراد البعزّاتي أن يجعلها ”تقويمًا لمداركه،“ فهذا تأويلٌ متعسّف للعبارة، لأنه يحوّل إسناد الوعي بالمعطيات إلى حكم على الذكاء أو الأهلية. والأنسب—من جهة البحث—أن يردّ على مضمون الكلام الذي يلي هذه العبارة: ماذا يدرك؟ وبأي دليل؟ وهل فعلاً تجاهل ذلك أو أعاد تدوير الدعوى رغم معرفته بالاعتراضات؟ أما جعل الجملة نفسها دليلًا على ”الاستعلاء“ فغالبًا محاولة لجرّ النقاش إلى مستوى شخصي بدل مباشرة نقاط الخلاف.
فالقضية ليست ”تقويم مدارك“ ولا ”إبراز كفاءة،“ وإنما هو سؤالٌ منهجي مباشر: إذا كان البعزّاتي يسلّم بصعوبة الحسم في توصيف مسار الحياة الفكرية في القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد، فبأي معيار ينتقل، مع ذلك، إلى تقرير ”تراجع“ أو ”تدحرج“ ذي دلالة عامة؟ وأين يضع شواهد هذا الحكم داخل المادة التاريخية نفسها (النصوص، المؤسسات، أنماط التعليم، والوقائع السياسية) بدل الاكتفاء بتوصيفات كلية؟
والحق أن البعزاتي في رده علينا قد أبدى انشغالا كبيرا بمسألة الكفاءة العلمية والأهلية الشخصية، فيهبها من يشاء وينزعها عمن شاء. يقول مثلا:
”في تدخل خلال الندوة [بمراكش]، قلت إن العقلانية بالذات مفهوم مطاط وغير قار. وكان أستاذنا، مجموعنا، المرحوم الجابري لازال [كذا][140] على قيد الحياة. وخلال الاستراحة، أتى عندي أربعة أساتيذ مغاربة (أو خمسة)، وقالوا لي إنني ضد العقلانية ومع اللاعقلانية، ولم يكن أحد منهم مؤهلاً أكادمياً لتبين خاصية العقلية العلمية، وكان كتابـ[ي] الاستدلال والبناء قيد الطبع.“[141]
واضح أن هذا المقطع يخدم عند البعزّاتي وظيفةً سجالية أكثر مما يخدم وظيفةً تفسيرية: فهو ينقل النقاش من مضمون ”العقلانية“ بوصفها مفهومًا تاريخيًّا وتحليليًّا إلى سؤال ”من يملك حق الكلام فيها،“ ثم يعضد ذلك بإحالة رمزية إلى محمد عابد الجابري وبحكايةٍ شفوية غير قابلة للتحقق. وحشر الجابري هنا لا يضيف شيئًا إلى الحجة؛ لأن حضور الجابري في المشهد لا يجعل ”العقلانية“ قيمةً محروسة بسلطة شخص أو مدرسة، ولا يمنع أحدًا من مناقشة مطاطية المفهوم وحدوده وسياقات استعماله. ثم إن رواية ”أربعة أو خمسة“ أساتذة بلا أسماء ولا أعمال ولا سياق دقيق تظل خارج معيار التوثيق: لا يمكن للقارئ أن يمتحنها ولا أن يزنها، فتتحول إلى أثرٍ إنشائي يراد به إظهار ”ضغط جماعي“ لا إقامة برهان. والأشد دلالة هو قوله: ”لم يكن أحد منهم مؤهلًا أكاديميًّا…؛“ فهذه ليست حجةً على خطأ اعتراضهم، بل هي نقلٌ للخصومة من مستوى المفاهيم إلى مستوى الأهلية، وكأن النزاع يحسم بترتيب الشهادات لا بتفكيك المفهوم وتحرير معاييره. وفي المحصلة، يشي هذا الاستطراد بنزعةٍ إلى استثمار خطاب ”الاعتماد والأهلية“ لإسقاط الاعتراضات قبل مناقشتها، وهو ما يجعل المقطع أقرب إلى مناورة تسويغيّة منه إلى معالجة علمية لمسألة العقلانية. وفي الأخير يصعب طرد الأثر الإيحائي الذي يولّده استدعاء اسم الراحل الجابري على هذا النحو؛ إذ يُبنى المشهد كأنه شهادة على ”شرعية المتكلم“ لا على صواب الفكرة: أنا قلتُ إن العقلانية مفهومٌ مطاط، وذلك في زمن كان فيه ”رمز العقلانية“ على قيد الحياة، ثم واجهتُ اعتراضًا من ”تلامذته“ الذين لا أهلية لهم للحديث عن خصائص العقلية العلمية أمامي أنا صاحب كتاب الاستدلال والبناء: خصائص العقلية العلمية. وهذه الطريقة لا تزيد المفهوم تحريرًا ولا الاعتراض تفكيكًا، لكنها تُنتج تمركزًا خطابيًّا يجعل المسألة أقرب إلى استعراض اعتمادٍ وبناء شرعية للذات (من يحق له الكلام) منها إلى نقاشٍ معرفي حول معنى العقلانية وحدودها.
ويظهر البعزاتي توترا شديدا تجاه ملاحظات الآخرين، فكما فهم من عبارتنا السابقة ”ويدرك البعزاتي…“ أننا نسعى بها إلى إبراز كفاءتنا على تقييم مداركه، يظهر حساسية أكبر تجاه ملاحظة شكلية أبديناها على عبارة له. فلقد أثبتنا في الهامش عبارةَ بناصر البعزاتي كما وردت في مقاله:
”يمكن القول إنه خلال القرن الثالث عشر لم يكن التراجع بيّنا من حيث ملامح بارزة [كذا]؛ غير أن تفسخ المفاصل…“، ثم عقّبنا بقولنا: ”واضطراب العبارة واضح في القسم الأول من الاقتباس.“[142]
ثم عقّب البعزاتي على هذا قائلا:
”تجرأ [بن أحمد] على الطعن في بعض عباراتي، مثلاً عندما أضاف علامة التعجب [كذا] وراء مفردات ’لم يكن التراجع بينا من حيث ملامح بارزة‘، فأدخل [كذا]، ثم علق: ’واضطراب العبارة واضح في القسم الأول من هذا الاقتباس.‘ أين الاضطراب؟ هذا مزيج من الهلوسة والاصطياد في الماء العكر. المقصود أن ملامح التراجع لم تتبين من خلال مظاهر بارزة آنذاك. إذن يتصرف فؤاد بن أحمد عمداً وبشكل مخل في الاقتباس، ليشوه الأصل.“[143]
ويقتضي ضبط محلّ الخلاف هنا التمييز بين مستويين: مستوى الأمانة في النقل والتحرير، ومستوى تقويم الصياغة اللغوية للعبارة المنقولة. أما الأمانة في النقل، فموضعها أن يبيّن البعزّاتي—نصًّا—أين وقع التحريف: هل غُيّرت ألفاظ عبارته؟ هل بُتر سياقها بما يخلّ بالمعنى؟ هل أُدخلت كلمات ليست في الأصل على جهة التدليس؟ والواقع أن شيئًا من هذا لم يقع. فقد أثبتنا نصّه كما هو، ثم أشرنا—في الهامش—إلى اضطراب ظاهر في القسم الأول من الجملة، وهو تقويمٌ لغوي لا مساس فيه بأمانة النقل.
وأما [كذا] فليست، في هذا الموضع، علامة تعجب ولا أداة استنكار، وإنما هي من صميم الاصطلاح التحريري المعروف عند أهل التحقيق، وتفيد أن العبارة أُثبتت كما وردت في الأصل، على ما فيها من التباس أو خلل في السبك، من غير تصحيح ولا تعديل. والغرض من ذلك ليس الطعن في قائل العبارة، بل صون النص من أن يُظن أنّ ما فيه من اضطراب صادر عن الناقل لا عن الأصل المنقول. ومن ثمّ، فإن تفسير [كذا] على أنها تؤدي معنى التعجب تفسير غير منضبط اصطلاحيًّا، فضلًا عن أن بناء اتهام مقاصدي عليه ينقل النقاش من فحص الإجراء التحريري إلى مساءلة النيات. فالمسألة، في نهاية الأمر، بسيطة وواضحة: هل أثبتنا النص كما هو؟ نعم. وهل نبّهنا إلى موضع قد يلتبس على القارئ من جهة السبك؟ نعم. وهذا من مقتضيات الأمانة العلمية، لا من وجوه التشويه. ولذلك فإن اعتراض البعزّاتي لا يكشف خللًا في نقلنا، بقدر ما يكشف اضطرابًا في فهمه لوظيفة [كذا].
وأمّا المستوى الثاني، وهو تقويم الصياغة، فهو الذي يحاول البعزّاتي أن يحوّله إلى شبه قضية تشخيصٍ طبّي من قبيل ”هلوسة،“ وإلى تجريحٍ أخلاقي من قبيل: ”اصطياد في الماء العكر،“ و”تشويه الأصل،“ مع أن الملاحظة التي أثبتناها كانت محدودة الدائرة واضحة المقصد: إن الجملة، في صورتها الأولى، تُنتج التباسًا في الإسناد وفي تركيب القيد: ”لم يكن التراجع بينًا من حيث ملامح بارزة.“ وهذا تركيب يحتاج إلى تحرير أدقّ. ولا يرفع هذا الالتباس مجردُ أن يقرر البعزّاتي بعد ذلك أن ”المقصود كذا.“ لأن النزاع ليس في أن للكاتب قصدًا، وإنما في أن العبارة، كما كُتبت، لم تنجح في أداء هذا القصد على نحوٍ سليم. ومن ثمّ فإن تسجيل هذا الخلل ليس افتئاتًا على النص، بل هو عين الوفاء له.
