Loading

الخطاب المعياري عند الماوردي (ت. 450هـ/1058م) بين الفقه والفلسفة والأدب: من التأطير القانوني إلى قراءة نسقية وتاريخية


Al-Māwardī’s (d. 450/1058) Normative Discourse between Islamic Jurisprudence, Philosophy, and Adab: From a Legalistic Framing to a Systematic and Historical-Contextual Reading

al-khiṭāb al-miʿyārī ʿinda al-Māwardī (d. 450/1058) bayna al-fiqh wa-l-falsafa wa-l-adab: min al-taʾṭīr al-qānūnī ilā qirāʾa nasqiyya wa-tārīkhiyya

الخطاب المعياري عند الماوردي (ت. 450هـ/1058م) بين الفقه والفلسفة والأدب: من التأطير القانوني إلى قراءة نسقية وتاريخية

Mohamed Lamallam
محمد لمعلم[✸]

Abstract: For over a century and a half, scholarly understandings of al-Māwardī’s thought in both Western and Arabic scholarships have been shaped by a legalistic reading, one that has directed much of the academic attention to political jurisprudence, particularly through al-Aḥkām al-sulṭāniyya. Yet scholars have rarely paused to consider whether this legal framing adequately reflects the character of al-Māwardī’s ethical and sociopolitical vision, or whether it obscures a more comprehensive understanding of his intellectual legacy. This article aims to critically assess this longstanding framing and propose elements of a systematic reading that situates al-Māwardī’s jurisprudential thought within a broader normative discourse, encompassing the various intellectual fields through which he advanced his ethical, social, and political ideas. The central claim of the article holds that the dominant jurisprudential approach has produced a fragmented interpretation that conceals the deep interconnections between the multiple disciplines that together constitute al-Māwardī’s thinking on society, ethics, and politics—namely, jurisprudence, adab, and philosophy. The article explores how al-Māwardī’s normative discourse cuts across all three fields in two parts. The first traces the emergence of the fragmented reading in the modern period, outlines its major stages, and critiques its methodological assumptions. It also evaluates key studies that have attempted to redress this fragmented interpretation. The second part presents elements of a systematic reading by analyzing central terms in al-Māwardī’s thought—foremost among them the concept of adab—and tracing how these terms connect the various fields through which he articulated his ethical and sociopolitical vision.
Keywords: Al-Māwardī—Adab SiyāsaFiqh—Systematic Reading—Philosophy

ملخص: 
على مدى أكثر من قرن ونصف شكلت قراءة قانونية فهم الدارسين لفكر الماوردي في الأدبيات الغربية والعربية، وفيها انصب أكبر الاهتمام على الفقه السياسي، خاصة من خلال كتاب الأحكام السلطانية. غير أن الدارسين قلما توقفوا ليتساءلوا عما إذا كان هذا التأطير القانوني كافيا للكشف عن طبيعة رؤيته الأخلاقية والاجتماعية والسياسية، أم أنه حاجب عن فهم أعمق لإرثه الفكري. غرض هذه المقالة هو نقد هذا التأطير القانوني واقتراح عناصر قراءة نسقية تدرج التفكير الفقهي عند الماوردي ضمن خطاب معياري أوسع، يشمل المجالات المعرفية التي صاغ من خلالها أفكاره الأخلاقية والاجتماعية والسياسية. تتلخص أطروحة المقالة في دعوى أن هيمنة القراءة الفقهية قد أفضت إلى فهم تجزيئي يحجب الترابط الوثيق بين جملة من الحقول المعرفية التي تشكل بمجموعها نسق الماوردي في النظر إلى الاجتماع والأخلاق والسياسة، وهي: الفقه، والأدب، والفلسفة. وتبحث المقالة كيفية تداخل الخطاب المعياري للماوردي عبر هذه الحقول الثلاثة في شقين. يتتبع الشق الأول نشأة القراءة التجزيئية في العصر الحديث، ويعرض مراحلها الرئيسة، وينقد فرضياتها المنهجية، كما يقيم أبرز الدراسات التي حاولت تجاوز هذا التجزيء. وأما الشق الثاني فيقدم عناصر قراءة نسقية من خلال تحليل مفردات مركزية في فكر الماوردي، وفي مقدمتها مفهوم ”الأدب،“ ويبين كيف تربط هذه المفردات بين المجالات المختلفة التي صاغ فيها الماوردي رؤيته الأخلاقية والاجتماعية والسياسية.
الكلمات المفاتيح: الماوردي—الأدب السياسي—الفقه—القراءة النسقية—الفلسفة

مقدمة

من المحطات المهمة في الدرس الفلسفي المعاصر، خاصة في الدراسات الفلسفية الأخلاقية الأنجلوساكسونية، هو إعادة الاهتمام بأخلاق الفضيلة في أواسط القرن العشرين. وقد كان للدارسة البريطانية، جيرترود إ. م. أنسكومب (Gertrude E. M. Anscombe، ت. 2001م)، دور محوري في هذا المنعطف بدءا بمقالتها الشهيرة المعنونة بـ”الفلسفة الأخلاقية المعاصرة،“ والمنشورة سنة 1958م.[1] ففي هذه المقالة، انتقدت أنسكومب التوجهات القانونية المهيمنة في الفلسفة الأخلاقية الحديثة، خاصة مذهبي النفعية (utilitarianism) وأخلاق الواجب الكانطية (deontology). فالفلسفة الأخلاقية الغربية الحديثة، بحسب أنسكومب، ظلت تستعمل مفاهيم من المعجم القانوني المسيحي رغم أن سياقها الثقافي لم يعد يؤمن بقانون إلهي. ولذا، دعت أنسكومب إلى إعادة تطوير مفاهيم أخلاق الفضيلة الأرسطية (virtue ethics)، بعد التنظير لأسسها النفسية والفلسفية، لتجاوز المفارقة الحاصلة في هيمنة مفاهيم قانونية في فلسفة الأخلاق.[2]

نقد أنسكومب لهيمنة التوجه القانوني في فلسفة الأخلاق يماثله تطور مواز ظهر في الدراسات الإسلامية الغربية؛ حيث بدأ بعض الباحثين، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، يثيرون تساؤلات حول تهميش أنماط من التفكير والكتابة التي ازدهرت بجانب الفقه وفنونه، حين التأريخ للفكر الأخلاقي والسياسي في السياق الإسلامي.[3] وعلى الرغم من تنامي هذا الوعي لدى الباحثين، فإن دراسة الفكر السياسي في التاريخ الإسلامي لا تزال تغلب عليها الجوانب الفقهية والقانونية، مما أنتج قراءة تجزيئية لكتابات وأسماء محورية في المرحلة الكلاسيكية (حوالي ق2هـ/8م–ق5هـ/11م).

من أبرز النماذج التي تتجلى فيها آثار هذه القراءة التجزيئية هي كتابات أبي الحسن الماوردي. فاسم الماوردي معروفٌ لدى الباحثين المحدثين، العرب والغربيين، على الأقل منذ منتصف القرن التاسع. ومع ذلك، فإن شهرة اسمه لم تُترجم غالبا إلى قراءة شاملة لنصوصه الموجودة، قراءة تكشف عن الصلات بين أنماط الكتابة التي تتضمنها نصوصه. ومن أهم الأسباب التي أنتجت هذه القراءة الاختزالية، كما تحاجج الورقة، هو النظر إلى الماوردي حصرا باعتباره فقيها شافعيا. وقد عزز من هذا التصور تأطير الإسلام في كثير من الأدبيات الأكاديمية الغربية باعتباره دينا قانونيا شموليا يحصر التفكير المعياري حول قضايا الأخلاق والاجتماع والسياسة في تفهم الأوامر القانونية الإلهية ومواءمتها مع الواقع الاجتماعي.[4] وبناء على هذا التصور، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى أواخر القرن العشرين، فقد ركزت معظم الدراسات على العناصر الفقهية في أعمال الماوردي. وقد أدى ذلك، كما سنرى، إلى قراءة جزئية لكتاباته لا تتجاوز غالبا الفصول الأولى من الأحكام السلطانية، فيما اعتُبرت نصوصه غير الفقهية ثانوية في بنية فكره الاجتماعي والسياسي. صحيح أنه لا يمكن إغفال دور المترجمين القدماء في تشكل صورة الماوردي الفقيه هذه، وتهميش ما عدا ذلك من جوانب فكره واهتماماته. فالمعلومات المتوفرة عنه، والتي تناقلتها أغلب المصادر، جاءت أساسا من اثنين من أهم تلامذته، هما المحدث أحمد بن الحسن ابن خيرون (ت. 488هـ/1095م)[5] والمحدث أبو بكر الخطيب البغدادي (ت. 463هـ/1071م).[6] ولأن اهتمام تلميذي الماوردي إنما انصب على الحديث والفقه، فقد أغفلا ذكر أعماله غير الفقهية، أو أشارا إليها بإيجاز وإجمال. ولم تأت تفاصيل أخرى عن فكر الماوردي ونشاطاته إلا من المصادر التاريخية العامة[7] أو من مترجم متأخر من غير مجال الفقه والحديث، وهو ياقوت الحموي (ت. 626هـ/1229م) في معجم الأدباء؛ فقد أورد الحموي تفاصيل إضافية مهمة عن الماوردي، استقاها من ”مجموع لبعض أهل البصرة“ وقف عليه.[8]

صورة الماوردي الفقيه هذه، التي تشكلت في المصادر القديمة، انتقلت إلى الدراسات الحديثة والمعاصرة، وأسهمت في تعزيز تلق للماوردي جعل من الكتابات الفقهية والقانونية هي المدخل الأهم—أو الأوحد—لفهم تفكيره الاجتماعي والسياسي. ولذلك تعاقب الدارسون على الماوردي بمختلف اللغات، وكلهم يركزون على كتبه الفقهية حصرا، خاصة الأحكام السلطانية، أو يقرؤون كتابته المختلفة من مدخل فقهي، جاعلين النظر الفقهي هو النمط المعياري الوحيد في تفكير الماوردي السياسي. لكن هذه القراءة تثير إشكالات عديدة، خاصة في طريقة تصورها وتقديمها للتاريخ الفكري العربي والإسلامي. من أبرز تلك الإشكالات هو عدم اقتصار الماوردي نفسه على الكتابة في مجال الفقه وحده. فلو كان التفكير المعياري في الاجتماع والسياسة منحصرا لديه في الخطاب الفقهي، كما افترضت كثير من الدراسات المعاصرة، فلماذا اختار الماوردي أن يودع أهم أفكاره الأخلاقية والاجتماعية والسياسية في أجناس أدبية غير فقهية؟ فما موقع هذه الكتابات في بنية المعرفة لدى الماوردي؟ ثم ما العلاقة التاريخية والمفهومية بين كتاباته الفقهية وبين نصوصه في الأدب السياسي—وكذا العناصر المبثوثة فيها من الفلسفة العملية والتاريخ السياسي؟

لقد أهملت الإشكالات من هذا النوع في الدراسات المتراكمة حول الماوردي؛ ومن خلال تمحصيها ونقدها، تقترح الورقة عناصر قراءة نسقية تستكشف الترابط بين مجالات الفقه، والفلسفة، والأدب في متن الماوردي من خلال مفاهيمها المركزية. وتعالج المقالة الموضوع في شقين. الأول يتتبع مسار تشكّل القراءة التجزيئية لفكر الماوردي في الأدبيات المعاصرة، مع الوقوف على أهم مراحلها ونقد الأسس المنهجية التي انبنت عليها. أما الشق الثاني فيناقش عناصر القراءة النسقية التي تقترحها الورقة، والتي تؤسس لفهم أوسع وأكثر شمولا لفكر الماوردي. وبغية تحقيق هذا الهدف، تقترح المقالة ثلاثة عناصر أساسية لفهم فكر الماوردي.

العنصر الأول يتمثل في تتبع تطور أفكاره ومفاهيمه المركزية عبر مختلف الأجناس الأدبية التي ألف فيها. وعلى العكس من القراءة التجزيئية التي اعتادت أن تقفز مباشرة إلى الكتابات الفقهية المتأخرة، خاصة كتاب الأحكام، فإن المقالة تركز على قراءة متن الماوردي الأخلاقي والاجتماعي والسياسي من بدايته بغية الكشف تطور أفكاره عبرها مجتمعة. أما العنصر الثاني فيتفرع من الأول، ويتعلق بتمحيص المفاهيم المركزية التي تربط بين أنواع الخطاب المعياري في فكر الماوردي. ومن هذا المنطلق، يقترح هذا العنصر التركيز على مفهوم ”الأدب“ لتمحيص نوع الترابط المفهومي بين مجالات الأخلاق، والسياسة، والفقه لدى الماوردي. فمفهوم ”الأدب،“ مع أنه ورد في عنوان كتاب شهير للماوردي وتردد في كتاباته في الأدب السياسي والأخلاق بل وتردد ذكره ضمن متنه الفقهي، فإنه لم يدرس بشكل يستجلي بنيته المفهومية، ويكشف من خلاله بنية الخطاب المعياري لدى الماوردي. وفي الأخير، يركز العنصر الثالث للقراءة المقترحة على العلاقة بين فكر الماوردي وسياقه الاجتماعي والسياسي، وهو المقصود بعنصر ”التاريخية“ في عنوان الورقة. فقد هيمنت في هذا الجانب قراءات جعلت الماوردي أداة مذهبية-سياسية في صراع طائفي بين الشيعة الفاطميين وكذا البويهيين، من جهة، والسنة العباسيين ومناصريهم من الجهة المقابلة. وبدلا من حصر أهمية الماوردي في التعبير عن هذا التنازع المذهبي-السياسي، كما فعلت دراسات سالفة، فإن هذه المقالة تشدد على المرونة التي اتسم بها فكره، وتبرز بعض تعقيدات تفاعله مع بيئته السياسية والاجتماعية.

من خلال هذه العناصر مجتمعة تتغيى المقالة التدليل على ضرورة مراجعة الدراسات التي تناولت الماوردي حصرا من زاوية فقهية، دون تمحيص الروابط المفهومية بين الفقه وأنماط الخطاب الأخرى التي شكلت منظومته الأخلاقية والاجتماعية والسياسية. وقبل الدخول في تفاصيل هذه العناصر ونتائجها من خلال نماذج تطبيقية، يتكلف الشق الأول بنقد الأسس المنهجية التي قامت عليها القراءة التجزيئية للماوردي، مع تتبع مسار تشكلها التاريخي وما أفرزته من إشكالات في فهم الماوردي.

  1. القراءة الفقهية التجزيئية للماوردي: نشأتها وإشكالاتها وعناصرها

ارتبطت دراسة أعمال الماوردي، وخاصة كتاب الأحكام السلطانية، بنشوء مجال ”الفكر السياسي الإسلامي.“ ومنذ ظهور الدراسات الأولى في هذا المجال، هيمنت صورة للماوردي بوصفه ممثلا لمنهج الكتابة الفقهية السياسية في التاريخ الإسلامي مما جعله، في كثير من الدراسات، يبدو وكأن التفكير السياسي لديه معني حصرا بتطبيق النصوص الدينية والأحكام الفقهية في السياسة،[9] بعيدا عن أي تنظير للاجتماع الإنساني بصورة عامة. [10]فكيف تأسست هذه القراءة التي قيدت الماوردي بكتاب الأحكام السلطانية، وربطت تفكيره حصرا بالخطاب الفقهي؟ للإجابة عن هذا السؤال، يمكن تقسيم تاريخ الدراسات الأكاديمية حول الماوردي إلى ثلاث مراحل أساسية؛ وسنجد أن كلا منها أنتجت تقييما لفكره، لكنها في أغلبها، ما عدا دراسات في المرحلة الثالثة، لم تسائل مركزية كتاب الأحكام السلطانية في فهم الماوردي، ولم تتساءل حول العلاقة بين الكتاب وبين النصوص الأخرى التي ألّفها في موضوعه.

المرحلة الأولى: الماوردي منظر مؤسسة الخلافة

هذه المرحلة تمتد من أواسط القرن التاسع عشر إلى ثلاثينيات القرن العشرين، وتتميز بالاهتمام بنظرية الخلافة وجعل النقاش الفقهي حولها هو الموضوع المحوري في الفكر السياسي الإسلامي. فمن بين أوائل الأعمال التي قدمت فكر الماوردي للدراسات الغربية هو نشرة لـلأحكام السلطانية، نشرها ماكسيميليان إجنر (Maximilian Egner) سنة 1853م.[11] وقد تبعت هذا العمل ترجمات متعددة لـلأحكام إلى لغات أوروبية. وكان الهدف الأساسي من هذه الترجمات هو فهم الأنظمة السياسية والاجتماعية التي يعتقد أنها تحكم المجتمعات الإسلامية، بغرض استثمارها من قبل القوى الأوروبية في مستعمراتها. فبمجرد الوقوف على الأحكام السلطانية، اعتقد الدارسون الأوروبيون أن الكتاب يجيب عن أسئلة الإنسان الأوروبي في مستعمراته حول الترتيبات السياسية والتنظيمات الإدارية في البلدان الإسلامية. فترجمته الأولى، التي ظهرت سنة 1862م بالهولندية، ربطت أهمية الكتاب بحكم هولندا لمستعمراتها الأندونيسية (التي كانت تعرف بالهند الشرقية)، ولذا فقد عُنونت ترجمة الكتاب بـ”القانون العام والإداري الإسلامي مع مقدمة حول تطبيقه في الهند الشرقية الهولندية.“[12] ومن أجل الغرض نفسه، ظهرت ترجمة جزئية إلى الفرنسية في مطلع القرن العشرين تضم فقط فصلي الإمامة والجهاد.[13] ولم تظهر ترجمة كاملة للكتاب إلا سنة 1915م، حيث قام مترجم فرنسي آخر بنقل الكتاب كاملا إلى الفرنسية.[14]

ففي سياق الاهتمام بكتاب الماوردي باعتباره كتابا في القانون الإداري الإسلامي، يتجلى الربط المبكر في الدراسات الغربية بين فكر الماوردي السياسي والتنظيم القانوني للخلافة، والذي ترسخت معه صورة الماوردي بوصفه ممثل التيار الفقهي والقانوني في التفكير السياسي الإسلامي. ويمكن أيضا أن يلاحظ كيف أن الحاجة الملحة لدى القوى الأوروبية لإيجاد نظام قانوني تقبله المجتمعات المسلمة الواقعة تحت سلطتها أسهم في تكريس نظرة دينية-قانونية للفكر السياسي في الإسلام. فالدراسات الأولية التي ظهرت في هذه المرحلة، رغم أهميتها في وضع الماوردي على خريطة البحث الأكاديمي، لم تعر اهتماما كبيرا للسياق التاريخي والاجتماعي الذي ظهر فيه كتاب الأحكام السلطانية. بل على العكس، اعتبرت الكتاب تجميعا لقوانين دينية ثابتة تنظم المجتمعات الإسلامية في كل زمان ومكان، بما في ذلك مستعمرات هولندا وفرنسا في القرنين التاسع عشر والعشرين. وفي المقابل، لم يؤبه بالنصوص غير الفقهية للماوردي ولم يتساءل الدارسون عن علاقتها بـالأحكام ومحتواها. ونتيجة لتركيز الدراسات في هذه المرحلة بشكل شبه حصري على منصب الخلافة، فقد همشت المؤسسات الأخرى التي ناقشها الماوردي في الأحكام، كما يدل على ذلك الترجمات الجزئية للكتاب، ماعدا مقالة اختصت بمؤسسة المظالم.[15]

وبالإجمال، فإن الاهتمام بمؤسسة الخلافة ومسائلها الفقهية في هذه المرحلة الأولى، تبعا لحاجة القوى الأوروبية في البلاد المستعمرة، وضع أسس النظرة الاختزالية لتراث الماوردي، حيث تعامل الدارسون مع الأحكام السلطانية وكأنه النص الوحيد الذي يعبر عن رؤيته السياسية والاجتماعية، متجاهلين تنوع تراثه الفكري، والأجناس المختلفة من الكتابة التي توسل بها لمعالجة قضايا الاجتماع الإنساني والسياسة والأخلاق. وبذلك، فقد افتقرت الدراسات في هذه المرحلة إلى تحليل شامل للسياقات التاريخية والمعرفية التي شكلت إنتاج الماوردي الفكري، وهو ما أسهم في تأسيس قراءة فقهية وقانونية لا تزال تؤطر فهمه في الدراسات الغربية المعاصرة.

المرحلة الثانية: إعادة قراءة الماوردي وتثبيت سردية الإحياء السني

المرحلة الثانية من تاريخ الدراسات حول الماوردي شهدت تطورا لافتا، وإن كانت، كسابقتها، قد توسلت بمنهجية اختزالية أنتجت قراءة محدودة لفكره. أول هذه العناصر كان هو تأكيد الربط بين الماوردي والخلافة، وجعلها أهم مسألة فقهية في كتاب الأحكام السلطانية، بل وفي فكر الماوردي السياسي برمته. وثانيها، هيمنة سردية ”الإحياء السني،“ وهي أطروحة جعلت الماوردي أداة في صراع طائفي-سياسي بين العباسيين والقوى المناهضة لها. وثالثها، التضخيم من الولاء السياسي للماوردي واعتباره دافعا رئيسيا لكتاباته، وخاصة كتاب الأحكام السلطانية، مما استبعد معه وجود نظرية سياسية ذات قيمة ذاتية في كتبه.

ولتتبع كيفية تشكل هذه القراءة الإحيائية بعناصرها الثلاث، يلزم معالجة كتابات هاميلتون جيب (Hamilton A. R. Gibb)، أحد أبرز دارسي الماوردي في هذه المرحلة. فقد ربط جيب بين العناية بالماوردي وعودة مفهوم الخلافة إلى دائرة الاهتمام في الفكر الإسلامي والدراسات الاستشراقية على السواء. وفي مقالاته المنشورة خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين،[16] شدد جيب على قيمة الماوردي في فهم الفكر السياسي السني،[17] وجعله معبرا عن تصور المدرسة الأشعرية للخلافة، تعبيرا يجمع بين محاولة الدفاع عن النظرية وملاءمتها لـ”ظروف وقته الخاصة.“[18] وبخلاف الدراسات السابقة التي فهمت الأحكام السلطانية على أنه نص نظري لا صلة له بإشكالات عصره، فقد عكس جيب الأمر وجعل نص الأحكام تكييفا فقهيا لمسألة الخلافة لتتناسب مع سياق تاريخي معين؛ فالماوردي ”لم يكن فيلسوفا، كما أن الافتراض الفقهي لم يؤد إلا دورا محدودا في كتابه. بل هو فقيه بنى على آراء سابقيه، ونسقها، ووسعها، بالإضافة إلى اجتهاده الشخصي، كل هذا في سعي لملاءمة هذه الآراء مع سياقه الخاص.“[19] فطبيعة مرحلة الماوردي السياسية، بحسب جيب، هي المفتاح لفهم طبيعة النص والغاية منه؛ إذ الكتاب يعبر عن ظروف وترتيبات سياسية واجتماعية محددة وليس مجرد تنظير فقهي أو تنسيق لنظرية مستقرة.

التحليل التاريخي الذي قدمه جيب، وإن كان جديدا مقارنة بالمرحلة السابقة من حيث اهتمامه بسياق الكتاب، إلا أنه ظل محصورا في مسألة الخلافة وتكييفاتها الفقهية. كما أن فهمه لسياق الماوردي، والذي اعتقد أنه حاكم في آرائه السياسية، منحصر في صراع مذهبي-سياسي بين السنة وخصومهم. فعوض تحليل طبيعة مرحلة الماوردي من كل جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، جعل جيب ومن تبعه من الدارسين، خاصة هنري لاوست (Henri Laoust)،[20] التدافع المذهبي-السياسي كافيا في فهم كتابات الماوردي والغرض من أفكاره.[21] فالسعي إلى استعادة المجد السني، بعد ما يسميه الدارسون بـ”القرن الشيعي،“ هو العنصر الحاسم في فهم الماوردي بحسب جيب ولاوست.[22] لكن هذه السردية، وإن كانت قد أثارت الانتباه إلى أهمية سياق الماوردي الاجتماعي الخاص، إلا أنها لم تتجاوز القراءة الاختزالية لكتاباته كما تأسست في المرحلة الأولى؛ بل عززتها بجعل الماوردي ممثلا للإحياء السني واعتبار الأحكام معبرا عن مواقف تيار مذهبي خاص أمام بقية القوى السياسية في هذه المرحلة. فقد فهم الماوردي على أنه مجرد مدافع عن الخلافة القائمة في وقته، فيما اعتبر ولاؤه المذهبي-السياسي للعباسيين هو المحرك الرئيسي لكتاباته.[23] ونتج عن هذا الفهم النظر إلى الماوردي باعتباره مجرد أداة سياسية، فيما اعتبرت أفكاره الاجتماعية والسياسية غير ذات قيمة نظرية في حد ذاتها، بعيدا عن هدف الدفاع عن العباسيين في سبيل استعادة حكمهم الفعلي عن طريق نشر اعتقاد السنة؛ وقد أدى هذا الفهم إلى تهميش التفكير النظري في كتابات الماوردي وحجب تعقيدات السياق الاجتماعي والتاريخي الذي عاش فيه، ومعها تعقيدات تفاعله مع تلك الأحداث.[24] وقد ارتبط هذا التحليل بتصور شائع لدى الدارسين الغربيين، يفهم الدين الإسلامي باعتباره نظاما قانونيا شموليا يحصر التفكير الاجتماعي والسياسي في حدود النصوص الفقهية القانونية.[25] فهذا الفهم يتناغم مع تأطير فكر الماوردي المعياري في الاجتماع والسياسة على أنه منحصر في ترجمة مسلمات دينية إلى قواعد عملية.[26] لكن الواقع أن تعقيدات سياق الماوردي الاجتماعي والسياسي تضيق بها منهجية ”الإحياء السني“ التي توسل بها دارسو الماوردي في هذه المرحلة، كما سنرى بعض ذلك لاحقا.

المرحلة الثالثة: مرحلة المسارات المتعددة، والسعي نحو إيجاد إطار نظري لفهم الماوردي

بعد كتابات هاميلتون جيب وهنري لاوست، انتقلت أغلب الدراسات حول الماوردي إلى مرحلة جديدة، تمثلت في استكشاف نصوص أخرى غير كتاب الأحكام السلطانية، مما فتح زوايا نظر أخرى واتجاهات جديدة في فهم فكره.[27] ومن خلال نصوصه التي بدأت بالظهور في أواسط القرن العشرين، تشكل وعي لدى الدارسين بضرورة تجاوز التركيز الحصري على كتاب الأحكام، ومحاولة دراسة الماوردي عبر مختلف نصوصه المتوفرة.[28] لكن هذا الوعي ظل جزئيا ومحدودا في تطبيقاته؛ فبعض من نبه إلى نصوص الماوردي المتعددة، مثل كتابات فؤاد عبد المنعم أحمد ومحمد سليمان داود، ركز على جوانب محدودة من فكر الماوردي، مثل القضاء وأصول الفقه.[29] كما بقيت أغلب الدراسات أسيرة القراءة الفقهية المتمركزة حول الأحكام، بل واستمرت في استخدام نصوص لم تصح نسبتها إلى الماوردي، كما سيتضح في الفقرات الآتية.[30]

لتتبع السمات البارزة لهذه المرحلة، يمكن التركيز على توجهين رئيسين ظهرا فيها، وأهم الدراسات الممثلة لكل اتجاه. الأول يتمثل في دراسات حاولت استكشاف نصوص جديدة ومفاهيم سياسية غير مسألة ”الخلافة،“ وإن كانت ظلت حبيسة التأطير الفقهي لفكر الماوردي. فعلى سبيل المثال، نشرت دراسة لصلاح الدين بسيوني رسلان حول نظرية الدولة لدى الماوردي، وتضمنت مقارنة جديدة بين أفكاره وبين مفكري العقد الاجتماعي في الفكر الغربي الحديث. ورغم أهمية هذه الدراسة، إلا أنها لم تتجاوز بعض موضوعات كتاب الأحكام، كما لم تُبيّن تطور فكر الماوردي عبر نصوصه الأخرى أو العلاقة بين هذه النصوص وكتاب الأحكام. فرسلان يذكر مثلا أنه اعتمد بشكل رئيسي على ثلاثة كتب، هي: الأحكام السلطانية، وقوانين الوزارة وسياسة الملك، ونصيحة الملوك.[31] لكن غابت عن لائحة هذه النصوص كتب رئيسية مثل تسهيل النظر ودرر السلوك، مع أنهما كتابان محوريان لفهم تطور فكر الماوردي وعلاقته بمحيطه الاجتماعي والسياسي. وعلى شاكلة بسيوني، نشر محمود محمد سلمان دراسة حاولت قراءة الماوردي برؤية معاصرة باستعمال مصطلحات ونظريات اجتماعية وسياسية مثل ”العقد الاجتماعي،“ وهو ما أدى إلى تعقيد إضافي في فهم مشروعه الفكري، إذ غيبت المفاهيم الأساسية في متنه وبرزت أخرى من الفلسفة السياسية الحديثة.[32] فهذه الدراسات، رغم توسعها الكمي في نصوص الماوردي، لم تنجح في تقديم قراءة شاملة لكتابات الماوردي المختلفة، ما أبقى النقاش محصورا في إطار القراءة الفقهية. الملاحظات نفسها تنطبق على مجموعة أخرى من الدراسات في هذه المرحلة ركزت على موضوعات بعينها في متن الماوردي،[33] أو انشغلت بتقييم أفكاره من خلال منظور الحداثة السياسية، خاصة عبر نقد مفاهيم الدولة، والدين، والعقل، والأخلاق في كتاباته، كما يظهر في أعمال دارسين مثل محمد أركون،[34] وماجد فخري.[35]

التوجه الثاني في هذه المرحلة أهم من الأول من حيث فهم الماوردي في سياقه التاريخي والفكري؛ فقد تجاوز هذا التوجه مجرد الوعي بالحاجة إلى قراءة شاملة لفكر الماوردي، وحاول بالفعل استكشاف إطار نظري عام تقرأ من خلاله أفكاره الاجتماعية والسياسية. وهناك خمس دراسات أساسية سعت إلى تحقيق هذا الهدف. وهي وإن حاولت، كل منها بطريقتها الخاصة، سد الفجوات التي خلفتها القراءات السابقة، إلا أنها بقيت، في معظمها، متمركزة حول الأحكام السلطانية، أو متأثرة بإدخال نصيحة الملوك ضمن قراءتها للماوردي.

أولى هذه الدراسات هي أطروحة دكتوراه لحنا ميخائيل نوقشت بهارفارد سنة 1968م، ثم نُشرت لاحقا سنة 1995م في كتاب مستقل وترجمت إلى العربية سنتين بعد ذلك.[36] فقد درست هذه الأطروحة فكر الماوردي من خلال تتبع مفهوم ”العدل“ وجعله فكرة مركزية في أعمال الماوردي، إضافة إلى إشارات في بداية الكتاب إلى العلاقة بين الوحي والعقل. وهنا، يرى ميخائيل أن الماوردي هو” أول من حاول الربط بين الدين والسياسة،“ من خلال استخلاص قوانين سياسية في كتاب فقهي مستقل.[37] ومع أن ميخائيل اهتم بمفاهيم جديدة ومحورية في كتابات الماوردي من خلال نصوص متعددة، فقد ظل حبيس الأفكار السابقة التي ناقشها جيب، حيث ركز على كون الأحكام السلطانية محاولة لتحقيق العدل السياسي من خلال إشراف الفقهاء على الحكام، وهي محاولة فشلت، وفقا لميخائيل، لأن الفقهاء استُقطبوا وتركوا الحكام يتصرفون كما يشاؤون.[38] لكن من جانب آخر، وبفضل انفتاحه على نصوص عديدة للماوردي، انتبه ميخائيل إلى التوافقية والمرونة التي اتسم بها فكر الماوردي. فقد خالف ميخائيل تكييف جيب لتوجه الماوردي العقائدي، إذ رأى أن الماوردي لا يمكن تصنيفه بشكل حدي، لا باعتباره أشعريا ولا معتزليا؛ بل هو ”مفكر مستقل“ يتبنى تصورا يتناغم ويتداخل فيه العقل والوحي، في مخالفة لرؤية الأشاعرة التي، بحسب ميخايل، تقبل إمكانية التناقض بين العقل والوحي.[39] ورغم تأطيرها كتابات الماوردي المختلفة داخل مفاهيم إشكالية كبرى، وهي العقل والوحي والعدل، متجاوزة بذلك القراءة الإحيائية السنية لجيب، فإن دراسة ميخائيل ظلت جزئية وحدّية في أحكامها؛ فقد ركزت على مفهوم واحد، وهو العدل، ورددت الأفكار السابقة عليها دون التعمق في دراسة منهج الماوردي النظري الشامل وكيفية تطوره عبر كتاباته.

الدراسة الثانية هي أطروحة تعود إلى السبعينيات أعدها سعيد بنسعيد العلوي، وساير فيها التوجه السياقي الذي دشنه جيب وطوره هنري لاوست في المرحلة الثانية من تطور الدراسات حول الماوردي. وتبعا لهذا التوجه، فقد ربط العلوي أفكار الماوردي بالسياق التاريخي الخاص الذي ظهرت فيه، وجعل ذلك مفتاحا لفهم قيمتها التاريخية. لكن تجاوزت أطروحة العلوي الأدبيات السابقة، وقدمت إضافات نوعية من عدة جوانب. الأول يتمثل في موضوعها؛ فقد نقلت دراسة الماوردي من مسألة الخلافة إلى مفهوم ”دولة الخلافة،“ أي ماهية السلطة السياسية ومجالها لدى الماوردي، مما أكسب موضوعها جدة. أما الجانب الثاني فيتحدد في تدقيقها عناصر السياق الفكري والسياسي التي تعين على فهم مرحلة الماوردي وفكره. فقد لخص العلوي سياق كتابات الماوردي أساسا في تحول داخل الحكم العباسي بعد الإعلانات القادرية بداية القرن الخامس/الحادي عشر، والذي تصادف مع تطورات مهمة في الفكر الأشعري، بما في ذلك التوجه التطبيقي للنظرية السياسية السنية على يد الماوردي.[40] ينطلق العلوي في هذا التحليل من افتراض أن الفكر الأشعري يمثل مرحلة تركيبية جديدة وشاملة في الفكر الإسلامي، جمعت بين مختلف عناصره من ”الفقه، والكلام، والتصوف، والأخلاق، والفلسفة، والسياسة، والتاريخ، والأدب بكيفية ضمنية.“[41]

الجانب الثالث من أهمية دراسة العلوي مرتبط بالسابق، ويتجلى أساسا في محاولتها وضع فكر الماوردي السياسي داخل إطار نظري وفلسفي أعم، وهو النظرية السياسية السنية كما تأسست في كتابات الأشعري ومدرسته من بعده. ولفهم الماوردي ضمن أسس المذهب الأشعري، تبنى العلوي تعريفا عاما للأشعرية باعتبارها ”أرضية فكرية عامة أمكن لعدد من التيارات أن تلتقي عندها، بما في ذلك الحكم العباسي،“ إلى درجة وصفها بأنها صفة ”تشمل كل من لم يكن شيعيا.“[42] فهذا التعريف العام قد مكن العلوي من القول بأن الماوردي نقل مسألة الإمامة والخلافة من إطار الجدل الكلامي الأشعري إلى الفقه، خاصة ضمن الأسس العامة التي تبناها الأشعري وتلامذته. ففكر الماوردي السياسي هو امتداد لتوجه الأشعري (ت. 324هـ/936م)، وأبي بكر الباقلاني (ت. 403هـ/1013م)، وعبد القاهر البغدادي (ت. 429هـ/1037م)، لكنه تجاوز الجدل الكلامي الذي انشغلوا به إلى التشريع والتقنين.[43] ومن السمات البارزة في كتابات الماوردي، والتي جعلها العلوي من جوانب أشعريته، هي مركزية التاريخ في شرعية الحكم؛ ففي الأحكام والنصيحة —وهو كتاب لم تصح نسبته إلى الماوردي كما سنرى —يبرز التاريخ لدى الماوردي برهانا لشرعية الخلافة، وهي إحدى السمات الأساسية للفكر الأشعري السياسي كما تصوره العلوي.

رغم أهمية محاولة العلوي إبراز الأطر الاجتماعية والسياسية التي شكلت فكر الماوردي، إلا أن الافتراض بكونه لا يُفهم إلا في إطار الفكر الأشعري يثير عدة تساؤلات.[44] فالمجال الفكري الذي كتب فيه الماوردي لم يتمكن فيه المذهب الأشعري بشكل حاسم، كما أن المادة الفكرية التي اعتمد عليها الماوردي لا تقتصر على الفكر الأشعري. بل إن ثنائية العقل والوحي التي استند إليها، مثلا، قد تشكلت أيضا في الأدب السياسي، كما في كتابات عبد الله بن المقفع (142هـ/759م).[45] فتعدد موارد الأفكار التي تبناها الماوردي، خاصة الأدب السياسي ومفاهيم الملك والعقل التي تشكلت فيه، يجعل صلته بالتيار الأشعري غير حاسمة بالقدر الذي صورها العلوي. (وسنرى لاحقا بالتتبع التاريخي لظهور كتابات الماوردي أن الأدب السياسي هو اهتمامه الأول ورافقه طوال حياته الفكرية.) وأخيرا، فإنه رغم أن العلوي شدد على أهمية النظر إلى ”العوامل الاجتماعية والسياسية والفكرية“ التي أسهمت في بلورة النظرية السياسية الأشعرية،[46] إلا أن هذا الوعي التاريخي لم يطبق في تتبع تطور أفكار الماوردي نفسه من خلال كتاباته كلها، مع التدقيق في صحة نسبة مخطوط النصيحة الذي وقف عليه العلوي أثناء بحثه، وهو أمر لم تسعفه إليه ندرة نصوص الماوردي، خاصة المخطوطة منها، في السبعينيات من القرن العشرين.