وبما أن البعزاتي قد صرّح في رده علينا بأن أصل مقاله كُتب بالفرنسية،[144] فقد يمكن طرحُ احتمالٍ تفسيريٍّ—لا نرفعه إلى مرتبة الجزم—مفاده أن الالتباس الذي لاحظناه في صياغة عبارته: ”لم يكن التراجع بينا من حيث ملامح بارزة“ قد يكون ناشئًا عن أثر ترجمةٍ حرفية من الفرنسية إلى العربية، بما قد يُبقي بعض التراكيب على نسقها الأصلي دون أن تستقر في سبكٍ عربيٍّ أكثر إحكامًا. غير أن هذا يظلّ في نطاق الترجيح المحتمل، لأن النص الفرنسي الذي قيل إنه الأصل لم يُنشر، ومن ثم ليس بين يدينا مادة للمقابلة النصية تتيح القطع بسبب الالتباس أو تحديد موضعه بدقة. وعليه، فإن ملاحظتنا انصبت—ولا تزال—على مستوى العبارة العربية المثبتة كما وردت في المصدر المنشور، دون نسبة الخلل إلى جهة بعينها، ودون ادعاء معرفة ما لا تسمح به المعطيات المتاحة.
وخلاصة القول: لم يقع منا أي تدخلٍ يُخلّ بالأصل أو يحرّفه، ولم تُستعمل [كذا] للتعجب أو للطعن، وإنما استُعملت استعمالًا توثيقيًّا احترازيًّا يثبت النص كما هو، ويُعلم القارئ بأن في العبارة ما قد يُحتاج معه إلى مزيد تدقيقٍ في الصياغة. ومن ثمّ فالنقاش ينبغي أن ينصرف إلى تقويم العبارة من جهة إحكامها، لا إلى إلحاق دلالةٍ انفعالية بعلامةٍ تحريريةٍ معيارية، ولا إلى تحميلها ما لا تحتمل من مقاصد.
خامسا: نقدٌ بلا قراءة: من الانطباع إلى التقييم العام
ونختم هذا الجزء بالتفاعل مع سؤالين تقويميّين أثارهما بناصر البعزاتي في ردّه على عملنا. والسؤالان هما: ”أين الجديد“ في كتابنا؟ و”أين الفحص الشامل للعوامل التاريخية والموضوعية؟“ ثم يبني عليهما تقليلًا من شأن الكتاب مستندًا إلى اقتباساتٍ من التمهيد والمقدمة. ولتيسير متابعة القارئ، نضبط منذ البداية محلّ النقاش في ثلاث خطوات واضحة: (1) نعرض نصّ اعتراض البعزاتي كما هو، (2) نُبيّن أن الاقتباسات التي استند إليها تخلط بين ما ندّعيه نحن وما ننقله تقريرًا عن أعمال غيرنا، (3) نوضح أن الحكم على ”الفحص الشامل“ لا يصحّ من مقدمةٍ وحدها، بل من قراءة الفصول التحليلية وجهاز الإحالات والاستدلال. وعلى هذا الأساس، فإن سؤال البعزاتي —قبل أن يكون موجّهًا إلينا— موجّهٌ إليه هو بوصفه ناقدًا: هل قرأ مواضع التوثيق والتحليل التي يُفترض أن يُقيم عليها حكمه، أم اكتفى بانطباعٍ من مقدمات ثم جعله تقييمًا عامًا؟
1) نصّ الاعتراض، ويقول فيه البعزاتي:
”ما هو الجديد في كلام فؤاد بن أحمد ضمن هذا التعزيز التوجه جديد في البحث؟ وأين الفحص الشامل للعوامل التاريخية والموضوعية؟ يأخذ جملاً من كتاباتي، ويضفي على الفكرة تضخيماً وتهويلاً فيجعل ابن خلدون لاعقلانياً وابن عرفة عقلانياً ويطلق العنان لمخيلته ويتحدث عن ’نزوع ابن عرفة العقلاني في علم الكلام والمنطق،‘ وعن ’إسهاماته العقلانية في الفقه وعلم الكلام والمنطق‘ ’وعن الميول العقلانية لابن عرفة‘، وعن ’جهود ابن عرفة العقلانية‘ هل تنبني هذه الأحكام على بحث توثيقي شامل؟“[145]
2) موضع الخلط: ما ندّعيه نحن وما ننقله تقريرًا عن غيرنا
الملاحظة المنهجية الأولى أن البعزاتي لم يميّز بين مستويين مختلفين في نصّ ”مقدمة“ عملنا: الأول هو مستوى التقرير والعرض لأعمال الآخرين (تلخيص ما قاله محمد فاضل، وما ذهب إليه سعد غراب، وتوصيف حدود تلك الأعمال)، والثاني هو مستوى الدعوى والالتزام الذي يكون علينا نحن عبء إثباته في فصول التحليل.
فالعبارات التي استشهد بها —”نزوع ابن عرفة العقلاني […]“[146] و”إسهاماته العقلانية […]“[147] و”الميول العقلانية […]“[148] و”جهود ابن عرفة العقلانية“[149] — جاءت (كما هو ظاهر من نصّها) ضمن تقارير عن مسار البحث: مرة بصيغة مقصد الفصل (”يسعى هذا القسم إلى […]“)، ومرة في سياق تلخيص مدخل موسوعي، ومرة في عرض أطروحة سعد غراب، ومرة في تقويم حدود ما كشفته تلك الأعمال (”فجوات لا تزال قائمة… نظرًا لمحدودية المصادر“). وعليه، فإن تحويل هذه التقارير إلى ”أحكامٍ ندّعيها لأنفسنا،“ ثم بناء اتهام ”إطلاق العنان للمخيلة“ عليها، هو قلبٌ للمسألة من أصلها: يُنشئ البعزاتي موضوعًا للردّ غير موضوع النص.
3) من يجيب عن سؤال: ”هل تنبني هذه الأحكام على بحث توثيقي شامل؟“
السؤال في ذاته مشروع، لكنه لا يتحول إلى حكمٍ سلبي إلا بدليل. وهنا تقع النقطة الحاسمة: الناقد هو من يجيب عن سؤال ”التوثيق الشامل“ بإظهار مواطن الخلل بعد قراءة مواضع التوثيق والتحليل، لا باقتباس من مقدمة. فمن يدّعي أن ”لا فحص شامل“ في الكتاب، عليه أن يدلّ القارئ على: مواضع التحليل التي رجع إليها، جهاز الإحالات الذي فحصه، أين انقطعت السلاسل الاستدلالية، وما الوثائق أو السياقات التي أُهملت. أمّا الجمع بين (أ) الاكتفاء بالمقدمة والفصل الخاص به، و(ب) إصدار حكمٍ كلي من قبيل ”أين الفحص الشامل؟“ فهو جمعٌ بين دعوى كبيرة ودليلٍ قاصر.
والخلاصة أن اعتراض البعزاتي هنا لا ينهض نقدًا مكتملًا ما دام مبنيًّا على اقتطاعٍ من مقدمة مع خلطٍ بين ”قولنا“ و”قول غيرنا،“ وما دام يتعامل مع سؤال النقد كأنه جوابٌ دون إقامة برهانٍ على قراءة الكتاب.
خاتمة
تنتهي هذه المراجعة إلى نتيجةٍ لا تتعلق بمجرد اختلافٍ في التأويل أو تباينٍ في ترتيب الأولويات، بل تمسّ صميم الطريقة التي بُنِي بها الخطاب محلّ النقد. فالمشكلة في قراءات البعزاتي ليست في جرأتها التفسيرية من حيث المبدأ، ولا في حقّه هو في اقتراح فروض واسعة عن التراجع أو ضمور بعض الحقول المعرفية، وإنما في الكيفية التي تتحول بها هذه الفروض، في نصوصه، إلى أحكامٍ عامة تسبق المادة التاريخية بدل أن تتولد منها، وتتعالى على حدود الشاهد بدل أن تنضبط به، وتستعيض عن التمييز بين الطبقات والسياقات والمؤسسات واللحظات التاريخية بصيغ كلية تُغري بسرعة التفسير أكثر مما تحتمل صرامته.
وقد أظهر تتبع نصوصه، في أكثر من موضع، أن الإشكال يتجاوز خطأً جزئيًّا أو هفوةً في الإحالة أو توسعًا عارضًا في العبارة؛ إذ نحن بإزاء نمطٍ متكرر من بناء الموضوع، قوامه الميل إلى التعميم، وردّ التعدد إلى وحدات صلبة، وتحويل الاختلافات التاريخية إلى طبائع مذهبية أو ذهنيات جمعية جاهزة، مع إسناد أدوار تفسيرية مفرطة إلى ألفاظ مثل: التزمت، والإيديولوجيا، والرؤية الواحدية، والموظفين الطيعين، ومراقبة الآراء، والانغلاق على العلوم العقلية، والتراجع… ومتى دخلت هذه المفردات في بناءٍ لا يوازنها بما يكفي من الشواهد المضادة، ولا يضبط مجال انطباقها، ولا يميز بين ما هو وصفي وما هو تقويمي، تحولت من أدوات تحليل إلى مصادر توجيه مسبق للمادة.