الدراسة الثالثة، وهي أطروحة دكتوراه لأحمد مبارك البغدادي، ركزت على تطور الفكر السياسي للماوردي، وقسمته إلى مرحلتين. الأولى تتعلق بـ”مرايا الملوك،“ حيث تناول كتاب نصيحة الملوك وتسهيل النظر، بينما تضمنت المرحلة الثانية كتبا مثل أدب الدنيا والدين، والأحكام السلطانية، وقوانين الوزارة. ورغم أن البغدادي وعد بتتبع التطور التاريخي في فكر الماوردي، إلا أن تصنيفه للنصوص لم يلتزم بالتسلسل التاريخي الفعلي. فقد أشار إلى أن تسهيل النظر ونصيحة الملوك قد جاءا متأخرين عن أدب الدنيا والدين، لكنه أبقى على تصنيفهما في مرحلة متقدمة ليتسنى له عرض التسلل ”المنطقي“ لأفكار الماوردي، تسلسل يفترض أن الرجل قد تحول من مرحلة يناصر فيها البويهيين إلى أخرى عني فيها بتقنين مؤسسة الخلافة والانتصار لها. السبب الداعي لا فتراض هذا ”التسلل المنطقي“ لدى البغدادي هو جعل الأحكام أهم ما كتبه الماوردي، وأهمل معه التطور التاريخي الفعلي لأفكار الماوردي السياسية من خلال كتاباته.[47] أما الدراسة الرابعة في هذا السياق، والتي كتبها أحمد وهبان، فقد ركزت أيضا على موضوعات كتاب الأحكام السلطانية، لكن حاولت مناقشتها من خلال أسئلة الفلسفة السياسية، مثل الطبيعة الاجتماعية للإنسان، وأصل السلطة وطبيعتها، ودور الأخلاق في السياسة. ولهذا الغرض، عقد وهبان مقارنات بين الماوردي وميكيافيلي، لكنه لم يهتم بالعلاقة بين نصوص الماوردي وتطور أفكاره من خلالها.[48]

وفي سياق البحث عن إطار نظري لفهم الماوردي، تُعتبر مساهمات رضوان السيد من أبرز المحاولات التي قدمت مدخلا جديدا لفهم الماوردي، يتمثل في النظرية الاجتماعية التي احتوتها نصوصه، وعلاقتها بفكره السياسي. فقد رأى السيد منذ بداية الثمانينيات، تماما كما ترسخ في التوجه السياقي الذي أسسه جيب، أن الفكر السياسي الإسلامي يجب أن يفهم من خلال ”حوارية النص الإسلامي والتاريخي،“ بحيث لا يُدرس التاريخ منفصلا عن النصوص، ولا النصوص بمعزل عن تفاعلها مع الواقع التاريخي.[49] ومن بين الأعمال التي درس فيها السيد تراث الماوردي من هذا المنطلق، مقدماته المطولة لتحقيق بعض كتب الماوردي،[50] ودراستان مستقلتان، الأولى تضمنت مقارنة بين الماوردي وابن خلدون، مع التركيز على العلاقة بين المدينة والدولة.[51] أما الثانية، وهي الأهم في سياق هذه المقالة، فتعنى بالفكر الاجتماعي لدى الماوردي.[52] وقد بسط السيد هذه الرؤية الاجتماعية في دراسة صدرت سنة 2007،[53] ثم أعاد نشرها مع بعض الإضافات في التقديم الذي وضعه لكتاب تسهيل النظر معنونا إياها بـ”تمهيد: الاجتماع البشري: دراسة في رؤية الماوردي الاجتماعية.“[54] فالسيد يرى أن الماوردي يقدم معالجتين مختلفتين للمسألة السياسية، الأولى تتمثل في قوانين تشكل السلطة وأسسها الاجتماعية بدءا بطبيعة الإنسان الفرد إلى تكون السلطة والملك، وأخرى تركز على شكل السلطة في الإسلام، أو الدولة التي تتغير وتتبدل، وهو ما تكفل به كتاب الأحكام السلطانية.[55] فهناك إذن نمطان من التفكير لدى الماوردي في كتاباته، مرتبطان ببعضهما ارتباط النظرية بالتطبيق. وهذا مدخل يمكن من خلاله فهم متن الماوردي بشكل شامل ومتناسق.

ورغم المدخل الاجتماعي المهم الذي اقترحه السيد، كما هو مفصل في دراسته المذكورة، وكذا تحليله لمفاهيم محورية في متن الماوردي مثل العقل والدين، إلا أنه، مثل غيره من الباحثين، اعتمد كتاب نصيحة الملوك، مع إغفال بعض النصوص المهمة الأخرى بسبب تركيزه على النصيحة، خاصة كتاب درر السلوك.[56] كما أن دراساته لم تتناول بعض المفاهيم الأساسية الأخرى لدى الماوردي، منها مفهوم ”الأدب،“ ولم تحاول تقييم نتائج الأدبيات السالفة التي نظرت إلى الماوردي حصرا باعتباره فقيها.

يمكن أن يدرج أيضا في هذا التوجه المحاولات الأخيرة لبعض الدارسين التي سعت إلى زيادة توسيع نطاق دراسة الماوردي ليشمل الأدب السياسي، إلى جانب التشريع والتقنين. من بين هؤلاء مكرم عباس، الذي قدّم قراءتين مختلفتين للماوردي في كتابين منفصلين. ففي كتابه الإسلام والسياسة في العصر الكلاسيكي (2009)، ركّز عباس على الماوردي الفقيه، معتمدا في تحليله على القراءة التقليدية التي تجعل من الفقه الإطار الوحيد لفهم أعماله.[57] وفي كتاب آخر نشر ترجمة لكتاب تسهيل النظر إلى الفرنسية.[58] وفي مقدمة هذا العمل، وضع عباس كتاب الماوردي ضمن تطور تراث الأدب السياسي، مُعتبرا أن الأدب السياسي والكتابات الفقهية ينتميان إلى جنسين أدبيين منفصلين منهجيا. فكتابات الماوردي السياسية من نمط ”مرايا الملوك“ تختلف في توجهها عن كتاباته الفقهية الأخرى، خاصة منها الأحكام السلطانية. ورغم أهمية الانتباه إلى موقع الماوردي في تاريخ تطور الأدب السياسي، فإن الفصل المنهجي الحاد الذي تبناه عباس بين جنس الأدب السياسي والفقه قد حال دون تقديم قراءة شاملة لفكره، واستكشاف الروابط بين أنماط الكتابة التي ألف فيها.[59]

وإجمالا، يمكن تحديد عنصرين أساسيين شكّلا الإطار الذي اعتمدته أغلب الدراسات السابقة في قراءة الماوردي. الأول هو التركيز على الفقه بوصفه الخطاب المعياري الوحيد، أو الأهم، لفهم فكر الماوردي السياسي. وقد أدى هذا التصور إلى تقديم الماوردي على أنه فقيه فحسب، مما حد من استكشاف إطار أوسع يتضمن أفكاره وكتاباته الاجتماعية والسياسية المختلفة. العنصر الثاني يتمثل في القراءة التجزيئية التي ربطت الماوردي حصريا بأحكام الخلافة، أو جعلته أداة في سياسية في صراع طائفي بين الخلافة القائمة ومعارضيها، خاصة في مواجهة الشيعة. ووفقا لهذا التصور، فقد همشت عناصر مهمة من حياة الماوردي السياسية والفكرية، بسبب تجاهل العلاقة الوثيقة التي ربطته بالبويهيين حتى نهاية حكمهم. صحيح أن دراسات في التوجه الثاني في المرحلة الثالثة قد كشفت عن جوانب جديدة ومهمة من فكر الماوردي، مما ستبني عليه مقاربة هذه المقالة؛ فتلك الدراسات، كما رأينا، سعت إلى بناء إطار نظري أوسع لفهم الماوردي، وإن ظل أغلبها محكوما بافتراضات القراءات السابقة التي جعلت الماوردي أداة سياسية ضمن سياق الإحياء السني، أو جعلت الأحكام، صراحة أو ضمنا، أهم مؤلفاته حول الاجتماع والسياسة، بما نتج عنه اعتبار نمط الكتابة الفقهي والقانوني رديف ”الفكر السياسي“ أو التفكير المعياري حول السياسة والاجتماع في الإسلام. فالقراءات السابقة، سواء ركزت على الخطاب الفقهي وحده أم ضمت إليه انتماء الماوردي السياسي، قدمت صورة محدودة لفكره. ومن خلال نقد هذه القراءة الاختزالية، تنبني أطروحة المقالة على افتراض أن فهم الماوردي يتطلب استكشاف نسقه الفكري وتتبع التطور التاريخي لأفكاره التي تشكل ذلك النسق؛ وهذا يتأتى من خلال النظر إلى نصوصه على أنها عناصر مترابطة تعكس رؤيته المعيارية الكاملة حول الاجتماع والسياسة.

  1. نحو قراءة نسقية وسياقية لفكر الماوردي

تقوم القراءة التي تقترحها هذه المقالة على ثلاثة عناصر أساسية. يهدف الأول منها إلى تجاوز الاختزال الكمي الذي عانت منه الدراسات السابقة إما لعدم الوصول إلى نصوص الماوردي في نسخها المخطوطة، أو من خلال التركيز المنهجي على كتاب واحد، وهو الأحكام السلطانية. ومن هذا التوسيع الكمي يتأتى تقويم اختزال فكر الماوردي في الخطاب الفقهي وحده. أما العنصر الثاني، فيتمثل في بيان نطاق الخطاب المعياري في فكر الماوردي، وأنه لا يقتصر فقط على الأمر الشرعي، بل يتضمن أنماطا أخرى من النظر في قضايا الأخلاق والاجتماع والسياسة يعتبرها الماوردي ملزمة في توجيه الفعل الإنساني. وهذه الأنماط تتقاطع مع النظر الشرعي وإن كانت تتميز عنه، منها العقل، والتجربة، والعادات الاجتماعية المستقرة. العنصر الثالث يتعلق بكيفية فهم سياق الماوردي التاريخي والاجتماعي بشكل لا ينحصر في حدود القراءة الإحيائية التي رسختها كتابات جيب ولاوست.

العنصر الأول: تطور أفكار الماوردي عبر أجناس أدبية مختلفة

القراءة النسقية لفكر الماوردي، كما سلف، تستلزم البدء بتجاوز العائق الأساس الذي أدى إلى تجزيء فهمه في الدراسات السابقة، ألا وهو التركيز على الأحكام السلطانية. وهذا التجاوز يتحقق بتتبع كتابات الماوردي من أولها مع الكشف عن الترابط بين أنماط الكتابة التي ألف فيها. ورغم أن المصادر التاريخية لا تقدم تفاصيل واضحة عن بداية اهتمام الماوردي بالكتابة، إلا أن أولى مؤلفاته التي وصلتنا تشير إلى انشغاله المبكر بالأدب السياسي المختلط بمسائل من الفلسفة العملية الإغريقية، خاصة منها قضايا الفضائل وأسسها النفسية كما تناقش في علم الأخلاق. وقد يكون الداعي إلى هذا الاهتمام المبكر هو قرب الماوردي من الطبقة الحاكمة وبلاط السلاطين في عصره، حيث أتاح له موقعه فهم السياسة عن قرب. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تقلده القضاء منذ وقت مبكر وتعامله مع قضايا الناس اليومية لا شك مكّنه أيضا من تحرير أفكاره حول قضايا الاجتماع والسياسة. يتجلى الاهتمام المبكر بالأدب السياسي لدى الماوردي في كتابه درر السلوك في سياسة الملوك، الذي ألفه وهو في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين من عمره، في أواخر سنة 392هـ/1002م أو أوائل 393هـ/1003م، وهو تاريخ يحيل عليه إهداء الكتاب للحاكم البويهي بهاء الدولة (حكم ما بين 379–403هـ/988–1012م). فهذا الكتاب، مع حداثة سن الماوردي أثناء وضعه، مؤلف ناضج في تصوره لموضوعه، وإن كان اعتماده في الأغلب على ترتيب مادة نقلها من مصادر سابقة.[60] وينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسيين: الأول حول أخلاق الملك، والثاني عن سياسة الملك. وكلا البابين يُبرز قدرة الماوردي المبكرة على تنظيم الأفكار السياسية والاجتماعية، مما يدل على اهتمام بالأدب والسياسي، متقدم عن تأليف هذا الكتاب.

ودراسة هذا الكتاب المهمش يساعد في تدقيق نسبة نصيحة الملوك إلى الماوردي، إذ يكشف درر السلوك عن أسلوب مماثل لكتبه اللاحقة، ومختلف عن أسلوب نصيحة الملوك كما تختلف عنه بقية كتب الماوردي التي قطع الدارسون بصحة نسبتها إليه.[61] فعلى الرغم من أن أغلب الدراسات قد اعتبرت النصيحة كتاب الماوردي الأول، فإن هناك أدلة قوية تشكك في صحة هذه النسبة. أشار أحد الدارسين منها إلى مذهب مؤلف النصيحة الحنفي،[62] وآخران توسعا في المعلومات التاريخية والفكرية التي يتضمنها الكتاب، والتي يتبين أنها تنتمي إلى الفترة السامانية بداية القرن الرابع الهجري بخراسان.[63] وتضيف هذه الدراسة أن من بين الأدلة القوية في رد نسبة النصيحة للماوردي هو ظهور درر السلوك الذي أغفله الباحثون الذين نسبوا النصيحة للماوردي؛ فكتاب درر السلوك هو أول أعمال الماوردي المعروفة، وإهداؤه لبهاء الدولة يكشف عن تاريخ كتابته المبكر بحيث يسقط معه الاعتقاد السائد منذ مدة أن أسلوب النصيحة المختلف عن بقية نصوص الماوردي يمكن أن يفسر بكونه عملا مبكرا لم ينضج فيه أسلوب الماوردي المعهود في نصوصه الموثقة.

بعد درر السلوك، يبدو أن الماوردي بدأ العمل على موسوعته الفقهية الكبرى الحاوي الكبير في فقه الشافعي، الذي يُعتبر شرحا مفصلا لمختصر المزني (ت. 264/878م).[64] فمن خلال هذا العمل، أعاد الماوردي تنظيم الفقه الشافعي، مع تقديم مقارنات مستفيضة مع الفقه الحنفي والمالكي. وقد ورد أن كتاب الماوردي الآخر الإقناع،[65] الذي نقل عن الماوردي أنه لخصه من الحاوي الكبير،[66] قد كتب بطلب من الخليفة العباسي القادر بالله المتوفى سنة 422هـ/1031م.[67] ومع أنه ليست هناك أدلة حاسمة في تاريخ كتابة الحاوي الكبير، فإن ما جاء في النصوص حول سبب كتابة الإقناع، قد يفيد أن الحاوي الكبير قد انتهى منه الماوردي منذ مدة قبل وفاة القادر بالله سنة 422هـ/1023م.

من المؤلفات التي تُمثل مرحلة ناضجة في تطور فكر الماوردي هو كتاب أدب الدنيا والدين. هذا وإن كان تاريخ الكتاب غير معروف إلا أنه بلا شك جاء بعد درر السلوك، وغالبا بعد فراغ الماوردي من كتبه الفقهية، كما يدل على ذلك تفكيره الكلي والفلسفي في الفقه في أدب الدنيا والدين وإشارته إلى تأليف كتب في الفقه وإتمامها قبل أدب الدنيا والدين.[68] وهذا الكتاب ينتمي إلى جنس الحكمة العملية، ويعكس اهتمام الماوردي بالقضايا الأخلاقية والاجتماعية بشكل متكامل. ويرى رضوان السيد أن كتاب الأمثال والحكم[69] قد كُتب قبل أدب الدنيا والدين (وقبل كتاب تسهيل النظر)، إذ هناك نقول لاختيارات من الأمثال استعملت في أدب الدنيا والدين.[70] لكن يبدو أن اهتمام الماوردي بجمع الأمثال وتصنيفها قد ظهر ونضج في وقت مبكر، كما يظهر من درر السلوك، مما يعسر معه الحسم النهائي فيما إذا كان كتاب الأمثال متقدما على أدب الدنيا والدين أو العكس، خاصة وأن الماوردي يعود إلى كتاباته لإعادة تهذيبها وتصنيفها.[71] فبعد أكثر من ثلاثين سنة من تأليف درر السلوك في الأدب السياسي، عاد الماوردي إلى نصه الأول ليعيد صياغته بشكل موسع ومهذب في كتابه تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك.[72] ورغم غياب تحديد دقيق لتاريخ تأليف هذا الكتاب، إلا أن أدلة داخلية وخارجية تشير إلى أنه كُتب بعد سنة 428هـ/1036م. ففيه يذكر الماوردي أنه تدخل للمصالحة بين ملكين متخاصمين، وهي واقعة يعرف من بعض المصادر التاريخية أنها حدثت في سنة 428هـ/1036م بين جلال الدولة (ت. 435هـ/1043م)، حاكم بغداد وجوارها، وأبو كاليجار حاكم الأهواز (ت. 440هـ/1048م).[73] والمقارنة بين النسخة الأولى والثانية من الكتاب تكشف عن تراكم فكري لدى الماوردي في قضايا الأخلاق وفن السياسة ووعي متزايد بأهمية الانخراط الفكري والعملي في تفاصيل الأوضاع السياسية في زمنه.[74]

بعد كل من أدب الدنيا والدين وكتاب تسهيل النظر، يُعد قوانين الوزارة وسياسة الملك (المعروف أيضا باسم أدب الوزير) من أهم أعمال الماوردي في الأدب السياسي. ورغم غياب أي إشارات داخلية في الكتاب تحدد تاريخ كتابته بدقة، فإن معظم الباحثين يرجحون أنه كُتب لوزير الخليفة ابن المسلمة، الذي تولى الوزارة للخليفة القائم بالله ما بين 437هـ–450هـ/1045م–1058م. يعكس هذا الكتاب تقاطع أنماط الكتابة السياسية لدى الماوردي، حيث يجمع بين النصيحة السياسية التقليدية وتصوير الحاكم المثالي، وبين محاولة تقنين منصب الوزير وتصرفاته، من خلال دراسة تاريخية للوزارة في الإسلام وما قبله. يبرز الكتاب أهمية المزج بين الأدب السياسي والتشريع للمؤسسات القائمة، بخلاف أعمال أخرى مثل درر السلوك وكتاب تسهيل النظر التي ركزت حصرا على فن الحكم وأخلاق السياسة، ولم تدخل في أي نقاش فقهي أو تشريعي، وإن كانت فصلت قواعد صارمة لممارسة الحكم، بما في ذلك قوانين عملية تتصل بتدبير الأموال. فكتاب قوانين الوزارة يدل على استمرار اهتمام الماوردي بالأدب السياسي، وليس مرتبطا بمرحلة دون أخرى أو أنه انتقل إلى المقاربة الفقهية للسياسة بعض الانقلاب المفترض على البويهيين.

وبعد القوانين، يأتي كتاب الأحكام السلطانية والولايات الدينية، وهو العمل الأكثر شهرة للماوردي، سواء في التاريخ الإسلامي أم في الدراسات الأكاديمية الحديثة. ففي هذا الكتاب، جمع الماوردي ونسق الأحكام الفقهية المتعلقة بالمناصب السياسية والاجتماعية التي كانت تنظم مجتمعه، مما جعله أشبه بموسوعة للفقه الإداري والسياسي. يشترك كتاب الأحكام السلطانية مع قوانين الوزارة في كونهما يجمعان بين التقنين ونصيحة الأدب السياسي. ومع ذلك، فهناك جدل حول تاريخ تأليف الأحكام. فقد رأى المستشرق هاميلتون جيب أن الكتاب قد يكون أُلّف مبكرا قبل سنة 421هـ/1030م، إذ يحتمل أنه كُتب بأمر من الخليفة القادر بالله، الذي توفي سنة 422هـ/1031م.[75] وهذا التأريخ يتماشى مع قراءة الماوردي داخل فترة الإحياء السني التي تبناها جيب، والتي يفترض أن الخليفة القادر قد دشنها بشكل حاسم في بداية القرن الخامس الهجري. لكن لا توجد أدلة حاسمة تدعم هذا الرأي. وبدلا من هذا التاريخ المبكر، تقترح هذه الدراسة أن شواهد داخلية يمكن أن ترجح كون الأحكام قد كُتب بعد تسهيل النظر، وربما أيضا بعد قوانين الوزارة. ففي مقدمة تسهيل النظر، المؤلف بعد سنة 428هـ/1036م، يصرح الماوردي أن كلا من فن السياسة وعهود الشريعة المرتبطة بالحكم يحتاجان إلى تجديد وبيان يوافق الدين ويطابق الدنيا، ما يشير إلى أن فكرة كتاب ينسق أحكام الفقه في القضايا السلطانية قد تبلورت في ذهنه بشكل تدريجي عبر كتاباته المتعددة الأجناس.[76] وهذا العنصر الداخلي في نصوص الماوردي يبين أن كتابة الأحكام لم تكن فقط استجابة لحظية لإملاء أحد الخلفاء، كما تعاقبت الدراسات على ترديده بناء على ما ورد في مقدمة الكتاب.

إلى جانب هذه الأعمال، هناك كتابان لا يعرف تاريخ كتاباتهما، تماما كما هو شأن الأمثال والحكم، لكن يبدو أنهما كتبا في مرحلة متأخرة من حياة الماوردي، كما يدل على ذلك نضج عمله فيهما. وهما: أعلام النبوة[77] في علم الكلام، والنكت والعيون[78] في التفسير. أما كتاب التحفة الملوكية، فليس هناك من الدارسين من صحح نسبته إلى الماوردي.[79]

فالدراسات السابقة، كما رأينا في الشق الأول، ركزت غالبا على كتب الماوردي الفقهية التشريعية، متجاهلة تطور أفكاره عبر الزمن؛ وبعضها تناول موضوعا بعينه من خلال نصوص متعددة. لكن في هذا العنصر الأول من القراءة النسقية، تقترح الورقة الجمع بين اعتبار خصوصيات أفكار الماوردي ضمن أصنافها المعرفية وبين تتبع تشكلها تدريجيا عبر تلك الأصناف المتعددة، كما سيتبين من أمثلة تطبيقية لاحقة. لكن هناك مفاهيم مركزية في متن الماوردي تمكننا من الكشف عن الصلات المفهومية بين الأجناس الأدبية التي كتب فيها؟

العنصر الثاني: نطاق الخطاب المعياري لدى الماوردي: الأدب بين الفقه والفلسفة والسياسة

القراءة الاختزالية لفكر الماوردي مبنية على افتراض أن فكره محصور في الفقه، وأن تفسير الخطاب الإلهي وحده هو أساس فكره الاجتماعي والسياسي. وهذا المنحى لا يزال مهيمنا بوضوح في العديد من الدراسات الحديثة، مثل أعمال باتريشيا كرون وعماري أنجم،[80] التي جعلت الفقه والشريعة يشكلان المادة الحصرية لمجال ”الفكر السياسي الإسلامي.“ لكن تطبيق هذا التوجه في حالة الماوردي، كما رأينا، قد حال دون دراسة مفاهيم مركزية في متنه الأخلاقي والاجتماعي تكشف عن الصلات المفهومية الوثيقة بين أنماط الكتابة التي عالج فيها قضايا الاجتماع والسياسة. أهم هذه المفاهيم المركزية هو”الأدب،“ الذي يتجاوز حدود الفقه ليشمل عناصر من الفلسفة والسياسة والتاريخ.[81]

فالأدب عند الماوردي ليس مجرد عنصر هامشي، بل هو مفهوم مركزي يظهر اتساع نطاق فكره الأخلاقي والاجتماعي، ويعكس بنيته المعيارية في أوسع صورها. ففي كتاب أدب الدنيا والدين، يحدد الماوردي ”الأدب“ بكونه شاملا لـ”أدب الشريعة“ الذي يؤدي إلى الوفاء بالواجبات الدينية، و”أدب السياسة“ الذي يتغيى عمارة الأرض وتنظيم المجتمع.[82] ومن مثل هذه العبارات، يمكن التنبه إلى أن الماوردي يؤطر أنواعا مختلفة من النظم المعيارية داخل مفهوم الأدب، ليس الفقه إلا واحدا منها، بإزاء أخرى مثل فن السياسة، وعلم الأخلاق المنضوي تحت الفلسفة العملية. فيمكن فهم الأدب بهذا المعنى باعتباره إطارا شاملا للحكمة العملية التي يقدمها الماوردي، فيدخل فيها كل أنماط المعارف العملية التي أودعها كتاب أدب الدنيا والدين، والتي فصلت فيه كتبه الأخرى.

صحيح أن مفهوم الأدب متعدد الاستعمالات حتى في وقت الماوردي. ففي القرون الهجرية الأولى إلى حدود القرن الرابع، استعمل ”الأدب“ ليدل على معان منها السنة (بمعناها اللغوي الدال على الطريقة المتبعة الموروثة عن سلف صالح)، ومجموع معارف أمة من الأمم، والفعل والخلق الحسن، والمعارف اللغوية.[83] لكن المعنى الذي يمكن أن يفهم به استعمال الماوردي للمصطلح، هو عام وشامل يتضمن القيام بكل عمل على أحسن وجوهه في كل مجال مجال. فالأدب بهذا المعنى أداة معيارية شاملة، لا تختص بموضوع بعينه. وقد تلقف الشريف الجرجاني (ت. 816هـ/1413م) هذا التصور القديم للأدب حينما عرفه بأنه ”معرفة ما يحترز به عن جميع أنواع الخطأ.“[84] وعلى نفس المنوال، لاحظ عبد الفتاح كيليطو أن مفهوم الأدب في كتابات ابن المقفع (ت. 139هـ/757م) يدل على نمط خطابي تعليمي يتناول الأخلاق والفضائل، ويعتمد صيغة معيارية مثل الأمر والنهي لتحديد السلوكات المثلى.[85]

الأدب لدى الماوري يكتسي هذا المعنى العام. فهو، كما تدل عليه موضوعات كتبه، يشمل أنماطا متعددة من الخطاب المعياري في الأخلاق والسياسة، والاجتماع، بل يتضمن أيضا الشريعة بما هي خطاب معياري خاص نابع عن الوحي. ففي النص الذي أشرت إليه سابقا، ينقل الماوردي تعريفا للأدب بكونه على نوعين: ”أدب شريعة وأدب سياسة. فأدب الشريعة ما أدى الفرض وأدب السياسة ما عمر الأرض.“[86] فالأدب بهذا المعنى العام يتضمن كل ما يمنع من الخطأ ويحقق مقاصد كل مجال من مجالات الفعل الإنساني. فهو بذلك ينطبق على يجب فعله في جانب الدين وفي فن السياسية على حد سواء، مما يجعله إطارا جامعا لتفكير الماوردي المعياري.[87] ولذلك فتتمة هذا التعريف جعلت العدل هو المقصد الجامع لأدب الشريعة وأدب السياسة، رغم اختلاف مجاليهما: ”وكلاهما (أي أدب الشريعة وأدب السياسة) يرجع إلى العدل الذي به سلامة السلطان وعمارة البلدان، لأن من ترك الفرض فقد ظلم نفسه ومن خرب الأرض فقد ظلم غيره. [88]“ فالعدل معنى جامع بين الفقه والأدب السياسي بما هو مقصد لهما. وفي موقع آخر يتبنى الماوردي مفهوما للعدل ذا مستويات متعددة؛ فهو يشمل ”عدل الإنسان في نفسه“ الذي يتعلق بالتحلي بأخلاق الفضيلة التي تورث اعتدال النفس، و”عدل الإنسان مع غيره،“ الذي يتفرع إلى العدل مع من هم فوقه، ومن تحته، ومع من هم في مرتبته، فيتضمن بذلك فن السياسة وموضوعات الفقه التي تنظم العلاقات الاجتماعية.[89] فبتتبع هذه المستويات المختلفة للعدل يظهر كيف أن مجالات الأخلاق، والسياسة، والاجتماع ترتبط لدى الماوردي في نسق مفهومي ومعياري شامل. ومن هنا قصور الدراسات التي ركزت على جانب خصائص الجنس الأدبي في متن الماوردي ولم تنتبه إلى أن مفاهيم مثل الأدب تمثل جسرا بين الشريعة والسياسة والفلسفة العملية، خاصة الأخلاق.[90]

غاية هذا التحليل المقتضب بيان أنه من خلال مفاهيم مثل ”الأدب،“ يمكن تجاوز القراءات التقليدية التي حصرت الماوردي في الخطاب المعياري الفقهي وحده. فالأدب عند الماوردي ليس مجرد صنف أدبي، بل هو نوع من الخطاب المعياري الذي لا يقتصر على موضوع محدد، إذ هو نظر إلى ما ينبغي أن يكون من أجل تحقيق الألفة (=السعادة) في حياة الإنسان النفسية والدينية الاجتماعية.[91] ومن خلال هذا المفهوم، يمكن أن نستجلي الروابط بين مجالات الشريعة، والفلسفة، والأدب السياسي لدى الماوردي، مما يسمح بفهم تطور أفكاره عبر نصوصه المختلفة، وأجناسه الأدبية المتمايزة. وبهذا المعنى الشامل، لا ينحصر الأدب لدى الماوردي في أمثال ومواعظ، بل شمل قوانين اجتماعية وقانونية لتفسير الاجتماع الإنساني وتنظيمه.[92]

العنصر الثالث: طبيعة السياق التاريخي لفكر الماوردي

بقي من عناصر القراءة لتي تقترحها هذه الورقة عنصر السياقية. فما نوع التأطير التاريخي الذي تقترحه هذه الورقة، بموازاة مع العنصرين السالفين؟ فالقراءة الإحيائية، كما سلفت الإشارة إليه، قد حصرت كتابات الماوردي في اندفاع مذهبي-سياسي، مما حال دون الكشف عن بنية فكر الماوردي وتطوره الداخلي. ومن هذا المنطلق، ورغم إنجازات مرحلة جيب ومن تبعه من الدارسين خاصة منها إعادة قراءة الماوردي ضمن سياق تاريخي محدد، فإنها ظلت محكومة بسردية اختزالية تقتصر على تحليل كتاب الأحكام السلطانية، وتفترض مفاصلة بين الخلافة العباسية وخصومها الشيعة، معتبرة أن الصراع الطائفي كان هو القوة المحركة والمفسرة لفكر الماوردي. لكن هذه السردية غير متماسكة من جهات عديدة.

أولها أن الأطروحة تفترض وجود جهتي متقابلتين متمايزين في هذا الصراع، وهو افتراض في الحقيقة غير تاريخي. صحيح أن بين الفاطميين والعباسيين صراعات مذهبية وسياسية شديدة. لكن العلاقات العباسية البويهية لا يمكن أن تفهم حصرا بالشكل نفسه. فالمصادر التاريخية تشير إلى أن الخلفاء العباسيين لم يستغلوا فرصا أتيحت لهم للتخلص من البويهيين، بل والتزموا بعهودهم معهم، كما أن علماء شيعة بارزين في بغداد ناصروا الخليفة القادر في حروبه المذهبية ضد الفاطميين في مصر.[93] إضافة إلى ذلك، فقد أغفلت التفسيرات الطائفية كون الماوردي نفسه على صلة وثيقة بالبويهيين، ولم تنقطع الرابطة بينه وبينهم حتى عند تراجع سلطتهم أمام الزحف السلجوقي. وفي هذا السياق، يلاحظ أن جورج مقدسي، وهو أحد رواد أطروحة الإحياء السني، قد فهم طبيعة هذه السردية فهما يكشف عن عدم التناسق الداخلي فيها. ففي كتاباته، يرى مقدسي أن السنية في هذه الأطروحة إنما تنطبق على تيار واحد من السنية، وهو التيار التراثي (Traditionalist) الحنبلي. وهذا يتجلى، بحسب مقدسي، في أنشطة الحنابلة الذين كانوا في الواجهة ضد التيار الشيعي، كما يتجلى ذلك أيضا في الطبيعة الأثرية الحنبلية لـ”العقيدة القادرية“ التي تجسد الإعلان الفعلي لمشروع الإحياء السني.[94] وفي المقابل، رفضت آراء الأشاعرة وكذا المعتزلة، ولم تنل حظوة إلا في مناطق أخرى خارج العراق أو في وقت لاحق كما حصل للأشاعرة على يد أبي حامد الغزالي (ت. 505هـ/1111م).

ثانيا، هذه المعطيات التاريخية تبين ضرورة إعادة النظر في طبيعة العلاقات السنية-الشيعية في سياق الماوردي المباشر، لا من منظور مذهبي فقط، بل من خلال دراسة أكثر شمولا تركز على تفاعلات النخبة السياسية والاجتماعية، وعوامل تشكل الحكم وانفكاكه. فالتحليل التاريخي الأشمل لمرحلة الماوردي يظهر أن العوامل المذهبية، وإن كانت مهمة، لا تفسر وحدها سلوك النخب في هذا السياق؛ بل إن عناصر أخرى مثل الانكماش الاقتصادي (خاصة بفعل سياسة الإقطاع التي انتهجها البويهيون)، والتنافس بين الطامحين إلى مواقع النفوذ والسلطة، لعبت دورا كبيرا في تشكيل القوى الاجتماعية والسياسية وفي توجيه سلوكها. بل حتى المد الباطني الذي تولى الفقهاء السنة معاداته لم يكن له صدى كبير في كتابات الماوردي، كما أن بعض من تصدوا للفكر الشيعي الباطني، من أمثال أبي بكر الباقلاني، لم يمنعهم ذلك من انخراطهم في خدمة البويهيين الشيعة معرفيا وسياسيا.

وبدلا من النظرة الحدية التي تجعل الماوردي مجرد أداة سياسية، تقترح الورقة الجمع بين ثلاثة جوانب في تحليل علاقة فكر الماوردي بسياقه التاريخي. الأول هو اعتبار كل العناصر التي تلاقت في صناعة سياق الماوردي، وهي مزيج من أوضاع اقتصادية سيئة،[95] وتغيرات اجتماعية عميقة بفعل (مثل الاقتتال الذي حدث في بغداد إثر قدوم إثنيات جديدة إلى العراق متمثلة في المد السلجوقي)، وكذا التغيرات المستمرة في الطبقات الاجتماعية والسياسية التي صبغت هذه المرحلة. فلا يمكن جعل الأفكار المذهبية هي المحركة وحدها لمجتمع مركب. أما الجانب الثاني فيتمثل في إبراز التعقيد والتركيب في علاقات الماوردي السياسية. فالقراءة الطائفية تحصر إنتاج الماوردي في خدمته للعباسيين باعتبارهم رمزا للإحيائية السنية، متجاهلة علاقاته الوثيقة بالبويهيين. لكن معطيات من قبيل المراسلات والتوافقات السياسية التي شارك فيها، والتي أدى فيها دور الوسيط بين أطراف متعددة، تحتم الانتباه إلى سمات المرونة والتوفيق التي اتسمت بها مواقفه وآراؤه. وحين نتجاوز منظار الإحيائية السنية، يبدو الماوردي في آرائه أكثر اهتماما بالتوافقات السياسية التي تضمن الاستقرار أكثر من التركيز على التمكين للعباسيين على حساب خصومهم. فرغم وجود روابط بينه وبين العباسيين، إلا أنها لم تدفعه قط إلى معاداة البويهيين حتى عند تضعضع ملكهم، بل استمر في علاقاته معهم حتى في أواخر أيام حكمهم. فهذه المرونة تشير إلى نظر معقد للسياسة لدى الماوردي يقوم على الواقعية أكثر من التحيز الطائفي، وإن كان متشبثا باستمرار الإمامة بوصفها إطارا دستوريا لكل الكيانات السياسية القائمة.

أما الجانب الثالث فيتحدد في الجمع بين جعل الماوردي موضوعا وفاعلا، مؤثرا ومتأثرا، في الآن ذاته، عوض تصويره حصرا في صورة منفعلة كما في الأدبيات التي رأيناها. فالدارسات السالفة جعلت الماوردي أداة في وجه التيارات المتفاعلة حوله، ولكن هو في الحقيقة متأثر ومؤثر في الوقت ذاته. فقد استعان به البويهيون في الإصلاح بينهم وحل معضلات حلت بهم، كما أن الخليفة القائم أرسله ليصلح بين الحاكمين البويهيين جلال الدولة وأبي كاليجار، وبين الحاكم السلجوقي الصاعد، طغرل بگ (ت. 455هـ/1063م)، وبقي لديه سنة كاملة (بين سنة 435هـ و436هـ)،[96] ثم تكلل عمله بحضور تزويج بنت طغرل بگ من الخليفة القائم بالله سنة 448 هـ لما دخل السلاجقة بغداد وأنهوا وجود البويهيين بها.[97] فعلى الأقل حين دراسة متنه، يجب أن نفترض أن الرجل ذو مشروع فكري، وتفاعل فيه ومنه مع الواقع الاجتماعي والسياسي في وقته، ويقرأ على هذا الأساس.