وليس المقصود من هذا النقد نفي وجود أزمات أو أشكال من الانكماش أو التحفظ أو الاختلال في بعض مسارات الحياة العلمية بالمغرب الإسلامي ولا الادعاء أن القرون موضوع البحث كانت فضاءً مفتوحًا على نحوٍ مطلق أمام الاشتغال بالمنطق والكلام والفلسفة والفلك وسائر العلوم. فمثل هذا النفي أو الادعاء لا يقل اختزالًا عن الدعوى المقابلة. وإنما المقصود ردّ المسألة إلى مستواها الذي تستحقه: مستوى التاريخ المركب، الذي لا يفسَّر فيه خفوت حقلٍ علمي أو محدودية انتشاره بسببٍ واحد، ولا تُحمَّل فيه مؤسسة واحدة أو مناظرة واحدة أو جماعة فقهية واحدة تبعةَ مسارٍ حضاري معقد، ولا تُستبدل فيه المقارنة بين الأقران الزمنيّين بالمفاضلة بين قمم استثنائية وأخرى متباعدة في الموضوع والوظيفة والسياق.
لقد كشفت هذه المناقشة، في المقابل، أن كثيرًا من الدعاوى الكبرى التي صاغها البعزاتي لم تُسنَد بما يكفي من التحديد النصي، أو اعتمدت أمثلة لا تنهض بما حُمِّلت من معنى، أو بُنيت على نقلٍ غير منضبط بين المصدر وتأويله، أو انتقلت من توصيف جزئي إلى حكم شامل من غير توسط المراحل التي تقتضيها الصناعة التاريخية. كما كشفت أن بعض ردوده لم تتجه إلى محل الاعتراض نفسه، وإنما مالَت إلى إزاحته من مستوى تحليل النصوص والشواهد إلى مستوى مساءلة النيات، أو الاتهام بالسرقة، أو التشكيك في المقاصد، وهو مسلك لا يقوّي الحجة وإنما يضعفها، لأنه يعوّض نقص الإثبات بالانزياح عن الموضوع واتهام النوايا واستعمال لغة ”سوقية.“
وإذا كان هذا العمل قد وقف عند أخطاء للبعزاتي، فقد التزم كذلك بما يلزم كل كتابة نقدية جادة من الاعتراف بما يقع فيها هي نفسها من سهوٍ أو تقصير أو خطإ في الضبط أو النسبة. وليس في ذلك ما يضعف وجهة هذا النقد، بل فيه ما يؤكد أن النزاع هنا ليس نزاعًا أخلاقيًّا ولا شخصيًّا ولا تراشقًا بالتهم، وإنما هو خلاف في معيار القراءة، وفي معنى البرهان، وفي حدود ما يجوز أن يقال استنادًا إلى النصوص. فالتصحيح واجبٌ حيث يقع الخطأ، لكن التصحيح شيء، وتحويل الخطأ الجزئي إلى ذريعة لتعطيل فحص الأطروحة في أصلها شيء آخر.
وعلى هذا الأساس، فإن الخلاصة التي نخرج بها ليست أن البعزاتي أخطأ هنا أو هناك فحسب، بل أن نموذجه في القراءة، كما تجلّى في النصوص التي ناقشناها، يحتاج إلى مراجعة أعمق في منطلقاته الإجرائية: في طريقة استعماله للشاهد، وفي انتقاله من الجزئي إلى الكلي، وفي إدارته للفروق بين الأزمنة والتقاليد، وفي المعايير التي يقوّم بها الحقول المعرفية، وفي اللغة التي تلبس بها الأحكامُ طابعَ البداهة وهي لا تزال في حاجة إلى البرهنة، وفي اللزوم بين النصوص والمعاني المستنبطة منها. ومن دون هذه المراجعة، سيبقى خطر التفسير الجاهز قائمًا: أي خطر أن تُختزل المادة التاريخية في صورة مسبّقة عنها، بدل أن تُقرأ في توترها، وتفاوتها، وانعطافاتها، ومقاوماتها، وأشكالها المركبة.
ومن ثمّ، فإن القيمة التي يرجى أن تستخلص من هذا العمل لا تقف عند حدود الاعتراض على باحث بعينه، وإنما تتصل بمطلبٍ أوسع: إعادةُ الاعتبار إلى فضيلة التمييز في الكتابة التاريخية، والاحتراس من الإغراء التفسيري السريع، وصيانةُ الفارق بين الشاهد وما يُستنتج منه، وبين المصطلح ووظيفته، وبين قوة اللغة وقوة البرهان. فإذا كان تاريخ العلوم والمعارف في الغرب الإسلامي قد استُخدم غير مرة ساحةً لإطلاق أحكام كلية عن الانغلاق أو العقم أو الانحطاط، فإن أول ما يقتضيه الوفاء لهذا التاريخ هو أن يُقرأ من داخله، في تعدده، لا أن يُساق شاهدًا متأخرًا على نتائج سابقة التجهيز. وعندئذ فقط يمكن أن يصبح النقد نفسه إسهاما في تحرير الموضوع، لا في إعادة حبسه داخل صيغ تفسيرية لا تقول من التاريخ إلا ما كانت قد قررته فيه من قبل.
وبهذا نطوي الجزء الثاني من هذا العمل، وقد خُصِّص لمساءلة أطروحات البعزاتي في ”مشاكل العلم“ خلال القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد. على أن نُفرد الجزء الثالث والأخير لمناقشة منازعته لنا في توظيف المرجعيات والمقاربات الحديثة، وفي مشروعية الإفادة منها في قراءة التراث الفكري والعلمي والفلسفي للمسلمين.
بيبليوگرافيا
ابن الخطيب، لسان الدين. الإحاطة في أخبار غرناطة. تحقيق عبد الله عنان، ط. 2. الجزء الأول. القاهرة: مكتبة الخانجي-الشركة المصرية للطباعة والنشر، 1973.
ابن العربي، أبو بكر. العواصم من القواصم. تحقيق عمار طالبي. القاهرة: دار التراث، 1974.
ابن العربي، أبو بكر. المتوسط في الاعتقاد والرد على من خالف السنة من ذوي البدع والإلحاد. تحقيق عبد الله التوراتي. طنجة-بيروت: دار الحديث الكتانية، 2015.
ابن العربي، أبو بكر. قانون التأويل. دراسة وتحقيق محمد السليماني ط. 2. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1990.
ابن عرفة، محمد. المختصر الكلامي. تحقيق وتعليق نزار حمادي. الكويت: دار الضياء للنشر والتوزيع، 2017.
ابن عرفة، محمد. المختصر في المنطق. ضمن رسالتان في المنطق: الجمل للخونجي والمختصر في المنطق لابن عرفة. تحقيق وتقديم سعد غراب. تونس: مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، 1976.
ابن مرزوق التلمساني، محمد. المسند الصحيح الحسن في مآثر ومحاسن مولانا أبي الحسن. دراسة وتحقيق ماريا خيسوس بيغيرا. الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1981.
البعزاتي، بناصر. الاستدلال والبناء. بحث في خصائص العقلية العلمية. ط. 1. الرباط-الدار البيضاء: دار الأمان-المركز الثقافي العربي، 1999. (صدرت الطبعة الثانية عام 2019 بالرباط عن دار الأمان).
البعزاتي، بناصر. ”الأفق الفكري للمدرسة المرينية.“ ضمن مؤسسات العلم والتعليم في الحضارة الإسلامية، تنسيق ب. البعزاتي. 133–169. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2008.
البعزاتي، بناصر. ”التجديد والمقاومة.“ ضمن الفكر العلمي والثقافة الإسلامية، 331–350. الرباط: دار الأمان، 2015.
البعزاتي، بناصر. ”بعض سمات التدليل الخلدوني.“ مجلة أفكار 11 (2010): 239–294.
البعزاتي، بناصر. ”قراءة في كتاب ’بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي‘.“ مجلة تمييز 2 (دجنبر 2025): 297–352. يمكن تنزيلها من الرابط: https://www.academia.edu/163383081/قراءة_في_كتاب_بين_ابن_عرفة_الورغمي_وابن_خلدون_الحضرمي
البعزاتي، بناصر. ”گلدتسيهر والعلوم العقلية في الثقافة الإسلامية.“ ضمن الفكر العلمي والثقافة الإسلامية، 359–362. الرباط: دار الأمان، 2015.
البعزاتي، بناصر. ”مآل علم الكلام عند ابن حزم والباجي.“ ضمن الاتجاهات الكلامية في الغرب الإسلامي، تنسيق علي الإدريسي. 169–196. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2005.
البعزاتي، بناصر. ”مشاكل العلم بالغرب الإسلامي خلال القرن الرابع عشر.“ ضمن الفكر العلمي في المغرب: العصر الوسيط المتأخر، تنسيق ب. البعزاتي. 39–62. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2003.
البعزاتي، بناصر. الفكر العلمي والثقافة الإسلامية. الرباط: دار الأمان، 2015.
بن أحمد، فؤاد وإسماعيل شراد. ”النهضة المنطقية المغربية الثانية: أبو عثمان سعيد العقباني التلمساني (710-771هـ/1310-1370م).“ مجلة فيلوسموس الإلكترونية (2025): 1–61. https://philosmus.org/archives/4403.
بن أحمد، فؤاد وإسماعيل شراد. ”النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م).“ مجلة فيلوسموس الإلكترونية ( 2025): 1–60. https://philosmus.org/archives/4282.
بن أحمد، فؤاد، وعبد الإلاه بوديب. بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي: جدل الانحطاط الفكري بتونس القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد. الرباط: دار الأمان، 2025.
بن أحمد، فؤاد. ”صناعة المنطق ورهانات السلطة في أندلس العصر الوسيط: قراءة في صدر كتاب ابن طملوس في المنطق.“ مؤمنون بلا حدود (أكتوبر 2016): 1–37. https://www.mominoun.com/pdf1/2016-08/rihanat.pdf
بن أحمد، فؤاد. وعبد الإلاه بوديب. ”الماهوية والدوغمائية في قراءة التاريخ الفكري للمسلمين: نقاشٌ مع بناصر البعزاتي-الجزء الأول: عن الانتصار لگولدتسيهر.“ مجلة فيلوسموس الإلكترونية (فبراير 2026): 1–76. https://philosmus.org/archives/4447
بن أحمد، فؤاد. ومحمد الراضي. ”ديناميات التلقي: عن احتكاك أشاعرة الغرب الإسلامي بكلام فخر الدين الرازي.“ فيلوسموس: مجلة الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية 5-6 (2024): 7–149.
بن شقرون، محمد. مظاهر الثقافة المغربية من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر. الرباط: مطبعة الرسالة، 1970.
بنشريفة، محمد. ”أول تأليف مغربي في المنطق: أسهل الطرق إلى فهم المنطق للماجري.“ مجلة المناظرة 2 (1989): 27–56.
التادلي، أبو يعقوب يوسف بن يحيى ابن الزيات. التشوف إلى رجال التصوف. تحقيق أحمد التوفيق ط. 2. الرباط: منشورات كلية الآداب بالرباط: 1997.
التنبكتي، أحمد بابا. نيل الابتهاج بتطريز الديباج. تحقيق عبد الحميد عبد الله الهرامة. ط. 2. طرابلس: دار الكاتب، 2000.
الحموي، محمد أمين. خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر. الجزء الرابع. بيروت: دار صادر، 1390هـ[/1971م].
سامسو، خوليو. ”العلم العربي والثقافة الإسيدورية (92-206هـ/711-821)، ترجمة مصطفى بنسباع.“ الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية (30 أكتوبر 2022): 1-24. https://philosmus.org/archives/3473
الصغير، عبد المجيد. ”إشكالية استمرار الدرس الفلسفي الرشدي: حول أثر الغزالي في المدرسة الرشدية بالمغرب.“ ألف: مجلة البلاغة المقارنة (1996): 77–88.
الصغير، عبد المجيد. ”المنهج الرشدي وأثره في الحكم على ابن شد عند مغاربة القرنين السادس والثالث عشر للهجرة، 12 و19م.“ ضمن ابن رشد ومدرسته في الغرب الإسلامي: أعمال الندوة المنعقدة بمناسبة مرور ثمانية قرون على وفاة ابن رشد خلال أيام 21-23 أبريل 1978، 281-313. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1979.
الصغير، عبد المجيد. ”حول المضمون الثقافي للغرب الإسلامي من خلال المدخل لصناعة المنطق لابن طملوس.“ مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية 15 (1989-1990): 119–151.
الصغير، عبد المجيد. ”فصل المقال فيما بين المنطق والشريعة من الاتصال: النزعة الغزالية في الغرب الإسلامي.“ المناظرة 3 (1990): 23–36.
الطالبي، عمّار. آراء أبي بكر ابن العربي الكلامية. الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، د.ت.
عياض، أبو الفضل القاضي بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي. الغنية: فهرست شيوخ القاضي عياض. تحقيق ماهر زهير جرار. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1982.
القصار، محمد بن محمد بن علي القيسي (ت. 1012هـ/1603م). فهرسة، يليه إجازات صاحب الفهرسة، ويليه جمع تقاييد القصار الواردة في مصادر ترجمته. تحقيق عبد المجيد خيّالي. الرباط: دار أبي رقراق، 2015.
الكتاني، محمد بن جعفر بن إدريس. سلوة الأنفاس محادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس. تحقيق عبد الله الكامل الكتاني وحمزة بن محمد الطيب الكتاني ومحمد حمزة بن علي الكتاني. الدار البيضاء: دار الثقافة، 1425/2004.
المازري، أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي. إيضاح المحصول من برهان الأصول. تحقيق عمار الطالبي. تونس: دار الغرب الإسلامي، 2001.
مخلوف، محمد. شجرة النور الزكية في طبقات المالكية. القاهرة: المطبعة السلفية: 1349هـ/1930م.
المقريزي، تقي الدين. المقفى الكبير. تحقيق محمد اليعلاوي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1991.
المكلاتي، أبو الحجاج يوسف بن محمد. كتاب لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول. تحقيق فوقية حسين محمود. القاهرة: دار الأنصار، 1977.
المكلاتي، أبو الحجاج. لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول. تحقيق أحمد علمي حمدان. فاس: منشورات جامعة سيدي محمد بن عبد الله، 2012.
المكناسي، أحمد بن قاضي. جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام بمدينة فاس. الرباط: دار المنصور للطباعة والوراقة، 1973.
المنجور، أحمد بن علي بن عبد الرحمن. فهرسة الشيخ أبي العباس المنجور الفاسي. مخطوط. القاهرة: المكتبة الأزهرية، خاص: 31680. عام: 975142.
المنجور، أحمد. فهرس المنجور، تحقيق محمد حجي. الرباط: دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1997.
Elamrani-Jamal, Abdelali “Éléments nouveaux pour l’étude de l’Introduction à l’Art de la Logique d’Ibn Ṭumlūs (m. 620 H. /1223).” In Perspectives arabes et médiévales sur la tradition scientifique et philosophique grecque, Actes du colloque de la SIHSPAI (Société internationale d’histoire des sciences et de la philosophie arabes et islamiques), Paris 31 mars – 3 avril 1993, éd. Ahmad Hasnawi, Abdelali Elamrani-Jamal et Maroun Aouad, 465–483. Leuven-Paris: Peeters- Institut du Monde Arabe, 1997.
Benchekroun, Mohamed. La vie intellectuelle marocaine sous les Mérinides et les Waṭṭāsides, XIIIe, XIVe, XVe, XVIe siècles. Fès-Rabat : Imprimerie Mohammed V culturelle et universitaire, 1974.
Samsó, Julio. Las ciencias de los antiguos en al-Andalus. Madrid: Mapfre, 1992.
للتوثيق
بن أحمد، فؤاد وعبد الإلاه بوديب. ”الماهوية والدوغمائية في قراءة التاريخ الفكري للمسلمين: نقاشٌ مع بناصر البعزاتي — الجزء الثاني: في دعوى ”الركود والتراجع“ في الغرب الإسلامي خلال القرن الثامن للهجرة /الرابع عشر للميلاد.“ فيلوسموس: ضمن موقع الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية، (أبريل 2026). الرابط <https://philosmus.org/archives/4485>
فؤاد بن أحمد
عبد الإلاه بوديب
[1] لمتابعة خلفية هذا النقاش، انظر: فؤاد بن أحمد وعبد الإلاه بوديب، ”الماهوية والدوغمائية في قراءة التاريخ الفكري للمسلمين: نقاشٌ مع بناصر البعزاتي-الجزء الأول: عن الانتصار لگولدتسيهر،“ فيلوسموس الإلكترونية: موقع الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية (فبراير 2026): 1–76. https://philosmus.org/archives/4447
[2] انظر: بناصر البعزاتي، ”مشاكل العلم بالغرب الإسلامي خلال القرن الرابع عشر،“ ضمن الفكر العلمي في المغرب: العصر الوسيط المتأخر، تنسيق ب. البعزاتي (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2003): 39–62.
[3] بناصر البعزاتي، ”بعض سمات التدليل الخلدوني،“ مجلة أفكار 11 (2010): 239–294.
[4] بناصر البعزاتي، الفكر العلمي والثقافة الإسلامية (الرباط: دار الأمان، 2015).
[5] بناصر البعزاتي، ”گلدتسيهر والعلوم العقلية في الثقافة الإسلامية،“ ضمن الفكر العلمي والثقافة الإسلامية، 351–366. وقد جاء في صيغة خاتمة/ملحق في الكتاب.
[6] بناصر البعزاتي، ”الأفق الفكري للمدرسة المرينية،“ ضمن مؤسسات العلم والتعليم في الحضارة الإسلامية، تنسيق ب. البعزاتي (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2008): 133–169.