نماذج تطبيقية: مفهوم الدين ونظرية التفويض

يمكن توضيح القراءة النسقية التي تقترحها الورقة من خلال تحليل مقتضب لمفهومين محوريين في فكر الماوردي، وهما: ”الدين،“ ونظرية ”التفويض. “

فالدين مصطلح متعدد المفاهيم في نصوص الماوردي بحسب الصنف الأدبي الذي يرد فيه. ففي عمله الكلامي، أعلام النبوة، يُركز على إثبات الأصول العقلية الكلية للدين، مثل وجود الصانع، والتوحيد، والنبوة.[98] في هذا السياق، يظهر الدين باعتباره مبادئ عقلية، حيث يناقش الماوردي فكرة ”الدين الحق“ وأسسها العقلية. لكن في المقابل، عندما ينتقل الماوردي إلى الأدب السياسي، كما في درر السلوك وتسهيل النظر، يصبح الدين موضوعا نفسيا واجتماعيا؛ حيث يركز على وظيفة الدين في توجيه سلوك الأفراد وتفاعلاتهم، وفي تحقيق التآلف الاجتماعي. فالدين في هذين النصين يرد أساسا بوصفه قوة اجتماعية، تارة تحقق التآلف بين جماعة من الناس وتنقلها إلى أطوار من التعاون تفضي إلى تأسيس السلطة واستقرارها، وتارة، عندما يتعارض الحكم القائم مع دين الجماعة المستقر، تؤدي هذه القوة الاجتماعية إلى ضعف الحكم القائم وزواله.[99] ففي هذا السياق النفسي والاجتماعي، لا يهتم الماوردي بما إذا كان الدين الذي يؤدي هذه الوظائف صحيحا أو باطلا من جانب عقائده، بل يركز فقط على دوره الاجتماعي والنفسي في تحقيق الاستقرار السياسي.[100] أما في كتاباته المتعلقة بالفقه والأحكام، مثل الأحكام السلطانية، فإن الدين يظهر أساسا بوصفه قواعد تنظيمية يُحدد ما تعتبره الجماعة ملزما وقابلا للتطبيق في ترتيب حياتها الاجتماعية والسياسية، وتوحيد معايير العدالة فيها. ففي هذا السياق، يصبح الدين مجموعة من القواعد الفقهية والإجراءات القضائية المتعلقة بتحقيق المصالح العامة للجماعة.[101]

لكن رغم هذا التنوع في معالجة الدين في نصوص الماوردي، بحسب جنسها الأدبي، فإن هناك رابطا مشتركا بين سياقاته المختلفة تحتم نسج معانيه المتعددة في رؤية شاملة. هذا المشترك يمكن أن يحدد في نظر الماوردي إلى الدين بوصفه مصدرا للسعادة الإنسانية في مختلف مجالات الفعل الإنساني. كما أن مناقشته للدين في هذه المجالات الثلاثة لا تختلف من حيث معياريتها. فالعقل معياري في تصور مفهوم الدين خارج الوحي، ويحدد أسس الدين الحق قبل تقبل الوحي، والتشريع الفقهي معياري من حيث كونه خطابا إلهيا ملزما، كما التجربة الاجتماعية والتاريخية معيارية من حيث إن مخالفة مقتضياتها تؤدي إلى انفكاك الملك وانحلال التآلف الاجتماعي. هذا الربط المعياري قد أقامه الماوردي نفسه من خلال جعل الأدب مفهوما شاملا لمنافع الدنيا والدين، الفكرية منها والعملية. فعبر مفهوم الأدب بمعناه الشامل، كما رأينا، يمكن فهم الدين في فكر الماوردي باعتباره نقطة تلاق بين مقتضيات العقل، ونتائج التجربة الإنسانية، وقواعد الشرع، وأنه بمستوياته ودلالاته المختلفة، بحسب الجنس الأدبي والمجال المعرفي، يعبر عن تصور متكامل للسيرة الإنسانية الفاضلة ومصادر سعادتها.

نظرية التفويض في فكر الماوردي تقدم مثالا آخر على أهمية القراءة الشاملة لفهم تطور أفكاره وترابطها. فبتتبع هذا المفهوم يظهر أن الماوردي في بداياته، كما يظهر في درر السلوك، تبنى مفهوم التفويض الإلهي، الذي يجعل شرعية الحكم قائمة على اختصاص إلهي. فالحكم في هذا التصور محض نعمة إلهية لا تحتاج إلى تنظير وتأصيل لشرعيتها في التاريخ الإنساني، والحاكم فيها نائب عن الله في ”حراسة رعيته“ ومن ثم ”أوجب على الرعية صدق طاعته، وجعله الوسيط بينه وبين عباده، ولم يجعل بينه وبينهم أحدا سواه.“[102] والماوردي في هذه المرحلة يعكس تأثرا ببعض الأفكار الرائجة في الأدب السياسي تحت الحكم البويهي، خاصة حين كانت السلطة في يد آخر حكامها الأقوياء.

 لكن في مرحلة لاحقة، في كتاب أدب الدنيا والدين، اتخذ مفهوم التفويض بعدا جديدا، فظهر أكثر ارتباطا بالمصلحة العامة، حيث أطر الماوردي الحكم أساسا باعتباره انتدابا إنسانيا دفعت إليه حاجة الاجتماع؛ إذ ”معلوم من حال العقلاء على اختلافهم الفزع إلى زعيم مندوب للنظر في مصالحهم.“[103] وهنا برز العقل والمصلحة باعتبارهما داعيان إلى ظهور الحكم ودافعان للتفويض، وتوارى مفهوم النعمة التي اختص بها الحاكم. فمفهوم التفويض لدى الماوردي في هذه المرحلة تبرز فيه أساسا ضرورة اجتماعية تُدركها الجماعة من خلال العقل والتجربة، فيما يُعزز الشرع هذه الضرورة، ثانيا، باشتراع الإمامة وتخصيص أحكام جزئية لها. وفي كلا بعديِ التفويض، المصلحي والديني، تتخذ حاجة الإنسان مركز المفهوم. أما في تسهيل النظر، فقد اقتصر الماوردي على زيادة بسط الحاجة الإنسانية التي تولد ضرورة الاجتماع، وكيف يتطور ذلك إلى انتداب من يتولى أمورها. فمفهوم التفويض في هذا الكتاب انتداب إنساني خالص حذف منه عنصر التفويض الإلهي الذي كان المحدد الأوحد لماهية الحكم ومصدره في كتاب درر السلوك (النسخة الأولى لتسهيل النظر). فلم يعد التفويض منحة إلهية في هذه النسخة الجديدة لنفس الكتاب، على الأقل في المقام الأول، وإنما صار عملية إنسانية واعية تستند إلى اتفاق بين عقلاء يتغيى تحقيق الخير العام.[104] وهذا التغير في سمات مفهوم التفويض لدى الماوردي من أحد التطورات التي جاء بها كتاب تسهيل النظر، بخلاف نسخته الأولى، درر السلوك.

وفي ربط الكتاب بالسياق التاريخي الذي ظهر فيه، يمكن أن يلاحظ أن الماوردي في تسهيل النظر وكأنه يجرد قوانين السياسة في الكتاب من واقعه، كما ينزل أصولا متفقا عليها بين الحكماء الذين نقل أقوالهم؛ فكأنه في الآن ذاته يفسر أسباب تدهور حكم البويهيين، فيما يذكرهم أو غيرهم بقوانين الحكم وطرق تشكله وتلاشيه، ويشدد على أنها قوانين ضرورية المراعاة لاستقرار الحكم وبلوغ مقصد الاجتماع المتآلف. وفي خضم التغيرات التي عايشها الماوردي، يبرز وعيه الواضح بطبيعة مرحلته وإدراكه لتغير الظروف الاجتماعية والسياسية. ففي مقدمة كتاب تسهيل النظر، يشير بوضوح إلى الحاجة إلى مراجعة قوانين السياسية والشريعة التي تتصل بالحكم، لكي تتلاءم مع تغيرات زمانه.[105] ففهم علاقة الماوردي بسياقه لا تتم فقط بالتركيز على تأثير السياق السياسي في أفكاره، بل في مدى وعيه وتفاعله أيضا مع هذا السياق لإنتاج رؤية معرفية مركبة.

أما بعد تسهيل النظر، فقد اتخذ مفهوم التفويض بمعنى التعاقد والانتداب الذي حرره الكتاب قالبا تشريعيا مفصلا في آخر كتاب للماوردي على الأرجح، أي الأحكام السلطانية؛ فقد تجلى التفويض في صورة قواعد فقهية وإجراءات قضائية دقيقة، حيث حدد الماوردي طرق التفويض التعاقدي في الإمامة بين الأمة المنتدِبة والحاكم المنتدَب، وكذا كيفيات انتهاء هذا العقد.[106]

يتضح من التحليل المقتضب لمفهومي الدين والتفويض أن الفهم المستوعب لفكر الماوردي، خاصة الخطاب المعياري في كتاباته، لا يمكن تحققه بقراءة مجزأة تقتصر على نص معين أو صنف أدبي منفرد، كما تم ترسيخه في الأدبيات السابقة. بل يتطلب استيعاب رؤيته قراءة شاملة تتبع تطور مفاهيمه المركزية عبر كتاباته المختلفة وربطها بالسياقات التاريخية والاجتماعية التي أنتجت فيها. فلا يمكن، مثلا، فهم تطور نظرية التفويض من فكرة ”التفويض الإلهي“ إلى مفهوم ”التعاقد“  و”الانتداب“ إلا من خلال تتبع النصوص التي عالجت هذه الفكرة وربطها ببعضها البعض، رغم اختلاف أجناسها الأدبية. وهذا النهج الشامل لا يبرز فقط العلاقة بين النصوص المختلفة للماوردي، بل يُظهر أيضا كيف أن أفكاره تتطور داخل الصنف الأدبي الواحد، كما أنها تتنوع سماتها الدلالية من صنف أدبي إلى آخر. فالدين، كما رأينا، يظهر في الخطاب الكلامي في صورة المعتقدات العلمية المقررة بالعقل والمعضدة بالسمع، وفي الأدب السياسي باعتباره سببا نفسيا واجتماعيا للألفة وأداة لتوطيد الحكم، ثم في الفقه يركز الماوردي على الدين باعتباره مجموعة من القوانين والقواعد المعيارية، التي تقنن التصرفات الشخصية والعلاقات الاجتماعية. وبين كل هذه المعاني والدلالات صلات وثيقة يمكن أن تدرك، خاصة إذا وضعنا مفاهيمه داخل مفاهيم كبرى مثل الأدب. ومن هنا، يتبين من أهم عناصر قراءة الماوردي هو الجمع بين ما فرقته الدراسات المتراكمة حوله، أي التوليف بين الأصناف المعرفية التي كتب فيها مع مراعاة خصوصياتها، وكذا تتبع تطورها عبر الزمن. فهذه القراءة النسقية لفكر الماوردي هي وحدها الكفيلة بالكشف عن بنية متكاملة لخطابه المعياري، تجمع بين الأخلاق، والسياسة، والفقه.

الخاتمة

هدفت هذه المقالة إلى مساءلة الفهم المترسخ لفكر الماوردي في الدراسات الغربية والعربية، والتي غالبا ما اختزلت الماوردي في التفكير الفقهي، متجاهلة النطاق الأوسع لخطابه المعياري والصلات العميقة بين أفكاره في الفقه، والفلسفة، والأدب السياسي. من خلال نقد تشكل هذا الفهم، كشفت الدراسة عن أهم الإشكالات المنهجية التي تجابه الأدبيات الحالية، وبينت كيف تشكل أجناس الكتابة المختلفة التي ألف فيها لبنات رؤية متكاملة للأخلاق، والاجتماع، والسياسة. دعوى المقالة تتلخص في كون الماوردي ليس مجرد فقيه أو فاعل سياسي استُثمر مع سياقات طائفية أو سياسية، بل كان مفكرا نسقيا سعى إلى تقديم رؤية شاملة للاجتماع الإنساني، في تفاعل مؤثر ومتأثر مع بيئته الفكرية والاجتماعية. وقد قدمت الورقة ثلاثة عناصر أساسية لتكوين قراءة نسقية لفكره: أولها، تتبع تطور أفكاره عبر أجناسه الأدبية المختلفة ووضعها في إطار زمني يكشف عن مراحل تشكلها. وثانيها، تحليل مفاهيم كبرى، مثل الأدب، باعتبارها إطارا جامعا يربط بين الفقه والفلسفة والسياسة، مما يبرز طابعا معياريا يوجه خطابه رغم اختلاف موضوعه. وثالثها، تحديد طبيعة علاقة فكر الماوردي بسياقه التاريخي والاجتماعي، بعيدا عن حصره في إطار القراءات الطائفية والإحيائية، والتي أهملت التعقيد الذي اصطبغ به تفاعل الماوردي مع العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شكلت مرحلته التاريخية.

ومن خلال تحليل نصوص الماوردي المختلفة، تبيّن أن كتاب الأحكام السلطانية، الذي طالما كان محور الدراسات السالفة منذ أواسط القرن التاسع عشر، ليس سوى جزء من مشروع فكري متكامل تطور عبر كتابات أخرى مثل درر السلوك، وتسهيل النظر، وأدب الدنيا والدين. فهذه النصوص تُظهر تطور أفكار الماوردي والعلاقات المفهومية بينها، كما مثلت له الدراسة بنظرية التفويض التي انتقلت من فكرة الانتداب الإلهي إلى عقد اجتماعي يستند إلى العقل والمصلحة العامة، ومفهوم الدين الذي يتنوع بين الخطاب الكلامي، الأدب السياسي، والفقه دون أن يفقد ترابطه الداخل في متن الماوردي. على هذا الأساس، تؤكد المقالة أن رؤية الماوردي لم تكن حبيسة صراعات مذهبية أو سياسية ضيقة، وإن كانت متفاعلة معها، بل كان همها الأساس تنسيق المعارف، ومن خلالها يتجاوب مع التحديات الاجتماعية والسياسية المحيطة به. بهذه الطريقة، تسعى الورقة إلى نقد المنهج الاختزالي الذي لا يزال يهيمن على دراسة الماوردي، وتقترح مدخلا مفهوميا ونسقيا يعيد اكتشاف طبيعة منظومته الفكرية وموقعها في تطور الفكر الإسلامي في فترته الكلاسيكية.

Bibliography

Primary Sources

Al-Māwardī, Abū l-Ḥasan. Adab al-Dunyā wa-l-Dīn. Edited by Muhammad Karīm Rājih. 4th ed. Beirut: Dār Iqra’, 1985.

———. Adab al-Qāḍī. Edited by Muḥyī Hilāl al-Sarḥān. 2 vols. Baghdad: Maṭbaʿat al-Irshād, 1971.

———. Adab al-Wazīr li-l-Māwardī al-Maʿrūf bi-Qawānīn al-Wizāra wa-Siyāsat al-Mulk. Edited by Ḥasan al-Hādī Ḥasan. 1st ed. Cairo: Maktabat al-Khānjī, 1929.

———. al-Aḥkām al-Ṣulṭāniyya wa-l-Wilāyāt al-Dīniyya. Edited by Aḥmad Mubārak al-Baghdādī. 1st ed. Al-Firdaws, Kuwait: Maktabat Dār Ibn Qutayba, 1989.

———. al-Amthāl wa-l-Ḥikam. Edited by Fuʾād ʿAbd al-Munʿim Aḥmad. 1st ed. Al-Riyadh: Dār al-Waṭan li-l-Nashr, 1999.

———. al-Ḥāwī al-Kabīr fī Fiqh al-Shāfiʿī wa-Huwa Sharḥ Mukhtaṣar al-Muzanī. Edited by ʿAlī Muḥammad Muʿawwaḍ and ʿĀdil Aḥmad ʿAbd al-Mawjūd. 1st ed. 18 vols. Beirut: Dār al-Kutub al-ʿIlmiyya, 1994.

———. al-Iqnāʿ fī al-Fiqh al-Shāfiʿī. Edited by Khiḍr Muḥammad Khiḍr. 1st ed. Tehran: Dār Iḥsān li-l-Nashr wa-l-Tawzīʿ, 1420.

———. al-Nukat wa-l-ʿUyūn. Edited by al-Sayyid ʿAbd al-Maqṣūd Ibn ʿAbd Ibrāhīm. 6 vols. Beirut: Dār al-Kutub al-ʿIlmiyya, n.d.

———. Aʿlām al-Nubuwwa. 1st ed. Beirut: Dār al-Kutub al-ʿIlmiyya, 1406.

———. Kitāb Durar al-Sulūk fī Siyāsat al-Mulūk. Edited by Fuʾād ʿAbd al-Munʿim Aḥmad. 1st ed. Al-Riyadh: Dār al-Waṭan li-l-Nashr, 1997.

———. Kitāb Tashīl al-Naẓar wa-Taʿjīl al-Ẓafar fī Akhlāq al-Malik wa-Siyāsat al-Mulk. Edited by Muḥyī Hilāl al-Sarḥān. 1st ed. Beirut: Dār al-Nahḍa al-ʿArabiyya li-l-Ṭibāʿa wa-l-Nashr, 1981.

———. Naṣīḥat al-Mulūk. Edited by Riḍwān al-Sayyid. Riyadh: Dār Ibn al-Azraq li-l-Nashr wa-l-Tawzīʿ, 1437/2015.

———. Naṣīḥat al-Mulūk. Edited by Muḥammad Khiḍr Khiḍr. 1st ed. Al-Safa, Kuwait: Maktabat al-Falāḥ, 1983.

———. Qawānīn al-Wizāra wa-Siyāsat al-Mulk. Edited by Riḍwān al-Sayyid. 1st ed. Beirut: Dār al-Ṭalīʿa li-l-Ṭibāʿa wa-l-Nashr, 1979.

———. Tashīl al-Naẓar wa-Taʿjīl al-Ẓafar fī Akhlāq al-Malik wa-Siyāsat al-Mulk. Edited by Riḍwān al-Sayyid. 2nd ed. Beirut: Markaz Ibn al-Azraq li-dirāsat al-Turāth al-Siyāsī, 2012.

Al-Baghdādī, Abū Bakr al-Khaṭīb. Tārīkh Madīnat al-Salām wa-Akhbār Muḥaddithīhā wa-Dhikr Quṭṭānihā wa-al-ʿUlamāʾ min Ghayr Ahlihā wa-Wāridīhā. Edited by Bashshār ʿAwwād Maʿrūf. 17 vols. 1st ed. Beirut: Dār al-Gharb al-Islāmī, 2001.

Al-Ḥamawī, Yāqūt. Muʿjam al-Udabāʾ: Irshād al-Arīb ilā Maʿrifat al-Adīb. Edited by Iḥsān ʿAbbās. 6 vols. 1st ed. Beirut: Dār al-Gharb al-Islāmī, 1993.

Ibn al-Athīr, ʿIzz al-Dīn Abū l-Ḥasan al-Shaybānī. Al-Kāmil fī al-Tārīkh. Edited by ʿUmar ʿAbd al-Salām Tadmurī. 13 vols. Beirut: Dār al-Kitāb al-ʿArabī, 2012.

Ibn al-Jawzī, Abū l-Faraj ʿAbd al-Raḥmān. Al-Muntaẓam fī Akhbār al-Mulūk wa-l-Umam. Edited by Muḥammad ʿAbd al-Qādir ʿAtā and Muṣṭafā ʿAbd al-Qādir ʿAtā. 1st ed. 19 vols. Beirut: Dār al-Kutub al-ʿIlmiyya, 1992.