[7] بناصر البعزاتي، ”التجديد والمقاومة،“ ضمن الفكر العلمي والثقافة الإسلامية، 331–350. وقفنا عند بعض مما جاء فيها من أحكام في الجزء الأول من هذا العمل.
[8] البعزاتي، ”مآل علم الكلام عند ابن حزم والباجي،“ ضمن الاتجاهات الكلامية في الغرب الإسلامي، تنسيق علي الإدريسي (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2005)، 169–196.
[9] البعزاتي، ”قراءة،“ 310.
[10] انظر: البعزاتي، ”قراءة،“ 310.
[11] البعزاتي، ”قراءة،“ 305. والتشديد منا.
[12] البعزاتي، ”قراءة،“ 305–306.
[13] البعزاتي، ”قراءة،“ 299.
[14] البعزاتي، ”قراءة،“ 306.
[15] البعزاتي، ”قراءة،“ 313.
[16] البعزاتي، ”قراءة،“ 304–305. والتشديد منا.
[17] البعزاتي، ”قراءة،“ 323، هـ 74.
[18] في كتابنا كنا نعتقد، من باب حسن الظن بالمخاطب، أن البعزاتي يقصد بالفكر الغزالي الفكر الفلسفي، فوضعنا النعت الأخير بين معقوفين؛ وكان ذلك وهما منا، لكن تبين لنا بعض الفحص أنه يقصد الفكر الغزالي.
[19] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 43.
[20] وباستثناء موضع واحد، فإن جميع المواضع التي يحيل عليها البعزاتي من كتاب التشوف إلى رجال التصوف لا تتحدث عن الفكر الكلامي للغزالي ولا عن فكره المنطقي، وإنما عن تصوفه وعن إحياء علوم الدين خاصة. انظر: أبو يعقوب يوسف بن يحيى التادلي (ابن الزيات)، التشوف إلى رجال التصوف، تحقيق أحمد التوفيق ط. 2 (الرباط: منشورات كلية الآداب بالرباط: 1997)، 36، 54، 96، 100، 169، 179، 270. ففي الموضع الأول من إحالة البعزاتي حديث ابن الزيات (ت. 617هـ/1220م) عن مكانة إحياء علوم الدين في علوم التصوف والدفاع عنه وتأكيد على جانب التصوف في حياة الغزالي، أما الموضع الثاني ففيه إحالة على موقف الأشعرية من الكرامات ونقل عن الغزالي من عمله الاقتصاد في الاعتقاد دون التصريح باسمه أو تميز خاص به، فقد ذكر جنبا إلى جنب مع أبي بكر الباقلاني (ت. 403هـ/1013م) وأبي المعالي الجويني (ت. 478هـ/1085م) وعبد الكريم الشهرستاني (ت. 548هـ/ 1153م). أما الموضع الثالث فحديث عن واقعة إحراق كتب الغزالي في المغرب، وعن الإحياء تحديدا. أما الموضع الرابع، فاقتباس صريح من ابن الزيات من عمل إحياء علوم الدين. وأما الموضع الخامس فحكاية في الدفاع عن الإحياء وموافقته للكتاب والسنة. أما الموضع السادس فهو أيضا حكاية تدل على أهمية كتاب الإحياء. والموضع السابع والأخير أيضا فيه حكاية عن عناية أحد العلماء بنسخ فوائد من كتاب الإحياء.
[21] انظر: محمد بنشريفة، ”أول تأليف مغربي في المنطق: أسهل الطرق إلى فهم المنطق للماجري،“ مجلة المناظرة 2 (1989):27–56، 38.
[22] انظر : عبد المجيد الصغير، ”حول المضمون الثقافي للغرب الإسلامي من خلال المدخل لصناعة المنطق لابن طُملوس،“ مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية 15 (1989-1990): 119–151؛ ”فصل المقال فيما بين المنطق والشريعة من الاتصال: النزعة الغزالية في الغرب الإسلامي،“ المناظرة 3 (1990): 23–36؛ ”إشكالية استمرار الدرس الفلسفي الرشدي: حول أثر الغزالي في المدرسة الرشدية بالمغرب،“ ألف: مجلة البلاغة المقارنة (1996): 77–88؛ ”المنهج الرشدي وأثره في الحكم على ابن شد عند مغاربة القرنين السادس والثالث عشر للهجرة، 12 و19م،“ ضمن ابن رشد ومدرسته في الغرب الإسلامي: أعمال الندوة المنعقدة بمناسبة مرور ثمانية قرون على وفاة ابن رشد خلال أيام 21-23 أبريل 1978 (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1979)، 281–313. وهذه الدراسات كلها صدرت قبل صدور مقال البعزاتي بسنوات؛ وهو يعرفها جيدا.
[23] وقد أقر بلاثيوس الذي كان متحمسا في البداية إلى أثر الغزالي في الغرب الإسلامي، إلى غياب أي أثر له، من جهة المنطق، في عمل ابن طملوس.
[24] وقد أظهر عبد العلي العمراني-جمال هذا منذ تسعينيات القرن الماضي. انظر: Abdelali Elamrani-Jamal, “Éléments nouveaux pour l’étude de l’Introduction à l’Art de la Logique d’Ibn Ṭumlūs (m. 620 H. /1223),” in Perspectives arabes et médiévales sur la tradition scientifique et philosophique grecque, Actes du colloque de la SIHSPAI (Société internationale d’histoire des sciences et de la philosophie arabes et islamiques), Paris 31 mars – 3 avril 1993, éd. Ahmad Hasnawi, Abdelali Elamrani-Jamal et Maroun Aouad (Leuven-Paris: Peeters- Institut du Monde Arabe, 1997), 465–483.
[25] انظر: فؤاد بن أحمد، ”صناعة المنطق ورهانات السلطة في أندلس العصر الوسيط: قراءة في صدر كتاب ابن طملوس في المنطق،“ مؤمنون بلا حدود (أكتوبر 2016): 1–37.https://www.mominoun.com/pdf1/2016-08/rihanat.pdf
[26] انظر: فوقية حسين محمود، مقدمة ضمن، أبو الحجاج يوسف بن محمد المكلاتي، كتاب لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول، تحقيق فوقية حسين محمود (القاهرة: دار الأنصار، 1977)، 69–70.
[27] أبو الحجاج المكلاتي، لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول، تحقيق أحمد علمي حمدان (فاس: منشورات جامعة سيدي محمد بن عبد الله، 2012).
[28] البعزاتي، ”قراءة،“ 341.
[29] البعزاتي، ”قراءة،“ 341.
[30] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 43.
[31] انظر في هذا الباب: فؤاد بن أحمد وإسماعيل شراد، ”النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)،“ مجلة فيلوسموس الإلكترونية (2025): 1–60.https://philosmus.org/archives/4403؛ وانظر أيضا: ”النهضة المنطقية المغربية الثانية: أبو عثمان سعيد العقباني التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)،“ مجلة فيلوسموس الإلكترونية (2026): 1–61.https://philosmus.org/archives/4282
[32] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 54. والتشديد منا.
[33] انظر: بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 75.
[34] البعزاتي، ”قراءة،“ 313. والتشديد منا.
[35] البعزاتي، ”الأفق الفكري،“ 136.
[36] البعزاتي، ”الأفق الفكري،“ 146.
[37] البعزاتي، ”الأفق الفكري،“ 159.
[38] البعزاتي، ”الأفق الفكري،“ 160.
[39] البعزاتي، ”الأفق الفكري،“ 163.
[40] البعزاتي، ”الأفق الفكري،“ 166.
[41] البعزاتي، ”الأفق الفكري،“ 169.
[42] البعزاتي، ”الأفق الفكري،“ 134.
[43] البعزاتي، ”الأفق الفكري،“ 163.
[44] البعزاتي، ”قراءة،“ 313.
[45] البعزاتي، ”الأفق الفكري،“ 150.
[46] Mohamed Benchekroun, La vie intellectuelle marocaine sous les Mérinides et les Waṭṭāsides, XIIIe, XIVe, XVe, XVIe siècles (Fès-Rabat : Imprimerie Mohammed V culturelle et universitaire, 1974).
[47] البعزاتي، ”الأفق الفكري،“ 150. ”كذا“ التي أدرجناها في الاقتباس نعني بها أن اسم العالم التونسي هكذا ورد عند البعزاتي، أي ”ابن خروف،“ والصواب ”خروف.“
[48] تشمل دراسة محمد بن شقرون الحياة الثقافية المغربية في العهدين المريني والوطاسي. وقد قيدنا هذا بالناحية الشكلية، لأن مضمون المثال كما سنرى أدناه لا يفيد ما يود بن شقرون والبعزاتي تأكيده.
[49] محمد مخلوف، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية (القاهرة: المطبعة السلفية: 1349هـ/1930م)، ج. 1: 281. وانظر أيضا: أحمد بن قاضي المكناسي، جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام بمدينة فاس (الرباط: دار المنصور للطباعة والوراقة، 1973)، 322–323.
[50] للفقيه الحنفي والمؤرخ والأديب محمد أمين بن فضل الله بن محب الدين بن محمد المحبي الحموي الأصل (ت 1111هـ/1699م). وسنعود إليه أدناه.
[51] مخلوف، شجرة النور الزكية، ج. 1: 282. ويذكر مخلوف في الموضع نفسه ثلاثة أسماء أخرى ممن أخذ عنه. وانظر هامشا أدناه ضمناه أسماء بعض ممن أخذ عن خروف.
[52] محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني، سلوة الأنفاس محادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس، تحقيق عبد الله الكامل الكتاني وحمزة بن محمد الطيب الكتاني ومحمد حمزة بن علي الكتاني (الدار البيضاء: دار الثقافة، 1425/2004)، ح. 3: 355. والتشديد منا.
[53] يرد اسمه في النسخة الخطية هكذا: ابن خروف. انظر: أحمد بن علي بن عبد الرحمن المنجور، فهرسة الشيخ أبي العباس المنجور الفاسي، مخطوط (القاهرة: المكتبة الأزهرية، خاص: 31680، عام: 975142)، 22.
[54] أحمد المنجور، فهرس المنجور، تحقيق محمد حجي (الرباط: دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1997)، 70.
[55] المنجور، فهرس المنجور، 70.
[56] محمد بن محمد بن علي القيسي القصار (ت. 1012هـ/1603م)، فهرسة، يليه إجازات صاحب الفهرسة، ويليه جمع تقاييد القصار الواردة في مصادر ترجمته، تحقيق عبد المجيد خيالي (الرباط: دار أبي رقراق، 2015)، 70.
[57] انظر: محمد أمين بن فضل الله بن محب الدين بن محمد المحبي الحموي، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (بيروت: دار صادر، 1390هـ[/1971م])، ج. 4: 121.
[58] جاء هذا الكلام عقب إجازة القصار لأحد تلامذته في علمي الكلام والعقائد. انظر: إجازات صاحب الفهرسة، ضمن القصار، فهرسة، 98.
[59] نقرأ عند الكتاني عن صاحبنا خروف: ”وأخد عنه هو بها [بفاس]: الشيخُ أبو العباس المنجور، والشيخ أبو عبد الله القصار، والقاضي الحميدي، وأحمد بن علي الزموري، وأحمد بن سليمان السكيري، وأبو المحاسن سيدي يوسف الفاسي، والشيخ سيدي رضوان الجنوي.“ سلوة الأنفاس، ج. 3: 355.
[60] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 40. والتشديد منا.
[61] لسان الدين بن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق عبد الله عنان، ط. 2 (القاهرة: مكتبة الخانجي-الشركة المصرية للطباعة والنشر، 1973)، ج. 1: 272.
[62] ابن الخطيب، الإحاطة، ج. 1: 272.
[63] ابن الخطيب، الإحاطة، ج. 1: 272.
[64] ابن الخطيب، الإحاطة، ج. 1: 272–277.
[65] يقول البعزاتي مثلا: ”وفي باب مؤسسات التعليم ينتقي فؤاد بن أحمد جملاً من نفس المقالة المختصرة السابقة، ويتغافل عمداً عن المقالة حول المدرسة المرينية التي كتبت استفادة من دراسات آخرين. “ البعزاتي، ”قراءة،“ 313.
[66] سبق أن ذكرناه أعلاه.
[67] البعراتي، ”الأفق الفكري،“ 150.
[68] البعراتي، ”الأفق الفكري،“ 150، هــ 38.
[69] البعراتي، ”الأفق الفكري،“ 150، هــ 38.
[70] في الهامش رقم 37 يحيل إلى عملَي محمد بن شقرون:
La vie intellectuelle marocaine sous les Mérinides et les Waṭṭāsides, XIIIe, XIVe, XVe, XVIe siècles (Fès-Rabat : Imprimerie Mohammed V culturelle et universitaire, 1974), 478.
ومظاهر الثقافة المغربية من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر (الرباط: مطبعة الرسالة، 1970)، 212–215.
[71] بن شقرون، مظاهر الثقافة المغربية، 213.
[72] بن شقرون، مظاهر الثقافة المغربية، 213–214، نقلًا عن الإحاطة. وبن شقرون لم يحترم ترتيب أحوال الجزنائي كما وردت في الإحاطة نقلا عن عائد الصلة ”حاله: من عائد الصّلة: من أهل المعرفة بصناعة الطب، وتدقيق النظر فيها، مشاركا في الفنون، وخصوصا في علم الأدب، حافظا للشعر؛ ذكر أنه حفظ منه عشرين ألف بيت للمحدَثين، والغالب عليه العلوم الفلسفية، وقد مقت لذلك، وتهتّك في علم الكيمياء، وخلع فيه العذار، فلم يحل بطائل، إلّا أنه كان تفوّه بالوصول شنشنة المفتونين بها على مدى الدهر. وله شعر رائق، وكتابة حسنة، وخط ظريف.كتب في ديوان سلطان المغرب مُرَئسا، وتسرّى جارية روميّة اسمها صبح، من أجمل الجواري حسنا، فأدّبها حتى لقّنت حظّا من العربية، ونظمت الشعر، وكان شديد الغرام بها، فهلكت أشدّ ما كان حبّا لها، وامتداد أمل فيها، فكان بعد وفاتها لا يُرى إلّا في تأوّه دائم، وأسف متماد، وله فيها أشعار بديعة في غرض الرّثاء.“ ابن الخطيب، الإحاطة، ج. 1: 272.
[73] بن شقرون، مظاهر الثقافة المغربية، 213. نقلا عن المسند الصحيح لابن مرزوق. ويتحدث ابن مرزوق عن الجزنائي بوصفه من كتاب السلطان أبي الحسن: ”الفقيه المشارك التعاليمي الفاضل الطبيب الأديب النباتي النخبة، أبو العباس أحمد بن شعيب، أحد فضلاء وقته ونبلاء زمانه، طبقة في قرض الشعر عالية وإماما في التعاليم وواحدا في المعرفة بالأشجار والنبات، بارع الخط يحسن الكتابة. وكان مولانا رضي الله عنه ينفر عنه، لموجب الله أعلم بحقيقته، ولا يبدو على ظاهره ما يدل على طعن في طريقته في المعتقد، ولقد خبرته وذاكرته وباحثته علم الله غير مرة، فما اطلعت والله منه إلا على ما يرضي، تجاوز الله عنا وغفر لنا أجمعين بفضله ورحمته، وبالجملة فكان من صدور العلماء.“ محمد بن مرزوق التلمساني، المسند الصحيح الحسن في مآثر ومحاسن مولانا أبي الحسن، دراسة وتحقيق ماريا خيسوس بيغيرا (الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1981)، 375.
[74] بن شقرون، مظاهر الثقافة المغربية، 214.
[75] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 40. والتشديد منا. ونكرر الاقتباس لدواعي الاستدلال هنا.
[76] ابن الخطيب، الإحاطة، ج. 1: 272.
[77] بن شقرون، مظاهر الثقافة المغربية، 214.
[78] البعزاتي، ”قراءة،“ 325–326. والتشديد منا.
[79] يقول البعزاتي: ”أبدت السنة المالكية إهمالا مقصودا إزاء التراث المحلي في الأندلس والمغرب؛ فقد كان هناك أفكار سنيكا وإسيدر الإشبيلي وتراث فكري باللغة اللاتينية. لكن الفقهاء ينظرون إلى تراث المغلوبين نظرة احتقار، بل نظرة مقت.“ ”مآل علم الكلام،“ 173–174.
[80] رحل سينيكا هو وأسرته عن إسبانيا إلى روما ولم يكن عمره يتجاوز عشرين عاما. ومجمل أنشطته كانت بروما وتوفي بها قبل مجيء الإسلام بستة قرون تقريبا.
[81] انظر على سبيل المثال أعمال خوليو سامسو عن أثر إسيدور الإشبيلي في الثقافة العلمية الإسلامية الأندلسية (الجغرافيا والطب والزراعة…)، وبخاصة الفصل الأول من عمله:
Julio Samsó, Las ciencias de los antiguos en al-Andalus (Madrid: Mapfre, 1992).
وانظر الترجمة العربية لهذا الفصل في: خوليو سامسو، ”العلم العربي والثقافة الإسيدورية (92-206هـ/711-821م)، ترجمة مصطفى بنسباع،“ مجلة الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية (30 أكتوبر 2022): 1–24.
https://philosmus.org/archives/3473
[82] وتقول عبارته: ”يحذر الفقهاء والمحدثون، شرقا وغربا، من علم الكلام […] ويرون أن العلم الصحيح هو الذي يلتزم بالنص القرآني […] ويؤدي إلى عمل اتباعي.“ البعزاتي، ”مآل علم الكلام،“ 175. والتشديد منا. ولا يظهر من كلام البعزاتي هنا أنه ينسب هذا الحكم العام إلى واحد من الفقهاء أو المحدثين على جهة الحكاية المحددة، لكنه على الأغلب يعوّل فيه على شهادة ابن عبد البر؛ لأنه يعطف عليها مباشرةً بقوله: ”فيقول ابن عبد البر مثلًا: ’أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه.‘“ (الموضع نفسه). غير أن الإشكال لا يكمن في الاستشهاد بابن عبد البر فحسب، بل في طريقة توظيف هذه الشهادة: إذ تُساق كما لو كانت مرآةً شفافة لموقف ”الفقهاء والمحدثين، شرقا وغربا،“ من غير أي مسافة نقدية تفصل بين النص بوصفه تعبيرًا عن صاحبه، وبين الحكم العام الذي يراد أن يُستخرج منه. فابن عبد البر، في نهاية الأمر، لا يعكس إلا موقفه هو، بكل ما فيه من حدّة وجدال وموقع مذهبي وزمني مخصوص. أما إذا فُهم كلامه على ظاهره الحرفي، بوصفه وصفًا دقيقًا لمجموع الفقهاء والمحدثين في جميع الأمصار، فإنه يغدو غير دقيق، بل خاطئًا؛ لأن الواقع التاريخي نفسه لا يسعف بهذا الإجماع المزعوم، ولا يجيز ردّ مواقف هذا الطيف الواسع والمتباين إلى عبارة واحدة صادرة في مقام السجال والاصطفاف.