Ibn Khaldūn, ʿAbd Al-Raḥmān. Al-Muqaddima. Edited by ʿAbd al-Salām al-Shaddādī. Vol. 1. Casablanca: Khizānat Ibn Khaldūn, Bayt al-Funūn wa-l-ʿUlūm wa-l-Ādāb, 2005.

Secondary Sources

Abbès, Makram. Islam et politique à l’âge classique. Paris: Presses Universitaires de France, 2009.

———. De l’éthique du prince et du gouvernement de l’état. Paris: Les Belles Lettres, 2015.

Aḥmad, Fuʾād ʿAbd Al-Munʿim and Muḥammad Sulaymān Dāwūd. Al-Imām Abū al-Ḥasan al-Māwardī. Alexandria: Muʾassasat Shabāb al-Jāmiʿa, 1978.

Al-Baghdādī, Aḥmad Mubārak. “The Political Thought of Abū Al-Ḥasan al-Māwardī.” PhD diss., University of Edinburgh, 1981.

Al-Jurjānī, al-Sayyid al-Sharīf. Muʿjam al-Taʿrīfāt. Edited by Muhammad Siddiq al-Minshāwī. Cairo: Dār al-Fadīla, n.d.

Al-Sayyid, Riḍwān. Al-Jamāʿa wa-al-Mujtamaʿ wa-al-Dawla: Sulṭat al-Ideologyā fī al-Majāl al-Siyāsī al-ʿArabī al-Islāmī. 2nd ed. Beirut: Dār al-Kitāb al-ʿArabī, 1428/2007.

———. Al-Umma wa-al-Jamāʿa wa-al-Sulṭa: Dirāsa fī al-Fikr al-Siyāsī al-ʿArabī al-Islāmī. 2nd ed. Beirut: Dār Aqraʾ, 1986.

al-ʿAlawī, Saʿīd Binsaʿīd. Dawlat al-Khilāfa: Dirāsa fī al-Tafkīr al-Siyāsī ʿinda Abī l-Ḥasan al-Māwardī. Cairo: Ruʾya li-l-Nashr wa-l-Tawzīʿ, 2010.

Al-ʿArwī, ʿAbdallah. Mafhūm al-ʿAql. 3rd ed. Casablanca-Beirut: Al-Markaz al-Thaqāfī al-ʿArabī, 2001.

Amedroz, Henry Frederick. “The Mazalim Jurisdiction in the Ahkam Sultaniyya of Mawardi.” Journal of the Royal Asiatic Society of Great Britain and Ireland 2 (July 1911): 635–674.

Anjum, Ovamir. Politics, Law, and Community in Islamic Thought: The Taymiyya Moment. Cambridge: Cambridge University Press, 2012.

Anṣārī, Ḥasan. “Yek andīsheh-nāmeh-yi siyāsī-yi arzeshmand-i muʿtazilī az Khurāsān-i dawrān-i Sāmāniyān.” Bar-rasīhā-yi Tārikhī. Accessed July 20, 2025. https://ansari.kateban.com/post/1951?post=1951.

Anscombe, Gertrude E. M. “Modern Moral Philosophy.” Philosophy 33, no. 124 (January 1958): 1–19.

Arkoun, Mohammed. Essais sur la pensée islamique. 3rd ed. Paris: Éditions Maisonneuve et Larose, 1973.

Campopiano, Michele. “State, Land Tax and Agriculture in Iraq from the Arab Conquest to the Crisis of the Abbasid Caliphate (Seventh-Tenth Centuries).” Studia Islamica 107, no. 1 (2012), 1–37.

Crone, Patricia. God’s Rule: Government and Islam. New York: Columbia University Press, 2004.

E., A. G. Review of El-Ahkâm es-Soulthâniya, by Léon Ostrorog. The Journal of the Royal Asiatic Society of Great Britain and Ireland (Oct. 1901): 906-911.

Egner, Maximilian. Maverdii Constitutiones Politicae. Bonn: Adolph Marcus, 1853.

El-Ahkam Es-sulthâniya: Traité de droit public musulman d’Abou ‘l-Hasan Alî Ibn-Mohammed Ibn -Habîb El-Mawerdî. Traduit et annoté d’après les sources orientales par Le Comte Léon Ostrorog. Paris: Ernest Leroux, 1900.

Fakhry, Majid. Ethical Theories in Islam. Leiden: Brill, 1994.

Fatḥī, Abū Yūsuf. Al-Māwardī: ʿAṣruhu wa-Fikruhu al-Siyāsī. Cairo: Maktabat Saʿīd Rāfat, 1990.

Gellner, Ernest. Muslim Society. 1st ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1981.

Gibb, Hamilton A. R. “Al-Mawardi’s Theory of the Khilāfah.” Islamic Culture XI, no. 3 (Hyderabad, 1937): 291–302.

———. “Some Considerations on the Sunni Theory of the Caliphate.” Archives d’Histoire du Droit oriental 3 (Wettern-Paris, 1939): 401–410.

Ibn al-Muqaffaʿ, ʿAbd Allāh. “Risālat Ibn Al-Muqaffaʿ fī al-al-Ṣahāba.” In Āthār Ibn al-Muqaffaʿ. 309–323. Beirut: Dār al-Kutub al-ʿIlmiyya, 1989.

Kilīṭū, ʿAbd al-Fattāḥ. Al-Adab wa-al-Gharāba: Dirāsāt Bunyawiyya fī al-Adab al-ʿArabī. Casablanca: Dār Tūbqāl li-al-Nashr, 2006.

Lambton, Ann K. S. State and Government in Medieval Islam: An Introduction to the Study of Islamic Political Theory: The Jurists. London: Routledge, 1981.

Laoust, Henry. La penseé et l’action politiques d’al-Māwardī (364-450/974-1058) (Paris: Paul Geuthner, 1968).

Little, Donald P. “A New Look at Al-Ahkām Al-Sultāniyya.” The Muslim World 64, no. 1 (January 1974): 1–15.

Makdisi, George. “Sunni Revival.” In Islamic Civilization, 950-1150, edited by D. H. Richards. 155–168. Oxford: Bruno Cassirer, 1973.

———. Ibn ‘Aqil et la résurgence de l’Islam traditionalle au XIe siècle (Ve siècle de l’Hégire). Damascus: Institut Français de Damas, 1963.

Marlaw, Louise. “A Samanid Work of Counsel and Commentary: The Naṣīḥat al-mulūk of Pseudo-Māwardī.” Iran 45 (2007): 181–192.

———. “Abū Zayd al-Balkhī and the Naṣīḥat al-mulūk of Pseudo-Māwardī.” Der Islam 93, no. 1 (2016): 35–64.

———. Counsel for Kings: Wisdom and Politics in Tenth-Century Iran: Volume I: The Naṣīḥat al-mulūk of Pseudo-Māwardī: Contexts and Themes. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2016.

———. Counsel for Kings: Wisdom and Politics in Tenth-Century Iran: Volume II: The Naṣīḥat al-mulūk of Pseudo-Māwardī: Texts, Sources and Authorities. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2016.

Mawardi, Abū al-Ḥasan. Les statuts gouvernementaux or Règles de droit public et administratif. Translated by Edmond Fagnan. Alger: Type A. Jourdan, 1915.

Mawerdi’s Publiek en administratief regt van den Islam: met een inleiding over de toepasselijkheid van dat regt in Nederlandsch Indië. Translated by S. Keijzer. S-Gravenhage: H. C. Susan, 1862.

Melchert, Christopher. “Māwardī’s Legal Thinking.” Al-ʿUṣūr al-Wusṭā 23 (2015): 68–86.

Mikhail, Hanna. Politics and Revelation: Māwardī and After. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1995.

Muṣṭafā, ʿAlī Khalīl. Qirāʾa Tarbawiyya fī Fikr Abī al-Ḥasan al-Baṣrī al-Māwardī min Khilāl Kitāb Adab al-Dunyā wa-l-Dīn. 1st ed. Jeddah: Dār al-Mujtamaʿ li-al-Nashr wa-al-Tawzīʿ, 1411/1990.

Naṣr, Muḥammad ʿĀrif. Fī Maṣādir al-Turāth al-Siyāsī al-Islāmī: Dirāsa fī Ishkāliyyāt al-Taʿmīm Qabla al-Istiṣqāʾ wa-al-Taʾṣīl. 1st ed. Herndon, Virginia: al-Maʿhad al-ʿĀlamī li-al-Fikr al-Islāmī, 1994.

Rae May, Darlene. “Al-Māwardī’s ‘Al-Aḥkām As-Sulṭāniyyah’: A Partial Translation with Introduction and Annotations.” PhD diss., Indiana University, 1978.

Raslān, Ṣalāh al-Dīn Basyūnī. Al-Fikr al-siyāsī ʿinda al-Māwardī. Cairo: Dār al-Thaqāfa li-al-Nashr wa-al-Tawzīʿ, 1983.

Rosenthal, Ervin I. J. Political Thought in Medieval Islam. Cambridge: Cambridge University Press, 1958.

Salmān, Maḥmūd Muḥammad. Al-Māwardī wa-al-Ijtimāʿ al-Siyāsī: Dirāsa Sūsyūlūjiyya-Siyāsiyya Taḥlīliyya. 1st ed. Baghdad: Bayt al-Ḥikma, 2001.

Sherwani, Haroon Khan. Studies in the History of Early Muslim Political Thought and Administration. Lahore: Sh. Muhammad Ashraf, 1942.

Welchman, Jennifer. “The Fall and Rise of Aristotelian Ethics in Anglo-American Moral Philosophy: Nineteenth and Twentieth Centuries.” In The Reception of Aristotle’s Ethics, edited by Jon Miller, 262–88. Cambridge: Cambridge University Press, 2012.

Wiland, Eric, and Julia Driver. “Gertrude Elizabeth Margaret Anscombe.” The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2022 Edition). Edited by Edward N. Zalta and Uri Nodelman. Accessed April 20, 2024. https://plato.stanford.edu/cgi-bin/encyclopedia/archinfo.cgi?entry=anscombe.

للتوثيق

لمعلم، محمد. ”الخطاب المعياري عند الماوردي (ت. 450هـ/1058م) بين الفقه والفلسفة والأدب: من التأطير القانوني إلى قراءة نسقية وتاريخية.“ ضمن موقع الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية، الرابط <https://philosmus.org/archives/4382>

محمد لمعلم

محمد لمعلم Mohamed Lamallam أستاذ مساعد للدراسات العربية والإسلامية بكلية الزيتونة، بيركلي – كاليفورنيا؛ وقبلها عمل أستاذا محاضرا في قسم الدراسات العربية والإسلامية بجامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة. يكتب الدارس لمعلم عن الفلسفة الأخلاقية الإسلامية، والدراسات القرآنية، والأدب، وفكر الماوردي؛ ومهتم بالنظريات الاجتماعية والسياسية، ومفاهيم الديني والدنيوي، وعلاقة الفقه بالفلسفة، في السياق الإسلامي الوسيط والحاضر. لمعلم عضو في عدة مؤسسات بحثية – مثل الأكاديمية الأمريكية للدين، ومؤسسة الباحثين في الدراسات الوسيطة وغيرها – وله عدة مقالات ودراسات منشورة بالعربية والإنجليزية.

[✸] يجدر بي أن أذكر أن الصيغة الأولى لهذا المقال كانت قد ألقيت ضمن سلسلة المحاضرات التي تنظمها مؤسسة فيلوسموس. وأود أن أشكر بالمناسبة المحكمين السريين اللذين أفدت من ملاحظاتهما.

[1] Gertrude. E. M. Anscombe, “Modern Moral Philosophy,” Philosophy 33, no. 124 (January 1958), 1-19.

أنسكومب تلميذة الفيلسوف النمساوي الشهير لودڤيگ ڤيدگينشتاين (ت. 1951م، Ludwig Wittgenstein) ومترجمة كتبه إلى الإنجليزية. لمعرفة بعض المحطات المهمة من حياتها، وأعمالها، يمكن مراجعة المقالة الآتية من موسوعة ستانفورد:

Eric Wiland and Julia Driver, “Gertrude Elizabeth Margaret Anscombe,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2022 Edition), Edward N. Zalta and Uri Nodelman, eds, accessed April 20, 2024, https://plato.stanford.edu/cgi-bin/encyclopedia/archinfo.cgi?entry=anscombe.

لمعرفة المزيد من التفاصيل حول إعادة الاهتمام بأخلاق أرسطو في النصف الثاني من القرن العشرين، ينظر المرجع التالي:

Jennifer Welchman, “The Fall and Rise of Aristotelian Ethics in Anglo-American Moral Philosophy: Nineteenth and Twentieth Centuries,” in The Reception of Aristotle’s Ethics, ed. Jon Miller (Cambridge: Cambridge University Press, 2012), 262–88.

[2] Anscombe, “Modern Moral Philosophy,” 4–6.

[3] تشكلت توجهات عديدة تمثل هذا الوعي. منها النقاشات التي أثيرت حول طريقة التعامل مع جنس ”مرايا الملوك“ بين دارسي التاريخ الفكري الأوروبي، ومؤرخي الفكر العربي الإسلامي. انظر:

Linda T. Darling, “Mirrors for Princes in Europe and the Middle East: A Case of Historiographical Incommensurability,” in East Meets West in the Middle Ages and Early Modern Times, ed., Albrecht Classen and Marilyn Sandidge (Göttingen: De Gruyter, 2013), 224-25

ومن هذه التطورات أيضا الانتقال بالدراسات الإسلامية من مناهج نصية استشراقية إلى محاولة وضعها داخل مجال ”الدراسات الدينية“ والسعي إلى تغيير المناهج المتبعة والموضوعات المدروسة في دراسة الإسلام. تنظر، مثلا، النقاشات التي أدت إلى ظهور هذين الكتابين:

Richard C. Martin, ed., Approaches to Islam in Religious Studies (Oxford: Oneworld, 1985); Carl W. Ernst and Richard C. Martin, eds., Rethinking Islamic Studies: From Orientalism to Cosmopolitanism (Columbia, SC: University of South Carolina Press, 2010).

[4] لا يزال هذا الافتراض يوجه الكتابة حول التفكير السياسي في الإسلام لدى كثير من الدارسين الغربيين، وغيرهم. ينظر مثلا:

Patricia Crone, God’s Rule: Government and Islam (New York: Columbia University Press, 2004) 3-16.

[5] أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي، المنتظم في أخيار الملوك والأمم، تحقيق محمد عبد القادر عطاء ومصطفى عبد القادر عطاء، ط.1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992)، ج.17: 215.

[6] يقول الخطيب البغدادي في ترجمة الماوردي: ”كتبت عنه وكان ثقة.تاريخ مدينة السلام وأخبار محدثيها وذكر قطانها والعلماء من غير أهلها ووارديها، تحقيق بشار عواد معروف، ط.1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2001)، ج.13: 587.

[7] انظر مثلا تفاصيل الأدوار السياسية التي قام بها الماوردي في السنوات 422هـ، 423هـ، 424هـ، 427هـ، 428هـ، 429هـ، 434هـ، 435هـ، 447هـ. تفاصيل ظهور الماوردي في مشهد الأحداث في سياقه التاريخي في المصادر التاريخية. ابن الجوزي، المنتظم، ج.15: 225 فما بعدها؛ عز الدين أبو الحسن ابن الأثير، الكامل في التاريخ، حققه واعتنى به عمر عبد السلام تدمري (بيروت: دار الكتاب العربي، 2012)، ج.7: 748؛ ج.8: 37، 47.

[8] ياقوت الحموي، معجم الأدباء: إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، تحقيق إحسان عباس، ط.1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993)، ج.5: 1955.

[9] وعلى الرغم من أن مصطلح ”السياسة الشرعية“ ذاته لم يرد في أعمال الماوردي، إلا أن الدراسات التي تناولته ضمن هذا الإطار جعلت من الأحكام السلطانية نموذج الكتابة في هذا الجنس الفكري. ولكن الأحكام السلطانية ليس كتاب الماوردي الوحيد في السياسة والاجتماع، كما أن الأحكام ليس فقهيا تقريريا خالصا؛ فقد أدرج فيه الماوردي عناصر مهمة من كتاباته في أخلاق الفضيلة، والأدب السياسي.

[10] بالنظر إلى واحد من أوائل الكتاب التي أسست لمجال دراسة التفكير السياسي في الإسلام ضمن السياق الأنجلوساكسوني، يظهر أن الماوردي قد استقر مبكرا باعتباره ممثلا للتيار الفقهي:

Haroon Khan Sherwani, Studies in the History of Early Muslim Political Thought and Administration (Lahore: Sh. Muhammad Ashraf, 1942): 148–165.

ذكر شروان أربعة نصوص للماوردي تتعلق بالفكر السياسي، وهي تبعا لترتيبه: الأحكام، ونصيحة الملوك، وقوانين الوزارة، ثم تسهيل النظر. لكنه، تبعا للأدبيات المستقرة إلى وقته (أو ربما لعدم تمكنه من الاطلاع على بقية النصوص)، قد اقتصر شروان على تحليل موضوعات الفصول الأولى من الأحكام السلطانية المتعلقة بالإمامة، والوزارة، والإمارة، والقضاء.

[11] Maximilian Egner, Maverdii Constitutiones Politicae (Bonn: Adolph Marcus, 1853).

[12] Mawerdi’s Publiek en administratief regt van den Islam: met een inleiding over de toepasselijkheid van dat regt in Nederlandsch Indië, S. Keijzer (S-Gravenhage: H. C. Susan, 1862).

[13] وقد علل مترجم الكتاب الحاجة إلى ترجمته بكون الفرنسيين في الجزائر بحاجة إلى الأحكام لفهم كيفية حكم البلاد الإسلامية التي تحت إدارتهم.

Le Comte Léon Ostrorog, “Préface,” El-Ahkam Es-sulthâniya: Traité de droit public musulman d’Abou ‘l-Hasan Alî Ibn-Mohammed Ibn -Habîb El-Mawerdî, traduit et annoté d’après les sources orientales par Le Comte Léon Ostrorog (Paris: Ernest Leroux, 1900), i-iv.

وفي مراجعة باللغة الإنجليزية لترجمة أستروروغ الفرنسية لـلأحكام، يؤكد أحد الدارسين الفكرة نفسها، إذ علل اهتمام ”الباحثين والدارسين“ بالفقه، ومنه كتاب الماوردي، بأنه كان ”بسبب قيمته العملية في علاقة بإدارة ممتلكات القوى الغربية في البلاد المسلمة. “

  1. G. E., review of El-Ahkâm es-Soulthâniya, by Léon Ostrorog, The Journal of the Royal Asiatic Society of Great Britain and Ireland (Oct. 1901): 906.

[14] Mawardi, Les statuts governementaux or Règles de droit public et administratif, trans., Edmond Fagnan (Alger: Type A. Jourdan, 1915).