[83] البعزاتي، ”مآل علم الكلام،“ 189.
[84] البعزاتي، ”قراءة،“ 302. وانظر تعقيبنا على هذا الحكم في: بن أحمد و بوديب، ”الماهوية والدوغمائية في قراءة التاريخ الفكري للمسلمين،“ 58–60.
[85] البعزاتي، ”مآل علم الكلام،“ 196.
[86] البعزاتي، ”مآل علم الكلام،“ 194.
[87] البعزاتي، ”مآل علم الكلام،“ 196.
[88] البعزاتي، ”قراءة،“ 323. والتشديد منا.
[89] الأول قوله بوجود: ”تعالق متشعب بين المذاهب الكلامية والفقهية: فأغلب المعتزلة حنفيون، وأغلب الأشاعرة […] شافعية، لكن بعض الأشاعرة مالكية، وقلة منهم أحناف […].“ البعزاتي، ”مآل علم الكلام عند ابن حزم والباجي،“ 171، هـ 1؛ و”قراءة،“ 323. والثاني قوله عن الماتريدية والطحاوية والاعتزال: ”[…] ولم تعرف الماتريدية والطحاوية في الغرب الإسلامي […] إذ وصلت بعض الأفكار الاعتزالية إلى إفريقيا والأندلس، لكن سرعان ما حاربها فقهاء المالكية[…].“ البعزاتي، ”مآل علم الكلام عند ابن حزم والباجي،“ 171، هـ 1؛ ”قراءة،“ 324. والثالث قوله: ”ليس المذهب الأشعري […] وحدة متماسكة […] وقد هاجم الأشاعرة المالكية (مثل ابن العربي) الجويني والغزالي […] والشافعي المازري انتقد الجويني […].“ البعزاتي، ”مآل علم الكلام عند ابن حزم والباجي،“ 171، هـ 5؛ البعزاتي، ”قراءة،“ 324–325.
[90] البعزاتي، ”قراءة،“ 325.
[91] انظر نقده للجويني في مسألة العلم الإلهي في: أبو بكر ابن العربي، قانون التأويل، دراسة وتحقيق محمد السليماني ط. 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1990)، 184–187؛ وأبو بكر ابن العربي، العواصم من القواصم، تحقيق عمار طالبي (القاهرة: دار التراث، 1974)، 98–107.
[92] انظر: أبو بكر ابن العربي، العواصم من القواصم، 24–38.
[93] انظر نماذج في: أبو بكر ابن العربي، قانون التأويل، 126–127؛ أبو بكر ابن العربي، المتوسط في الاعتقاد والرد على من خالف السنة من ذوي البدع والإلحاد، تحقيق عبد الله التوراتي (طنجة-بيروت: دار الحديث الكتانية، 2015)، 292، 461. وتارة يتفق مع الجويني أو يعتبر رأيه خلافا معتبرا لا يضر. انظر: أبو بكر ابن العربي، المتوسط في الاعتقاد، 381. ومثل هذه الاختلافات يعتبرها المعافري من الاختلافات التي لا تبديع بها ولا تكفير ويعتبر هذا ميزة أشعرية. انظر: أبو بكر ابن العربي، المتوسط في الاعتقاد، 235.
[94] انظر على التوالي: أبو بكر ابن العربي، قانون التأويل، 189–191، 340–341.
[95] يُحصي عمّار الطالبي أربعة عشر مصنَّفًا في علم الكلام، والتفسير، والحديث، وأصول الفقه، والتصوف، يُقال إن أبا بكر ابن العربي المعافري حملها معه عند عودته من رحلته إلى المشرق. وكان من بينها كتبٌ للجويني، هي: مدارك العقول، والبرهان في أصول الفقه، والرسالة النظامية، وغياث الأمم في التياث الظلم؛ كما كان من بينها كتبٌ للغزالي، هي: المنخول، والمنتحل، ومحك النظر، وتهافت الفلاسفة، والاقتصاد في الاعتقاد، وشفاء الغليل. انظر: عمّار الطالبي، آراء أبي بكر ابن العربي الكلامية (الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، د.ت.)، 64–65.
[96] يقول البعزاتي: ”ليس المذهب الأشعري […] وحدة متماسكة […] وقد هاجم الأشاعرة المالكية (مثل ابن العربي) الجويني والغزالي […] والشافعي المازري انتقد الجويني […].“ البعزاتي، ”مآل علم الكلام عند ابن حزم والباجي،“ 171، هـ5؛ و”قراءة،“ 324–325. والتشديد منا.
[97] هناك شخصية أخرى تحمل اللقب نفسه، وهي: أبو عبد الله محمد بن مسلم المازري الإسكندري (ت. 530هـ/1135م) وله شرح على الإرشاد للجويني بعنوان: المهاد في شرح الإرشاد، وشرح آخر على البرهان في أصول الفقه. انظر تعريفا موجزا بهما على التوالي، في: القاضي عياض، الغنية: فهرست شيوخ القاضي عياض، تحقيق ماهر زهير جرار (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1982)، 65، 88. وبخصوص مالكية المازري نزيل الإسكندرية انظر: تقي الدين المقريزي، المقفى الكبير، تحقيق محمد اليعلاوي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1991)، ج. 7: 253–254. ويجدر التنبيه إلى أن المقريزي يخلط بين المازريين؛ وانظر أيضا ترجمته في: أحمد بابا التنبكتي، نيل الابتهاج بتطريز الديباج، تحقيق عبد الحميد عبد الله الهرامة، ط. 2 (طرابلس: دار الكاتب، 2000)، 376؛ وانظر: محمد بن محمد مخلوف، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية (القاهرة: المطبعة السلفية: 1349هـ/1930م)، ج. 1: 125. ويوجد مازري آخر مالكي هو أبو عبد الله محمد بن أبي الفرج المازري (ت. 516هـ/1122م)، المعروف بالذكي وهو مالكي أيضا لكنه لم يعرف بتفاعله مع الجويني. انظر ترجمته في: مخلوف، شجرة النور الزكية، ج. 1: 125.
[98] انظر: أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري، إيضاح المحصول من برهان الأصول، تحقيق عمار الطالبي (تونس: دار الغرب الإسلامي، 2001)، 125.
[99] البعزاتي ”قراءة،“ 324–325. وقارن بـ: البعزاتي، ”مآل علم الكلام،“ 171 هـ 5.
[100] بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 66، هـ 112.
[101] البعزاتي، ”بعض سمات التدليل،“ 251–252، ”قراءة،“ 319.
[102] البعزاتي،”قراءة،“ 320؛ وانظر أيضا: ”بعض سمات التدليل،“ 258–259.
[103] البعزاتي، ”بعض سمات التدليل،“ 258؛ ”قراءة،“ 320.
[104] ابن عرفة، المختصر في المنطق، ضمن رسالتان في المنطق: الجمل للخونجي والمختصر في المنطق لابن عرفة، تحقيق وتقديم سعد غراب (تونس: مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، 1976)، 59–60.
[105] البعزاتي، ”بعض سمات التدليل،“ 259، هـ 1؛ ”قراءة،“ 320، هـ 66. والتشديد منا.
[106] البعزاتي،”بعض سمات التدليل،“ 289؛ ”قراءة،“ 321؛ والتشديد منا.
[107] ابن عرفة، المختصر الكلامي، تحقيق وتعليق نزار حمادي (الكويت: دار الضياء للنشر والتوزيع، 2017)، 74. وانظر بخصوص هذا الموضوع: فؤاد بن أحمد ومحمد الراضي، ”ديناميات التلقي: عن احتكاك أشاعرة الغرب الإسلامي بكلام فخر الدين الرازي،“ فيلوسموس: مجلة الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية 5-6 (2024): 114–120.
[108] هذه القطعة كان قد نشرها سعد غراب. انظر: ”باب الإمامة من كتاب المختصر الشامل لابن عرفة. تحقيق وتقديم،“ حوليات الجامعة التونسية 9 (1972): 177–234.
[109] انظر هوامش نشرة غراب.
[110] انظر هوامش الباب الثالث في الإمامة ضمن نشرة نزار حمادي: ابن عرفة الورغمي، المختصر الكلامي، تحقيق نزار حمادي (الكويت: دار الضياء، 2014)، 1030–1082.
[111] البعزاتي، ”قراءة،“ 309.
[112] بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 19. والتشديد منا.
[113] البعزاتي، ”قراءة،“ 313.
[114] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 43.
[115] البعزاتي، ”قراءة،“ 331.
[116] البعزاتي، ”قراءة،“ 331.
[117] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 48.
[118] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 50.
[119] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 49.
[120] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 50.
[121] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 50.
[122] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 50.
[123] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 53.
[124] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 53.
[125] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 49.
[126] انظر عرضنا النقدي للمسألة في: بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 29–49.
[127] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 50. والتشديد منا.
[128] البعزاتي، ”قراءة،“ 315.
[129] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 54.
[130] بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 74.
[131] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 54.
[132] البعزاتي، ”قراءة،“ 310.
[133] بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 64؛ البعزاتي، ”قراءة،“ 310.
[134] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 45.
[135] بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 64.
[136] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 45.
[137] البعزاتي، ”مشاكل العلم،“ 45.
[138] انظر: البعزاتي، ”قراءة،“ 310.
[139] البعزاتي، قراءة، 311، 312.
[140] و”لا زال“ لا تستقيم في الاستعمال الخبري إلا إذا أريد بها الدعاء، كقولهم: ”لا زال أثرك،“ أي نسأل الله ألا يزول، أو: ”لا حرمنا الله منك.“ أما ”لازال“ الواردة في نص البعزاتي، فليست من هذا الباب، بل هي من الخطإ الإملائي الشائع، والأفصح في موضعها: ”ما زال“ أو ”لا يزال.“ وأما [كذا] فقد أثبتناها للتنبيه إلى أن هذا اللفظ ورد في الأصل على هذه الصورة، لا أنه ناشئ عن تصرف منا أو خلل في النقل.
[141] البعزاتي، ”قراءة،“ 343، هـ 133. وانظر: بناصر البعزاتي، الاستدلال والبناء. بحث في خصائص العقلية العلمية، ط. 1 (الرباط-الدار البيضاء: دار الأمان-المركز الثقافي العربي، 1999) (ط. 2، 2019). والكتاب في أصله أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الفلسفة أنجزها المؤلف تحت إشراف سالم يفوت (ت. 2013) وناقشها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط في شهر نونبر 1997. وقد كان محمد عابد الجابري (ت. 2010م) واحدا من أعضاء لجنة المناقشة.
[142] بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 64، هـ 104.
[143] البعزاتي، ”قراءة،“ 312.
[144] البعزاتي،”قراءة،“ 305.
[145] البعزاتي، ”قراءة،“ 323.
[146] نقول: ”وفي عام 2020 قدّم محمد فاضل ضمن موسوعة الإسلام الثالثة (EI³) مَدخَلًا […] ركز فيه على إسهامه في الفقه المالكي، لكنّه ظلّ خاليًا من أيّ إشارة إلى نزوع ابن عرفة العقلاني في علم الكلام والمنطق، مكتفيًا بإشارة عابرة إلى مؤلّفاته في علم الكلام، والنحو، والفلك.“ بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 17.
[147] نقول: ”وفي المقابل، يعارض سعد غراب هذه التفسيرات من خلال إعادة تقويم دور ابن عرفة، مبرزًا إسهاماته العقلانية في الفقه وعلم الكلام والمنطق، ومُبرئا إياه من المسؤولية المباشرة عن التراجع الفكري التي كان برنشفيگ قد حمله إياها.“ بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 18.
[148] نقول: ”والحق أن أعمال سعد غراب الرائدة قد تقدمت إلى الكشف عن الميول العقلانية لابن عرفة، إلا أن فجوات لا تزال قائمة في استكشاف مواقفه الفلسفية والكلامية بشكل كامل نظرًا لمحدودية المصادر.“ بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 19.
[149] نقول: ”يسعى هذا القسم إلى تجاوز هذه القيود من خلال تحليل عميق لجهود ابن عرفة العقلانية بالمقارنة مع موقف أكثر محافظةً لابن خلدون.“ بن أحمد وبوديب، بين ابن عرفة الورغمي وابن خلدون الحضرمي، 19.
مقالات ذات صلة
الماهوية والدوغمائية في قراءة التاريخ الفكري للمسلمين: نقاشٌ مع بناصر البعزاتي — الجزء الأول: عن الانتصار لگولدتسيهر
Essentialism and Dogmatism in Reading Islamic Intellectual History: A Conversation with Bennacer El Bouazzati— Part One: In Vindication of Goldziher al-Māhawiyya wa-l-dūghmāʾiyya fī qirāʾat al-tārīkh al-fikrī li-lmuslimīn: niqāsh maʿa Bannasar...
النهضة المنطقيّة المغربيّة الثانية: أبو عثمان سعيد بن محمد العقبانيّ التلمسانيّ (720-811 هـ/1320-1408م)
The Second Maghribi Logical Renaissance:Abū ʿUthmān Saʿīd ibn Muḥammad al-ʿUqbānī al-Tilimsānī720-811/1320-1408 Al-Nahḍa al-Manṭiqiyya al-Maghribiyya al-Thāniya: Abū ʿUthmān Saʿīd ibn Muḥammad al-ʿUqbānī al-Tilimsānī720-811/1320-1408 النهضة المنطقية المغربية...
الخطاب المعياري عند الماوردي (ت. 450هـ/1058م) بين الفقه والفلسفة والأدب: من التأطير القانوني إلى قراءة نسقية وتاريخية
Al-Māwardī’s (d. 450/1058) Normative Discourse between Islamic Jurisprudence, Philosophy, and Adab: From a Legalistic Framing to a Systematic and Historical-Contextual Reading al-khiṭāb al-miʿyārī ʿinda al-Māwardī (d. 450/1058) bayna al-fiqh wa-l-falsafa wa-l-adab:...
نحو الوحدة الاصطلاحية في ترجمة ”المفصّل في الحجاج“
Toward Terminological Unity in the Translation of The New Rhetoric Naḥwa al-waḥda al-iṣṭilāḥiyya fī tarjamat al-Mufaṣṣal fī al-ḥijāj نحو الوحدة الاصطلاحية في ترجمة ”المفصّل في الحجاج“ محمد قنديلجامعة ابن طفيل، القنيطرة Mohammed Kandil Ibn Tofail University, Kénitra...
آراء الفيلسوف أبي الحسن العامري (ت.381هـ/922م) في النفس الإنسانية
Ārāʾ al-faylasūf Abī al-Ḥasan al-ʿĀmirī (d. 381 H/992 M) fī al-nafs al-insānīyah Abū al-Ḥasan al-ʿĀmirī (d. 381/992) on The Human Soul: A Philosophical Inquiry آراء الفيلسوف أبي الحسن العامري (ت.381هـ/ 922م) في النفس الإنسانية[1] بلال مدريرالأكاديمية الجهوية للتربية...
النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)
The Second Maghribi Logical Revival: Muḥammad al-Sharīf al-Tilmisānī (710–771/1310–1370) al-Nahḍa al-Manṭiqiyya al-Maghribiyya al-Thāniya:Muḥammad al-Sharīf al-Tilimsānī (710–771/1310–1370) النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)...
الإسهام الإصلاحي في الفلك لجابر بن أفلح الإشبيلي: موقع كوكبي الزهرة وعطارد نموذجًا
The Reformist Contribution of Jābir ibn Aflaḥ al-Ishbīlī to Astronomy: Venus and Mercury as a Case Study al-Ishām al-iṣlāḥī fī al-falak li-Jābir b. Aflaḥ al-Ishbīlī: Mawqiʿ kawkabay al-Zuhra wa-ʿUṭārid namūdhajan الإسهام الإصلاحي في الفلك لجابر بن أفلح الإشبيلي:موقع...
مفهوم البراديغم من خلال فلك ابن الهيثم
The Concept of Paradigm in Ibn al-Haytham's Astronomy Mafhūm al-Parādīghm min khilāl falak Ibn al-Ḥaytham مفهوم البراديغم من خلال فلك ابن الهيثم فتاح مكاويFatah Mekkaoui جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاسSidi Mohamed Ben Abdellah University, Fez الملخص: يعتبر...
في مشروعية الكلام السني ضدا على إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (ت.505هـ/1111م): قطعة من موسوعة الأسرار والعبر لأبي بكر الطرطوشي (ت.520هـ/1126م)، تعريفٌ وتوصيف
On the Legitimacy of Sunni Theology against Abū Ḥāmid al-Ghazālī’s Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn (d. 505/1111): A Section from Abū Bakr al-Ṭurṭūshī’s al-Asrār wa-l-ʿIbar (d. 520/1126) - Introduction and Description Fī Mashrūʿiyyat al-Kalām al-Sunnī Ḍiddan ʿalā Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn...
منهج الغزالي في التأليف في علم المنطق
Al-Ghazālī’s Methodology in His Writings on Logic Manhaj al-Ghazālī fī al-Taʾlīf fī ʿIlm al-Manṭiq منهج الغزالي في التأليف في علم المنطق محمد رويMohamed Roui جامعة عبد الملك السعديUniversité Abdelmalek Essaadi ملخص: تتناول هذه الدراسة معالم منهج أبي حامد الغزالي...