[15] Henry Frederick Amedroz, “The Mazalim Jurisdiction in the Ahkam Sultaniyya of Mawardi,” Journal of the Royal Asiatic Society of Great Britain and Ireland 2 (July 1911): 635–674.

[16] Hamilton A. R. Gibb, “Al-Mawardi’s Theory of the Khilāfah,” Islamic Culture (1937): 291-302; “Some Consideration of the Sunni Theory of the Caliphate,” Archive d’histoire du droit oriental III (1948): 401-410.

[17] عبر جيب عن هذه الأفكار بالقول:

“Since the revival of interest in the caliphate it [the Aḥkām] has been generally accepted as the most authoritative exposition of the Sunni Islamic political theory, and indeed the existence of other works on the subject is frequently ignored. Yet in spite of its reputation, no attempt has been made to situate the work in its own setting.” Gibb, “Al-Mawardi’s Theory of the Khilāfah,” 151.

[18] Gibb, “The Sunni Theory of the Caliphate,” 142.

[19] Gibb, “Al-Mawardi’s Theory of the Khilāfah,” 153.

[20] كتب لاوست بتفصيل حول الظروف التي أنتجت الأحكام، معتبرا إياه نصا يعكس سياقا تاريخيا محددا أكثر من كونه عملا تنظيريا عاما.

Henri Laoust, La penseé et l’action politiques d’al-Māwardī (364-450/974-1058) (Paris: Paul Geuthner, 1968).

[21] يمكن أن يضاف جورج مقدسي إلى متبني أطروحة الإحياء السني، لكن فهمه لطبيعة ”السنية،“ وأنها منحصرة في التيار الأثري الحنبلي فقط، هو بحد ذاته نقد لهذه السردية، كما سنرى في العنصر الثالث من القراءة المقترحة في هذه الدراسة.

[22] ”القرن الشيعي“ يتميز ببروز الخلافة الفاطمية في شمال إفريقيا وسيطرة البويهيين على الخلافة العباسية، ولذا فهذا القرن يمتد في المشرق من دخول البويهيين إلى بغداد سنة 344هـ/945م إلى نهاية حكمهم بدخول السلاجقة السنيين إلى بغداد سنة 447/1055م، لكنه يمتد في مجال سيطرة الفاطميين إلى نهاية حكمهم على يد الأيوبيين سنة 567/1171م.

[23] يرى لاوست، مثلا، أن الإبقاء على الخليفة هو هم الماوردي الرئيسي في كتاباته، خاصة منها الأحكام: ”هدفه أيضا، كما نرى إعطاؤه [الخليفة] وسيلة استعادة الخلافة المهددة في كامل استقلاليتها وفي صلاحياتها. “

Laoust, La penseé et l’action politiques, 15, 23.

[24] Ervin I. J. Rosenthal, Political Thought in Medieval Islam (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), 8-9.

[25] ينظر مثلا:

Ernest Gellner, Muslim Society, 1st ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1981), 1–2. 

[26] هذا الافتراض الذي يؤطر كثيرا من الدراسات حول الماوردي، ورد صريحا في تحليل واحد من رواد تاريخ الفكر السياسي الإسلامي:

“An independent political philosophy is not to be expected. The existence of the state as the political organization of the umma or jamāʿa, the Muslim community, is taken for granted.” Rosenthal, Political Thought, 24.

[27] ظهرت أيضا ترجمات جديدة للأحكام، منها ترجمة إلى الإنجليزية شملت الفصول السبعة الأولى من الكتاب في أطروحة دكتوراه نوقشت بجامعة إنديانا سنة 1978، لكن لم تنتشر ولم تعرف جيدا.

Darlene Rae May, “Al-Māwardī’s ‘Al-Aḥkām As-Sulṭāniyyah’: A Partial Translation with Introduction and Annotations” (PhD diss., Indiana University, 1978).

[28] يعتبر مقال لـدونالاد ليتل (Donald Little)، الذي نشر بداية سنة 1974، لحظة تقييم مهمة للدراسات حول الماوردي إلى حدود وقته. ومن أهم ملاحظات ليتل أن الدراسات السابقة، ما عدا أطروحة ميخائيل حنا (Hanna Mikhail)، التي ستناقشها المقالة لاحقا، ”قد اقتصرت على كتاب واحد من كتبه، وهو الأحكام، أو أسوأ من ذلك، انحصرت في فصل أو فصلين من هذا الكتاب، وبناء على ذلك أصدرت تعميمات شاملة حول فكر الماوردي في كليته حول المؤسسات السياسية وحول قيمته في الفكر السياسي. “

Donald P. Little, “A New Look at Al-Ahkām Al-Sultāniyya,” The Muslim World 64, no. 1 (January 1974): 6.

[29] الإمام أبو الحسن الماوردي (الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 1978).

[30] هذه الملاحظة تصدق على أدبيات عديدة مكتوبة بالعربية، حيث لم يتناول كتاب مثل درر السلوك، وإن كان هدفها هو استقصاء مصادر التراث السياسي الإسلامي. ينظر مثلا: نصر محمد عارف، في مصادر التراث السياسي الإسلامي: دراسة في إشكاليات التعميم قبل الاستقصاء والتأصيل، ط.1 (هيرندون، فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1994)، 137–139.

[31] يحدد بسيوني رسلان نصوص دراسته كما يلي: ”سيكون جل اعتمادنا في دراسة فكر الماوردي السياسي على عدة مؤلفات له أبرزها مؤلفه المبتكر والفريد حقا (الأحكام السلطانية) إلى جانب مؤلفاته الأخرى القيمة مثل (قوانين الوزارة وسياسة الملك)، و(نصيحة الملوك). “الفكر السياسي عند الماوردي (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1983)، 6. نفس النقد يتوجه إلى دراسات أخرى مثل دراسة فتحي أبو يوسف، الماوردي: عصره وفكره السياسي (القاهرة: مكتبة سعيد رأفت، 1990).

[32] الماوردي والاجتماع السياسي: دراسة سوسيولوجية-سياسية تحليلية، ط.1 (بغداد: بيت الحكمة، 2001).

[33] ورغم أهمية هذه الدراسات الموضوعية، خاصة التي استوفت منها موضوعا محددا في كتابات الماوردي، إلا أنها لم تهتم بإشكالية المقالة الحالية. من أمثلة هذه الدراسات، في موضوع التربية، الدراسة الآتية: علي خليل مصطفى، قراءة تربوية في فكر أبي الحسن البصري الماوردي من خلال كتاب أدب الدنيا والدين، ط.1 (جدة: دار المجتمع للنشر والتوزيع، 1411هـ/1990م).

[34] Mohammed Arkoun, Essais sur la pensée islamique, 3ème édition (Paris: Éditions Maisonneuve et Larose, 1973), 251-281.

[35] Majid Fakhry, Ethical Theories in Islam (Leiden: Brill, 1994), 158-167.

[36] حنا ميخائيل، السياسة والوحي: الماوردي وما بعده، تعريب شكري رحَيم، ط.1 (بيرت: دار الطليعة، 1997).

[37] Hanna Mikhail, Politics and Revelation: Māwardī and After (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1995), xxx.

[38] Ibid., xxxi-xxxii.

[39] Ibid., xxxi.

[40] العلوي، دولة الخلافة: دراسة في التفكير السياسي عند أبي الحسن الماوردي (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2010)، 121–122.

[41] العلوي، دولة الخلافة، 128.

[42] العلوي، دولة الخلافة، 129.

[43] العلوي، دولة الخلافة، 144.

[44] العلوي، دولة الخلافة، 129-130.

[45] ومن أمثلة ذلك أن الماوردي يردد فكرة أن العقل والدين مصدران لصلاح الناس، وهي من الأفكار الأساسية في ”رسالة الصحابة. “يقول ابن المقفع في بداية الحديث عن الفكرة إن ”الله جعل أقوام الناس وصلاح معاشهم ومعادهم في خلتين: الدين والعقل.” “رسالة ابن المقفع في الصحابة،“ ضمن آثار ابن المقفع (بيروت: دار الكتب العلمية، 1989)، 313.

[46]  العلوي، دولة الخلافة، 124.

[47] Aḥmad Mubārak al-Baghdādī, “The Political Thought of Abū Al-Ḥasan al-Māwardī” (PhD diss., University of Edinburgh, 1981), 59-61.

[48] الماوردي: رائد الفكر السياسي الإسلامي (الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة للنشر، 2001).

[49] رضوان السيد، الأمة والجماعة والسلطة: دراسة في الفكر السياسي العربي الإسلامي، ط.2 (بيروت: دار اقرأ، 1986)، 15–16. أشكر أستاذنا الكبير رضوان السيد على إهدائي نسخة ورقية لهذا الكتاب المهم، والذي لم أقف على نسخة منه ربيع 2022م لما كنت أكتب أطروحتي للدكتوراه حول الماوردي.

[50] رضوان السيد، ”الماوردي (364–450هـ/974–1058م): الرجل والعصر،“ ضمن أبو الحسن الماوردي، قوانين الوزارة وسياسية الملك، تحقيق رضوان السيد، ط.1 (بيرت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1979)، 5–114؛ وكذا ”تقديم،“ ضمن أبو الحسن الماوردي، تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك، تحقيق رضمان السيد، ط.2 (بيروت: مركز ابن الأزرق لدراسة التراث السياسي، 1432هـ/2012م)، 5–116.

[51] السيد، ”المدينة والدولة في الإسلام: دراسة في رؤيتي الماوردي وابن خلدون،“ الجماعة والمجتمع والدولة، 335–356.

[52] فعلى غير ما يبدو من بينة كتاب مثل تسهيل النظر الذي قسم إلى شق أول حول أخلاق الملك وقسم ثان حول قضايا الملك والتدبير، فقد انتهى السيد، بناء على تتبع منهج الماوردي في كتاباته خاصة أدب الدنيا والدين، إلى أن فكره السياسي قد بني على نظرية اجتماعية، وليس منسوجا على نمط تدبير المنزل في الفلسفة العملية، والذي يرى أن اقتدار الملك على تدبير نفسه وبيته يمكنه من تدبيره الأمور العامة. السيد، ”تقديم،“ 7.

[53] رضوان السيد، ”أبو الحسن الماوردي: دراسة في رؤيته الاجتماعية،“ ضمن الجماعة والمجتمع والدولة: سلطة الأيديولوجيا في المجال السياسي العربي الإسلامي، ط.2 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1428/2007)، 269–334.

[54] السيد، ”تقديم،“ 9–116.

[55] السيد، ”تقديم،“ 12.

[56] في تحقيق السيد لكتاب نصيحة الملوك، تشبث بكون الكتاب يعود للماوردي وأنه كتابه الأول نظرا لكثرة النقول فيه وضعف بنائه كما في نصوص الماوردي الأخرى. لكنه صرح أيضا في التقديم الذي كتبه سنة 2016 بأنه لم يقف بعد على درر السلوك، وربما الوقوف على هذا النص يبرز العلاقة بينه وبين تسهيل النظر وكذا نصيحة الملوك. والأمر كما توقع السيد، فـدرر السلوك، كما سلف هو كتاب الماوردي الأول، ولا يصح مع ذلك كون النصيحة كتابه الأول. كما أن السيد قد بين أن تبني صاحب النصيحة لآراء حنفية في مسائل فقهية في الكتاب تبقى إشكالية. ينظر: رضوان السيد، ”في التقديم،“ ضمن أبو الحسن الماوردي، نصيحة الملوك، تحقيق رضوان السيد (بيروت: مركز ابن الأزرق لدراسة التراث السياسي، 1437هـ)، 24–31. وربما يعيد السيد مراجعة الرأي في تحقيقه الذي يكتبه عن الأحكام السلطانية، وفي كتابه الذي يشتغل عليه حول حياة الماوردي.

[57] Makram Abbès, Islam et politique à l’âge classique (Paris: Presses Universitaires de France, 2009).

[58] Makram Abbès, De l’éthique du prince et du gouvernement de l’état (Paris: Les Belles Lettres, 2015).

ترجمة عباس لتسهيل النظر إلى الفرنسية تعد ثاني ترجمة تظهر لكتاب من كتب الماوردي إلى لغة أوروبية منذ ظهور الأحكام السلطانية في منتصف القرن التاسع عشر في عدة لغات أوروبية، ولعها ترجمة تقدم صورة جديدة للماوردي تختلف عن صورته الفقهية التي تأسست بفعل الاهتمام بـالأحكام السلطانية.

[59] حول هذا الفصل الذي شدد عليه عباس، يقول:

“Il est important de montrer comment tout en étant juriste, il arrive à respecter les codes propres au genre de Miroirs sans chercher à lui imposer une approche qui lui serait étrangère. Ce point peut être illustre par la question de la légitimité institutionnelle, religieuse ou traditionnelle, si caractéristique de l’approche des juristes et des théologiens, mais qui n’est pas abordé dans Du l’éthique du Prince et du gouvernement de l’État. Ici, on s’installe d’emblée dans les réalités du pouvoir selon lesquelles la légitimité revient au Prince conquérant ayant réussi à s’imposer par la force des armes.” Du l’éthique du prince et du gouvernement de l’état, 30.

[60]  تحديد هذا التاريخ يعود إلى ذكر الماوردي ولدي بهاء الدولة؛ فقد ذكرت المصادر التاريخية أنه ولد لبهاء الدولة ولدان يوم الإثنين 8 ذي الحجة 392هـ/19 أكتوبر 1002م، وذكر الماوردي لولدي بهاء الدولة في المقدمة يشير إلى تقارب حدثي ولادة ولدي بهاء الدولة في التاريخ المذكور في المصادر وتأليف الماوردي للدرر أو إتمامه وإهدائه لبهاء الدولة. أبو علي مسكويه الرازي، تجارب الأمم، تحقيق أبو القاسم امامي، ط.1 (طهران: دار سروش، 2001)، ج.7: 516.

[61] اهتم بعض الدارسين بتواريخ كتابات الماوردي؛ ومن أهم من قام بمحاولات في الباب أبو بكر البغدادي ثم رضوان السيد. والترتيب التاريخي لنصوص الماوردي الذي أتبناه هنا يبني على هذه المحاولات، لكن يختلف معها. فكل من البغدادي والسيد لم يدرجا كتاب درر السلوك في لائحة مؤلفات الماوردي، بل اعتبرا نصيحة الملوك كتابه الأول، مع أن صحة نسبته إليه قد انتقدت من لدن الدارسين، كما تأتي أسماؤهم في الإحالة الموالية. وهذا النقد تظهر صلابته حينما يدرس كتاب درر السلوك ضمن متن الماوردي الذي ثبتت نسبته إليه، فيتبين أن النصيحة هو لا شك لمؤلف مختلف.

[62] تكلف فؤاد عبد المنعم أحمد ببيان هذا الجانب في نقده الذي يعد أول من تطرق لمسألة نسبة النصيحة للماوردي في عملين: أبو الحسن الماوردي وكتاب (نصيحة الملوك) (الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، د.ت.)، و”مقدمة التحقيق والدراسة،“ ضمن نصيحة الملوك المنسوب لأبي الحسن الماوردي (الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 1988)، 5–33. وقد اقترح أحمد أن النصيحة من وضع أبي زيد البلخي (ت. 322هـ/934م). ”مقدمة التحقيق والدراسة،“ 33.

[63]  بناء على دراسة نشرت سنة 2007، بنى المتخصص في ”مرايا الملوك“ لويس مارلو (Louise Marlaw) على نتائج بحث فؤاد عبد المنعم أحمد، وعلى لغة النص وأسلوبه وتركيزه على التاريخ السياسي لخراسان والحكام السامانيين، اقترح أن الكتاب يعود إلى الفترة السامانية، وبالضبط خلال فترة حكم نصر بن أحمد (301–331هـ/914–943م).

Louise Marlaw, “A Samanid Work of Counsel and Commentary: The Naṣīḥat al-mulūk of Pseudo-Māwardī,” Iran 45 (2007): 181–192.

وقد توصل حسن أنصاري إلى نفس الفكرة لكنه رد اقتراح أحمد بأن النصيحة من احتمال تأليف أبي زيد البلخي، ورأى أن المؤلف هو متأخر قليلا عن البلخي، وأنه قد يكون أحد تلامذة صديق البلخي، أبي القاسم الكعبي (ت. 319هـ/931م)، وعين أبا الحسن علي بن محمد الحشّائي البلخي على أنه المؤلف المحتمل. ”يك انديشه نامه سياسي ارزشمند معتزلي از خراسان دوران سامانيان،“ بررسى هى تاريخى، د. ت.، https://ansari.kateban.com/post/1951?post=1951.

وفي دراسة لاحقة، اعتقد مارلو أن النصيحة مرتبط بأبي زيد البلخي نفسه وبصديقه أبي القاسم الكعبي، وليس لأحد تلامذة الكعبي. ينظر:

Louise Marlow, “Abū Zayd al-Balkhī and the Naṣīḥat al-mulūk of Pseudo-Māwardī,” Der Islam 93, no. 1 (2016): 35–64.

هذه الدراسة هي عصارة بحث مفصل حول النصيحة أعده مارلو في أطروحته للدكتوراه، ونشر في جزأين سنة 2016:

Counsel for Kings: Wisdom and Politics in Tenth-Century Iran: Volume I: The Naṣīḥat al-mulūk of Pseudo-Māwardī: Contexts and Themes (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2016); Counsel for Kings: Wisdom and Politics in Tenth-Century Iran: Volume II: The Naṣīḥat al-mulūk of Pseudo-Māwardī: Texts, Sources and Authorities (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2016).

[64] لم يحظ هذا الكتاب بالدراسة اللازمة رغم أهميته. فقد كتب عنه مقال واحد بالإنجليزية، ينظر:

Christopher Melchert, “Māwardī’s Legal Thinking,” Al-ʿUṣūr al-Wusṭā 23 (2015): 68-86.

[65] أبو الحسن الماوردي، الإقناع في الفقه الشافعي، حققه وعلق عليه عن نسخة وحيدة في العالم خضر محمد خضر (طهران: دار إحسان للنشر والتوزيع، 1420هـ).

[66] نقل عن الماوردي أنه كان ”يقول: بسطت الفقه في أربعة آلاف ورقة وقد اختصرته في أربعين، يريد بالمبسوط كتاب الحاوي وبالمختصر كتاب الإقناع. “ ابن الجوزي، المنتظم، ج.16: 41.

[67]  كون الإقناع قد كتب بطلب من الخليفة القادر انفرد به الحموي عن بقية مصادر ترجمة الماوردي، وهو من ”مجموع لبعض أهل البصرة“ الذي نقل منه بعض التفاصيل حول حياة الماوردي لم ترد عند غيره. الحموي، معجم الأدباء، ج.5: 1956.

[68] من الأحداث التي يذكرها الماوردي عن نفسه أنه انتهى مرة من تصنيف كتاب في البيوع وأعجب به، ثم حضره أعرابيان في مجلسه ولم يستطع حل قضايا متعلقة بعقد عقداه في البادية. ففي القصة إثبات كون الماوردي قد صنف وأتم كتابا في فقه البيوع قبل أدب الدنيا والدين، وفيها أيضا يخاطب الأعرابيان الماوردي بما يفيد استقرار إمامته في الفقه إذ وصفاه بـ ”زعيم هذه الجماعة. “أدب الدنيا والدين، 84.

[69] أبو الحسن الماوردي، الأمثال والحكم، تحقيق فؤاد عبد المنعم أحمد، ط.1 (الرياض: دار الوطن للنشر، 1999).

[70] السيد، ”مضامين الكتاب ومخطوطته،“ ضمن تسهيل النظر، 103.

[71] الملاحظة نفسها تسري على كتاب الماوردي في التفسير والفقه. فمنهجية الماوردي في التفسير، والتي تقوم على اختصار الأقوال المنقولة مع إضافة تفسيره الخاص، نجدها أيضا متبعة في كتاب الحاوي. لكن يعسر أن نحسم أن كتاب التفسير سابق ثم تلاه بعد ذلك كتاب الحاوي، وأن الماوردي قد نقل من تفسيره في الحاوي؛ فربما طور الماوردي منهجية واتبعها في الكتابين معا. فالأمر نفسه يمكن أن يكون هو الحاصل بين كتبه في الأخلاق والأدب السياسي، خاصة بين ترتيب مأثورات الأمثال والحكم في كتابه بهذا العنون، والنقول الواردة في كتاب أدب الدنيا والدين.

[72] نشر الكتاب مرتين، واحدة بتحقيق محيي الدين سرحان وأخرى بتحقيق رضوان السيد. كلاهما اعتمد على نسختين خطيتين، لكن هناك نسخة ثالثة غير مكتملة لم يتوصلا إليها، متوفرة لدى مكتبة جامعة بينسلفانيا. المقارنة الأولية لهذه النسخة الثالثة والنشرتين المذكورتين تعين على تقويم عبارات في بداية الكتاب، ولذا سأنقل من المخطوط في هذه الدراسة حيث تبدو الحاجة إلى ذلك، وأحيانا من تحقيق رضوان السيد.

[73] الماوردي، تسهيل النظر، 272–273.

[74]  أشتغل على إعداد دراسة مقارنة بين هذين النصين، وتبين سياقات تطور أفكار الماوردي من النسخة الأولى إلى الثانية من الكتاب.

[75] Gibb, “Al-Māwardī’s Theory of the Khilafah,” 152.

[76] يقول الماوردي: ”فإن لكل ملة سيرة ولكل زمان سريرة، فلم يغن ما سلف عن مؤتنف يوضح من الشريعة عهودها ومن السياسة معهودها ليكون للدين موافقا وللدنيا مطابقا. “ تسهيل النظر وتعجيل الظفر، فيلاديلفيا، مكتبة جامعة بنسلفانيا، مخطوط ر. UPenn LJS 405، ورقة 2و. فالماوردي في تسهيل النظر قد اقتصر في توضيح السياسة وفن الحكم، ما يشر أنه كان منشغلا أيضا بوضع كتاب في ”عهود الشريعة“ وهو ما تكلف به الأحكام بشكل واضح.

[77]  أبو الحسن الماوردي، أعلام النبوة، ط.1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1406هـ).

[78] أبو الحسن الماوردي، النكت والعيون، تحقيق السيد عبد المقصود بن عبد الرحيم، 6 ج. (بيروت: دار الكتب العلمية، د. ت.).

[79]  التحفة الملوكية في الآداب السياسية المنسوبة إلى الإمام أبي الحسن الماوردي (المتوفى عام 450هـ)، تحقيق ودراسة فؤاد عبد المنعم (الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، د. ت.).

[80] Ovamir Anjum, Politics, Law, and Community in Islamic Thought: The Taymiyya Moment (Cambridge: Cambridge University Press, 2012), 16–17.

[81] ليس هذا التصور الخاطئ عن مفهوم الأدبي منحصرا في الدراسات حول الماوردي. ففي مناقشة التفكير الأدبي لدى الجاحظ حدد عبد الله العروي تصوره لموقع الأدب في الثقافة الكلاسيكية بصورة مختلفة عن الكيفية التي بها يستعمل بها المفهوم في كتابات الماوردي وعن بنية المعرفة الأخلاقية والاجتماعية لديه. يقول عبد الله العروي: ”لا يوجد أحد لا يفتخر ويعتز ويلتذ بالجاحظ وأسلوبه، لكن الواقع هو أن الذهنية التي يمثلها رفضت رفضا باتا لا رجعة فيه وبالإجماع. بل نظر إليها كعنوان الزندقة وضعف العزيمة والعهارة الفكرية. وإدا صح أنها تركت بصماتها في ميدان الآداب، فلأن الآداب كانت تحتل مكانة دنيا في سلم الثقافة الرسمية وتعتبر مشغل السفهاء وأصحاب البطالة.“ مفهوم العقل، ط.3 (الدار البيضاء-بيروت: المركز الثقافي العربي، 2001)، 95.

[82] الماوردي، أدب الدنيا والدين، 148.

[83] من أولى وأهم الدراسات الاستشراقية التي درست تطور معاني الأدب في القرون الأولى:

Carlo-Alfonso Nallino, La littérature arabe des origines à l’époque de la dynastie umayyade: leçons professées en arabe à l’Université du Caire, traduit par Charles Pellat, vol. 6. Islam d’hier et d’aujourdui (Paris: G. P. Maisonneuve, 1950).

وقد بنت عليه الدراسات الغربية اللاحقة.

[84] السيد الشريف الجرجاني، معجم التعريفات، تحقيق محمد صديق المنشاوي (القاهر: دار الفضيلة، د.ت.)، 16.

[85] يرى كيليطو أن الأدب بمعناه القديم ”نمطا خطابيا ‘un type de discours’ ينبغي التنقيب عن مكوناته البنيوية. فعند ابن المقفع تدل الكلمة على ما يجب التحلي به من الأخلاق والفضائل، وعلى النسق الذي يجب مراعاته في المعاملات مع الغير. الأدب بهذا المعنى له صبغة تعليمية والنص الذي يحقق هذه الصفة تغلب عليه صيغة الأمر والنهي. بهذا المعنى نجد كثيرا من الأنواع تندرج تحت نمط خطابي يمتاز بهذه الخاصية البنيوية “ الأدب والغرابة: دراسات بنيوية في الأدب العربي (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2006)، 21.

[86] الماوردي، أدب الدنيا والدين، 148. مفاهيم فلسفية أخرى مثل العدل يمكن أن تبين هذه الصلات بين أنواع الخطاب المعياري لدى الماوردي.

[87] الأدب بهذا المعنى لم يكن مجرد إطار معرفي عند الماوردي، بل كان مصدرا لتطوير الأفكار العلمية والأخلاقية والاجتماعية. ولذلك نجد ابن خلدون يتعمد التراث الأدبي السياسي لتطوير نظرياته الاجتماعية والسياسية، حتى وإن افتقرت بعض تلك النصوص إلى البرهنة المنهجية الصارمة. فهو يقر، مثلا، بأن رائد الأدب السياسي، ابن المقفع، قد أودع في ”رسائله من ذكر السياسات الكثير من مسائل كتابنا هذا، غير مبرهنة كما برهناه. إنما يجلبها في الذكر على منحى الخطابة في أسلوب الترسيل وبلاغة الكلام.“ عبد الرحمن ابن خلدون، المقدمة، حققها وقدم لها وعلق عليها عبد السلام الشدادي (الدار البيضاء: خزانة ابن خلدون، بيت الفنون والعلوم والآداب، 2005)، ج .1، 59 .

[88] الماوردي، أدب الدنيا والدين، 148.

[89] الماوردي، أدب الدنيا والدين، 148–149. في حين ركز بعض الباحثين، مثل ميخائيل، على الجوانب الفقهية والقانونية للعدل، متأثرين بالنزعة الاستشراقية التي حصرت الفكر السياسي الإسلامي في إطار الشريعة، فإن مفهوم العدل عند الماوردي يتجاوز هذه الحدود ليشمل القيم الأخلاقية والاجتماعية والسياسية.

[90] Abbès, Du l’éthique du prince et du government de d’état, 30.

المدخل الاجتماعي الذي اقترحه رضوان السيد (والذي يجعل فيه النظرية السياسية لدى الماوردي مبنية على نظرية اجتماعية) يمثل أيضا نقدا قويا للفصل المنهجي الذي افترضه عباس.

[91] يمكن أن يعتبر مفهوم الألفة في بعض استعمالات الماوردي مقابلا للسعادة في كتابات الفلاسفة الأخلاقيين في المرحلة الكلاسيكية.

[92] لعلي سأعود في دراسة لاحقة إلى مقارنة موسعة بين مفهوم الأدب لدى الماوردي وغيره، خاصة من خلال نقد ابن خلدون لغلبة الوعظ دون البرهان في كتابات ابن المقفع والطرطوشي. وأشكر أحد المراجعين على التركيز على هذه النقطة.

[93]  ففي سنة 402هـ/1011م، لما نشر القادر إعلانه الذي يرد فيه على ادعاء الفاطميين النسب الشريف إلى آل البيت وفند مذهبهم، كان ممن حضر مجلسه ووقع على الإعلان ”خلق كثير من العلويين،“ بمن فيهم العالمان البارزان الشريف الرضي (ت. 406هـ/1015م) والشريف المرتضى (ت. 436هـ/1044م). ابن الجوزي، المنتظم، ج.15: 82–83.

[94] George Makdisi, “Sunni Revival,” in Islamic Civilization, 950-1150, ed., D. H. Richards (Oxford: Bruno Cassirer, 1973), 155–156.

بخصوص أنشطة الحنابلة في هذه المرحلة، ينظر عمل مقدسي:

George Makidisi, Ibn ‘Aqil et la résurgence de l’Islam traditionalle au XIe siècle (Ve siècle de l’Hégire) (Damascus: Institut Français de Damas, 1963).

[95] بخصوص تراجع الإنتاج الفلاحي الذي كان هو العمود الفقري للدولة العباسي، ينظر، مثلا:

Michele Campopiano, “State, Land Tax and Agriculture in Iraq from the Arab Conquest to the Crisis of the Abbasid Caliphate (Seventh-Tenth Centuries),” Studia Islamica 107, no. 1 (2012), 1–37.

[96] ابن الأثير، الكامل، 8: 47.

[97] ابن الأثير، الكامل، 8: 133.

[98] الماوردي، أعلام النبوة، 5–14.

[99] الماوردي، تسهيل النظر، تحقيق السيد، 251–252.

[100] ولذلك بعد نقل حكمة تقضي بأن ”الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم،“ عقب الماوردي قائلا: ”ولا ينقض هذا القول ما قدمناه من اعتبار الدين في قواعد الملك، لأن الكفر تدين بباطل، والإيمان تدين بحق، وكلاهما دين معتقد، وإن صح أحدهما وبطل الآخر. “ تسهيل النظر، 177.

[101] يذهب رضوان السيد أن الدين مرتبط، إلى حد الاختلاط، مع مفهومي العقل والسلطة عند الماوردي. ينظر، المجتمع والجماعة والدولة، 282–306.

[102] الماوردي، درر السلوك في سياسة الملوك، 45.

[103] الماوردي، أدب الدنيا والدين، 150-151.

[104] الماوردي، تسهيل النظر، 125–126.

[105] يقول الماوردي: ”فإن لكل ملة سيرة ولكل زمان سريرة، فلم يغن ما سلف عن مؤتنف يوضح من الشريعة عهودها ومن السياسة معهودها ليكون للدين موافقا وللدنيا مطابقا.“ تسهيل النظر وتعجيل الظفر، مخطوط ر. UPenn LJS 405، ورقة 2و.

[106] الماوردي، الأحكام، 3–29. هذا وإن كان الماوردي في بداية الكتاب قد كتب بأن الله ”ندب للأمة زعيما خلف به النبوة“ فإنه انتداب تشريعي، وليس انتدابا النعمة، لأنه في تفصيل هذا الانتداب جعله عقدا يبرم وينقض بين الأمة ومن تختاره. وهذا التعاقد غائب عن الانتداب الإلهي الذي نجده في بداية درر السلوك، والذي هو محض نعمة على من فرض نفسه حاكما. وقد ناقش السيد المسألة أيضا من جهة مفاهيم العقل والدين لدى الماوردي، حيث لاحظ أنه بخلاف الفلاسفة القائلين بالعقل غير المادي، والذي يؤدي إلى جعل السلطة والعقل حكرا على طبقة معينة ”يشيع الدين ويشيع العقل عند الماوردي في المجتمع كله وبالتساوي؛ فتكون السلطة حقا من حقوق المجتمع لا ميزة طبيعية لفرد من أفراده أو قلة من وجهائه. “الجماعة والمجتمع والدولة، 305.

مقالات ذات صلة

نحو الوحدة الاصطلاحية في ترجمة ”المفصّل في الحجاج“

نحو الوحدة الاصطلاحية في ترجمة ”المفصّل في الحجاج“

Toward Terminological Unity in the Translation of The New Rhetoric Naḥwa al-waḥda al-iṣṭilāḥiyya fī tarjamat al-Mufaṣṣal fī al-ḥijāj نحو الوحدة الاصطلاحية في ترجمة ”المفصّل في الحجاج“ محمد قنديلجامعة ابن طفيل، القنيطرة Mohammed Kandil Ibn Tofail University, Kénitra...

آراء الفيلسوف أبي الحسن العامري (ت.381هـ/922م) في النفس الإنسانية

آراء الفيلسوف أبي الحسن العامري (ت.381هـ/922م) في النفس الإنسانية

Ārāʾ al-faylasūf Abī al-Ḥasan al-ʿĀmirī (d. 381 H/992 M) fī al-nafs al-insānīyah Abū al-Ḥasan al-ʿĀmirī (d. 381/992) on The Human Soul: A Philosophical Inquiry آراء الفيلسوف أبي الحسن العامري (ت.381هـ/ 922م) في النفس الإنسانية[1] بلال مدريرالأكاديمية الجهوية للتربية...

النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)

النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)

The Second Maghribi Logical Revival: Muḥammad al-Sharīf al-Tilmisānī (710–771/1310–1370) al-Nahḍa al-Manṭiqiyya al-Maghribiyya al-Thāniya:Muḥammad al-Sharīf al-Tilimsānī (710–771/1310–1370) النهضة المنطقية المغربية الثانية: محمد الشريف التلمساني (710-771هـ/1310-1370م)...

الإسهام الإصلاحي في الفلك لجابر بن أفلح الإشبيلي: موقع كوكبي الزهرة وعطارد نموذجًا

الإسهام الإصلاحي في الفلك لجابر بن أفلح الإشبيلي: موقع كوكبي الزهرة وعطارد نموذجًا

The Reformist Contribution of Jābir ibn Aflaḥ al-Ishbīlī to Astronomy: Venus and Mercury as a Case Study al-Ishām al-iṣlāḥī fī al-falak li-Jābir b. Aflaḥ al-Ishbīlī: Mawqiʿ kawkabay al-Zuhra wa-ʿUṭārid namūdhajan الإسهام الإصلاحي في الفلك لجابر بن أفلح الإشبيلي:موقع...

مفهوم البراديغم من خلال فلك ابن الهيثم

مفهوم البراديغم من خلال فلك ابن الهيثم

The Concept of Paradigm in Ibn al-Haytham's Astronomy Mafhūm al-Parādīghm min khilāl falak Ibn al-Ḥaytham مفهوم البراديغم من خلال فلك ابن الهيثم   فتاح مكاويFatah Mekkaoui   جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاسSidi Mohamed Ben Abdellah University, Fez  الملخص: يعتبر...

في مشروعية الكلام السني ضدا على إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (ت.505هـ/1111م): قطعة من موسوعة الأسرار والعبر لأبي بكر الطرطوشي (ت.520هـ/1126م)، تعريفٌ وتوصيف

في مشروعية الكلام السني ضدا على إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (ت.505هـ/1111م): قطعة من موسوعة الأسرار والعبر لأبي بكر الطرطوشي (ت.520هـ/1126م)، تعريفٌ وتوصيف

On the Legitimacy of Sunni Theology against Abū Ḥāmid al-Ghazālī’s Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn (d. 505/1111): A Section from Abū Bakr al-Ṭurṭūshī’s al-Asrār wa-l-ʿIbar (d. 520/1126) - Introduction and Description Fī Mashrūʿiyyat al-Kalām al-Sunnī Ḍiddan ʿalā Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn...

منهج الغزالي في التأليف في علم المنطق

منهج الغزالي في التأليف في علم المنطق

Al-Ghazālī’s Methodology in His Writings on Logic Manhaj al-Ghazālī fī al-Taʾlīf fī ʿIlm al-Manṭiq منهج الغزالي في التأليف في علم المنطق محمد رويMohamed Roui جامعة عبد الملك السعديUniversité Abdelmalek Essaadi  ملخص: تتناول هذه الدراسة معالم منهج أبي حامد الغزالي...

المنطق في الحضارة الإسلاميّة

المنطق في الحضارة الإسلاميّة

المنطق في الحضارة الإسلاميّة خالد الرويهبKhaled El-Rouayheb جامعة هارفارد-كمبريدجHarvard University-Cambridge  ملخص: ”المنطق في الحضارة الإسلامية“ لخالد الرويهب (جامعة هارفارد بكمبريدج) هي في الأصل محاضرة بالعربية ألقيت في مؤسسة البحث في الفلسفة العلوم في...

مكانة ”الالتباس“ في الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الكلاسيكي: بواكير منظور جديد

مكانة ”الالتباس“ في الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الكلاسيكي: بواكير منظور جديد

Navigating Ambiguity: Exploring the Role of Uncertainty in the Classical Arab-Islamic Culture Makānat Al-Iltibās fī al-Thaqāfah al- ʿArabiyya al-Islāmiya Fī ʿAṣrihā al-Klāsīkī:Bawākīr Manẓūr Jadīd مكانة ”الالتباس“ في الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الكلاسيكي بواكير...

أثر فلسفة ابن رشد في الكلام الأشعري المغربي: دراسة في المنجز حول فكر أبي الحجاج يوسف المكلاتي (ت.626هـ/1229م)

أثر فلسفة ابن رشد في الكلام الأشعري المغربي: دراسة في المنجز حول فكر أبي الحجاج يوسف المكلاتي (ت.626هـ/1229م)

The Impact of Ibn Rushd's (Averroes’) Philosophy on Maghribi Ashʿarī KalāmCurrent State of Studies on al-Miklātī (d.626/1229) Athar Falsafat Ibn Rushd fī al-Kalām al-Ashʿarī al-Maghribī: Dirāsa fī al-Munajaz ḥawl Fikr Abī al-Hajjāj Yusuf al-Miklatī (626/1229) Majda...

مشاركة / Share
error: Content is protected !!